المبسوط
المبسوط · الجزء الأول
قَالَ ( وَوَقْتُ الظُّهْرِ مِنْ حِينِ تَزُولُ الشَّمْسُ إلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ) فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ حَتَّى يَصِيرَ الظِّلُّ قَامَتَيْنِ وَلَا خِلَافَ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ أَنَّهُ يَدْخُلُ بِزَوَالِ الشَّمْسِ إلَّا شَيْئًا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ إذَا صَارَ الْفَيْءُ بِقَدْرِ الشِّرَاكِ لِحَدِيثِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِي الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ صَارَ الْفَيْءُ بِقَدْرِ الشِّرَاكِ }
. وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } أَيْ لِزَوَالِهَا وَالْمُرَادُ مِنْ الْفَيْءِ مِثْلَ الشِّرَاكِ الْفَيْءُ الْأَصْلِيُّ الَّذِي يَكُونُ لِلْأَشْيَاءِ وَقْتَ الزَّوَالِ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَوْقَاتِ فَاتَّفَقَ ذَلِكَ الْقَدْرُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَقَدْ قِيلَ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى لِكُلِّ شَيْءٍ فَيْءٌ عِنْدَ الزَّوَالِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ إلَّا بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي أَطْوَلِ أَيَّامِ السَّنَةِ فَلَا يَبْقَى بِمَكَّةَ ظِلٌّ عَلَى الْأَرْضِ وَبِالْمَدِينَةِ تَأْخُذُ الشَّمْسُ الْحِيطَانَ الْأَرْبَعَةَ وَذَلِكَ الْفَيْءُ الْأَصْلِيُّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي التَّقْدِيرِ بِالظِّلِّ قَامَةً أَوْ قَامَتَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ وَأَصَحُّ مَا قِيلَ فِي مَعْرِفَةِ الزَّوَالِ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَغْرِزُ خَشَبَةً فِي مَكَان مُسْتَوٍ وَيَجْعَلُ عَلَى مَبْلَغِ الظِّلِّ مِنْهُ عَلَامَةً فَمَا دَامَ الظِّلُّ يَنْقُصُ مِنْ الْخَطِّ فَهُوَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَإِذَا وَقَفَ لَا يَزْدَادُ وَلَا يَنْتَقِصُ فَهُوَ سَاعَةُ الزَّوَالِ وَإِذَا أَخَذَ الظِّلُّ فِي الزِّيَادَةِ فَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ زَالَتْ وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ فَعِنْدَهُمَا إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَهُوَ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْكِتَابِ نَصًّا فِي خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ .
وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ وَقْتُ الظُّهْرِ حَتَّى يَصِيرَ الظِّلُّ قَامَتَيْنِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ إذَا صَارَ الظِّلُّ قَامَةً يَخْرُجُ وَقْتُ الظُّهْرِ وَلَا يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ حَتَّى يَصِيرَ الظِّلُّ قَامَتَيْنِ 143 وَبَيْنَهُمَا وَقْتٌ مُهْمَلٌ وَهُوَ الَّذِي تُسَمِّيهِ النَّاسُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ
، كَمَا أَنَّ بَيْنَ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَقْتًا مُهْمَلًا وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ { إمَامَةِ جِبْرِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ صَلَّى بِي الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَصَلَّى بِي الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ أَوْ قَالَ حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ بِالْأَمْسِ } وَهَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي بَيَانِ الْمَوَاقِيتِ قَوْلًا وَفِعْلًا ، وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى اسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ الْفَجْرِ إلَى الظُّهْرِ بِقِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ الظُّهْرِ إلَى الْعَصْرِ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ الْعَصْرِ إلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ فَعَمِلْتُمْ أَنْتُمْ فَغَضِبَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ أَجْرًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَهَلْ نَقَصْت مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا قَالُوا لَا قَالَ فَهَذَا فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ } بَيَّنَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَقَلُّ عَمَلًا مِنْ النَّصَارَى
فَدَلَّ أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ أَقَلُّ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا امْتَدَّ وَقْتُ الظُّهْرِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الظِّلُّ قَامَتَيْنِ .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ } وَأَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنْ الْحَرِّ فِي دِيَارِهِمْ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَلِأَنَّا عَرَفْنَا دُخُولَ وَقْتِ الظُّهْرِ بِيَقِينٍ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي خُرُوجِهِ إذَا صَارَ الظِّلُّ قَامَةً لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ وَالْيَقِينُ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ وَالْأَوْقَاتُ مَا اسْتَقَرَّتْ عَلَى حَدِيثِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَفِيهِ { أَنَّهُ صَلَّى الْفَجْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ أَسْفَرَ } وَالْوَقْتُ يَبْقَى بَعْدَهُ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَفِيهِ أَيْضًا { أَنَّهُ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ } وَالْوَقْتُ يَبْقَى بَعْدَهُ وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ دَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ فَإِذَا مَضَى بِقَدْرِ مَا يُصَلِّي فِيهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ فَكَانَ الْوَقْتُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إلَى أَنْ يَصِيرَ الظِّلُّ قَامَتَيْنِ لِظَاهِرِ حَدِيثِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَهَذَا فَاسِدٌ عِنْدَنَا ، { فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَدْخُلُ وَقْتُ صَلَاةٍ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى } وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ { صَلَّى بِي الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ } أَيْ قَرُبَ مِنْهُ { وَصَلَّى بِي الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ } أَيْ تَمَّ وَزَادَ عَلَيْهِ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ أَيْ قَرُبَ بُلُوغُ أَجَلِهِنَّ ، وَقَالَ تَعَالَى { فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا 144 تَعْضُلُوهُنَّ } أَيْ انْقِضَاءُ تَمَّ عِدَّتُهُنَّ وَحَكَى أَبُو عِصْمَةَ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ خَالَفْت أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَقْتِ الْعَصْرِ فَقُلْت أَوَّلُهُ إذَا زَادَ الظِّلُّ عَلَى قَامَةٍ اعْتِمَادًا عَلَى الْآثَارِ الَّتِي جَاءَتْ بِهِ وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى مَا قُلْنَا فَأَمَّا آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ غُرُوبُ الشَّمْسِ عِنْدَنَا ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ تَغَيُّرُ الشَّمْسِ إلَى الصُّفْرَةِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِحَدِيثِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { وَصَلَّى بِي الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ كَادَتْ الشَّمْسُ تَتَغَيَّرُ } .
( وَلَنَا ) قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَدْ أَدْرَكَ أَيْ أَدْرَكَ الْوَقْتَ } وَلَكِنْ يُكْرَهُ تَأْخِيرُ الْعَصْرِ إلَى أَنْ تَتَغَيَّرَ الشَّمْسُ { لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ يَقْعُدُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ قَامَ يَنْقُرُ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا إلَّا قَلِيلًا } وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِي صَلَاةٌ حِينَ مَا تَحْمَارُّ الشَّمْسُ بِفَلْسَيْنِ وَاخْتَلَفُوا فِي تَغَيُّرِ الشَّمْسِ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلضَّوْءِ أَمْ لِلْقُرْصِ فَكَانَ النَّخَعِيُّ يَعْتَبِرُ تَغَيُّرَ الضَّوْءِ وَالشَّعْبِيُّ يَقُولُ الْعِبْرَةُ لِتَغَيُّرِ الْقُرْصِ وَبِهَذَا أَخَذْنَا ; لِأَنَّ تَغَيُّرَ الضَّوْءِ يَحْصُلُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَإِذَا صَارَ الْقُرْصُ بِحَيْثُ لَا تَحَارُ فِيهِ الْعَيْنُ فَقَدْ تَغَيَّرَتْ
. وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } أَيْ لِزَوَالِهَا وَالْمُرَادُ مِنْ الْفَيْءِ مِثْلَ الشِّرَاكِ الْفَيْءُ الْأَصْلِيُّ الَّذِي يَكُونُ لِلْأَشْيَاءِ وَقْتَ الزَّوَالِ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَوْقَاتِ فَاتَّفَقَ ذَلِكَ الْقَدْرُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَقَدْ قِيلَ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى لِكُلِّ شَيْءٍ فَيْءٌ عِنْدَ الزَّوَالِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ إلَّا بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي أَطْوَلِ أَيَّامِ السَّنَةِ فَلَا يَبْقَى بِمَكَّةَ ظِلٌّ عَلَى الْأَرْضِ وَبِالْمَدِينَةِ تَأْخُذُ الشَّمْسُ الْحِيطَانَ الْأَرْبَعَةَ وَذَلِكَ الْفَيْءُ الْأَصْلِيُّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي التَّقْدِيرِ بِالظِّلِّ قَامَةً أَوْ قَامَتَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ وَأَصَحُّ مَا قِيلَ فِي مَعْرِفَةِ الزَّوَالِ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَغْرِزُ خَشَبَةً فِي مَكَان مُسْتَوٍ وَيَجْعَلُ عَلَى مَبْلَغِ الظِّلِّ مِنْهُ عَلَامَةً فَمَا دَامَ الظِّلُّ يَنْقُصُ مِنْ الْخَطِّ فَهُوَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَإِذَا وَقَفَ لَا يَزْدَادُ وَلَا يَنْتَقِصُ فَهُوَ سَاعَةُ الزَّوَالِ وَإِذَا أَخَذَ الظِّلُّ فِي الزِّيَادَةِ فَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ زَالَتْ وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ فَعِنْدَهُمَا إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَهُوَ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْكِتَابِ نَصًّا فِي خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ .
وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ وَقْتُ الظُّهْرِ حَتَّى يَصِيرَ الظِّلُّ قَامَتَيْنِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ إذَا صَارَ الظِّلُّ قَامَةً يَخْرُجُ وَقْتُ الظُّهْرِ وَلَا يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ حَتَّى يَصِيرَ الظِّلُّ قَامَتَيْنِ 143 وَبَيْنَهُمَا وَقْتٌ مُهْمَلٌ وَهُوَ الَّذِي تُسَمِّيهِ النَّاسُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ
، كَمَا أَنَّ بَيْنَ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَقْتًا مُهْمَلًا وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ { إمَامَةِ جِبْرِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ صَلَّى بِي الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَصَلَّى بِي الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ أَوْ قَالَ حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ بِالْأَمْسِ } وَهَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي بَيَانِ الْمَوَاقِيتِ قَوْلًا وَفِعْلًا ، وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى اسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ الْفَجْرِ إلَى الظُّهْرِ بِقِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ الظُّهْرِ إلَى الْعَصْرِ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ الْعَصْرِ إلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ فَعَمِلْتُمْ أَنْتُمْ فَغَضِبَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ أَجْرًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَهَلْ نَقَصْت مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا قَالُوا لَا قَالَ فَهَذَا فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ } بَيَّنَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَقَلُّ عَمَلًا مِنْ النَّصَارَى
فَدَلَّ أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ أَقَلُّ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا امْتَدَّ وَقْتُ الظُّهْرِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الظِّلُّ قَامَتَيْنِ .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ } وَأَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنْ الْحَرِّ فِي دِيَارِهِمْ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَلِأَنَّا عَرَفْنَا دُخُولَ وَقْتِ الظُّهْرِ بِيَقِينٍ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي خُرُوجِهِ إذَا صَارَ الظِّلُّ قَامَةً لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ وَالْيَقِينُ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ وَالْأَوْقَاتُ مَا اسْتَقَرَّتْ عَلَى حَدِيثِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَفِيهِ { أَنَّهُ صَلَّى الْفَجْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ أَسْفَرَ } وَالْوَقْتُ يَبْقَى بَعْدَهُ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَفِيهِ أَيْضًا { أَنَّهُ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ } وَالْوَقْتُ يَبْقَى بَعْدَهُ وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ دَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ فَإِذَا مَضَى بِقَدْرِ مَا يُصَلِّي فِيهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ فَكَانَ الْوَقْتُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إلَى أَنْ يَصِيرَ الظِّلُّ قَامَتَيْنِ لِظَاهِرِ حَدِيثِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَهَذَا فَاسِدٌ عِنْدَنَا ، { فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَدْخُلُ وَقْتُ صَلَاةٍ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى } وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ { صَلَّى بِي الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ } أَيْ قَرُبَ مِنْهُ { وَصَلَّى بِي الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ } أَيْ تَمَّ وَزَادَ عَلَيْهِ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ أَيْ قَرُبَ بُلُوغُ أَجَلِهِنَّ ، وَقَالَ تَعَالَى { فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا 144 تَعْضُلُوهُنَّ } أَيْ انْقِضَاءُ تَمَّ عِدَّتُهُنَّ وَحَكَى أَبُو عِصْمَةَ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ خَالَفْت أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَقْتِ الْعَصْرِ فَقُلْت أَوَّلُهُ إذَا زَادَ الظِّلُّ عَلَى قَامَةٍ اعْتِمَادًا عَلَى الْآثَارِ الَّتِي جَاءَتْ بِهِ وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى مَا قُلْنَا فَأَمَّا آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ غُرُوبُ الشَّمْسِ عِنْدَنَا ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ تَغَيُّرُ الشَّمْسِ إلَى الصُّفْرَةِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِحَدِيثِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { وَصَلَّى بِي الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ كَادَتْ الشَّمْسُ تَتَغَيَّرُ } .
( وَلَنَا ) قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَدْ أَدْرَكَ أَيْ أَدْرَكَ الْوَقْتَ } وَلَكِنْ يُكْرَهُ تَأْخِيرُ الْعَصْرِ إلَى أَنْ تَتَغَيَّرَ الشَّمْسُ { لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ يَقْعُدُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ قَامَ يَنْقُرُ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا إلَّا قَلِيلًا } وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِي صَلَاةٌ حِينَ مَا تَحْمَارُّ الشَّمْسُ بِفَلْسَيْنِ وَاخْتَلَفُوا فِي تَغَيُّرِ الشَّمْسِ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلضَّوْءِ أَمْ لِلْقُرْصِ فَكَانَ النَّخَعِيُّ يَعْتَبِرُ تَغَيُّرَ الضَّوْءِ وَالشَّعْبِيُّ يَقُولُ الْعِبْرَةُ لِتَغَيُّرِ الْقُرْصِ وَبِهَذَا أَخَذْنَا ; لِأَنَّ تَغَيُّرَ الضَّوْءِ يَحْصُلُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَإِذَا صَارَ الْقُرْصُ بِحَيْثُ لَا تَحَارُ فِيهِ الْعَيْنُ فَقَدْ تَغَيَّرَتْ
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith