المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الخامس
الصفحة 827 · ص. المطبوع 14
812 - مَسْأَلَةٌ :
وَأَمَّا حَجُّ الْعَبْدِ ، وَالْأَمَةِ ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ، وَمَالِكًا ، وَالشَّافِعِيَّ قَالُوا : لَا حَجَّ عَلَيْهِ فَإِنْ حَجَّ لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنِ حَنْبَلٍ : إذَا عَتَقَ بِعَرَفَةَ أَجْزَأَتْهُ تِلْكَ الْحَجَّةُ ; وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : عَلَيْهِ الْحَجُّ كَالْحُرِّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا عَنْ جَابِرٍ ، وَابْنِ عُمَرَ قَالَ أَحَدُهُمَا : مَا مِنْ مُسْلِمٍ ، وَقَالَ الْآخَرُ : مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إلَّا عَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ ; فَقَطَعَا وَعَمَّا وَلَمْ يَخُصَّا إنْسِيًّا مِنْ جِنِّيٍّ ، وَلَا حُرًّا مِنْ عَبْدٍ ، وَلَا حُرَّةً مِنْ أَمَةٍ ، وَمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِمَا تَخْصِيصَ الْحُرِّ ، وَالْحُرَّةِ ; فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِمَا ; وَلَا أَقَلَّ حَيَاءً مِمَّنْ يَجْعَلُ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ { ۝ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ } حُجَّةٌ فِي إسْقَاطِ فَرْضِ الْعُمْرَةِ - وَهُوَ حُجَّةٌ فِي وُجُوبِ فَرْضِهَا كَمَا ذَكَرْنَا - وَلَا يَجْعَلُ قَوْلَهُ : مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إلَّا عَلَيْهِ : حَجَّةٌ ، وَعُمْرَةٌ - : حُجَّةٌ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْعَبْدِ . 14 فَإِنْ قِيلَ : لَعَلَّهُمَا أَرَادَا إلَّا الْعَبْدَ ؟ قِيلَ : هَذَا هُوَ الْكَذِبُ بِعَيْنِهِ أَنْ يُرِيدَا إلَّا الْعَبْدَ ثُمَّ لَا يُبَيِّنَانِهِ ; وَأَيْضًا : فَلَعَلَّهُمَا أَرَادَا إلَّا الْمُقْعَدَ ، وَإِلَّا الْأَعْمَى ، وَإِلَّا الْأَعْوَرَ ، وَإِلَّا بَنِي تَمِيمٍ ، وَإِلَّا أَهْلَ إفْرِيقِيَةَ ، وَهَذَا حَقٌّ لَا خَفَاءَ بِهِ ; وَلَا يَصِحُّ مَعَ هَذِهِ الدَّعْوَى قَوْلَةٌ لِأَحَدٍ أَبَدًا .
وَلَعَلَّ كُلَّ مَا أَخَذُوا بِهِ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ ; وَلَكِنَّهُمْ أَرَادُوا تَخْصِيصًا لَمْ يُبَيِّنُوهُ وَهَذِهِ طَرِيقُ السُّوفُسْطَائِيَّة نَفْسِهَا ; وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ مَا لَمْ يَقُلْ إلَّا بِبَيَانٍ وَارِدٍ مُتَيَقَّنٍ يُنْبِئُ بِأَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ .
وَقَدْ ذَكَرُوا هَاهُنَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا } .
{ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } .
وَ { مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ } .
وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ; لِأَنَّهَا إنَّمَا دَمَّرَتْ بِنَصِّ الْآيَةِ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَدَمَّرَتْ مَا أَمَرَهَا رَبُّهَا بِتَدْمِيرِهِ لَا مَا لَمْ يَأْمُرْهَا .
وَمَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ ; فَإِنَّمَا جَعَلَتْ كَالرَّمِيمِ مَا أَتَتْ عَلَيْهِ لَا مَا لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ بِنَصِّ الْآيَةِ .
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ : لَا يَقْتَضِي إلَّا بَعْضَ الْأَشْيَاءِ ; لِأَنَّ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ ، فَمَنْ آتَاهُ اللَّهُ شَيْئًا مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَقَدْ آتَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ; لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ هُوَ الْعَالَمُ كُلُّهُ ; فَمَنْ أُوتِيَ شَيْئًا فَقَدْ أُوتِيَ مِنْ الْعَالَمِ كُلِّهِ - وَهَذَا بَيِّنٌ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَكَتَبَ إلَيَّ أَبُو الْمَرْجِيِّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِرٍّ الْمَصْرِيُّ قَالَ : نا أَبُو الْحَسَنِ الرَّحَبِيُّ - : نا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَاتِبُ نا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ المغلس نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نا أَبِي نا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ الْعُكْلِيُّ نا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ قَالَ : سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ الْعَبْدِ إذَا حَجَّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ؟ فَقَالَا جَمِيعًا : تُجْزِئُ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَإِذَا حَجَّ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لَمْ تُجْزِهِ ; وَبِهِ إلَى زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ أَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : إذَا حَجَّ الْعَبْدُ وَهُوَ مُخَلًّى فَقَدْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ لِلْعَبْدِ حَجًّا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا 15 وَكِيعٌ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : سَمِعْتُ شَيْخًا يُحَدِّثُ أَبَا إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ ثُمَّ مَاتَ أَجْزَأَ عَنْهُ وَإِنْ أَدْرَكَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ ، وَأَيُّمَا مَمْلُوكٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ ثُمَّ مَاتَ أَجْزَأَ عَنْهُ وَإِنْ عَتَقَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا مُرْسَلٌ ، وَعَنْ شَيْخٍ لَا يُدْرَى اسْمُهُ وَلَا مَنْ هُوَ .
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ خِرْزَادٍ الْأَنْطَاكِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ الضَّرِيرِ نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ نا شُعْبَةُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ لَمْ يَبْلُغْ الْحِنْثَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى } .
قَالَ عَلِيٌّ : وَهَذَا خَبَرٌ رَوَاهُ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ خَرَّزَاذٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ شُعْبَةَ ، وَمَنْ هُوَ إنْ لَمْ يَكُنْ فَوْقَ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ لَمْ يَكُنْ دُونَهُ عَنْ شُعْبَةَ فَأَوْقَفَهُ أَحَدُهُمَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَسْنَدَهُ الْآخَرُ بِزِيَادَةٍ : نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ نُبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ ، قَالَ ابْنُ الْمِنْهَالِ : نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ نا شُعْبَةُ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ : نا شُعْبَةُ ، ثُمَّ اتَّفَقَا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أُمِّ ظَبْيَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ : عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ۝ إذَا حَجَّ الصَّبِيُّ لَهُ فَهِيَ حَجَّةُ صَبِيٍّ حَتَّى يَعْقِلَ ، فَإِذَا عَقَلَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى ، وَإِذَا حَجَّ الْأَعْرَابِيُّ فَهِيَ لَهُ حَجَّةُ أَعْرَابِيٍّ ، فَإِذَا هَاجَرَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى } .
وَأَوْقَفَهُ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ - وَأَوْقَفَهُ أَيْضًا : سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ .
وَأَوْقَفَهُ أَيْضًا : أَبُو السَّفَرِ ، وَعُبَيْدٌ صَاحِبُ الْحُلَى ، وَقَتَادَةُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : إنْ كَانَ هَذَا الْخَبَرُ حُجَّةً فِي أَنْ لَا يُجْزِئَ الْعَبْدَ حَجُّهُ فَهُوَ حُجَّةٌ فِي أَنْ لَا يُجْزِئَ الْأَعْرَابِيَّ حَجُّهُ وَلَا فَرْقَ ; وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّابِتُ عَنْهُ كَمَا أَوْرَدْنَا .
وَكَذَلِكَ أَيْضًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ 16 أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ فِي إعَادَةِ الْحَجِّ عَلَى الصَّبِيِّ إذَا احْتَلَمَ ، وَعَلَى الْعَبْدِ إذَا عَتَقَ ، وَعَلَى الْأَعْرَابِيِّ إذَا هَاجَرَ - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ .
كَمَا رُوِّينَا عَنْ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ : الصَّبِيُّ إنْ حَجَّ ، وَالْمَمْلُوكُ إنْ حَجَّ ، وَالْأَعْرَابِيُّ إنْ حَجَّ ، ثُمَّ هَاجَرَ الْأَعْرَابِيُّ ، وَاحْتَلَمَ الصَّبِيُّ ، وَعَتَقَ الْعَبْدُ فَعَلَيْهِمْ الْحَجُّ .
وَقَالَ عَطَاءٌ : أَمَّا الْأَعْرَابِيُّ فَيُجْزِئُهُ حَجُّهُ ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ ، وَالْمَمْلُوكُ فَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ .
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : لَا يُجْزِئُ الْعَبْدَ حَجُّهُ إذَا أُعْتِقَ ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى ، وَأَمَّا الْأَعْرَابِيُّ فَيُجْزِئْهُ حَجُّهُ .
وَقَدْ رُوِّينَا أَيْضًا مِثْلَ هَذَا عَنْ الْحَسَنِ ، وَعَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَطَاوُسٍ ، وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ التَّابِعِينَ رُوِيَ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ غَيْرَ مَا أَوْرَدْنَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَمَنْ أَعْجَبُ شَأْنًا مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِجْمَاعَ فِي هَذَا وَلَيْسَ مَعَهُ فِيهِ إلَّا خَمْسَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ ، أَحَدُهُمْ مُخْتَلَفٌ عَنْهُ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ رُوِّينَا مِثْلَ قَوْلِنَا عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَعَنْ اثْنَيْنِ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَهُمْ قَدْ خَالَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كُلَّ قَوْلٍ جَاءَ فِي ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ مِثْلَ هَذَا إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ فَلَمْ يَجْعَلُوا مَا رُوِيَ عَنْ سِتَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ التَّابِعِينَ فِي أَنَّ الْعُمْرَةَ فَرْضٌ ; وَلَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ التَّابِعِينَ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ بِاخْتِلَافٍ فَلَمْ يَجْعَلُوهُ إجْمَاعًا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : لَا تَخْلُو رِوَايَةُ عُثْمَانَ بْنِ خَرَّزَاذٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ مِنْ أَنْ تَكُونَ صَحِيحَةً أَوْ غَيْرَ صَحِيحَةٍ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَحِيحَةٍ فَقَدْ كُفِينَا الْمُؤْنَةُ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً وَهُوَ الْأَظْهَرُ فِيهَا - ; لِأَنَّ رُوَاتَهَا ثِقَاتٌ - فَإِنَّهُ خَبَرٌ مَنْسُوخٌ بِلَا . شَكٍّ .
بُرْهَانُ ذَلِكَ - : أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ بِلَا شَكٍّ كَانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ ; لِأَنَّ فِيهِ إعَادَةُ الْحَجِّ عَلَى مَنْ حَجَّ مِنْ الْأَعْرَابِ قَبْلَ هِجْرَتِهِ ، وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نا 17 مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ نا أُبَيٌّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ { ۝ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْهِجْرَةِ فَقَالَ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ فَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا } .
وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ نا يَحْيَى وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - قَالَا جَمِيعًا أَنَا جَرِيرُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { ۝ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ إذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا } .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ ثَابِتَةٍ عَنْ مُجَاشِعٍ ، وَمُجَالِدٍ : ابْنَيْ مَسْعُودٍ السِّلْمِيَّيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذْ قَدْ صَحَّ بِلَا شَكٍّ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ فَقَدْ نَسَخَهُ مَا رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى مُسْلِمٍ - : نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ نا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { ۝ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا ، فَقَالَ رَجُلٌ : أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَوْ قُلْتُ : نَعَمْ ، لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ ، ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : كَانَ هَذَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَصَارَ عُمُومًا لِكُلِّ حُرٍّ ، وَعَبْدٍ ، وَأَعْرَابِيٍّ ، وَعَجَمِيٍّ [ وَبِلَا شَكٍّ وَلَا مِرْيَةٍ ] أَنَّ الْعَبْدَ قَدْ كَانَ غَيْرَ مُخَاطَبٍ بِالْحَجِّ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ وَلَا الْحُرُّ أَيْضًا ; فَكَانَ خَبَرُ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ فِي أَنَّ عَلَيْهِ وَعَلَى الْأَعْرَابِيِّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ إذَا عَتَقَ الْعَبْدُ ، وَهَاجَرَ الْأَعْرَابِيُّ ، مُوَافِقًا لِلْحَالَةِ الْأُولَى وَبَقِيَا عَلَى أَنَّهُمَا غَيْرُ مُخَاطَبَيْنِ كَمَا 18 كَانَا ، وَجَاءَ هَذَا الْخَبَرُ فَدَخَلَ فِي نَصِّهِ فِي الْخِطَابِ بِالْحَجِّ : الْعَبْدُ ، وَالْأَعْرَابِيُّ ; لِأَنَّهُمَا مِنْ النَّاسِ فَكَانَ بِلَا شَكٍّ نَاسِخًا لِلْحَالَةِ الْأُولَى وَمُدْخِلًا لَهُمَا فِي الْخِطَابِ بِالْحَجِّ ضَرُورَةً وَلَا بُدَّ .
وَرَأَيْت بَعْضَهُمْ قَدْ احْتَجَّ فَقَالَ : حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَزْوَاجِهِ ، وَلَمْ يَحُجَّ بِأُمِّ وَلَدِهِ ؟ قَالَ عَلِيٌّ : وَهَذِهِ كِذْبَةٌ شَنِيعَةٌ لَا نَجِدُهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْآثَارِ أَبَدًا وَإِنَّ التَّسَهُّلَ فِي مِثْلِ هَذَا لَعَظِيمٌ جِدًّا - : قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : عَهْدُنَا بِهِمْ يَقُولُونَ فِي النَّفْيِ فِي الزِّنَا ، وَفِي كَثِيرٍ مِنْ السُّنَنِ مِثْلَ : لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ ، وَفِي خَبَرِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ، هَذَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ ، وَهَذَا تَخْصِيصٌ لِلْقُرْآنِ ، وَهَذَا خِلَافُ مَا فِي الْقُرْآنِ ، وَكَذَبُوا فِي كُلِّ ذَلِكَ ، ثُمَّ لَمْ يَقُولُوا فِي هَذَا الْخَبَرِ : هَذَا تَخْصِيصٌ لِلْقُرْآنِ ، وَهَذَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ ، وَهَذَا خِلَافٌ لِمَا فِي الْقُرْآنِ .
وَعَهْدُنَا بِهِمْ يَرُدُّونَ السُّنَنَ الثَّابِتَةَ بِدَعْوَى الِاضْطِرَابِ : كَخَبَرِ الْقَطْعِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ ، وَخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ فِي الزَّكَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَكَذَبُوا فِي ذَلِكَ ; ثُمَّ احْتَجُّوا ( فِي ذَلِكَ ) بِهَذَا الْخَبَرِ الَّذِي لَا نَعْلَمُ خَبَرًا أَشَدَّ اضْطِرَابًا مِنْهُ .
وَهُمْ يَتْرُكُونَ السُّنَنَ لِلْقِيَاسِ : كَخَبَرِ الْمُصَرَّاةِ ، وَخَبَرِ الْقُرْعَةِ فِي السِّتَّةِ الْأَعْبُدِ ، وَهُمْ هَاهُنَا قَدْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ الْعَبْدَ مُخَاطَبٌ بِالْإِسْلَامِ وَبِالصَّلَاةِ ، وَالصِّيَامِ ، فَمَا الَّذِي مَنَعَ ( مِنْ ) أَنْ يُخَاطَبَ بِالْحَجِّ ، وَالْعُمْرَةِ ; ثُمَّ يَقُولُونَ : الْعَبْدُ لَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ فَإِذَا حَضَرَهَا صَارَ مِنْ أَهْلِهَا وَأَجْزَأَتْهُ ، فَهُمْ قَالُوا هَاهُنَا : إنَّ الْعَبْدَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ إذَا حَضَرَهُ صَارَ مِنْ أَهْلِهِ وَأَجْزَأَهُ وَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُ : مَنْ نَوَى تَطَوُّعًا بِحَجِّهِ أَجْزَأَهُ عَنْ الْفَرْضِ ، وَأَقَلُّ حَالِ حَجِّ الْعَبْدِ : أَنْ يَكُونَ تَطَوُّعًا فَهَلَّا أَجْزَأَهُ عِنْدَهُمْ ؟ فَإِنْ قَالُوا : هُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ ؟ قُلْنَا : قَدْ جَمَعْتُمْ فِي هَذَا الْقَوْلِ الْكَذِبَ وَخِلَافَ الْقُرْآنِ إذْ لَمْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدًا مِنْ حُرٍّ ، وَالتَّنَاقُضَ ; لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِهِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّفَ وَلَا يَلْزَمُهُ إحْرَامٌ وَلَا 19 شَيْءٌ مِنْ جَزَاءِ صَيْدٍ وَلَا فِدْيَةِ أَذًى وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا لَا يَلْزَمُ الْحَائِضُ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ ، إذْ لَيْسَتْ مُخَاطَبَةً بِهِ ، وَكَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ الْحَجِّ فَإِنْ فَعَلَهُمَا أَوْ فَعَلَ بِهِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ وَكَانَ لَهُ حَجٌّ لِلْأَثَرِ فِي ذَلِكَ لَا لِغَيْرِهِ .
فَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ الثَّابِتَةَ وَقَوْلَ طَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ وَالْقِيَاسُ : نَعَمْ ، وَالْخَبَرُ الَّذِي بِهِ احْتَجُّوا ; لِأَنَّهُمْ خَالَفُوا مَا فِيهِ مِنْ حُكْمِ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْحَجِّ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث