فتح القدير
فتح القدير · الجزء الأول
page 131 · printed p. 138 · commentary
( قَوْلُهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ يُجِيزُ النَّوَافِلَ الْمُتَعَدِّدَةَ بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ تَبَعِيَّةً لِلْفَرْضِ ، وَالْخِلَافُ يُبْنَى تَارَةً عَلَى أَنَّهُ رَافِعٌ لِلْحَدَثِ عِنْدَنَا ، مُبِيحٌ عِنْدَهُ لَا رَافِعٌ ، وَتَارَةً عَلَى أَنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ عِنْدَهُ مُطْلَقَةٌ عِنْدَنَا كَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ .
وَيُدْفَعُ مَبْنَاهُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ اعْتِبَارَ الْحَدَثِ مَانِعِيَّةً عَنْ الصَّلَاةِ شَرْعِيَّةً لَا يَشْكُلُ مَعَهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ رَافِعٌ لِارْتِفَاعِ ذَلِكَ الْمَنْعِ بِهِ وَهُوَ الْحَقُّ إذْ لَمْ يَقُمْ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ ، وَتَغَيُّرُ الْمَاءِ بِرَفْعِ الْحَدَثِ إنَّمَا يَسْتَلْزِمُ اعْتِبَارَهُ نَازِلًا عَنْ وَصْفِهِ الْأَوَّلِ بِوَاسِطَةِ إسْقَاطِ الْفَرْضِ لَا بِوَاسِطَةِ إزَالَةِ وَصْفٍ حَقِيقِيٍّ مُدَنِّسٍ ، وَيُدْفَعُ الثَّانِي بِأَنَّهُ طَهُورٌ حَالَ عَدَمِ الْمَاءِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ التُّرَابُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ } وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الْخَصَائِصِ فِي الصَّحِيحَيْنِ { ۝ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا } يُرِيدُ مُطَهِّرًا وَإِلَّا لَمَا تَحَقَّقَتْ الْخُصُوصِيَّةُ لِأَنَّ طَهَارَةَ الْأَرْضِ بِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ ثَابِتَةٌ ، وَإِذَا كَانَ مُطَهِّرًا فَتَبْقَى طَهَارَتُهُ إلَى وُجُودِ غَايَتِهَا مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ أَوْ نَاقِضٍ آخَرَ .
وَقَدْ يُقَالُ عَلَيْهِ الْقَوْلُ بِمُوجِبِ طَهُورِيَّتِهِ مَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ وَذَلِكَ أَفَادَتْهُ الطَّهَارَةُ ، وَالْكَلَامُ لَيْسَ فِيهِ بَلْ فِي بَقَاءِ تِلْكَ الطَّهَارَةِ الْمُفَادَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى فَرْضٍ آخَرَ ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ ، فَلَنَا أَنْ نُثْبِتَ نَفْيَهُ بِالْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ اعْتِبَارَ طَهَارَتِهِ ضَرُورَةُ أَدَاءِ الْمَكْتُوبَةِ مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ ، وَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَلَا مُخَلِّصَ إلَّا بِمَنْعٍ مُرَدَّدٍ إنْ سَلِمَ ، وَهُوَ إنْ أَرَدْت أَنَّهَا اُعْتُبِرَتْ ضَرُورَةَ الْمَكْتُوبَةِ الْوَاحِدَةِ فَقَطْ مَنَعْنَاهُ بَلْ ضَرُورَةُ تَحْصِيلِ الْخَيْرَاتِ الْمَشْرُوطَةِ بِالطَّهَارَةِ مُطْلَقًا ، وَلِهَذَا أَجَازَ هُوَ النَّوَافِلَ الْكَثِيرَةَ بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ ، فَعَلِمَ أَنَّ اعْتِبَارَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ تَكْثِيرٌ لِأَبْوَابِ الْخَيْرَاتِ إرَادَةٌ لِإِفَاضَةِ كَرَمِهِ ، أَلَّا يَرَى أَنَّهُ أَبَاحَ النَّفَلَ عَلَى الدَّابَّةِ بِالْإِيمَاءِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ مَعَ فَوَاتِ الشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ فِيهَا وَلَا ضَرُورَةَ إلَّا 138 الْحَاجَةُ الْقَائِمَةُ بِالْعَبْدِ لِزِيَادَةِ الِاسْتِكْثَارِ مِنْ فَضْلِهِ ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ اُبْتُنِيَ جَوَازُ التَّيَمُّمِ قَبْلَ الْوَقْتِ فَمَنَعَهُ وَأَجَزْنَاهُ فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ صَلَاتِهِ بَطَلَ أَوْ بَعْدَ السَّلَامِ تَمَّتْ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ سُجُودُ سَهْوٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ .
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَفْسُدُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ هَلْ يُخْرِجُهُ سَلَامُهُ عَنْ الصَّلَاةِ فَعِنْدَهُ لَا ، وَعِنْدَهُمَا نَعَمْ ، وَإِنَّ أَرَدْت غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ إبْدَائِهِ لِنَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith