المبسوط
المبسوط · الجزء الثالث والعشرون
الصفحة 8519 · ص. المطبوع 66
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا فِي السَّنَةِ الْأُولَى بِبَذْرِهِ مَا بَدَا لَهُ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ ، وَعَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ بِبَذْرِهِ وَعَمَلِهِ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ لَهُ ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِائَةِ دِرْهَمٍ لِرَبِّ الْأَرْضِ ، وَعَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا فِي الثَّالِثَةِ بِبَذْرِ رَبِّ الْأَرْضِ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَلِلْمُزَارِعِ أَجْرُ مِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَهَذَا جَائِزٌ كُلُّهُ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا فِي السَّنَةِ الْأُولَى مُزَارَعَةٌ صَحِيحَةٌ بِنِصْفِ الْخَارِجِ سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ ، وَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ الْعَامِلُ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ لِمَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ ، وَفِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ رَبُّ الْأَرْضِ اسْتَأْجَرَ الْعَامِلَ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ ، وَكُلُّ عَقْدٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ صَحِيحٌ عِنْدَ الِانْفِرَادِ ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْجَمْعِ ; لِأَنَّ الْإِضَافَةَ إلَى وَقْتٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِجَارَةِ ، وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا أُرْزًا أَوْ قَالَ : رُزًّا - كُلُّ ذَلِكَ لُغَةٌ - عَشْرَ سِنِينَ ، وَيَغْرِسَهَا نَوَى بِبَذْرِهِ وَعَمَلِهِ ، وَعَلَى أَنْ يُحَوِّلَ ذَلِكَ مِنْ مَوْضِعِهِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْأَرْضِ ، وَيَسْقِيَهُ ، وَيَقُومَ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْهُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ ، فَهَذَا جَائِزٌ سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ ، أَوْ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا مُزَارَعَةٌ بِشَرَائِطِهَا ، وَإِنَّمَا فِي هَذَا الْعَقْدِ زِيَادَةُ شَرْطِ الْحَوَالَةِ عَلَى الْعَامِلِ ، وَهُوَ مِنْ عَمَلِ الزِّرَاعَةِ بِهِ يَزْكُو الرِّيعَ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ عَمَلِ الْكِرَابِ وَالسَّقْيِ عَلَيْهِ ثُمَّ الْحَوَالَةُ تَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُزْرَعُ كَالْبَاذِنْجَانِ وَالْأُرْزِ وَالْأَشْجَارِ ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ الصَّنْعَةِ ، وَرُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ ، فَلَا يُشْتَرَطُ إعْلَامُ مَا يُحَوِّلُهُ بِعَيْنِهِ إمَّا ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْعَادَةِ ، أَوْ لِأَنَّ فِي شَرْطِ إعْلَامِ ذَلِكَ بَعْضَ الْحَرَجِ ، وَالْحَرَجُ مَدْفُوعٌ ، وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضَيْنِ عَلَى أَنْ يَزْرَعَ هَذِهِ أُرْزًا أَوْ هَذِهِ أُرْزًا بِبَذْرِهِ ، وَعَلَى أَنْ يُحَوِّلَ مَا يَزْرَعُ فِي هَذِهِ فِي هَذِهِ الْأُخْرَى ، وَمَا يَزْرَعُ فِي هَذِهِ فِي هَذِهِ الْأُخْرَى ، وَيَسْقِيَهُ ، وَيَقُومَ عَلَيْهِ ، فَمَا خَرَجَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ ، فَهَذِهِ مُزَارَعَةٌ فَاسِدَةٌ ; لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ فِي أَرْضَيْنِ فِي إحْدَاهُمَا بِالزِّرَاعَةِ ، وَفِي الْأُخْرَى بِالْحَوَالَةِ ، عَلَى أَنْ تَكُونَ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْخَارِجِ مِنْ إحْدَاهُمَا ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ شَرَطَ عَلَيْهِ شَرْطًا لَا يُمْكِنُهُ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَهُوَ تَحْوِيلُ جَمِيعِ مَا يَنْبُتُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْضَيْنِ إلَى الْأَرْضِ الْأُخْرَى ، وَرُبَّمَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ لَا تَتَّسِعَ لَهُ الْأَرْضُ الْأُخْرَى ، يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَا يُحَوِّلُ جَمِيعَ مَا يَزْرَعُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ إلَى الْأَرْضِ الْأُخْرَى 66 إلَّا بَعْدَ أَنْ يَقْلَعَهُ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي زَرَعَ فِيهَا وَعَقْدُ الْمُزَارَعَةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْضَيْنِ مَعْقُودٌ عَلَى حِدَةٍ ، فَبِالْقَلْعِ يَنْتَهِي ، وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ شَرَطَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ عَقْدٍ عَمَلًا بَعْدَ انْتِهَاءِ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ بِخِلَافِ الْأَرْضِ الْوَاحِدَةِ ، فَالْعَقْدُ فِيهَا وَاحِدٌ ، وَلَا يَنْتَهِي بِتَحْوِيلِ بَعْضِ مَا نَبَتَ فِيهَا مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَرْضَيْنِ لَوْ شَرَطَا الزَّرْعَ فِي إحْدَاهُمَا ، وَالتَّحْوِيلَ إلَى الْأُخْرَى ، وَالْغَرْسَ فِي إحْدَاهُمَا ، وَالتَّحْوِيلَ إلَى الْأُخْرَى أَوْ كَانَتْ أَرْضًا وَاحِدَةً وَشَرَطَا أَنْ يَزْرَعَ أَوْ يَغْرِسَ نَاحِيَةً مِنْهَا مَعْلُومَةً عَلَى أَنْ يُحَوِّلَ ذَلِكَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا أُخْرَى مَعْلُومَةٍ ، فَهَذَا فَاسِدٌ ; لِأَنَّهُ إذَا مَيَّزَ إحْدَى النَّاحِيَتَيْنِ مِنْ الْأُخْرَى كَانَتَا فِي مَعْنَى أَرْضَيْنِ ، وَكَذَلِكَ هَذَا الْجَوَابُ فِي كُلِّ مَا يُحَوَّلُ ، كَالزَّعْفَرَانِ ، وَنَحْوِهِ إذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَرْضَهُ سَنَتَهُ هَذِهِ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا بِبَذْرِهِ قُرْطُمًا ، فَمَا خَرَجَ مِنْهَا مِنْ عُصْفُرٍ فَهُوَ لِلْمُزَارِعِ ، وَمَا خَرَجَ مِنْ قُرْطُمٍ فَهُوَ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَوْ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ ، سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ ; لِأَنَّ الْقُرْطُمَ وَالْعُصْفُرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رِيعٌ مَقْصُودٌ فِي هَذِهِ الزِّرَاعَةِ فَاشْتِرَاطُ أَحَدِ الْجِنْسَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ شَرْطٌ يُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ بِالْمُزَارَعَةِ ، وَهُوَ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا فِي الرِّيعِ ، وَرُبَّمَا يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا فِي الرِّيعِ مَعَ حُصُولِهِ بِأَنْ يَحْصُلَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ الْعُصْفُرُ ثُمَّ تُصِيبُهُ آفَةٌ فَلَا يَحْصُلُ الْقُرْطُمُ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ لِلَّذِي شُرِطَ لَهُ الْعُصْفُرُ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضًا ; لِيَزْرَعَهَا حِنْطَةً وَشَعِيرًا عَلَى أَنَّ الْحِنْطَةَ لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ وَالشَّعِيرَ لِلْآخَرِ بِعَيْنِهِ ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ نَوْعَانِ مِنْ الرِّيعِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودٌ كَبَذْرِ الْكَتَّانِ إذَا شُرِطَ لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ الْكَتَّانُ وَلِلْآخَرِ الْبَذْرُ وَالرُّطَبَةُ إذَا شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ بَذْرَ الرُّطَبَةِ وَلِلْآخَرِ الْعِنَبَ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ ، وَلَوْ شَرَطَا الْقُرْطُمَ لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ ، وَالْعُصْفُرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ أَوْ الْعُصْفُرَ لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ ، وَالْقُرْطُمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ مِنْ أَيِّهِمَا كَانَ الْبَذْرُ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رِيعٌ مَقْصُودٌ وَلَا يَجُوزُ فِي الْمُزَارَعَةِ تَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا بِشَرْطِ رِيعٍ مَقْصُودٍ لَهُ ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْكَتَّانِ وَبَذْرِهِ وَالرُّطَبَةِ وَبَذْرِهَا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ التِّبْنِ فَإِنَّهُ إذَا شَرَطَ لِصَاحِبِهِ الْبَذْرَ وَالْحَبُّ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ كَانَ جَائِزًا ; لِأَنَّ التِّبْنَ لَيْسَ بِرِيعٍ مَقْصُودٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَشْتَغِلُ بِالزِّرَاعَةِ لِمَقْصُودِ التِّبْنِ خَاصَّةً ، بَلْ الْمَقْصُودُ هُوَ الْحَبُّ ، فَإِذَا شَرَطَا الشَّرِكَةَ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ جَازَ الْعَقْدُ إنْ شَرَطَا تَخْصِيصَ صَاحِبِ الْبَذْرِ بِمَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ ، فَأَمَّا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ النَّوْعَيْنِ مَقْصُودٌ ، فَاشْتِرَاطُ تَخْصِيصِ أَحَدِهِمَا بِأَحَدِ النَّوْعَيْنِ يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمَا فِيمَا هُوَ مَقْصُودٌ ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ ، وَاشْتِرَاطُ بَذْرِ 67 الْبِطِّيخِ أَوْ الْقِثَّاءِ لِأَحَدِهِمَا بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ التِّبْنِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بَلْ هُوَ تَبَعٌ لِلْمَقْصُودِ كَالتِّينِ بِخِلَافِ بَذْرِ الرُّطَبَةِ فَإِنَّهُ مَقْصُودٌ ، وَرُبَّمَا بَلَغَ قِيمَةَ الْقَتِّ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعُصْفُرِ ، وَالْكَتَّانِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث