مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل · الجزء الرابع
ص ( وَإِنْ بَطَلَتْ فُلُوسٌ فَالْمِثْلُ أَوْ عَدِمَتْ فَالْقِيمَةُ وَقْتَ اجْتِمَاعِ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْعَدَمِ )
ش : يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَقْرَضَ فُلُوسًا أَوْ بَاعَ بِهَا سِلْعَةً ، ثُمَّ إنَّهُ بَطَلَ التَّعَامُلُ بِتِلْكَ الْفُلُوسِ وَصَارَ التَّعَامُلُ بِغَيْرِهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُ الْفُلُوسُ مَا دَامَتْ مَوْجُودَةً وَلَوْ رَخُصَتْ أَوْ غَلَتْ فَإِنْ عَدِمَتْ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَمْ تُوجَدْ فَلَهُ قِيمَةُ الْفُلُوسِ مِنْ يَوْمِ يَجْتَمِعُ اسْتِحْقَاقُهَا ، أَيْ وُجُوبُهَا وَحُلُولُهَا وَعَدَمُهَا ، أَيْ انْقِطَاعُهَا وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْأَخِيرِ مِنْهُمَا فَإِنْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ أَوَّلًا فَلَيْسَ لَهُ الْقِيمَةُ إلَّا يَوْمَ الْعَدَمِ ، وَإِنْ كَانَ الْعَدَمُ أَوَّلًا فَلَيْسَ لَهُ الْقِيمَةُ إلَّا يَوْمَ الِاسْتِحْقَاقِ ، وَهَذَا كَأَقْصَى الْأَجَلَيْنِ فِي الْعِدَّةِ .
( تَنْبِيهٌ ) لَا خُصُوصِيَّةَ فِي الْفُلُوسِ بَلْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي التَّلْقِينِ وَالْجَلَّابِ وَغَيْرِهِمَا قَالَ فِي التَّلْقِينِ : وَمَنْ بَاعَ بِنَقْدٍ أَوْ قَرْضٍ ، ثُمَّ بَطَلَ التَّعَامُلُ بِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، وَإِنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ إنْ فُقِدَ ا هـ . وَقَالَ فِي الْجَلَّابِ : وَمَنْ اقْتَرَضَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ فُلُوسًا أَوْ بَاعَ بِهَا وَهِيَ سِكَّةٌ مَعْرُوفَةٌ ، ثُمَّ غَيَّرَ السُّلْطَانُ السِّكَّةَ بِغَيْرِهَا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مِثْلَ السِّكَّةِ الَّتِي قَبَضَهَا وَلَزِمَتْهُ يَوْمَ الْعَقْدِ ا هـ . قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِهِ : وَلَوْ انْقَطَعَ ذَلِكَ النَّقْدُ حَتَّى لَا يُوجَدُ لَكَانَ لَهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ انْقَطَعَتْ إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا وَإِلَّا فَيَوْمَ يَحِلُّ الْأَجَلُ لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْمُطَالَبَةِ قَبْلَ ذَلِكَ ا هـ . وَأَصْلُهُ لِلتِّلْمِسَانِيِّ ، وَقَوْلُهُ فِي الْجَلَّابِ : مِثْلُ السِّكَّةِ الَّتِي قَبَضَهَا يَعْنِي فِي الْقَرْضِ وَقَوْلُهُ : وَلَزِمَتْهُ يَوْمَ الْعَقْدِ يَعْنِي فِي الْبَيْعِ فَهُوَ مِنْ بَابِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ وَبِذَلِكَ أَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الشُّيُوخِ .
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ إذَا قُطِعَتْ وَبَدَّلَ غَيْرَهَا فَمَا الْوَاجِبِ فِي الدُّيُونِ وَالْمُعَامَلَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَشِبْهِهَا ؟ فَأَجَابَ الْمَنْصُوصُ لِأَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا يُحْكَمُ إلَّا بِمَا وَقَعَتْ بِهِ الْمُعَامَلَةُ ، فَقَالَ السَّائِلُ : بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَقُولُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ إلَّا بِالْمُتَأَخِّرِ لِإِبْطَالِ السُّلْطَانِ إيَّاهَا فَصَارَتْ كَالْعَدَمِ ، فَقَالَ : لَا يُلْتَفَتُ لِهَذَا إذْ لَمْ يَقُلْ بِهِ عَالِمٌ وَنَقْضٌ لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ وَمُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِلنَّهْيِ عَنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ بَيْعَ عَرْضٍ بِعَرْضٍ لَا يَجُوزُ وَلِمُبْتَاعِهِ فَسْخُ الْعَقْدِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَكَذَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ فُلُوسٌ وَقَطَعَهَا السُّلْطَانُ وَجَعَلَ مَكَانَهَا دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ أَنَّ عَلَيْهِ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ وَتَبْطُلُ الْفُلُوسُ أَوْ أَنَّ السُّلْطَانَ إذَا بَدَّلَ الْمِكْيَالَ بِأَصْغَرَ مِنْهُ أَوْ أَكْبَرَ وَالْمَوَازِينَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ تَعَامَلَا بِهَا أَنْ يَأْخُذَ بِالْمِكْيَالِ أَوْ الْمِيزَانِ الْمُحْدَثِ ، وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ ، وَهَذَا مِمَّا لَا خَفَاءَ فِي بُطْلَانِهِ ( قُلْت ) فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ لَكَ عَلَيْهِ فُلُوسٌ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ فَأُسْقِطَتْ لَمْ تَتْبَعْهُ إلَّا بِهَا ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ فِي الدَّرَاهِمِ إذَا أُسْقِطَتْ ، وَهُوَ نَحْوُ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ رُشْدٍ أَبُو حَفْصٍ مَنْ لَكَ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ فَقُطِعَتْ فَلَمْ تُوجَدْ فَقِيمَتُهَا مِنْ الذَّهَبِ بِمَا تُسَاوِي يَوْمَ الْحُكْمِ لَوْ وُجِدَتْ وَأَجَابَ الصَّائِغُ عَمَّا إذَا فَسَدَتْ السِّكَّةُ وَبَاعَهُ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ ، وَصَارَتْ غَيْرَهَا وَصَارَ الْأَمْرُ إلَى خِلَافِ مَا دَخَلَا عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ دَفَعَهَا إلَيْهِ بِهَذِهِ السِّكَّةِ الْمَوْجُودَةِ الْآنَ ، وَقَدْ اضْطَرَبَ فِي هَذَا الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ .
وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي ثَمَانِيَةِ أَبِي زَيْدٍ ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ إذَا أُسْقِطَتْ يَتْبَعُهُ بِقِيمَةِ السِّلْعَةِ يَوْمَ قُبِضَتْ ; لِأَنَّ الْفُلُوسَ لَا ثَمَنَ لَهَا وَوَجْهُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا جَائِحَةٌ نَزَلَتْ بِهِ ، وَهَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ غَيْرُ مَا حَكَى ابْنُ رُشْدٍ ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ : لَوْ كَانَتْ مِائَةَ فَلْسٍ بِدِرْهَمٍ ، ثُمَّ صَارَتْ أَلْفَ فَلْسٍ بِدِرْهَمٍ فَلَمْ تُوجَدْ كَانَ لَهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ يَحِلُّ الْأَجَلُ ; لِأَنَّ بِالْقِيمَةِ وَقَعَ التَّأْخِيرُ وَلَا يُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ انْقَطَعَتْ إذْ لَمْ يُتَوَجَّهْ الطَّلَبُ حِينَئِذٍ ، وَإِنْ أَخَّرَ بَعْدَ الْأَجَلِ أَجَلًا ثَانِيًا فَالْقِيمَةُ يَوْمَ حَلَّ الْأَجَلُ الْأَوَّلُ ، وَفِي كِتَابِ الرُّهُونِ : الْقِيمَةُ يَوْمَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ يَأْتِي الْكَوَالِئُ الَّتِي انْقَطَعَتْ سِكَّتُهَا مِنْ الدُّيُونِ وَالصَّدَقَاتِ ا هـ كَلَامُ الْبُرْزُلِيِّ وَمَسْأَلَةُ 341 الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي آخَرِ كِتَابِ الصَّرْفِ عَلَى نَصِّ مَا ذَكَرَهُ ، وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا فِي كِتَابِ الرُّهُونِ : وَمَنْ أَسْلَفْتَهُ فُلُوسًا فَأَخَذْت فِيهَا رَهْنًا فَعَسَرَتْ الْفُلُوسُ فَلَيْسَ لَكَ عَلَيْهِ إلَّا مِثْلُ فُلُوسِكَ وَيَأْخُذُ رَهْنَهُ ، وَإِنْ بِعْتَهُ سِلْعَةً بِفُلُوسٍ إلَى أَجَلٍ فَإِنَّمَا لَكَ نَقْدُ الْفُلُوسِ يَوْمَ الْبَيْعِ وَلَا يُلْتَفَتُ لِكَسَادِهَا ، وَكَذَلِكَ إنْ أَقْرَضْتَهُ دِرْهَمَ فُلُوسٍ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ مِائَةُ فَلْسٍ بِدِرْهَمٍ ، ثُمَّ صَارَ مِائَتَا فَلْسٍ بِدِرْهَمٍ فَإِنَّمَا يَرُدُّ إلَيْكَ مَا أَخَذَ لَا غَيْرُ ذَلِكَ ا هـ .
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قُطِعَ التَّعَامُلُ بِهَا إنْ جَعَلَ الْإِمَامُ سِكَّةً أُخْرَى ابْنُ يُونُسَ : وَلَوْ قُطِعَتْ وَلَمْ تُوجَدْ لَكَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْحُكْمِ ; لِأَنَّهَا فِي ذِمَّتِهِ إلَى يَوْمِ تَحَاكُمِهِ فِيهَا وَيَقْضِي عَلَيْهِ فِيهَا وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ دَفَعَهَا إلَيْهِ ; لِأَنَّهَا لَوْ فَسَدَتْ فَوَجَدَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا مِثْلُهَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَئِذٍ ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ : وَلَوْ قُطِعَتْ وَلَمْ تُوجَدْ كَانَ قِيمَتُهَا يَوْمَ انْقَطَعَتْ إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا ، وَإِنْ كَانَتْ إلَى أَجَلٍ فَانْقَطَعَتْ قَبْلَ الْأَجَل كَانَ لَهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ يَحِلُّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ انْقَطَعَتْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَوَجَّهَ لَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ طَلَبٌ ، وَإِنْ أَخَّرَهُ بَعْدَ الْأَجَلِ أَجَلًا ثَانِيًا كَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ حُلُولِ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ بِالْقِيمَةِ وَجَبَ التَّأْخِيرُ . الشَّيْخُ فَانْظُرْ عَلَى هَذَا إذَا وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ بِسِكَّةٍ قَدِيمَةٍ فَلَمْ تُوجَدْ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ يُونُسَ يَكُونُ عَلَى الشَّفِيعِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْحُكْمِ بِالشُّفْعَةِ وَعَلَى قَوْلِ اللَّخْمِيِّ يَوْمَ انْقَطَعَتْ ، وَقَوْلُ ابْنِ يُونُسَ أَصْوَبُ ، وَكَذَلِكَ الْمَشْهُورُ عَلَى هَذَا وَقَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّمَا لَكَ عَلَيْهِ نَقْدُ الْفُلُوسِ يَعْنِي سِكَّةَ الْفُلُوسِ ا هـ . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ مَسْأَلَةَ الرُّهُونِ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ فَقَالَ : وَمِنْ الرُّهُون : وَمَنْ اسْتَقْرَضْتَهُ دَرَاهِمَ فُلُوسٍ ، وَهُوَ يَوْمَ قَبْضِهَا مِائَةٌ بِدِرْهَمٍ ، ثُمَّ صَارَتْ مِائَتَيْنِ لَمْ تُرَدَّ إلَيْهِ إلَّا عِدَّةُ مَا قُبِضَتْ وَشَرْطُكُمَا غَيْرُ ذَلِكَ بَاطِلٌ انْتَهَى . فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ : " أَوْ عَدِمَتْ " فَالْقِيمَةُ وَقْتَ اجْتِمَاعِ الِاسْتِحْقَاقِ ، وَالْعَدَمُ هَذَا اخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ مُحْرِزٍ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ ، وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ ابْنِ يُونُسَ إنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْحُكْمِ وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ وَأَبُو حَفْصٍ .
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ : وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ : هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ ، وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ وَالْعَجَبُ مِنْ الشَّيْخِ ابْنِ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْزِ هَذَا إلَّا لِنَقْلِ ابْنِ بَشِيرٍ وَعَزَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ لِبَعْضِ الشُّيُوخِ
ش : يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَقْرَضَ فُلُوسًا أَوْ بَاعَ بِهَا سِلْعَةً ، ثُمَّ إنَّهُ بَطَلَ التَّعَامُلُ بِتِلْكَ الْفُلُوسِ وَصَارَ التَّعَامُلُ بِغَيْرِهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُ الْفُلُوسُ مَا دَامَتْ مَوْجُودَةً وَلَوْ رَخُصَتْ أَوْ غَلَتْ فَإِنْ عَدِمَتْ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَمْ تُوجَدْ فَلَهُ قِيمَةُ الْفُلُوسِ مِنْ يَوْمِ يَجْتَمِعُ اسْتِحْقَاقُهَا ، أَيْ وُجُوبُهَا وَحُلُولُهَا وَعَدَمُهَا ، أَيْ انْقِطَاعُهَا وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْأَخِيرِ مِنْهُمَا فَإِنْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ أَوَّلًا فَلَيْسَ لَهُ الْقِيمَةُ إلَّا يَوْمَ الْعَدَمِ ، وَإِنْ كَانَ الْعَدَمُ أَوَّلًا فَلَيْسَ لَهُ الْقِيمَةُ إلَّا يَوْمَ الِاسْتِحْقَاقِ ، وَهَذَا كَأَقْصَى الْأَجَلَيْنِ فِي الْعِدَّةِ .
( تَنْبِيهٌ ) لَا خُصُوصِيَّةَ فِي الْفُلُوسِ بَلْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي التَّلْقِينِ وَالْجَلَّابِ وَغَيْرِهِمَا قَالَ فِي التَّلْقِينِ : وَمَنْ بَاعَ بِنَقْدٍ أَوْ قَرْضٍ ، ثُمَّ بَطَلَ التَّعَامُلُ بِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، وَإِنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ إنْ فُقِدَ ا هـ . وَقَالَ فِي الْجَلَّابِ : وَمَنْ اقْتَرَضَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ فُلُوسًا أَوْ بَاعَ بِهَا وَهِيَ سِكَّةٌ مَعْرُوفَةٌ ، ثُمَّ غَيَّرَ السُّلْطَانُ السِّكَّةَ بِغَيْرِهَا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مِثْلَ السِّكَّةِ الَّتِي قَبَضَهَا وَلَزِمَتْهُ يَوْمَ الْعَقْدِ ا هـ . قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِهِ : وَلَوْ انْقَطَعَ ذَلِكَ النَّقْدُ حَتَّى لَا يُوجَدُ لَكَانَ لَهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ انْقَطَعَتْ إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا وَإِلَّا فَيَوْمَ يَحِلُّ الْأَجَلُ لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْمُطَالَبَةِ قَبْلَ ذَلِكَ ا هـ . وَأَصْلُهُ لِلتِّلْمِسَانِيِّ ، وَقَوْلُهُ فِي الْجَلَّابِ : مِثْلُ السِّكَّةِ الَّتِي قَبَضَهَا يَعْنِي فِي الْقَرْضِ وَقَوْلُهُ : وَلَزِمَتْهُ يَوْمَ الْعَقْدِ يَعْنِي فِي الْبَيْعِ فَهُوَ مِنْ بَابِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ وَبِذَلِكَ أَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الشُّيُوخِ .
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ إذَا قُطِعَتْ وَبَدَّلَ غَيْرَهَا فَمَا الْوَاجِبِ فِي الدُّيُونِ وَالْمُعَامَلَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَشِبْهِهَا ؟ فَأَجَابَ الْمَنْصُوصُ لِأَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا يُحْكَمُ إلَّا بِمَا وَقَعَتْ بِهِ الْمُعَامَلَةُ ، فَقَالَ السَّائِلُ : بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَقُولُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ إلَّا بِالْمُتَأَخِّرِ لِإِبْطَالِ السُّلْطَانِ إيَّاهَا فَصَارَتْ كَالْعَدَمِ ، فَقَالَ : لَا يُلْتَفَتُ لِهَذَا إذْ لَمْ يَقُلْ بِهِ عَالِمٌ وَنَقْضٌ لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ وَمُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِلنَّهْيِ عَنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ بَيْعَ عَرْضٍ بِعَرْضٍ لَا يَجُوزُ وَلِمُبْتَاعِهِ فَسْخُ الْعَقْدِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَكَذَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ فُلُوسٌ وَقَطَعَهَا السُّلْطَانُ وَجَعَلَ مَكَانَهَا دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ أَنَّ عَلَيْهِ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ وَتَبْطُلُ الْفُلُوسُ أَوْ أَنَّ السُّلْطَانَ إذَا بَدَّلَ الْمِكْيَالَ بِأَصْغَرَ مِنْهُ أَوْ أَكْبَرَ وَالْمَوَازِينَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ تَعَامَلَا بِهَا أَنْ يَأْخُذَ بِالْمِكْيَالِ أَوْ الْمِيزَانِ الْمُحْدَثِ ، وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ ، وَهَذَا مِمَّا لَا خَفَاءَ فِي بُطْلَانِهِ ( قُلْت ) فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ لَكَ عَلَيْهِ فُلُوسٌ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ فَأُسْقِطَتْ لَمْ تَتْبَعْهُ إلَّا بِهَا ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ فِي الدَّرَاهِمِ إذَا أُسْقِطَتْ ، وَهُوَ نَحْوُ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ رُشْدٍ أَبُو حَفْصٍ مَنْ لَكَ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ فَقُطِعَتْ فَلَمْ تُوجَدْ فَقِيمَتُهَا مِنْ الذَّهَبِ بِمَا تُسَاوِي يَوْمَ الْحُكْمِ لَوْ وُجِدَتْ وَأَجَابَ الصَّائِغُ عَمَّا إذَا فَسَدَتْ السِّكَّةُ وَبَاعَهُ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ ، وَصَارَتْ غَيْرَهَا وَصَارَ الْأَمْرُ إلَى خِلَافِ مَا دَخَلَا عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ دَفَعَهَا إلَيْهِ بِهَذِهِ السِّكَّةِ الْمَوْجُودَةِ الْآنَ ، وَقَدْ اضْطَرَبَ فِي هَذَا الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ .
وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي ثَمَانِيَةِ أَبِي زَيْدٍ ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ إذَا أُسْقِطَتْ يَتْبَعُهُ بِقِيمَةِ السِّلْعَةِ يَوْمَ قُبِضَتْ ; لِأَنَّ الْفُلُوسَ لَا ثَمَنَ لَهَا وَوَجْهُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا جَائِحَةٌ نَزَلَتْ بِهِ ، وَهَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ غَيْرُ مَا حَكَى ابْنُ رُشْدٍ ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ : لَوْ كَانَتْ مِائَةَ فَلْسٍ بِدِرْهَمٍ ، ثُمَّ صَارَتْ أَلْفَ فَلْسٍ بِدِرْهَمٍ فَلَمْ تُوجَدْ كَانَ لَهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ يَحِلُّ الْأَجَلُ ; لِأَنَّ بِالْقِيمَةِ وَقَعَ التَّأْخِيرُ وَلَا يُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ انْقَطَعَتْ إذْ لَمْ يُتَوَجَّهْ الطَّلَبُ حِينَئِذٍ ، وَإِنْ أَخَّرَ بَعْدَ الْأَجَلِ أَجَلًا ثَانِيًا فَالْقِيمَةُ يَوْمَ حَلَّ الْأَجَلُ الْأَوَّلُ ، وَفِي كِتَابِ الرُّهُونِ : الْقِيمَةُ يَوْمَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ يَأْتِي الْكَوَالِئُ الَّتِي انْقَطَعَتْ سِكَّتُهَا مِنْ الدُّيُونِ وَالصَّدَقَاتِ ا هـ كَلَامُ الْبُرْزُلِيِّ وَمَسْأَلَةُ 341 الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي آخَرِ كِتَابِ الصَّرْفِ عَلَى نَصِّ مَا ذَكَرَهُ ، وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا فِي كِتَابِ الرُّهُونِ : وَمَنْ أَسْلَفْتَهُ فُلُوسًا فَأَخَذْت فِيهَا رَهْنًا فَعَسَرَتْ الْفُلُوسُ فَلَيْسَ لَكَ عَلَيْهِ إلَّا مِثْلُ فُلُوسِكَ وَيَأْخُذُ رَهْنَهُ ، وَإِنْ بِعْتَهُ سِلْعَةً بِفُلُوسٍ إلَى أَجَلٍ فَإِنَّمَا لَكَ نَقْدُ الْفُلُوسِ يَوْمَ الْبَيْعِ وَلَا يُلْتَفَتُ لِكَسَادِهَا ، وَكَذَلِكَ إنْ أَقْرَضْتَهُ دِرْهَمَ فُلُوسٍ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ مِائَةُ فَلْسٍ بِدِرْهَمٍ ، ثُمَّ صَارَ مِائَتَا فَلْسٍ بِدِرْهَمٍ فَإِنَّمَا يَرُدُّ إلَيْكَ مَا أَخَذَ لَا غَيْرُ ذَلِكَ ا هـ .
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قُطِعَ التَّعَامُلُ بِهَا إنْ جَعَلَ الْإِمَامُ سِكَّةً أُخْرَى ابْنُ يُونُسَ : وَلَوْ قُطِعَتْ وَلَمْ تُوجَدْ لَكَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْحُكْمِ ; لِأَنَّهَا فِي ذِمَّتِهِ إلَى يَوْمِ تَحَاكُمِهِ فِيهَا وَيَقْضِي عَلَيْهِ فِيهَا وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ دَفَعَهَا إلَيْهِ ; لِأَنَّهَا لَوْ فَسَدَتْ فَوَجَدَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا مِثْلُهَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَئِذٍ ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ : وَلَوْ قُطِعَتْ وَلَمْ تُوجَدْ كَانَ قِيمَتُهَا يَوْمَ انْقَطَعَتْ إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا ، وَإِنْ كَانَتْ إلَى أَجَلٍ فَانْقَطَعَتْ قَبْلَ الْأَجَل كَانَ لَهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ يَحِلُّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ انْقَطَعَتْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَوَجَّهَ لَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ طَلَبٌ ، وَإِنْ أَخَّرَهُ بَعْدَ الْأَجَلِ أَجَلًا ثَانِيًا كَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ حُلُولِ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ بِالْقِيمَةِ وَجَبَ التَّأْخِيرُ . الشَّيْخُ فَانْظُرْ عَلَى هَذَا إذَا وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ بِسِكَّةٍ قَدِيمَةٍ فَلَمْ تُوجَدْ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ يُونُسَ يَكُونُ عَلَى الشَّفِيعِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْحُكْمِ بِالشُّفْعَةِ وَعَلَى قَوْلِ اللَّخْمِيِّ يَوْمَ انْقَطَعَتْ ، وَقَوْلُ ابْنِ يُونُسَ أَصْوَبُ ، وَكَذَلِكَ الْمَشْهُورُ عَلَى هَذَا وَقَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّمَا لَكَ عَلَيْهِ نَقْدُ الْفُلُوسِ يَعْنِي سِكَّةَ الْفُلُوسِ ا هـ . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ مَسْأَلَةَ الرُّهُونِ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ فَقَالَ : وَمِنْ الرُّهُون : وَمَنْ اسْتَقْرَضْتَهُ دَرَاهِمَ فُلُوسٍ ، وَهُوَ يَوْمَ قَبْضِهَا مِائَةٌ بِدِرْهَمٍ ، ثُمَّ صَارَتْ مِائَتَيْنِ لَمْ تُرَدَّ إلَيْهِ إلَّا عِدَّةُ مَا قُبِضَتْ وَشَرْطُكُمَا غَيْرُ ذَلِكَ بَاطِلٌ انْتَهَى . فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ : " أَوْ عَدِمَتْ " فَالْقِيمَةُ وَقْتَ اجْتِمَاعِ الِاسْتِحْقَاقِ ، وَالْعَدَمُ هَذَا اخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ مُحْرِزٍ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ ، وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ ابْنِ يُونُسَ إنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْحُكْمِ وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ وَأَبُو حَفْصٍ .
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ : وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ : هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ ، وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ وَالْعَجَبُ مِنْ الشَّيْخِ ابْنِ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْزِ هَذَا إلَّا لِنَقْلِ ابْنِ بَشِيرٍ وَعَزَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ لِبَعْضِ الشُّيُوخِ
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث