المبسوط
المبسوط · الجزء السادس
الصفحة 2388 · ص. المطبوع 181
( قَالَ ) : وَإِذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ : اخْلَعْنِي ، وَلَك أَلْفِ دِرْهَمٍ ، أَوْ قَالَتْ طَلِّقْنِي ، وَلَك أَلْفُ دِرْهَمٍ ، فَفَعَلَ وَقَعَ الطَّلَاقُ ، وَلَمْ يَجِبْ الْمَالُ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَجِبُ الْمَالُ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الْوَاوَ ، وَإِنْ كَانَ لِلْعَطْفِ حَقِيقَةً ، فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْبَاءِ مَجَازًا كَمَا فِي الْقَسَمِ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : وَاَللَّهِ كَقَوْلِهِ بِاَللَّهِ فَقَوْلُهَا وَلَك أَلْفٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهَا : طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ ، أَوْ بِعْنِي طَلَاقِي بِأَلْفٍ ، وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى هَذَا الْمَجَازِ ; لِمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ ; لِأَنَّ الْخُلْعَ مُعَاوَضَةٌ ، وَفِي الْمُعَاوَضَاتِ لَا يُعْطَفُ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ عَلَى الْآخَرِ ، إنَّمَا يُلْصَقُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ : احْمِلْ هَذَا الْمَتَاعَ إلَى بَيْتِي وَلَك دِرْهَمٌ كَانَ هَذَا ، وَقَوْلُهُ : احْمِلْهُ بِدِرْهَمٍ سَوَاءٌ حَتَّى يَجِبَ الْمَالُ إذَا حَمَلَهُ ; وَلِأَنَّ هَذَا الْوَاوَ بِمَعْنَى وَاوِ الْحَالِ ، كَقَوْلِ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ : أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا ، وَأَنْتَ حُرٌّ ، وَقَوْلِ الْغَازِي لِلْمَحْصُورِ : افْتَحْ الْبَابَ ، وَأَنْتَ آمِنٌ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الْوَاوَ قَدْ تَكُونُ لِلْحَالِ كَمَا فِي قَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ مَرِيضَةٌ ، وَإِذَا كَانَتْ لِلْحَالِ كَانَتْ هِيَ مُلْتَزِمَةٌ الْمَالَ لَهُ حَالَ إيقَاعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا عِوَضًا وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : الْوَاوُ لِلْعَطْفِ حَقِيقَةً ، وَالْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَاجِبٌ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى الْمَجَازِ ، وَبِاعْتِبَارِ الْعَطْفِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْأَلْفَ لَيْسَ بِعِوَضٍ عَنْ الطَّلَاقِ ، وَلَا وَجْهَ لِحَمْلِهَا عَلَى الْبَاءِ ، أَوْ وَاوِ الْحَالِ ; لِمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ ; لِأَنَّ الْمَالَ فِي الطَّلَاقِ نَادِرٌ ، وَالْمُعْتَادُ فِيهِ الْإِيقَاعُ بِغَيْرِ عِوَضٍ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ ، فَالْعِوَضُ فِيهِ أَصْلٌ لَا تَصِحُّ 181 الْإِجَارَةُ بِدُونِهِ ، وَبِخِلَافِ قَوْلِهِ : أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا ، وَأَنْتَ حُرٌّ ; لِأَنَّ أَوَّلَ كَلَامِهِ هُنَاكَ غَيْرُ مُفِيدٍ شَرْعًا إلَّا بِآخِرِهِ ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ بِهِ تَعْلِيقًا لِلْعِتْقِ بِأَدَاءِ الْمَالِ ، وَهُنَا أَوَّلُ الْكَلَامِ إنْ صَدَرَ مِنْ الزَّوْجِ ، بِأَنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، وَعَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ كَانَ إيقَاعًا مُفِيدًا دُونَ آخِرِهِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى الْحَالِ ، وَإِنْ صَدَرَ مِنْهَا فَهُوَ الْتِمَاسٌ مُفِيدٌ أَيْضًا ; فَلِهَذَا لَا يُحْمَلُ عَلَى وَاوِ الْحَالِ ، بَلْ هُوَ بِمَعْنَى الْعَطْفِ ، فَمَعْنَاهُ وَلَك أَلْفُ دِرْهَمٍ فِي بَيْتِك ، أَوْ بِمَعْنَى الِابْتِدَاءِ ، فَيَكُونُ وَعْدًا مِنْهَا إيَّاهُ بِالْمَالِ ، وَالْمَوَاعِيدُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا اللُّزُومُ ; وَلِأَنَّ أَدْنَى مَا يَكُونُ فِي الْبَابِ أَنْ يَكُونَ حَرْفُ الْوَاوِ مُحْتَمِلًا لِجَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا ، فَالْمَالُ بِالشَّكِّ لَا يَجِبُ . .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث