المبسوط
المبسوط · الجزء الثالث عشر
قَالَ وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي فَهَلَكَتْ السِّلْعَةُ فِي يَدِهِ لَزِمَهُ الثَّمَنُ وَانْقَطَعَ الْخِيَارُ ; لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ التَّصَرُّفِ بِحُكْمِ الْخِيَارِ حِينَ أَشْرَفَتْ السِّلْعَةُ عَلَى الْهَلَاكِ فَإِنَّهَا قَدْ تَعَيَّنَتْ بِذَلِكَ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِحُكْمِ الْخِيَارِ إلَّا كَمَا قَبَضَهَا فَإِذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ سَقَطَ خِيَارُهُ ، وَتَمَّ الْبَيْعُ وَتَقَرَّرَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ لِكَوْنِهِ قَابِضًا لِلْمَبِيعِ وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابَ السِّلْعَةَ عَيْبٌ عِنْدَهُ بِفِعْلِهِ أَوْ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ أَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِفِعْلِ الْمَبِيعِ بِنَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ رَدِّهِ كَمَا قَبَضَ بِأَيِّ وَجْهٍ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ يَسْقُطُ خِيَارُهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا ; لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَحِلُّ إلَّا فِي مِلْكٍ مُسْتَقِرٍّ فَإِقْدَامُهُ عَلَى وَطْئِهَا مِنْ أَدَلِّ الدَّلَائِلِ عَلَى الرِّضَا بِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ فِيهَا ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ سُقُوطِ الْخِيَارِ ، وَكَذَلِكَ إنْ عَرَضَهَا لِلْبَيْعِ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَعْرِضُهَا عَلَى الْبَيْعِ لِبَيْعِهَا وَالْبَيْعُ تَصَرُّفٌ مِنْهُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ إسْقَاطِ الْخِيَارِ وَرِضَاهُ يُقَرِّرُ مِلْكَهُ فِيهَا .
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : قَدْ رَضِيتُهَا ; لِأَنَّهُ بِالرِّضَا يَسْقُطُ حَقُّهُ فِي الرَّدِّ وَلَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ شَيْءٌ ، فَالْمَبِيعُ لَازِمٌ فِي جَانِبِ الْبَائِعِ وَهُوَ رَاضٍ بِتَمَامِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ اخْتَارَ رَدَّهَا عَلَى الْبَائِعِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ ، وَلَهُ أَنْ يَرْضَى بَعْدَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَعْلَمْ الْبَائِعُ بِفَسْخِهِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ ، فَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ تَمَّ الْفَسْخُ ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْضَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِفَسْخِهِ حَتَّى مَضَتْ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ بَطَلَ ذَلِكَ الْفَسْخُ وَتَمَّ الْبَيْعُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ رَدُّهُ جَائِزٌ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْبَائِعِ وَبِغَيْرِ عِلْمِهِ ; لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ يُلَاقِي خَالِصَ حَقِّهِ فَيَكُونُ نَافِذًا كَالزَّوْجِ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ رَاجَعَهَا بِغَيْرِ عِلْمِهَا وَالْمُعْتَقَةِ إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ عِلْمِ الزَّوْجِ كَانَ اخْتِيَارُهَا صَحِيحًا ، وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ الْخِيَارَ خَالِصُ حَقِّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ ; وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْآخَرِ فِي تَصَرُّفِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ بِحُكْمِ الْخِيَارِ فَكَذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُ وَاعْتُبِرَ الْفَسْخُ بِالْإِجَارَةِ وَتَقْرِيرُ كَلَامِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَشْرُوطَ لَهُ الْخِيَارُ مُسَلَّطٌ عَلَى الْفَسْخِ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِهِ وَالْمُسَلَّطُ عَلَى التَّصَرُّفِ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْمُسَلَّطِ كَمَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْوَكِيلِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْمُوَكِّلِ ، وَالثَّانِي أَنَّ الْخِيَارَ شَرْطٌ لِيَدْفَعَ بِهِ الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْفَسْخِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ 45 مِنْ صَاحِبِهِ يَفُوتُ مَقْصُودُهُ ; لِأَنَّ الْآخَرَ يُخْفِي شَخْصَهُ حَتَّى تَمْضِيَ مُدَّةُ الْخِيَارِ فَيَلْزَمُهُ الْعَقْدُ شَاءَ أَوْ أَبَى .
وَلِهَذَا سَقَطَ اعْتِبَارُ رِضَاهُ فَكَذَلِكَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ حُضُورِهِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَيْبِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ فَلَوْ شَرَطْنَا حُضُورَ الْبَائِعِ فِيهِ لِلْفَسْخِ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُشْتَرِي مِنْ حَيْثُ سُقُوطُ خِيَارِهِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ ثُمَّ هُنَاكَ الْمُشْتَرِي غَيْرُ مُسَلَّطٍ عَلَى الْفَسْخِ ، وَإِنَّمَا لَهُ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِتَسْلِيمِ الْجُزْءِ الْفَائِتِ فَإِذَا تَحَقَّقَ عَجْزُ الْبَائِعِ عَنْهُ تَمَكَّنَ مِنْ الْفَسْخِ فَلَا يَتَحَقَّقُ عَجْزُهُ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَا : إنَّهُ بِالْفَسْخِ يَلْزَمُ غَيْرُهُ حَقًّا فَلَا يَبْطُلُ تَصَرُّفُهُ فِي حَقِّ ذَلِكَ الْغَيْرِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ كَالْمُوَكِّلِ إذَا عَزَلَ الْوَكِيلَ غَيْبَةً لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْعَزْلِ فِي حَقِّهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ ، وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ الْعَقْدَ مُنْعَقِدٌ مَعَ الْخِيَارِ وَبِالْفَسْخِ ارْتَفَعَ الِانْعِقَادُ فِي حَقِّ الْآخَرِ ، وَحُكْمُ الْفَسْخِ ضِدُّ حُكْمِ الْعَقْدِ فَعَرَفْنَا أَنَّ بِتَصَرُّفِهِ يَلْزَمُهُ غَيْرُهُ حَقًّا وَتَأْثِيرُهُ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ صَاحِبُهُ مِنْ الْعَمَلِ بِمُوجِبِ الْفَسْخِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْخِطَابِ فِي حَقِّ الْمُخَاطَبِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ كَمَا فِي خِطَابِ الشَّرْعِ يُقَرِّرُهُ أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَطْلُبُ لِسِلْعَتِهِ مُشْتَرِيًا آخَرَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ قَدْ تَمَّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ فَإِذَا جَاءَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ فَسَخَ الْعَقْدَ فَلَوْ ثَبَتَ حُكْمُ الْفَسْخِ فِي حَقِّهِ لَتَضَرَّرَ الْبَائِعُ بِهِ وَهَذَا ضَرَرٌ يَلْحَقُهُ بِتَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْفَسْخِ قَبْلَ عِلْمِهِ فِي حَقِّهِ فَالْمُشْتَرِي وَإِنْ تَضَرَّرَ وَلَكِنَّ هَذَا ضَرَرٌ يَلْحَقُهُ لَا مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ بَلْ لِعَجْزِ الْمُشْتَرِي عَنْ اتِّحَادِ شَرْطِ صِحَّةِ الْفَسْخِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ .
وَهَذَا بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ فَإِنَّهُ لَا يُلْزِمُ الْبَائِعَ بِإِجَارَتِهِ شَيْءٌ وَهُوَ نَظِيرُ الرِّضَى بِالْعَيْبِ مِنْ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِغَيْرِ عِلْمِ الْبَائِعِ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَلِأَنَّ الْعَقْدَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ يَصِيرُ غَيْرَ لَازِمٍ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ فَيَلْتَحِقُ بِالْعُقُودِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ لَازِمَةٍ كَالْوَكَالَاتِ وَالشَّرِكَاتِ وَالْمُضَارَبَاتِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ فَسْخَ هَذِهِ الْعُقُودِ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْ صَاحِبِهِ ، وَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ فَسْخَهَا بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ ، وَتَقْرِيرُ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ تَصَرُّفَ الْمَشْرُوطِ لَهُ الْخِيَارُ لَا يَنْعَقِدُ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ بِتَسْلِيطِهِ إيَّاهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَكَيْفَ يُقَالُ هُوَ مُسَلَّطٌ عَلَى الْفَسْخِ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِهِ وَصَاحِبُهُ لَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ ؟ ، وَلَكِنْ إنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْفَسْخِ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ لَازِمٍ فِي حَقِّهِ وَبِانْعِدَامِ صِفَةِ اللُّزُومِ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْفَسْخِ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ وَلَكِنْ إنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْفَسْخِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَمَا فِي الْوَكَالَاتِ وَالشَّرِكَاتِ وَالْمُضَارَبَاتِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ حَيْثُ يَتَصَرَّفُ بِغَيْرِ عِلْمِ الْمُوَكِّلِ ; لِأَنَّ الْوَكِيلَ مُسَلَّطٌ عَلَى التَّصَرُّفِ مِنْ جِهَةِ الْمُوَكَّلِ بِتَسْلِيطِهِ إيَّاهُ عَلَى التَّصَرُّفِ 46 فَوْقَ عِلْمِهِ بِهِ ، يُوَضِّحُهُ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ فِي الْعُقُودِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ لَازِمَةٍ كَالْوَكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ لَا يَجُوزُ وَلَوْ كَانَ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ لِيَتَمَكَّنَ بِهِ مِنْ الْفَسْخِ بِغَيْرِ عِلْمِ صَاحِبِهِ يَصِحُّ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ لِكَوْنِهِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فَحَيْثُ لَمْ يَصِحَّ عَرَفْنَا أَنَّ مُوجِبَ الْخِيَارِ دَفْعُ صِفَةِ اللُّزُومِ فَيَسْقُطُ ، وَلَيْسَ هَذَا كَالطَّلَاقِ فَإِنَّ الزَّوْجَ بِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ إنَّمَا يَرْفَعُ الْحِلَّ الثَّابِتَ لَهُ ، وَكَذَلِكَ فِي الرَّجْعَةِ لَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ ; لِأَنَّ النِّكَاحَ بَاقٍ بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ عَلَى حَالِهِ
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : قَدْ رَضِيتُهَا ; لِأَنَّهُ بِالرِّضَا يَسْقُطُ حَقُّهُ فِي الرَّدِّ وَلَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ شَيْءٌ ، فَالْمَبِيعُ لَازِمٌ فِي جَانِبِ الْبَائِعِ وَهُوَ رَاضٍ بِتَمَامِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ اخْتَارَ رَدَّهَا عَلَى الْبَائِعِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ ، وَلَهُ أَنْ يَرْضَى بَعْدَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَعْلَمْ الْبَائِعُ بِفَسْخِهِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ ، فَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ تَمَّ الْفَسْخُ ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْضَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِفَسْخِهِ حَتَّى مَضَتْ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ بَطَلَ ذَلِكَ الْفَسْخُ وَتَمَّ الْبَيْعُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ رَدُّهُ جَائِزٌ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْبَائِعِ وَبِغَيْرِ عِلْمِهِ ; لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ يُلَاقِي خَالِصَ حَقِّهِ فَيَكُونُ نَافِذًا كَالزَّوْجِ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ رَاجَعَهَا بِغَيْرِ عِلْمِهَا وَالْمُعْتَقَةِ إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ عِلْمِ الزَّوْجِ كَانَ اخْتِيَارُهَا صَحِيحًا ، وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ الْخِيَارَ خَالِصُ حَقِّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ ; وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْآخَرِ فِي تَصَرُّفِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ بِحُكْمِ الْخِيَارِ فَكَذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُ وَاعْتُبِرَ الْفَسْخُ بِالْإِجَارَةِ وَتَقْرِيرُ كَلَامِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَشْرُوطَ لَهُ الْخِيَارُ مُسَلَّطٌ عَلَى الْفَسْخِ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِهِ وَالْمُسَلَّطُ عَلَى التَّصَرُّفِ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْمُسَلَّطِ كَمَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْوَكِيلِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْمُوَكِّلِ ، وَالثَّانِي أَنَّ الْخِيَارَ شَرْطٌ لِيَدْفَعَ بِهِ الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْفَسْخِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ 45 مِنْ صَاحِبِهِ يَفُوتُ مَقْصُودُهُ ; لِأَنَّ الْآخَرَ يُخْفِي شَخْصَهُ حَتَّى تَمْضِيَ مُدَّةُ الْخِيَارِ فَيَلْزَمُهُ الْعَقْدُ شَاءَ أَوْ أَبَى .
وَلِهَذَا سَقَطَ اعْتِبَارُ رِضَاهُ فَكَذَلِكَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ حُضُورِهِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَيْبِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ فَلَوْ شَرَطْنَا حُضُورَ الْبَائِعِ فِيهِ لِلْفَسْخِ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُشْتَرِي مِنْ حَيْثُ سُقُوطُ خِيَارِهِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ ثُمَّ هُنَاكَ الْمُشْتَرِي غَيْرُ مُسَلَّطٍ عَلَى الْفَسْخِ ، وَإِنَّمَا لَهُ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِتَسْلِيمِ الْجُزْءِ الْفَائِتِ فَإِذَا تَحَقَّقَ عَجْزُ الْبَائِعِ عَنْهُ تَمَكَّنَ مِنْ الْفَسْخِ فَلَا يَتَحَقَّقُ عَجْزُهُ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَا : إنَّهُ بِالْفَسْخِ يَلْزَمُ غَيْرُهُ حَقًّا فَلَا يَبْطُلُ تَصَرُّفُهُ فِي حَقِّ ذَلِكَ الْغَيْرِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ كَالْمُوَكِّلِ إذَا عَزَلَ الْوَكِيلَ غَيْبَةً لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْعَزْلِ فِي حَقِّهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ ، وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ الْعَقْدَ مُنْعَقِدٌ مَعَ الْخِيَارِ وَبِالْفَسْخِ ارْتَفَعَ الِانْعِقَادُ فِي حَقِّ الْآخَرِ ، وَحُكْمُ الْفَسْخِ ضِدُّ حُكْمِ الْعَقْدِ فَعَرَفْنَا أَنَّ بِتَصَرُّفِهِ يَلْزَمُهُ غَيْرُهُ حَقًّا وَتَأْثِيرُهُ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ صَاحِبُهُ مِنْ الْعَمَلِ بِمُوجِبِ الْفَسْخِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْخِطَابِ فِي حَقِّ الْمُخَاطَبِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ كَمَا فِي خِطَابِ الشَّرْعِ يُقَرِّرُهُ أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَطْلُبُ لِسِلْعَتِهِ مُشْتَرِيًا آخَرَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ قَدْ تَمَّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ فَإِذَا جَاءَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ فَسَخَ الْعَقْدَ فَلَوْ ثَبَتَ حُكْمُ الْفَسْخِ فِي حَقِّهِ لَتَضَرَّرَ الْبَائِعُ بِهِ وَهَذَا ضَرَرٌ يَلْحَقُهُ بِتَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْفَسْخِ قَبْلَ عِلْمِهِ فِي حَقِّهِ فَالْمُشْتَرِي وَإِنْ تَضَرَّرَ وَلَكِنَّ هَذَا ضَرَرٌ يَلْحَقُهُ لَا مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ بَلْ لِعَجْزِ الْمُشْتَرِي عَنْ اتِّحَادِ شَرْطِ صِحَّةِ الْفَسْخِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ .
وَهَذَا بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ فَإِنَّهُ لَا يُلْزِمُ الْبَائِعَ بِإِجَارَتِهِ شَيْءٌ وَهُوَ نَظِيرُ الرِّضَى بِالْعَيْبِ مِنْ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِغَيْرِ عِلْمِ الْبَائِعِ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَلِأَنَّ الْعَقْدَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ يَصِيرُ غَيْرَ لَازِمٍ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ فَيَلْتَحِقُ بِالْعُقُودِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ لَازِمَةٍ كَالْوَكَالَاتِ وَالشَّرِكَاتِ وَالْمُضَارَبَاتِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ فَسْخَ هَذِهِ الْعُقُودِ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْ صَاحِبِهِ ، وَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ فَسْخَهَا بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ ، وَتَقْرِيرُ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ تَصَرُّفَ الْمَشْرُوطِ لَهُ الْخِيَارُ لَا يَنْعَقِدُ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ بِتَسْلِيطِهِ إيَّاهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَكَيْفَ يُقَالُ هُوَ مُسَلَّطٌ عَلَى الْفَسْخِ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِهِ وَصَاحِبُهُ لَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ ؟ ، وَلَكِنْ إنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْفَسْخِ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ لَازِمٍ فِي حَقِّهِ وَبِانْعِدَامِ صِفَةِ اللُّزُومِ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْفَسْخِ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ وَلَكِنْ إنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْفَسْخِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَمَا فِي الْوَكَالَاتِ وَالشَّرِكَاتِ وَالْمُضَارَبَاتِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ حَيْثُ يَتَصَرَّفُ بِغَيْرِ عِلْمِ الْمُوَكِّلِ ; لِأَنَّ الْوَكِيلَ مُسَلَّطٌ عَلَى التَّصَرُّفِ مِنْ جِهَةِ الْمُوَكَّلِ بِتَسْلِيطِهِ إيَّاهُ عَلَى التَّصَرُّفِ 46 فَوْقَ عِلْمِهِ بِهِ ، يُوَضِّحُهُ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ فِي الْعُقُودِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ لَازِمَةٍ كَالْوَكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ لَا يَجُوزُ وَلَوْ كَانَ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ لِيَتَمَكَّنَ بِهِ مِنْ الْفَسْخِ بِغَيْرِ عِلْمِ صَاحِبِهِ يَصِحُّ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ لِكَوْنِهِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فَحَيْثُ لَمْ يَصِحَّ عَرَفْنَا أَنَّ مُوجِبَ الْخِيَارِ دَفْعُ صِفَةِ اللُّزُومِ فَيَسْقُطُ ، وَلَيْسَ هَذَا كَالطَّلَاقِ فَإِنَّ الزَّوْجَ بِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ إنَّمَا يَرْفَعُ الْحِلَّ الثَّابِتَ لَهُ ، وَكَذَلِكَ فِي الرَّجْعَةِ لَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ ; لِأَنَّ النِّكَاحَ بَاقٍ بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ عَلَى حَالِهِ
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث