المبسوط
المبسوط · الجزء الثالث والعشرون
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا وَبَذْرًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا هُوَ وَعَبْدُهُ هَذَا فَمَا خَرَجَ فَلِلْمُزَارِعِ ثُلُثُهُ وَلِعَبْدِهِ ثُلُثُهُ ، وَلِرَبِّ الْأَرْضِ ثُلُثُهُ ، فَهَذَا جَائِزٌ ، وَمَا خَرَجَ فَلِلْمُزَارِعِ ثُلُثَاهُ : نَصِيبُهُ وَنَصِيبُ عَبْدِهِ ; لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ بَلْ الْمَوْلَى يَخْلُفُهُ فِي مِلْكِ مَا يَكُونُ مِنْ كَسْبِهِ ، فَاشْتِرَاطُ الثُّلُثِ لِعَبْدِ الْمُزَارِعِ يَكُونُ اشْتِرَاطًا لِلْمُزَارِعِ ، وَاشْتِرَاطُ عَمَلِ عَبْدِ الْمُزَارِعِ مَعَهُ ، كَاشْتِرَاطِ الْبَقَرِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ عَمَلَ الزِّرَاعَةِ يَتَأَتَّى لَهُ بِالْبَقَرِ ، وَبِمَنْ يُعِينُهُ عَلَى الْعَمَلِ ثُمَّ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْعَمَلِ عَلَى الْمُزَارِعِ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ فَكَذَلِكَ اشْتِرَاطُ عَمَلِ عَبْدِهِ مَعَهُ يَجُوزُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطَا عَلَى الْعَبْدِ عَمَلًا ، وَلَكِنَّهُ شَرَطَ لِعَبْدِهِ ثُلُثَ الرِّيعِ ، فَالْمَشْرُوطُ لِلْعَبْدِ مَشْرُوطٌ لِمَوْلَاهُ فَكَأَنَّهُ شَرَطَ الثُّلُثَيْنِ لِلْمُزَارِعِ ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَرَطَ الثُّلُثَ لِبَقَرِهِ ، فَذَلِكَ اشْتِرَاطٌ مِنْهُ لِصَاحِبِ الْبَقَرِ ، وَسَوَاءٌ شَرَطَ الْعَمَلَ بِبَقَرِهِ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ ، وَلَوْ شَرَطَ الثُّلُثَ لِمُكَاتَبِهِ ، أَوْ لِمُكَاتَبِ رَبِّ الْأَرْضِ ، فَإِنْ اشْتَرَطَ عَمَلَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ جَائِزٌ ، وَهُوَ مُزَارِعٌ مَعَهُ لَهُ ثُلُثُ الرِّيعِ ; لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ أَحَقُّ بِمَكَاسِبِهِ ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ يَدًا ، فَهَذَا فِي مَعْنَى دَفْعِ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ مُزَارَعَةً إلَى حُرَّيْنِ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثَ الْخَارِجِ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ عَمَلًا فَالْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ بَيْنَ الْمُزَارِعِ وَرَبِّ الْأَرْضِ ، فَاشْتِرَاطُ ثُلُثِ الْخَارِجِ لِلْمُكَاتَبِ بَاطِلٌ ، لِأَنَّ الْمَشْرُوطَ لِلْمُكَاتَبِ لَا يَكُونُ مَشْرُوطًا لِمَوْلَاهُ ; فَإِنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ كَسْبَ مُكَاتَبِهِ مَا بَقِيَتْ الْكِتَابَةُ ، فَالْمَشْرُوطُ لَهُ كَالْمَشْرُوطِ لِأَجْنَبِيٍّ آخَرَ ، وَبُطْلَانُ هَذَا الشَّرْطِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهِ بَذْرٌ وَلَا أَرْضٌ وَلَا عَمَلٌ ، وَالْخَارِجُ لَا يُسْتَحَقُّ إلَّا بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، وَلَكِنَّ هَذَا الشَّرْطَ وَرَاءَ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ بَيْنَ الْمُزَارِعِ وَرَبِّ الْأَرْضِ ، فَلَا يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ ، بَلْ يَكُونُ ثُلُثُ الرِّيعِ لِلْمُزَارِعِ كَمَا شُرِطَ لَهُ ، وَالثُّلُثَانِ لِرَبِّ الْأَرْضِ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ لَا يَسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ ، وَالْمُزَارِعُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ ، فَمَا وَرَاءَ الْمَشْرُوطِ لَهُ يَكُونُ لِرَبِّ الْبَذْرِ ، وَيُجْعَلُ مَا بَطَلَ الشَّرْطُ فِيهِ كَالْمَسْكُوتِ عَنْهُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ الثُّلُثَ لِامْرَأَتِهِ أَوْ لِابْنِهِ أَوْ لِأَبِيهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ لِأَجْنَبِيٍّ آخَرَ ، إنْ شَرَطَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ مَعَهُ كَانَ صَحِيحًا ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ 68 عَلَيْهِ الْعَمَلَ مَعَهُ كَانَ بَاطِلًا ، وَالْمُزَارَعَةُ بَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْمُزَارِعِ صَحِيحَةٌ بِالثُّلُثِ ، وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ مَا شَرَطَ لِعَبْدِ الْعَامِلِ ، فَهُوَ لِلْعَامِلِ سَوَاءٌ شَرَطَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ ، وَالْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ ، وَمَا شَرَطَ لِمُكَاتَبِهِ أَوْ لِابْنِهِ أَوْ لِامْرَأَتِهِ فَهُوَ كَالْمَشْرُوطِ لِأَجْنَبِيٍّ آخَرَ ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ فَهَذَا الشَّرْطُ بَاطِلٌ ، وَذَلِكَ الثُّلُثُ لِلْعَامِلِ ; لِأَنَّهُ نَمَاءُ بَذْرِهِ ، وَصَاحِبُ الْأَرْضِ يَسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ إلَّا مَا شُرِطَ لَهُ ، وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ ، وَعَمِلَ مَعَهُ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ عَلَى الْمُزَارِعِ ; لِأَنَّ الْمُزَارِعَ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ بِثُلُثِ الْخَارِجِ ثُمَّ اسْتَأْجَرَ الْعَامِلَ بِثُلُثِ الْخَارِجِ ; لِيَعْمَلَ مَعَهُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ يَفْسُدُ بَيْنَهُمَا ; لِانْعِدَامِ التَّخْلِيَةِ حِينَ شَرَطَ عَمَلَ صَاحِبِ الْبَذْرِ الْمُسْتَأْجِرِ لِلْأَرْضِ مَعَ الْعَامِلِ الْآخَرِ ، وَلَكِنَّهُمَا عَقْدَانِ مُخْتَلِفَانِ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَخْصَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ; فَبِفَسَادِ أَحَدِهِمَا لَا يَفْسُدُ الْآخَرُ ، فَيَكُونُ لِلْعَامِلِ الْآخَرِ أَجْرُ مِثْلِهِ عَلَى الْمُزَارِعِ ; لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى عَمَلَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ ، وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ ثُلُثُ الْخَارِجِ ; لِأَنَّهُ شَرَطَ لَهُ ذَلِكَ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ ، وَثُلُثَا الزَّرْعِ طَيِّبٌ لِلْعَامِلِ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ خُبْثٌ مِنْ جَانِبِ الْأَرْضِ ، حَيْثُ صَحَّ الْعَقْدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ فَيَطِيبُ لَهُ ثُلُثُ الرِّيعِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ عَمَلَ رَبِّ الْأَرْضِ فَهُوَ كَاشْتِرَاطِ بَقَرِ رَبِّ الْأَرْضِ ، وَذَلِكَ يُفْسِدُ الْمُزَارَعَةَ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَعَبْدُ رَبِّ الْأَرْضِ إذَا كَانَ مَدْيُونًا بِمَنْزِلَةِ مُكَاتَبِهِ ; لِأَنَّ كَسْبَهُ حَقُّ غُرَمَائِهِ ، وَالْمَشْرُوطُ لَهُ لَا يَكُونُ مَشْرُوطًا لِمَوْلَاهُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ فَالْمَشْرُوطُ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ مَشْرُوطًا عَلَى مَوْلَاهُ ، فَيَكُونُ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ ، وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ بَيْنَ الْعَامِلِ الَّذِي مِنْ قِبَلِهِ الْبَذْرُ وَبَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ بِثُلُثِ الْخَارِجِ كَمَا شُرِطَ لِرَبِّ الْأَرْضِ
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث