فتح القدير
فتح القدير · الجزء الثاني
الصفحة 1189 · ص. المطبوع 457 · الشرح
( قَوْلُهُ وَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ۝ وَلْيُصَلِّ الطَّائِفُ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ } ) لَمْ يُعْرَفْ هَذَا الْحَدِيثُ .
نَعَمْ فِعْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُمَا ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَجَمِيعِ كُتُبِ الْحَدِيثِ ، إلَّا أَنَّ مُفِيدَ الْوُجُوبِ مِنْ الْفِعْلِ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْفِعْلِ إذْ هُوَ يُفِيدُ الْمُوَاظَبَةَ الْمَقْرُونَةَ بِعَدَمِ التَّرْكِ مَرَّةً ، وَقَدْ يَثْبُتُ اسْتِدْلَالًا بِمَا يَسْتَقِلُّ بِإِثْبَاتِ نَفْسِ الْمَطْلُوبِ فَيَثْبُتَانِ مَعًا . وَهُوَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا انْتَهَى إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَرَأَ { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } نَبَّهَ بِالتِّلَاوَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُ هَذِهِ امْتِثَالًا لِهَذَا الْأَمْرِ .
وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ ، إلَّا أَنَّ اسْتِفَادَةَ ذَلِكَ مِنْ التَّنْبِيهِ وَهُوَ ظَنِّيٌ ، فَكَانَ الثَّابِتُ الْوُجُوبَ أَيْ بِالْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ ، وَيَلْزَمُهُ حُكْمُنَا بِمُوَاظَبَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ إذْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ تَرْكُ الْوَاجِبِ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { ۝ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إذَا طَافَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَيَمْشِي أَرْبَعًا ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ } وَهُوَ لَا يُفِيدُ عُمُومَ فِعْلِهِ إيَّاهُمَا عَقِيبَ كُلِّ طَوَافٍ .
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مُرْسَلًا أَخْبَرَنَا مِنْدَلٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ } وَفِي الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا قَالَ إسْمَاعِيلُ : قُلْت لِلزُّهْرِيِّ : إنَّ عَطَاءً يَقُولُ تُجْزِيهِ الْمَكْتُوبَةُ مِنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ ، فَقَالَ : السُّنَّةُ أَفْضَلُ ، لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسْبُوعًا قَطُّ إلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ . وَقَوْلُ شُذُوذٍ مِنَّا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَا وَاجِبَتَيْنِ عَقِبَ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ لَا غَيْرُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِإِطْلَاقِ الْأَدِلَّةِ . وَيُكْرَهُ وَصْلُ الْأَسَابِيعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ ، وَسَنَذْكُرُ تَمَامَ هَذَا فِي فُرُوعٍ تَتَعَلَّقُ بِالطَّوَافِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ لَوْ نَسِيَهُمَا فَلَمْ يَتَذَكَّرْ إلَّا بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِي طَوَافٍ آخَرَ إنْ كَانَ قَبْلَ إتْمَامِ شَوْطٍ رَفَضَهُ . وَبَعْدَ إتْمَامِهِ لَا لِأَنَّهُ دَخَلَ فِيهِ فَيَلْزَمُهُ إتْمَامُهُ 457 وَعَلَيْهِ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ مِنْهُمَا رَكْعَتَانِ آخِرًا ، لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْأُسْبُوعَ الثَّانِيَ بَعْدَ أَنْ طَافَ مِنْهُ شَوْطًا أَوْ شَوْطَيْنِ وَاشْتَغَلَ بِرَكْعَتَيْ الْأُسْبُوعِ الْأَوَّلِ لَأَخَلَّ بِالسُّنَّتَيْنِ بِتَفْرِيقِ الْأَشْوَاطِ فِي الْأُسْبُوعِ الثَّانِي . لِأَنَّ وَصْلَ الْأَشْوَاطِ سُنَّةٌ وَتَرَكَ رَكْعَتَيْ الْأُسْبُوعِ الْأَوَّلِ عَنْ مَوْضِعِهِمَا ، فَإِنَّ الرَّكْعَتَيْنِ وَاجِبَتَانِ .
وَفِعْلُهُمَا فِي مَوْضِعِهِمَا سُنَّةٌ ، وَلَوْ مَضَى فِي الْأُسْبُوعِ الثَّانِي فَأَتَمَّهُ لَأَخَلَّ بِسُنَّةٍ وَاحِدَةٍ . فَكَانَ الْإِخْلَالُ بِإِحْدَاهُمَا أَوْلَى مِنْ الْإِخْلَالِ بِهِمَا . كَذَا فِي مَنَاسِكِ الْكَرْمَانِيِّ وَلَوْ طَافَ بِصَبِيٍّ لَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ عَنْهُ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بِدُعَاءِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ " اللَّهُمَّ إنَّك تَعْلَمُ سِرِّي وَعَلَانِيَتِي فَاقْبَلْ مَعْذِرَتِي ، وَتَعْلَمُ حَاجَتِي فَأَعْطِنِي سُؤْلِي . اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك إيمَانًا يُبَاشِرُ قَلْبِي ، وَيَقِينًا صَادِقًا حَتَّى أَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُصِيبُنِي إلَّا مَا كَتَبْت عَلَيَّ ، وَرَضِّنِي بِمَا قَسَمْت لِي .
فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ إنِّي قَدْ غَفَرْت لَك ، وَلَنْ يَأْتِيَ أَحَدٌ مِنْ ذُرِّيَّتِك يَدْعُو بِمِثْلِ مَا دَعَوْتَنِي بِهِ إلَّا غَفَرْت ذُنُوبَهُ ، وَكَشَفْت هُمُومَهُ ، وَنَزَعْت الْفَقْرَ مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْهِ ، وَأَنْجَزْت لَهُ كُلَّ نَاجِزٍ ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَإِنْ كَانَ لَا يُرِيدُهَا ( قَوْلُهُ لِمَا رُوِيَ { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عَادَ إلَى الْحَجَرِ } ) تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ ، وَقَوْلُهُ وَالْأَصْلُ إلَخْ اسْتِنْبَاطُ أَمْرٍ كُلِّيٍّ مِنْ فِعْلِهِ هَذَا ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْوَجْهِ . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ زَمْزَمَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الصَّفَا فَيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَتَضَلَّعَ ، وَيُفْرِغَ الْبَاقِيَ فِي الْبِئْرِ وَيَقُولَ " اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك رِزْقًا وَاسِعًا وَعِلْمًا نَافِعًا وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ " وَسَنَعْقِدُ لِلشُّرْبِ مِنْهَا فَصْلًا عِنْدَ ذِكْرِ الْمُصَنِّفِ الشُّرْبَ مِنْهَا عَقِيبَ طَوَافِ الْوَدَاعِ نَذْكُرُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا فِيهِ مَقْنَعٌ ، ثُمَّ يَأْتِي الْمُلْتَزَمَ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الصَّفَا ، وَقِيلَ : يَلْتَزِمُ الْمُلْتَزَمَ قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّيهِمَا ثُمَّ يَأْتِيَ زَمْزَمَ ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْحَجَرِ ، ذَكَرَهُ السُّرُوجِيُّ .
وَالْتِزَامُهُ أَنْ يَتَشَبَّثَ بِهِ وَيَضَعَ صَدْرَهُ وَبَطْنَهُ عَلَيْهِ وَخَدَّهُ الْأَيْمَنَ ، وَيَضَعَ يَدَيْهِ فَوْقَ رَأْسِهِ مَبْسُوطَتَيْنِ عَلَى الْجِدَارِ قَائِمَتَيْنِ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث