المبسوط
المبسوط · الجزء الثاني عشر
الصفحة 4567 · ص. المطبوع 148
قَالَ : ( وَإِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلَانِ إلَى رَجُلٍ فِي طَعَامٍ فَصَالَحَهُ أَحَدُهُمَا عَلَى رَأْسِ مَالِهِ فَالصُّلْحُ مَوْقُوفٌ ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَإِنَّ أَجَازَهُ الْآخَرُ جَازَ وَكَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا وَمَا بَقِيَ مِنْ طَعَامِ السَّلَمِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَجُزْهُ فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُصَالِحِ وَالْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِمَا قُلْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّ الصُّلْحَ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ كَالصُّلْحِ عَنْ سَائِرِ الدُّيُونِ عَلَى أَيِّ بَدَلٍ كَانَ عِنْدَهُ ثُمَّ أَخَذَ رَبُّ الدَّيْنِ إذَا صَالَحَ عَنْ نَصِيبِهِ مَعَ الْمَدْيُونِ عَلَى بَدَلٍ جَازَ الصُّلْحُ وَيُخَيَّرُ الْآخَرُ بَيْنَ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي الْمَقْبُوضِ وَبَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَدْيُونِ بِنَصِيبِهِ مِنْ الدَّيْنِ كَذَلِكَ هُنَا إذَا صَالَحَ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ وَلِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّ هَذَا فَسْخُ الْعَقْدِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدِينَ حَقُّ التَّفَرُّدِ بِالْفَسْخِ فِي نَصِيبِ نَفْسِهِ كَمَا فِي بَيْعِ الْعَيْنِ
لَوْ اشْتَرَى رَجُلَانِ عَيْنًا ثُمَّ أَقَالَ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ فِي نَصِيبِهِ مَعَ الْبَائِعِ جَازَ بِدُونِ رِضَى الْآخَرِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ : فِي هَذَا الصُّلْحِ قِسْمَةُ الدَّيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيَانُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ صُلْحُهُ عَنْ نَفْسِهِ خَاصَّةً فَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَتَمَيَّزَ نَصِيبُهُ عَنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ وَهَذَا هُوَ الْقِسْمَةُ وَإِنْ كَانَ صَالَحَهُ عَنْ النِّصْفِ مِنْ النَّصِيبَيْنِ جَمِيعًا فَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِدُونِ إجَازَةِ الْآخَرِ لَتَنَاوُلِهِ نَصِيبَهُ وَفِقْهُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ وُجُوبَ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِعَقْدِهِمَا 148 إذَا هُوَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلَ الْعَقْدِ وَالْعَقْدُ مِنْهُمَا وَاحِدٌ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ كَشَطْرِ الْعِلَّةِ وَبِشَطْرِ الْعِلَّةِ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ الْحُكْمِ مَا لَمْ يَتِمَّ ذَلِكَ بِإِجَازَةِ الْآخَرِ كَالْمُعْتَقَةِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ زَوْجُهَا أَحَدُهُمَا وَبِهِ فَارَقَ بَيْعَ الْعَيْنِ فَقَدْ كَانَتْ الْعَيْنُ هُنَاكَ مَوْجُودَةً قَبْلَ الْعَقْدِ مَحِلُّ التَّصَرُّفِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ ثُبُوتُ وِلَايَةِ التَّصَرُّفِ فِيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْعَقْدِ فَلِهَذَا كَانَ الْفَسْخُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَصِيبِهِ كَأَنَّهُ كَانَ مُنْفَرِدًا بِهِ وَهُنَاكَ الْمُسْلَمُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلَ الْعَقْدِ وَجَوَازُ التَّصَرُّفِ بِاعْتِبَارِ وُجُوبِهِ بِالْعَقْدِ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِ كَشَطْرِ الْعِلَّةِ وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ الصُّلْحُ مِنْ أَحَدِهِمَا هُنَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَسْقُطَ حَقُّ رَبِّ السَّلَمِ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَيَتَقَرَّرُ فِي رَأْسِ الْمَالِ ثُمَّ يَعُودُ فِي السَّلَمِ فِيهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ تَقَابَلَا السَّلَمُ ثُمَّ أَرَادَ فَسْخَ الْإِقَالَةِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ بِخِلَافِ بَيْعِ الْعَيْنِ وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ الْآخَرَ إذَا اخْتَارَ الْمُشَارَكَةَ فِي الْمَقْبُوضِ مَعَ الْمَصَالِحِ كَانَ مَا بَقِيَ مِنْ طَعَامِ السَّلَمِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا
وَقَدْ سَقَطَ بِالصُّلْحِ حَقُّ الْمَصَالِحِ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَتَقَرَّرَ فِي رَأْسِ الْمَالِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ حَقُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ وَبِهِ فَارَقَ سَائِرَ الدُّيُونِ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ إنَّمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ حَقُّهُ فِيمَا كَانَ سَاقِطًا لِأَنَّ السَّاقِطَ مَثَلًا شَيْءٌ كَمَا فِي فَصْلِ الْإِقَالَةِ وَهُنَا إنَّمَا يَعُودُ بِحَقِّهِ فِيمَا هُوَ قَائِمٌ وَهُوَ النِّصْفُ الْبَاقِي مِنْ طَعَامِ السَّلَمِ وَأَمَّا بَيَانُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ يَقُولُ لِلْآخَرِ الْخِيَارُ فَإِنْ شَاءَ شَارَكَ الْقَابِضُ فِي الْمَقْبُوضِ لِأَنَّ أَصْلَ رَأْسِ الْمَالِ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فَلَا يُسَلَّمُ لَأَحَدِهِمَا مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا بِتَسْلِيمِ الْآخَرِ وَإِذَا شَارَكَهُ فِي الْمَقْبُوضِ كَانَ الْبَاقِي فِي ذِمَّةِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ الْمَقْبُوضُ لِلْقَابِضِ وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِطَعَامِ السَّلَمِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ عَنْ شَرِيكِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَإِذَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَالْغَاصِبِ مَعَ غَاصِبِ الْغَاصِبِ إذَا اخْتَارَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ تَضْمِينَ أَحَدِهِمَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فَيَضْمَنَ لِلْآخَرِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ نَوَى مَا عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى شَرِيكِهِ بِنِصْفِ الْمَقْبُوضِ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَلَّمَ لَهُ الْمَقْبُوضَ بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ مَا فِي ذِمَّةِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَإِذَا نَوَى بَطَلَ تَسْلِيمُهُ كَالْمُحْتَالِ عَلَيْهِ إذَا مَاتَ مُفْلِسًا عَادَ الدَّيْنُ إلَى ذِمَّةِ الْمُحِيلِ قَالَ : ( وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلَيْنِ لَهُمَا عَلَى رَجُلٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَصَالَحَهُ أَحَدُهُمَا مِنْ حِصَّتِهِ عَلَى ثَوْبٍ وَسَلَّمَ لَهُ الْآخَرُ وَاخْتَارَ اتِّبَاعَ الْمَدْيُونِ فَنَوَى مَا عَلَيْهِ ) كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى صَاحِبِ الثَّوْبِ فِي الثَّوْبِ فَيَأْخُذَ مِنْهُ نِصْفَهُ إلَّا أَنْ يَرْضَى صَاحِبُ الثَّوْبِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَلَا يُعْطِيهِ شَيْئًا مِنْ الثَّوْبِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ
وَالْخِيَارُ فِيهِ إلَى صَاحِبِ الثَّوْبِ كَمَا فِي 149 الِابْتِدَاءِ لَوْ اخْتَارَ الْمُشَارَكَةَ مَعَهُ كَانَ صَاحِبُ الثَّوْبِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُعْطِيَهُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَبَيْنَ أَنْ يُعْطِيَهُ نِصْفَ الثَّوْبُ لِأَنَّ مِنْ حُجَّتِهِ أَنْ يَقُولَ مَبْنَى الصُّلْحِ عَلَى التَّجَوُّزِ بِدُونِ الْحَقِّ إنَّمَا تَوَصَّلْتُ إلَى نَصِيبِي لِأَنَّى رَضِيتُ بِدُونِ حَقِّي بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى بِنَصِيبِهِ ثَوْبًا وَهَذَا فَرْقٌ مَعْرُوفٌ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بِالسَّلَمِ كَفِيلٌ فَصَالَحَ أَحَدُ صَاحِبِ السَّلَمِ مَعَ الْكَفِيلِ عَلَى رَأْسِ مَالِهِ فَهُوَ كَالصُّلْحِ مَعَ الْأَصِيلِ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي بَيَّنَّا
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث