المبسوط
المبسوط · الجزء الثاني عشر
الصفحة 4566 · ص. المطبوع 147
قَالَ : ( رَجُلٌ أَسْلَمَ إلَى رَجُلٍ فِي طَعَامٍ وَأَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِالْمُسْلَمِ فِيهِ ثُمَّ صَالَحَ الْكَفِيلَ عَلَى رَأْسِ مَالِهِ وَذَلِكَ دَيْنٌ ) فَالصُّلْحُ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ اخْتَارَ رَدَّ رَأْسِ الْمَالِ جَازَ وَإِنْ رَدَّ الصُّلْحَ بَطَلَ وَاسْتَرَدَّ الْكَفِيلُ دَرَاهِمَهُ وَطَالَبَ رَبُّ السَّلَمِ بِطَعَامِ السَّلَمِ أَيَّهُمَا شَاءَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْكَفِيلِ وَرَبِّ السَّلَمِ وَيَرْجِعُ الْكَفِيلُ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِطَعَامِ السَّلَمِ وَهَذَا إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فَإِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عُرُوضًا لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ ثَوْبًا فَإِمَّا أَنْ يَصِحَّ الصُّلْحُ عَنْ ذَلِكَ الثَّوْبِ بِعَيْنِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ مِلْكُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَلَا يَكُونُ الْكَفِيلُ قَادِرًا عَلَى تَسْلِيمِهِ وَإِمَّا أَنْ يَصِحَّ عَلَى ثَوْبِ غَيْرِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَكُونُ اسْتِبْدَالًا بِرَأْسِ الْمَالِ وَكَذَلِكَ الصُّلْحُ عَلَى قِيمَةِ ذَلِكَ الثَّوْبِ يَكُونُ اسْتِبْدَالًا فَلَا يَجُوزُ فَأَمَّا إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فَالْخِلَافُ فِيهِ يَتَحَقَّقُ .
وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ أَنَّ صُلْحَ الْكَفِيلِ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ كَالصُّلْحِ عَنْ سَائِرِ الدُّيُونِ عَلَى أَيِّ بَدَلٍ كَانَ بِدَلِيلِ جَوَازِ ذَلِكَ مِنْ الْأَصْلِ ثُمَّ الْكَفِيلُ فِي سَائِرُ الدُّيُونِ لَوْ صَالَحَ عَلَى بَدَلٍ جَازَ صُلْحُهُ وَرَجَعَ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ بِمَا كِفْلَ عَنْهُ فَكَذَلِكَ الْكَفِيلُ بِالسَّلَمِ إذَا صَالَحَ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ وَهَذَا لِأَنَّ الْكَفِيلَ مَطْلُوبٌ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ كَالْأَصِيلِ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى تَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ إلَيْهِ وَبِهَذَا فَارَقَ مَا لَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَيْنَا فِي يَدِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِأَنَّ الْكَفِيلَ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَلَوْ صَالَحَ عَلَى قِيمَتِهِ كَانَ مُسْتَبْدِلًا لَا مُسْتَرِدًّا لِرَأْسِ الْمَالِ وَلَا يُقَالُ فِي هَذَا الصُّلْحِ تَمْلِيكُ طَعَامِ السَّلَمِ مِنْ الْكَفِيلِ لِأَنَّ تَمْلِيكَ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِي سَائِرِ الدُّيُونِ لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ أَيْضًا ثُمَّ جَازَ الصُّلْحُ مَعَ الْكَفِيلِ فِي سَائِرِ الدُّيُونِ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِتَمْلِيكِ الدَّيْنِ وَلَكِنْ يَعْقِدُ الْكَفَالَةَ كَمَا وَجَبَ لِلطَّالِبِ عَلَى الْكَفِيلِ 147 وَجَبَ لِلْكَفِيلِ عَلَى الْأَصِيلِ إلَّا أَنَّهُ مُؤَخَّرٌ إلَى أَنْ يُسْقِطَ مُطَالَبَةَ الطَّالِبِ عَنْ الْأَصِيلِ وَقَدْ سَقَطَ ذَلِكَ بِصُلْحِهِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ كَمَا يَسْقُطُ بِإِيفَائِهِ فَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِطَعَامِ السَّلَمِ . وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الصُّلْحَ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِرَأْسِ الْمَالِ وَأَنَّهُ يَصِحُّ بِلَفْظِ الْمُتَارَكَةِ وَالْإِقَالَةِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فَسْخًا كَانَ هَذَا اسْتِبْدَالًا لِبَقَاءِ الْعَقْدِ الْمُوجِبِ لِطَعَامِ السَّلَمِ وَالِاسْتِبْدَالِ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ وَالْكَفِيلُ أَجْنَبِيٌّ مِنْ الْعَقْدِ فَلَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ كَسَائِرِ الْأَجَانِبِ وَالْكَفِيلُ بِالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ وَهَذَا لِأَنَّ الْفَسْخَ تَصَرُّفٌ فِي الْعَقْدِ فَلَا يَجُوزُ مِنْ الْعَاقِدِ أَوْ مِمَّنْ قَامَ مَقَامَ الْعَاقِدِ أَوْ مِمَّنْ كَانَ وَقَعَ الْعَقْدُ لَهُ وَالْكَفِيلُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَإِنَّمَا الْتَزَمَ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ الْكَفَالَةِ فَلَا يَصِيرُ بِهِ فِي حُكْمِ الْعَاقِدِ لِلسَّلَمِ بِخِلَافِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَإِنَّهُ عَاقِدٌ فَيَجُوزُ صُلْحُهُ بِطَرِيقِ الْفَسْخِ وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ أَنَّ رَبَّ السَّلَمِ إذَا زَادَ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ دِرْهَمًا جَازَ وَلَوْ زَادَ الْكَفِيلُ فِي رَأْسِ الْمَالِ دِرْهَمًا كَانَ بَاطِلًا وَبِهِ فَارَقَ سَائِرَ الدُّيُونِ فَالصُّلْحُ هُنَاكَ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْفَسْخِ وَإِنَّمَا هُوَ تَصَرُّفٌ فِي الدَّيْنِ الْوَاجِبِ وَلِهَذَا جَازَ بِأَيِّ بَدَلٍ كَانَ وَالْكَفِيلُ مَطْلُوبٌ بِالدِّينِ كَالْأَصِيلِ وَلِهَذَا جَازَ الصُّلْحُ مَعَهُ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث