المبسوط
المبسوط · الجزء الأول
قَالَ ، وَلَا يُجْزِئُ مَسْحُ الرَّأْسِ بِأُصْبُعٍ ، وَلَا بِأُصْبُعَيْنِ ، وَيُجْزِئُهُ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ ، وَالْكَلَامُ هُنَا فِي فُصُولٍ : أَحَدُهُمَا فِي قَدْرِ الْمَفْرُوضِ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ فَفِي الْأَصْلِ ذَكَرَ قَدْرَ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ ، وَفِي مَوْضِعٍ النَّاصِيَةَ ، وَفِي مَوْضِعٍ رُبُعَ الرَّأْسِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ ، وَلَوْ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ ، وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْمَفْرُوضُ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَكْثَرُ الرَّأْسِ ، وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ { بِفِعْلِ رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا أَقْبَلَ بِهِمَا ، وَأَدْبَرَ } ، وَبِهِ اسْتَدَلَّ الْحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ : الْأَكْثَرُ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِعْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَدُلُّ عَلَى الرُّكْنِيَّةِ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِإِكْمَالِ الْفَرِيضَةِ ، وَاعْتَبَرَ الْمَمْسُوحَ بِالْمَغْسُولِ ، وَهُوَ فَاسِدٌ فَإِنَّ الْمَسْحَ بُنِيَ عَلَى التَّخْفِيفِ ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَدُلُّ عَلَى التَّبْعِيضِ فِي الْمَسْحِ ، وَهُوَ حَرْفُ الْبَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ } فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى الْبَعْضِ كَمَا يُقَالُ كَتَبْت بِالْقَلَمِ ، وَضَرَبْت بِالسَّيْفِ أَيْ بِطَرَفٍ مِنْهُ .
وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ يَتَأَدَّى بِأَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ ، وَلَكِنَّا نَقُولُ : مَنْ مَسَحَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ لَا يُقَالُ إنَّهُ مَسَحَ بِرَأْسِهِ عَادَةً ، وَفِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَعْضِ ، وَهُوَ مُجْمَلٌ فِي مِقْدَارِ ذَلِكَ الْبَعْضِ بَيَانُهُ فِي فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَحَسَرَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ ، وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ } ، وَذَلِكَ الرُّبُعُ فَإِنَّ الرَّأْسَ نَاصِيَةٌ ، وَقَذَالٌ ، وَفَوْدَانٌ ، وَلِأَنَّ الرُّبُعَ بِمَنْزِلَةِ الْكَمَالِ فَإِنَّ مَنْ رَأَى وَجْهَ إنْسَانٍ يَسْتَجِيزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ رَأَيْت فُلَانًا ، وَإِنَّمَا رَأَى أَحَدَ 64 جَوَانِبِهِ الْأَرْبَعَةِ .
إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ : ذُكِرَ فِي نَوَادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ أَنَّهُ إذَا وَضَعَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ ، وَلَمْ يُمِرَّهَا جَازَ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الرَّأْسِ وَالْخُفِّ ، وَلَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى يُمِرَّهَا بِقَدْرِ مَا تُصِيبُ الْبِلَّةُ مِقْدَارَ رُبُعِ الرَّأْسِ فَهُمَا اعْتَبَرَا الْمَمْسُوحُ عَلَيْهِ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى اعْتَبَرَ الْمَمْسُوحَ بِهِ ، وَهُوَ عَشْرَةُ أَصَابِعَ ، وَرُبُعُهَا أُصْبُعَانِ ، وَنِصْفٌ إلَّا أَنَّ الْأُصْبُعَ الْوَاحِدَ لَا يَتَجَزَّأُ فَجَعَلَ الْمَفْرُوضَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ لِهَذَا ، وَإِنْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ ، أَوْ بِأُصْبُعَيْنِ لَمْ يُجْزِهِ عِنْدَنَا .
وَقَالَ زُفَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَجُوزُ إذَا مَسَحَ بِهِ مِقْدَارَ رُبُعِ الرَّأْسِ قَالَ ; لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ إصَابَةُ الْبِلَّةِ دُونَ الْأَصَابِعِ حَتَّى لَوْ أَصَابَ رَأْسَهُ مَاءُ الْمَطَرِ أَجْزَأَهُ عَنْ الْمَسْحِ .
( وَلَنَا ) أَنَّهُ كُلَّمَا وَضَعَ الْأَصَابِعَ صَارَ مُسْتَعْمِلًا فَلَا يَجُوزُ إقَامَةُ الْفَرْضِ بِهِ بِالْإِمْرَارِ فَإِنْ قِيلَ إذَا وَضَعَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ ، وَمَسَحَ بِهَا جَمِيعَ رَأْسِهِ جَازَ ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ إقَامَةُ الْفَرْضِ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَكَذَلِكَ إقَامَةُ السُّنَّةِ بِالْمَمْسُوحِ . قُلْنَا : الرَّأْسُ تُفَارِقُ الْمَغْسُولَاتِ فِي الْمَفْرُوضِ دُونَ الْمَسْنُونِ .
( أَلَا تَرَى ) أَنَّ فِي الْمَسْنُونِ يَسْتَوْعِبُ الْحُكْمُ جَمِيعَ الرَّأْسِ كَمَا فِي الْمَغْسُولَاتِ فَكَمَا أَنَّ فِي الْمَغْسُولَاتِ الْمَاءُ فِي الْعُضْوِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ إقَامَةِ السُّنَّةِ فِي الْمَمْسُوحِ ، إلَى هَذَا الطَّرِيقِ يُشِيرُ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى قَالَ فِي نَوَادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ لَوْ أَعَادَ الْأُصْبُعَ إلَى الْمَاءِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَجُوزُ ، وَهَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعِهِ بِجَوَانِبِهِ الْأَرْبَعَةِ يَجُوزُ ، وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَأَنَّ الطَّرِيقَةَ غَيْرُ هَذَا فَقَدْ ذَكَرَ فِي التَّيَمُّمِ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ بِأُصْبُعٍ ، أَوْ بِأُصْبُعَيْنِ لَا يَجُوزُ فَالِاسْتِيعَابُ هُنَاكَ فَرْضٌ ، وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا ، وَلَكِنَّ الْوَجْهَ الصَّحِيحَ أَنَّ الْمَفْرُوضَ هُوَ الْمَسْحُ بِالْيَدِ فَأَكْثَرُ الْأَصَابِعِ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فَإِذَا اسْتَعْمَلَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ ، أَوْ الْخُفِّ ، أَوْ التَّيَمُّمِ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ كَانَ كَالْمَاسِحِ بِجَمِيعِ يَدِهِ فَيَجُوزُ ، وَإِلَّا فَلَا .
وَإِنْ كَانَ شَعْرُهُ طَوِيلًا فَمَسَحَ مَا تَحْتَ أُذُنَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ ، وَإِنْ مَسَحَ مَا فَوْقَهُمَا أَجْزَأَهُ ; لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الشَّعْرِ بِمَنْزِلَةِ الْمَسْحِ عَلَى الْبَشَرَةِ الَّتِي تَحْتَهُ ، وَمَا تَحْتَ الْأُذُنَيْنِ عُنُقٌ ، وَمَا فَوْقَهُمَا رَأْسٌ ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَمْسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنْ أُذُنَيْهِ ، وَمَا أَدْبَرَ مَعَ الرَّأْسِ ، وَإِنْ غَسَلَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُمَا مَعَ الْوَجْهِ جَازَ ; لِأَنَّ فِي الْغُسْلِ مَسْحًا ، وَزِيَادَةً ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَفْضَلُ ; لِأَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ ، وَالْفَرْضُ فِي الرَّأْسِ الْمَسْحُ بِالنَّصِّ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُمَا مِنْ الرَّأْسِ ; لِأَنَّهُمَا عَلَى الرَّأْسِ ، وَاعْتُبِرَا بِآذَانِ الْكِلَابِ ، وَالسَّنَانِيرِ ، وَالْفِيلِ ، وَمَنْ فَغَرَ فَاهُ فَيَزُولُ عَظْمُ اللَّحْيَيْنِ عَنْ عَظْمِ الرَّأْسِ ، وَتَبْقَى الْأُذُنُ مَعَ الرَّأْسِ ، وَعَلَى هَذَا قُلْنَا لَا يَأْخُذُ لِأُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَأْخُذُ لِأُذُنَيْهِ مَاءً 65 جَدِيدًا . ، وَاسْتَدَلَّ بِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ، وَأَخَذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا } ، وَقَالَ ; لِأَنَّ الْأُذُنَ مَعَ الرَّأْسِ كَالْفَمِ ، وَالْأَنْفِ مَعَ الْوَجْهِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ لِلْمَضْمَضَةِ ، وَالِاسْتِنْشَاقِ مَاءً جَدِيدًا سِوَى مَا يُقِيمُ بِهِ فَرْضَ غَسْلِ الْوَجْهِ فَهَذَا مِثْلُهُ .
( وَلَنَا ) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ، وَأُذُنَيْهِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ ، وَقَالَ الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ } . فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَيَانُ الْحَقِيقَةِ ، وَهُوَ مُشَاهَدٌ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى بَيَانِهِ ، أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا مَمْسُوحَانِ كَالرَّأْسِ ، وَهَذَا بَعِيدٌ فَاتِّفَاقُ الْعُضْوَيْنِ فِي الْفَرْضِ لَا يُوجِبُ إضَافَةَ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمَا مَمْسُوحَانِ بِالْمَاءِ الَّذِي مَسَحَ بِهِ الرَّأْسَ ، وَتَأْوِيلُ مَا رَوَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي كَفِّهِ بِلَّةٌ فَلِهَذَا أَخَذَ فِي أُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا .
وَذَكَرَ الْحَاكِمُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْمُنْتَقَى إذَا أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ الْمَاءِ فَتَمَضْمَضَ بِهَا ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ أَجْزَأَهُ ، وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ قُلْنَا : الْمَضْمَضَةُ ، وَالِاسْتِنْشَاقُ مُقَدَّمَانِ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ فَإِذَا أَقَامَهُمَا بِمَاءٍ ، وَاحِدٍ كَانَ الْمَفْرُوضُ تَبَعًا لِلْمَسْنُونِ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، وَهَا هُنَا إذَا أَقَامَهُمَا بِمَاءٍ ، وَاحِدٍ يَكُونُ الْمَسْنُونُ تَبَعًا لِلْمَفْرُوضِ ، وَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ .
وَقَالَ الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَكْثَرُ الرَّأْسِ ، وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ { بِفِعْلِ رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا أَقْبَلَ بِهِمَا ، وَأَدْبَرَ } ، وَبِهِ اسْتَدَلَّ الْحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ : الْأَكْثَرُ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِعْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَدُلُّ عَلَى الرُّكْنِيَّةِ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِإِكْمَالِ الْفَرِيضَةِ ، وَاعْتَبَرَ الْمَمْسُوحَ بِالْمَغْسُولِ ، وَهُوَ فَاسِدٌ فَإِنَّ الْمَسْحَ بُنِيَ عَلَى التَّخْفِيفِ ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَدُلُّ عَلَى التَّبْعِيضِ فِي الْمَسْحِ ، وَهُوَ حَرْفُ الْبَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ } فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى الْبَعْضِ كَمَا يُقَالُ كَتَبْت بِالْقَلَمِ ، وَضَرَبْت بِالسَّيْفِ أَيْ بِطَرَفٍ مِنْهُ .
وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ يَتَأَدَّى بِأَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ ، وَلَكِنَّا نَقُولُ : مَنْ مَسَحَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ لَا يُقَالُ إنَّهُ مَسَحَ بِرَأْسِهِ عَادَةً ، وَفِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَعْضِ ، وَهُوَ مُجْمَلٌ فِي مِقْدَارِ ذَلِكَ الْبَعْضِ بَيَانُهُ فِي فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَحَسَرَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ ، وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ } ، وَذَلِكَ الرُّبُعُ فَإِنَّ الرَّأْسَ نَاصِيَةٌ ، وَقَذَالٌ ، وَفَوْدَانٌ ، وَلِأَنَّ الرُّبُعَ بِمَنْزِلَةِ الْكَمَالِ فَإِنَّ مَنْ رَأَى وَجْهَ إنْسَانٍ يَسْتَجِيزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ رَأَيْت فُلَانًا ، وَإِنَّمَا رَأَى أَحَدَ 64 جَوَانِبِهِ الْأَرْبَعَةِ .
إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ : ذُكِرَ فِي نَوَادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ أَنَّهُ إذَا وَضَعَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ ، وَلَمْ يُمِرَّهَا جَازَ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الرَّأْسِ وَالْخُفِّ ، وَلَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى يُمِرَّهَا بِقَدْرِ مَا تُصِيبُ الْبِلَّةُ مِقْدَارَ رُبُعِ الرَّأْسِ فَهُمَا اعْتَبَرَا الْمَمْسُوحُ عَلَيْهِ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى اعْتَبَرَ الْمَمْسُوحَ بِهِ ، وَهُوَ عَشْرَةُ أَصَابِعَ ، وَرُبُعُهَا أُصْبُعَانِ ، وَنِصْفٌ إلَّا أَنَّ الْأُصْبُعَ الْوَاحِدَ لَا يَتَجَزَّأُ فَجَعَلَ الْمَفْرُوضَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ لِهَذَا ، وَإِنْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ ، أَوْ بِأُصْبُعَيْنِ لَمْ يُجْزِهِ عِنْدَنَا .
وَقَالَ زُفَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَجُوزُ إذَا مَسَحَ بِهِ مِقْدَارَ رُبُعِ الرَّأْسِ قَالَ ; لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ إصَابَةُ الْبِلَّةِ دُونَ الْأَصَابِعِ حَتَّى لَوْ أَصَابَ رَأْسَهُ مَاءُ الْمَطَرِ أَجْزَأَهُ عَنْ الْمَسْحِ .
( وَلَنَا ) أَنَّهُ كُلَّمَا وَضَعَ الْأَصَابِعَ صَارَ مُسْتَعْمِلًا فَلَا يَجُوزُ إقَامَةُ الْفَرْضِ بِهِ بِالْإِمْرَارِ فَإِنْ قِيلَ إذَا وَضَعَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ ، وَمَسَحَ بِهَا جَمِيعَ رَأْسِهِ جَازَ ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ إقَامَةُ الْفَرْضِ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَكَذَلِكَ إقَامَةُ السُّنَّةِ بِالْمَمْسُوحِ . قُلْنَا : الرَّأْسُ تُفَارِقُ الْمَغْسُولَاتِ فِي الْمَفْرُوضِ دُونَ الْمَسْنُونِ .
( أَلَا تَرَى ) أَنَّ فِي الْمَسْنُونِ يَسْتَوْعِبُ الْحُكْمُ جَمِيعَ الرَّأْسِ كَمَا فِي الْمَغْسُولَاتِ فَكَمَا أَنَّ فِي الْمَغْسُولَاتِ الْمَاءُ فِي الْعُضْوِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ إقَامَةِ السُّنَّةِ فِي الْمَمْسُوحِ ، إلَى هَذَا الطَّرِيقِ يُشِيرُ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى قَالَ فِي نَوَادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ لَوْ أَعَادَ الْأُصْبُعَ إلَى الْمَاءِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَجُوزُ ، وَهَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعِهِ بِجَوَانِبِهِ الْأَرْبَعَةِ يَجُوزُ ، وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَأَنَّ الطَّرِيقَةَ غَيْرُ هَذَا فَقَدْ ذَكَرَ فِي التَّيَمُّمِ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ بِأُصْبُعٍ ، أَوْ بِأُصْبُعَيْنِ لَا يَجُوزُ فَالِاسْتِيعَابُ هُنَاكَ فَرْضٌ ، وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا ، وَلَكِنَّ الْوَجْهَ الصَّحِيحَ أَنَّ الْمَفْرُوضَ هُوَ الْمَسْحُ بِالْيَدِ فَأَكْثَرُ الْأَصَابِعِ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فَإِذَا اسْتَعْمَلَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ ، أَوْ الْخُفِّ ، أَوْ التَّيَمُّمِ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ كَانَ كَالْمَاسِحِ بِجَمِيعِ يَدِهِ فَيَجُوزُ ، وَإِلَّا فَلَا .
وَإِنْ كَانَ شَعْرُهُ طَوِيلًا فَمَسَحَ مَا تَحْتَ أُذُنَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ ، وَإِنْ مَسَحَ مَا فَوْقَهُمَا أَجْزَأَهُ ; لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الشَّعْرِ بِمَنْزِلَةِ الْمَسْحِ عَلَى الْبَشَرَةِ الَّتِي تَحْتَهُ ، وَمَا تَحْتَ الْأُذُنَيْنِ عُنُقٌ ، وَمَا فَوْقَهُمَا رَأْسٌ ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَمْسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنْ أُذُنَيْهِ ، وَمَا أَدْبَرَ مَعَ الرَّأْسِ ، وَإِنْ غَسَلَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُمَا مَعَ الْوَجْهِ جَازَ ; لِأَنَّ فِي الْغُسْلِ مَسْحًا ، وَزِيَادَةً ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَفْضَلُ ; لِأَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ ، وَالْفَرْضُ فِي الرَّأْسِ الْمَسْحُ بِالنَّصِّ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُمَا مِنْ الرَّأْسِ ; لِأَنَّهُمَا عَلَى الرَّأْسِ ، وَاعْتُبِرَا بِآذَانِ الْكِلَابِ ، وَالسَّنَانِيرِ ، وَالْفِيلِ ، وَمَنْ فَغَرَ فَاهُ فَيَزُولُ عَظْمُ اللَّحْيَيْنِ عَنْ عَظْمِ الرَّأْسِ ، وَتَبْقَى الْأُذُنُ مَعَ الرَّأْسِ ، وَعَلَى هَذَا قُلْنَا لَا يَأْخُذُ لِأُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَأْخُذُ لِأُذُنَيْهِ مَاءً 65 جَدِيدًا . ، وَاسْتَدَلَّ بِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ، وَأَخَذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا } ، وَقَالَ ; لِأَنَّ الْأُذُنَ مَعَ الرَّأْسِ كَالْفَمِ ، وَالْأَنْفِ مَعَ الْوَجْهِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ لِلْمَضْمَضَةِ ، وَالِاسْتِنْشَاقِ مَاءً جَدِيدًا سِوَى مَا يُقِيمُ بِهِ فَرْضَ غَسْلِ الْوَجْهِ فَهَذَا مِثْلُهُ .
( وَلَنَا ) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ، وَأُذُنَيْهِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ ، وَقَالَ الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ } . فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَيَانُ الْحَقِيقَةِ ، وَهُوَ مُشَاهَدٌ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى بَيَانِهِ ، أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا مَمْسُوحَانِ كَالرَّأْسِ ، وَهَذَا بَعِيدٌ فَاتِّفَاقُ الْعُضْوَيْنِ فِي الْفَرْضِ لَا يُوجِبُ إضَافَةَ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمَا مَمْسُوحَانِ بِالْمَاءِ الَّذِي مَسَحَ بِهِ الرَّأْسَ ، وَتَأْوِيلُ مَا رَوَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي كَفِّهِ بِلَّةٌ فَلِهَذَا أَخَذَ فِي أُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا .
وَذَكَرَ الْحَاكِمُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْمُنْتَقَى إذَا أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ الْمَاءِ فَتَمَضْمَضَ بِهَا ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ أَجْزَأَهُ ، وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ قُلْنَا : الْمَضْمَضَةُ ، وَالِاسْتِنْشَاقُ مُقَدَّمَانِ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ فَإِذَا أَقَامَهُمَا بِمَاءٍ ، وَاحِدٍ كَانَ الْمَفْرُوضُ تَبَعًا لِلْمَسْنُونِ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، وَهَا هُنَا إذَا أَقَامَهُمَا بِمَاءٍ ، وَاحِدٍ يَكُونُ الْمَسْنُونُ تَبَعًا لِلْمَفْرُوضِ ، وَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith