فتح القدير
فتح القدير · الجزء الأول
page 179 · printed p. 177 · commentary
( قَوْلُهُ تَوَضَّئِي وَصَلِّي إلَخْ ) رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدِهِ إلَى عَائِشَةَ قَالَتْ { ۝ جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ ؟ فَقَالَ : لَا اجْتَنِبِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِكِ ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ ثُمَّ صَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ } وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَفِي سَنَدَيْهِمَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَفَسَّرَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ . وَقَالَ أَبُو دَاوُد : ضَعَّفَ يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ لَمْ يَرَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ، وَذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَرْجَمَةِ عُرْوَةَ الْمُزَنِيّ عَنْ عَائِشَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي تَرْجَمَةِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْهَا ، وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ وَلَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ { ۝ وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ }
( قَوْلُهُ وَلَوْ زَادَ الدَّمُ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَلَهَا عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ دُونَهَا رَدَّتْ إلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا ) فَيَكُونُ الزَّائِدُ عَلَى الْعَادَةِ اسْتِحَاضَةً وَإِنْ كَانَ دَاخِلَ الْعَشَرَةِ ، وَهَلْ تَتْرُكُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهَا الزِّيَادَةَ ؟ اُخْتُلِفَ فِيهِ ، قِيلَ لَا إذَا لَمْ يُتَيَقَّنْ بِكَوْنِهِ حَيْضًا لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْعَشَرَةِ ، وَقِيلَ نَعَمْ 177 اسْتِصْحَابًا لِلْحَالِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّحَّةُ وَكَوْنُهُ اسْتِحَاضَةً بِكَوْنِهِ عَنْ دَاءٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ ، وَإِنْ لَمْ يَتَجَاوَزْ الزَّائِدُ الْعَشَرَةَ فَالْكُلُّ حَيْضٌ بِالِاتِّفَاقِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ يَصِيرُ عَادَةً لَهَا أَوَّلًا إلَّا إنْ رَأَتْ فِي الثَّانِي كَذَلِكَ ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى نَقْلِ الْعَادَةِ بِمَرَّةٍ أَوْ لَا فَعِنْدَهُمَا لَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ نَعَمْ .
وَفِي الْخُلَاصَةِ ، وَالْكَافِي أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ، وَالْخِلَافُ فِي الْعَادَةِ الْأَصْلِيَّةِ ، وَهِيَ أَنْ تَرَى دَمَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ وَطُهْرَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ عَلَى الْوَلَاءِ أَوْ أَكْثَرَ لَا الْجَعْلِيَّةِ ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُقَدَّرُ حَيْضُهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ مَا رَأَتْهُ آخِرًا ، وَعِنْدَهُمَا عَلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ ، وَصُورَةُ الْعَادَةِ الْجَعْلِيَّةِ أَنْ تَرَى أَطْهَارًا مُخْتَلِفَةً وَدِمَاءً مُخْتَلِفَةً بِأَنْ رَأَتْ فِي الِابْتِدَاءِ خَمْسَةً دَمًا وَسَبْعَةَ عَشَرَ طُهْرًا ثُمَّ أَرْبَعَةً وَسِتَّةَ عَشَرَ ثُمَّ ثَلَاثَةً وَخَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ تَبْنِي عَلَى أَوْسَطِ الْأَعْدَادِ ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي عُثْمَانَ سَعِيدِ بْنِ مُزَاحِمٍ تَبْنِي عَلَى أَقَلِّ الْمَرَّتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ تَدَعُ مِنْ أَوَّلِ الِاسْتِمْرَارِ أَرْبَعَةً وَتُصَلِّي سِتَّةَ عَشَرَ وَذَلِكَ دَأْبُهَا ، وَعَلَى الثَّانِي تَدَعُ ثَلَاثَةً وَتُصَلِّي خَمْسَةَ عَشَرَ فَهَذِهِ عَادَةٌ جَعْلِيَّةٌ لَهَا فِي زَمَانِ الِاسْتِمْرَارِ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ جَعْلِيَّةً لِأَنَّهَا جُعِلَتْ عَادَةً لِلضَّرُورَةِ هَكَذَا فِي الْمُصَفَّى ، وَفِي غَيْرِهِ مَعْزُوًّا إلَى الْمَبْسُوطِ : إنْ كَانَ حَيْضُهَا مُخْتَلِفًا مَرَّةً تَحِيضُ خَمْسَةً وَمَرَّةً سَبْعَةً فَاسْتُحِيضَتْ فَإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تَغْتَسِلُ لِتَوَهُّمِ خُرُوجِهَا مِنْ الْحَيْضِ ، وَتُصَلِّي يَوْمَيْنِ بِالْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ لِأَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ ، وَلَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ وَلَوْ كَانَ آخِرَ عِدَّتِهَا لَيْسَ لِلزَّوْجِ مُرَاجَعَتُهَا فِيهِمَا ، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِآخَرَ فِيهِمَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ بَعْدَهُمَا لِتَوَهُّمِ خُرُوجِهَا الْآنَ فَتَأْخُذُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي كُلِّ جَانِبٍ : وَهَذَا التَّفْصِيلُ خِلَافُ مَا فِي الْمُصَفَّى وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِمَا قَدَّمْنَا مِنْ الْخُلَاصَةِ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا تَأْخُذُ بِالْأَقَلِّ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَانْقِطَاعِ الرَّجْعَة وَبِالْأَكْثَرِ فِي التَّزَوُّجِ وَتُعِيدُ الِاغْتِسَالَ
. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْعَادَةِ الْجَعْلِيَّةِ إذَا طَرَأَتْ عَلَى الْعَادَةِ الْأَصْلِيَّةِ هَلْ تَنْتَقِضُ الْأَصْلِيَّةَ ؟ قَالَ أَئِمَّةُ بَلْخٍ : لَا لِأَنَّهَا دُونَهَا ، وَقَالَ أَئِمَّةُ بُخَارَى . نَعَمْ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَتَكَرَّرَ فِي الْجَعْلِيَّةِ خِلَافَ مَا كَانَ فِي الْأَصْلِيَّةِ كَمَا أَرَيْتُك فِي صُورَتِهَا ، وَالْجَعْلِيَّةُ تُنْتَقَضُ : بِرُؤْيَةِ الْمُخَالِفِ مَرَّةً بِالِاتِّفَاقِ ، هَذَا فِي الِانْتِقَالِ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدِ ، وَأَمَّا الِانْتِقَالُ مِنْ حَيْثُ الْمَكَانِ وَهُوَ فِي الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ ، فَالْأَوَّلُ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ : رَأَتْ الْمُعْتَادَةُ قَبْلَ أَيَّامِهَا مَا يَكُونُ حَيْضًا ، وَفِي أَيَّامِهَا مَا لَا يَكُونُ حَيْضًا ، أَوْ رَأَتْ قَبْلَهَا مَا لَا يَكُونُ وَكَذَا فِيهَا وَإِذَا جُمِعَا كَانَا حَيْضًا ، أَوْ رَأَتْ قَبْلَهَا مَا يَكُونُ وَلَمْ تَرَ فِيهَا شَيْئًا لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْأَمْرُ مَوْقُوفٌ إلَى الشَّهْرِ الثَّانِي فَإِنْ رَأَتْ فِيهِ كَذَلِكَ يَكُونُ الْكُلُّ حَيْضًا ، غَيْرَ أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِطَرِيقِ الْعَادَةِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِطَرِيقِ الْبَدَلِ ، وَلَوْ رَأَتْ قَبْلَ أَيَّامِهَا مَا لَا يَكُونُ حَيْضًا وَفِيهَا مَا يَكُونُ فَالْكُلُّ حَيْضٌ بِالِاتِّفَاقِ ، وَمَا قَبْلَ أَيَّامِهَا تَبَعٌ لِأَيَّامِهَا الِاسْتِبَاعُ الْكَثِيرُ الْقَلِيلَ ، وَقُيِّدَ فِي الْخُلَاصَةِ كَوْنُ الْكُلِّ حَيْضًا بِأَنْ لَا يُجَاوِزَ الْمَجْمُوعُ الْعَشَرَةَ وَهُوَ حَسَنٌ وَإِلَّا تَرُدُّ إلَى عَادَتِهَا ، وَلَوْ رَأَتْ قَبْلَهَا مَا يَكُونُ وَفِيهَا كَذَلِكَ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمُتَأَخِّرِ غَيْرَ أَنَّهَا إذَا رَأَتْ بَعْدَ أَيَّامِهَا مَا لَا يَكُونُ حَيْضًا ، وَفِي أَيَّامِهَا مَا يَكُونُ حَيْضًا يَكُونُ حَيْضًا رِوَايَةً وَاحِدَةً كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ .
وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي الْكُلِّ يَكُونُ حَيْضًا عَادَةً وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى ، وَلَا يَظْهَرُ وَجْهٌ لِلتَّقْيِيدِ بِكَوْنِ الْمَرْئِيِّ بَعْدَ أَيَّامِهَا لَا يَكُونُ حَيْضًا لِأَنَّهُ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ إذَا زَادَ الدَّمُ عَلَى الْعَادَةِ وَلَمْ يُجَاوِزْ الْعَشَرَةَ يَكُونُ الْكُلُّ حَيْضًا بِحُكْمِ مَا تَقَدَّمَ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنْ لَوْ كَانَ عَادَتُهَا ثَلَاثَةً فَرَأَتْ سَبْعَةً يَكُونُ الْكُلُّ حَيْضًا وَكَانَ الْأَوْلَى التَّقْيِيدُ ،
178 بِأَنْ لَا يَحْصُلَ مِنْ الْمَرْئِيِّ بَعْدَهَا مَعَهَا أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ ، وَكَذَا لَوْ رَأَتْ عَادَتَهَا وَقَبْلَهَا وَبَعْدَهَا مَا يَزِيدُ الْكُلُّ عَلَى عَشَرَةٍ فَعَادَتُهَا فَقَطْ حَيْضٌ ، وَمِنْ الرَّدِّ إلَى الْعَادَةِ امْرَأَةٌ قَالَتْ عَادَتِي فِي الْحَيْضِ عَشَرَةٌ وَفِي الطُّهْرِ عِشْرُونَ ، وَالْآنَ أَرَى الطُّهْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ أَرَى الدَّمَ تُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ إلَى تَمَامِ الْعِشْرِينَ ثُمَّ تَتْرُكُ فِي الْعَشَرَةِ ، وَمَا ذُكِرَ فِي الْخُلَاصَةِ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ إذَا رَأَتْ قَبْلَ أَيَّامِهَا وَالْبَاقِي مِنْ أَيَّامِ طُهْرِهَا مَا لَوْ ضَمَّ إلَى أَيَّامِ حَيْضِهَا لَا يُجَاوِزُ الْعَشَرَةَ تُؤْمَرُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ ، يَصِحُّ مُطْلَقًا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ الْقَائِلِ بِالْإِبْدَالِ ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ إذَا كَانَ مَا قَبْلَ أَيَّامِهَا لَا يَكُونُ حَيْضًا ، فَإِنْ كَانَ فَعَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا آنِفًا ( قَوْلُهُ الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ إلَخْ ) رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ آنِفًا قَالَ { ۝ دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ } ( قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْعَادَةِ يُجَانِسُ الزَّائِدَ عَلَى الْعَشَرَةِ ) مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْمُقَدَّرِ ، إذْ الْمُقَدَّرُ الْعَادِي كَالْمُقَدَّرِ الشَّرْعِيِّ فَالزَّائِدُ عَلَيْهِ كَالزَّائِدِ عَلَيْهِ ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَعْهُودِ ( قَوْلُهُ فَحَيْضُهَا عَشَرَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ) تَقَدَّمَتْ هَذِهِ ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيهَا أَنَّ حَيْضَهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَعَشَرَةٌ فِي حَقِّ الْوَطْءِ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ ، وَفِيهَا الْخُنْثَى إذَا خَرَجَ لَهُ دَمٌ وَمَنِيٌّ فَالْعِبْرَةُ لِلْمَنِيِّ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith