فتح القدير
فتح القدير · الجزء الرابع
( قَوْلُهُ لَمْ يَجُزْ عَلَيْهَا ) يَحْتَمِلُ عَدَمَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِسُؤَالِ الْأَبِ لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ بَدَلَ الْخُلْعِ فَصَارَ كَأَنَّ الزَّوْجَ خَاطِبُ الْبِنْتِ بِالْخُلْعِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِهَا وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً ، وَيَحْتَمِلُ عَدَمَ لُزُومِ الْمَالِ بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ ، فَلَمَّا صَرَّحَ بِأَنَّ الْأَصَحَّ وُقُوعُهُ تَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ الثَّانِي ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا نَظَرَ لَهَا فِيهِ ، إذْ الْبُضْعُ حَالَةَ الْخُرُوجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ وَالْبَدَلُ مُتَقَوِّمٌ ، فَإِعْطَاءُ الْمُتَقَوِّمِ مِنْ مَالِهَا بَعُوضٍ غَيْرِ مُتَقَوِّمٍ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّبَرُّعِ بِمَالِهَا ( قَوْلُهُ بِخِلَافِ النِّكَاحِ لِأَنَّ الْبُضْعَ مُتَقَوِّمٌ عِنْدَ الدُّخُولِ ) فَلَوْ زَوَّجَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ جَازَ عَلَيْهِ وَلَزِمَ الْمَهْرُ فِي مَالِ الِابْنِ لِأَنَّهُ أَعْطَى الْمُتَقَوِّمَ مِنْ مَالِهِ بِمُتَقَوِّمٍ ( قَوْلُهُ وَلِهَذَا يَعْتَبِرُ خَلْعُ الْمَرِيضَةِ ) مُتَّصِلٌ بِكَوْنِ الْبِضْعِ غَيْرِ مُتَقَوِّمٍ حَالَةَ الْخُرُوجِ ، وَقَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ أَنَّ الْوَاجِبَ لِلزَّوْجِ إنْ مَاتَتْ فِي الْعِدَّةِ الْأَقَلُّ مِنْ مِيرَاثِهِ وَمِنْ بَدَلِ الْخُلْعِ إذَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ فَلَهُ الْأَقَلُّ مِنْ الْإِرْثِ وَالثُّلُثِ إذَا مَاتَتْ فِي الْعِدَّةِ ، فَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَهَا أَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا فَلَهُ بَدَلُ الْخُلْعِ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ ( قَوْلُهُ وَنِكَاحُ الْمَرِيضِ إلَخْ ) مُتَّصِلٌ بِأَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ حَالَ الدُّخُولِ ( قَوْلُهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُنْتَقَى 238 وَوَجْهُهُ مَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِقَبُولِ الْأَبِ وَقَدْ وَجَدَ الشَّرْطَ وَمَا ذَكَرَ فِي وَجْهِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مِنْ أَنَّ الْأَبَ لَمَّا لَمْ يَضْمَنْ الْمَالَ صَارَ كَأَنَّهُ خَاطِبُ الصَّغِيرَةِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِهَا وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهَا الْمَالُ .
وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْخُلْعَ فِي مَعْنَى الْيَمِينِ وَالْأَيْمَانُ لَا تُجْرَى فِيهَا النِّيَابَةُ فَالْمُلَازَمَةُ الْأُولَى مَمْنُوعَةٌ ، وَكَوْنُ الْمَوْجُودِ مِنْ الْأَبِ يَمِينًا غَيْرَ صَحِيحٍ ، بَلْ مُجَرَّدُ الشَّرْطِ وَشَرْطُ الْيَمِينِ يَصِحُّ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ ، هَذَا إذَا قَبِلَ الْأَبُ ، فَإِنْ قَبِلَتْ وَهِيَ عَاقِلَةٌ تَعْقِلُ أَنَّ النِّكَاحَ جَالِبٌ وَالْخُلْعَ سَالِبٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يَلْزَمُهَا الْمَالُ .
وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ : طَلَّقَهَا بِمَهْرِهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ عَاقِلَةٌ فَقَبِلَتْ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ وَلَا يَبْرَأُ . وَإِنْ قَبِلَ أَبُوهَا أَوْ أَجْنَبِيٌّ .
رَوَى هِشَامُ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يَقَعُ ، وَرَوَى الْهِنْدُوَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَقَعُ ، وَلَوْ بَلَغَتْ فَأَجَازَتْ جَازَ ( قَوْلُهُ عَلَى أَنَّهُ ) أَيْ الْأَبَ ضَامِنٌ ، وَالْمُرَادُ مِنْ الضَّمَانِ هُنَا الْتِزَامُ الْمَالِ لَا الْكَفَالَةِ عَنْ الصَّغِيرَةِ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْمَالِ عَلَيْهَا ( فَالْخُلْعُ وَاقِعٌ ) سَوَاءٌ خَلَعَهَا الْأَبُ عَلَى مَهْرِهَا وَضَمِنَهُ أَوْ أَلَفَّ مَثَلًا ( فَيَجِبُ الْأَلْفُ عَلَيْهِ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ بَدَلِ الْخُلْعِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ صَحِيحٌ فَعَلَى الْأَبِ ) وَأَنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا بِالْإِقْرَاضِ وَالْإِيدَاعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْإِبْضَاعِ ( أَوْلَى ) بِخِلَافِ بَدَلِ الْعِتْقِ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ 239 لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا وَهُوَ إثْبَاتُ الْأَهْلِيَّةِ وَهُوَ الْقُوَّةُ عَنْ ذَلِكَ الْإِسْقَاطِ ، بِخِلَافِ إسْقَاطِ الْمِلْكِ فِي الْخُلْعِ لَا يَحْصُلُ عَنْهُ لِلْمَرْأَةِ مَا لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا قَبْلَ فَصَارَ الْأَجْنَبِيُّ وَالْأَبُ مِثْلَهَا فِي أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهَا شَيْءٌ ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ حَصَلَ مَا ذَكَرْنَا لَهُ ، وَالْعِوَضُ لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ الْمُعَوَّضُ فَصَارَ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ إلَّا أَنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ وَالْخُلْعَ لَا يُفْسِدُ بِهَا ( وَلَا يَسْقُطُ مَهْرُهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي وِلَايَةِ الْأَبِ ) فَإِذَا بَلَغَتْ تَأْخُذُ نِصْفَ الصَّدَاقِ إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَكُلُّهُ إنْ كَانَ بَعْدَهُ مِنْ الزَّوْجِ وَيَرْجِعُ هُوَ عَلَى الْأَبِ الضَّامِنِ أَوْ تَرْجِعُ هِيَ عَلَى الْأَبِ وَلَا يَرْجِعُ هُوَ عَلَى الزَّوْجِ ، وَلَوْ كَانَ الْمَهْرُ عَيْنًا أَخَذَتْهُ مِنْ الزَّوْجِ كُلِّهِ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَنِصْفَهُ إنْ كَانَ قَبْلَهُ وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى الْأَبِ الضَّامِنِ قِيمَتَهُ .
( قَوْلُهُ وَإِنْ شَرَطَ ) أَيْ لَوْ شَرَطَ الزَّوْجُ الْأَلْفَ عَلَيْهَا ( تَوَقَّفَ عَلَى قَبُولِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ ) بِأَنْ تَكُونَ مُمَيِّزَةً وَهِيَ أَهْلِيَّةُ الْمَرْأَةِ لِقَبُولِ بَدَلِ الْخُلْعِ إنْ شَرَطَ بِأَنْ تَعْرِفَ أَنَّ النِّكَاحَ جَالِبٌ وَالْخُلْعَ سَالِبٌ ، فَإِنْ قَبِلَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ لِوُجُوبِ الشَّرْطِ وَهُوَ قَبُولُهَا ، وَلَا يَجِبُ الْمَالُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْغَرَامَةِ إذْ الْبَيْنُونَةُ بِالْخُلْعِ تَعْتَمِدُ الْقَبُولَ دُونَ لُزُومَ الْمَالِ ; أَلَا يَرَى إلَى بَيْنُونَتِهَا بِدُونِهِ فِيمَا إذَا سَمَّتْ خَمْرًا وَنَحْوَهُ ، وَإِنْ قَبِلَهُ الْأَبُ بِدُونِهِ عَنْهَا فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ رِوَايَتَانِ : فِي رِوَايَةٍ يَصِحُّ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَحْضٌ إذْ تَتَخَلَّصُ فِي عُهْدَتِهِ بِلَا مَالٍ وَلِذَا صَحَّ مِنْهَا فَصَارَ كَقَبُولِ الْهِبَةِ ، وَفِي أُخْرَى لَا يَصِحُّ لِأَنَّ قَبُولَهَا شَرْطُ الْيَمِينِ وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ النِّيَابَةَ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ .
( قَوْلُهُ وَكَذَا إنْ خَالَعَهَا ) أَيْ خَالَعَ الصَّغِيرَةَ الزَّوْجُ عَلَى مَهْرِهَا وَلَمْ يَضْمَنْ الْأَبُ تَوَقَّفَ عَلَى قَبُولِهَا إنْ كَانَتْ عَلَى مَا قُلْنَا آنِفًا فَإِنْ قَبِلَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا وَلَا يَسْقُطُ الْمَهْرُ ، وَإِنْ قَبِلَهُ الْأَبُ فَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ مَا لَمْ يَضْمَنْهُ ، فَإِنْ ضَمِنَهُ صَحَّ وَوَقَعَ 240 الطَّلَاقُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ . وَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ الصَّغِيرَةَ الْعَاقِلَةَ إذَا قَبِلَتْ الْخُلْعَ مِنْ زَوْجِهَا صَحَّ الْخُلْعُ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ وَلَا يَسْقُطُ الْمَهْرُ وَلَا يَلْزَمُ الْمَالُ . هَذَا ، ثُمَّ قِيلَ تَأْوِيلُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى مَالٍ مِثْلِ مَهْرِهَا ، أَمَّا عَلَى مَهْرِهَا فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْأَبَ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ إبْطَالِ مِلْكِهَا بِمُقَابَلَةِ مَا لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ ، وَلَا يَعْتَبِرُ ضَمَانُهُ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْخُلْعَ عَلَى مَهْرِهَا كَالْخُلْعِ عَلَى مَالٍ آخَرَ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَتَنَاوَلُ مِثْلَهُ لَا عَيْنَهُ وَضَمَانُ الْأَبِ إيَّاهُ صَحِيحٌ ، ثُمَّ يَنْظُرُ إنْ كَانَ مَهْرُهَا أَلْفًا وَالْخُلْعُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَسْأَلَةِ الْكِتَابِ لَزِمَ خَمْسُمِائَةٍ ، وَفِي الْقِيَاسِ يَلْزَمُهُ الْأَلْفُ . وَأَصْلُهُ أَنَّ الْكَبِيرَةَ إذَا اخْتَلَعَتْ عَلَى مَهْرِهَا وَهُوَ أَلْفٌ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَبْلَ قَبْضِهِ فِي الْقِيَاسِ يَجِبُ خَمْسُمِائَةٍ لِأَنَّهُ وَجَبَ لَهُ عَلَيْهَا أَلْفٌ بِالشَّرْطِ وَهِيَ وَجَبَ لَهَا خَمْسُمِائَةٍ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَيَلْتَقِيَانِ قِصَاصًا بِقَدْرِهِ فَبَقِيَ عَلَيْهَا خَمْسُمِائَةٍ لَهُ .
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ : لَا يَجِبُ عَلَيْهَا قَبْلَ الْقَبْضِ شَيْءٌ لِأَنَّ الْمَهْرَ يُرَادُ بِهِ عُرْفًا مَا تَسْتَحِقُّهُ الْمَرْأَةُ وَهُوَ نِصْفُ الْمَهْرِ فَيَسْقُطُ عَنْ الزَّوْجِ وَبَعْدَ قَبْضِهِ يَجِبُ لَهُ خَمْسُمِائَةٍ بِالشَّرْطِ وَتَبْرَأُ عَنْ الْبَاقِي بِحُكْمِ الْخُلْعِ ، وَهَذَا عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَقْسَامَ كُلَّهَا . وَإِذَا عَرَفْت هَذَا عَلِمْت أَنَّ الصَّوَابَ أَنْ يَقُولَ : إذَا خَلَعَهَا عَلَى مَهْرِهَا وَهُوَ أَلْفٌ لَا كَمَا قَالَ عَلَى أَلْفٍ وَمَهْرُهَا أَلْفٌ فَإِنَّهُ إذَا خَالَعَهَا كَذَلِكَ يَكُونُ مِنْ الْخُلْعِ عَلَى مَالٍ آخَرَ غَيْرِ أَنَّهُ اتَّفَقَ أَنَّهُ مِثْلُ الْمَهْرِ وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ ، وَالْحُكْمُ فِيهِ إذَا كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ الْمُسَمَّى لَهُ سُقُوطُ الْمَهْرِ عَنْهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا ، وَسَلَامَتُهُ لَهَا إنْ كَانَ مَقْبُوضًا لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي التَّقْسِيمِ ، وَإِذْ قَدْ وَقَعَ الْكَلَامُ فِي خُلْعِ الْأَجْنَبِيِّ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ نُبْذَةٍ مِنْهُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ إذَا خَاطَبَ الزَّوْجَ فَإِمَّا أَنْ يُضِيفَ الْبَدَلَ إلَى نَفْسِهِ عَلَى وَجْهٍ يُفِيدُ ضَمَانَهُ لَهُ أَوْ مِلْكَهُ إيَّاهُ أَوْ يُرْسِلُهُ أَوْ يُضِيفُهُ إلَى غَيْرِهِ ، فَإِنْ أَضَافَهُ إلَى نَفْسِهِ كَذَلِكَ بِأَنْ قَالَ اخْلَعْهَا عَلَى عَبْدِي هَذَا أَوْ أَلْفِيِّ هَذِهِ أَوْ عَلَى أَلْفٍ عَلَيَّ أَوْ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ فَفَعَلَ فَالْخُلْعُ وَاقِعٌ وَالْمُسَمَّى عَلَيْهِ ، فَإِنْ اسْتَحَقَّ لَزِمَ قِيمَتُهُ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَدَلُ لَا مَنْ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ وَلَا إلَى قَبُولِهِ ، بَلْ يَكْفِي الْأَمْرُ مِنْهُ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْخُلْعِ كَمَا فِي النِّكَاحِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ اخْتَلَعْتِ نَفْسَك مِنِّي فَقَالَتْ فَعَلْت قِيلَ لَا يَصِحُّ بِلَا قَبُولِ الزَّوْجِ ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَصِحُّ إنْ أَرَادَ بِهِ التَّحْقِيقَ دُونَ السَّوْمِ .
فَإِنْ قُلْت : مَا الْفَرْقُ بَيْنَ تَسْمِيَةِ الْأَجْنَبِيِّ وَسَيِّدِ الْأَمَةِ الْمَنْكُوحَةِ لِعَبْدٍ أَوْ حُرٍّ فَإِنَّهُ إذَا خَلَعَهَا مِنْ الزَّوْجِ 241 عَلَى عَبْدِهِ فَاسْتَحَقَّ لَا يَضْمَنُ قِيمَتَهُ بَلْ تَجِبُ قِيمَةُ الْعَبْدِ عَلَى الْأَمَةِ حَتَّى تُبَاعَ فِيهِ لِظُهُورِ الدَّيْنِ فِي حَقِّ السَّيِّدِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ قَبُولَ الْخُلْعِ هُنَا وُجِدَ مِنْهَا حُكْمًا بِسَبَبِ وِلَايَةِ السَّيِّدِ عَلَيْهَا فَكَانَ قَبُولُهُ كَقَبُولِهَا فَكَانَ الدَّيْنُ عَلَيْهَا إلَّا أَنَّ السَّيِّدَ الْتَزَمَ خُصُوصَ الْأَوَّلِ ، فَإِذَا فَاتَ عَادَ إلَيْهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي حَقِّ السَّيِّدِ فَتُبَاعُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهَا . وَإِذَا بِيعَتْ إنْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ بُدِئَ بِهِ لِأَنَّ دَيْنَ الْخُلْعِ أَضْعَفُ ، أَمَّا لَوْ خَلَعَهَا عَلَى رَقَبَتِهَا وَهِيَ تَحْتَ عَبْدٍ صَحَّ ، فَلَوْ ضَمِنَ الْمَوْلَى الدَّرَكَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فَالْمُطَالَبَةُ عَلَى الْمَوْلَى لِالْتِزَامِهِ دُونَهَا لَا قَبْلَ الْعِتْقِ وَلَا بَعْدَهُ ، وَلِأَنَّ الْقَبُولَ إنَّمَا يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْبَدَلِ لَا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ ، وَإِنْ أَرْسَلَهُ بِأَنْ قَالَ عَلَى أَلْفٍ أَوْ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ تَوَقَّفَ عَلَى قَبُولِ الْمَرْأَةِ لِأَنَّ الْبَدَلَ لَمْ يُضِفْ إلَى أَحَدٍ ، فَإِنْ قَبِلَتْ لَزِمَهَا تَسْلِيمُهُ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ عَجَزَتْ ، وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى غَيْرِهِ بِأَنْ قَالَ عَلَى عَبْدِ فُلَانٍ اُعْتُبِرَ قَبُولُ فُلَانٍ لِأَنَّ الْبَدَلَ أُضِيفَ إلَيْهِ ، وَكَذَا لَوْ قَالَ الزَّوْجُ لِرَبِّ الْعَبْدِ خَلَعْت امْرَأَتِي عَلَى عَبْدِك لِأَنَّ الْعَبْدَ أُضِيفَ إلَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ قَالَ لَهَا خَالَعْتكِ عَلَى عَبْدِ فُلَانٍ أَوْ قَالَتْ هِيَ اخْلَعْنِي عَلَى دَارِ فُلَانٍ تَوَقَّفَ عَلَى قَبُولِهَا لِأَنَّ الْخَطَّابَ جَرَى مَعَهَا فَكَانَتْ هِيَ الدَّاخِلَةُ فِي الْعَقْدِ .
وَلَوْ قَالَتْ اخْلَعْنِي عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنَّ فُلَانًا ضَامِنٌ فَأَجَابَ فَالْخُلْعُ مَعَهَا لِأَنَّهَا الْعَاقِدَةُ وَتَوَقَّفَ ضَمَانُ فُلَانٍ عَلَى قَبُولِهِ . وَلَوْ وَكَّلَتْ مَنْ يَخْلَعُهَا بِأَلْفٍ فَفَعَلَ فَالْمَالُ عَلَيْهَا دُونَ الْوَكِيلِ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ فِي الْخُلْعِ تَرْجِعُ إلَى مَنْ عُقِدَ لَهُ لَا إلَى الْوَكِيلِ ، وَلَوْ ضَمِنَهُ الْوَكِيلُ لَزِمَهُ ، وَإِنْ أَدَّى يَرْجِعُ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْخُلْعَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ، فَفَائِدَةُ أَمْرِهَا بِهِ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ إذَا ضَمِنَ فَأَدَّى لَا يَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ إلَّا إذَا ضَمِنَ بِأَمْرِهِ ، فَإِنَّ فَائِدَةَ الْأَمْرِ جَوَازُ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إنْكَاحَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَبْدِ كَالْخُلْعِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا .
وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْخُلْعَ فِي مَعْنَى الْيَمِينِ وَالْأَيْمَانُ لَا تُجْرَى فِيهَا النِّيَابَةُ فَالْمُلَازَمَةُ الْأُولَى مَمْنُوعَةٌ ، وَكَوْنُ الْمَوْجُودِ مِنْ الْأَبِ يَمِينًا غَيْرَ صَحِيحٍ ، بَلْ مُجَرَّدُ الشَّرْطِ وَشَرْطُ الْيَمِينِ يَصِحُّ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ ، هَذَا إذَا قَبِلَ الْأَبُ ، فَإِنْ قَبِلَتْ وَهِيَ عَاقِلَةٌ تَعْقِلُ أَنَّ النِّكَاحَ جَالِبٌ وَالْخُلْعَ سَالِبٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يَلْزَمُهَا الْمَالُ .
وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ : طَلَّقَهَا بِمَهْرِهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ عَاقِلَةٌ فَقَبِلَتْ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ وَلَا يَبْرَأُ . وَإِنْ قَبِلَ أَبُوهَا أَوْ أَجْنَبِيٌّ .
رَوَى هِشَامُ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يَقَعُ ، وَرَوَى الْهِنْدُوَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَقَعُ ، وَلَوْ بَلَغَتْ فَأَجَازَتْ جَازَ ( قَوْلُهُ عَلَى أَنَّهُ ) أَيْ الْأَبَ ضَامِنٌ ، وَالْمُرَادُ مِنْ الضَّمَانِ هُنَا الْتِزَامُ الْمَالِ لَا الْكَفَالَةِ عَنْ الصَّغِيرَةِ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْمَالِ عَلَيْهَا ( فَالْخُلْعُ وَاقِعٌ ) سَوَاءٌ خَلَعَهَا الْأَبُ عَلَى مَهْرِهَا وَضَمِنَهُ أَوْ أَلَفَّ مَثَلًا ( فَيَجِبُ الْأَلْفُ عَلَيْهِ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ بَدَلِ الْخُلْعِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ صَحِيحٌ فَعَلَى الْأَبِ ) وَأَنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا بِالْإِقْرَاضِ وَالْإِيدَاعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْإِبْضَاعِ ( أَوْلَى ) بِخِلَافِ بَدَلِ الْعِتْقِ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ 239 لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا وَهُوَ إثْبَاتُ الْأَهْلِيَّةِ وَهُوَ الْقُوَّةُ عَنْ ذَلِكَ الْإِسْقَاطِ ، بِخِلَافِ إسْقَاطِ الْمِلْكِ فِي الْخُلْعِ لَا يَحْصُلُ عَنْهُ لِلْمَرْأَةِ مَا لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا قَبْلَ فَصَارَ الْأَجْنَبِيُّ وَالْأَبُ مِثْلَهَا فِي أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهَا شَيْءٌ ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ حَصَلَ مَا ذَكَرْنَا لَهُ ، وَالْعِوَضُ لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ الْمُعَوَّضُ فَصَارَ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ إلَّا أَنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ وَالْخُلْعَ لَا يُفْسِدُ بِهَا ( وَلَا يَسْقُطُ مَهْرُهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي وِلَايَةِ الْأَبِ ) فَإِذَا بَلَغَتْ تَأْخُذُ نِصْفَ الصَّدَاقِ إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَكُلُّهُ إنْ كَانَ بَعْدَهُ مِنْ الزَّوْجِ وَيَرْجِعُ هُوَ عَلَى الْأَبِ الضَّامِنِ أَوْ تَرْجِعُ هِيَ عَلَى الْأَبِ وَلَا يَرْجِعُ هُوَ عَلَى الزَّوْجِ ، وَلَوْ كَانَ الْمَهْرُ عَيْنًا أَخَذَتْهُ مِنْ الزَّوْجِ كُلِّهِ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَنِصْفَهُ إنْ كَانَ قَبْلَهُ وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى الْأَبِ الضَّامِنِ قِيمَتَهُ .
( قَوْلُهُ وَإِنْ شَرَطَ ) أَيْ لَوْ شَرَطَ الزَّوْجُ الْأَلْفَ عَلَيْهَا ( تَوَقَّفَ عَلَى قَبُولِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ ) بِأَنْ تَكُونَ مُمَيِّزَةً وَهِيَ أَهْلِيَّةُ الْمَرْأَةِ لِقَبُولِ بَدَلِ الْخُلْعِ إنْ شَرَطَ بِأَنْ تَعْرِفَ أَنَّ النِّكَاحَ جَالِبٌ وَالْخُلْعَ سَالِبٌ ، فَإِنْ قَبِلَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ لِوُجُوبِ الشَّرْطِ وَهُوَ قَبُولُهَا ، وَلَا يَجِبُ الْمَالُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْغَرَامَةِ إذْ الْبَيْنُونَةُ بِالْخُلْعِ تَعْتَمِدُ الْقَبُولَ دُونَ لُزُومَ الْمَالِ ; أَلَا يَرَى إلَى بَيْنُونَتِهَا بِدُونِهِ فِيمَا إذَا سَمَّتْ خَمْرًا وَنَحْوَهُ ، وَإِنْ قَبِلَهُ الْأَبُ بِدُونِهِ عَنْهَا فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ رِوَايَتَانِ : فِي رِوَايَةٍ يَصِحُّ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَحْضٌ إذْ تَتَخَلَّصُ فِي عُهْدَتِهِ بِلَا مَالٍ وَلِذَا صَحَّ مِنْهَا فَصَارَ كَقَبُولِ الْهِبَةِ ، وَفِي أُخْرَى لَا يَصِحُّ لِأَنَّ قَبُولَهَا شَرْطُ الْيَمِينِ وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ النِّيَابَةَ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ .
( قَوْلُهُ وَكَذَا إنْ خَالَعَهَا ) أَيْ خَالَعَ الصَّغِيرَةَ الزَّوْجُ عَلَى مَهْرِهَا وَلَمْ يَضْمَنْ الْأَبُ تَوَقَّفَ عَلَى قَبُولِهَا إنْ كَانَتْ عَلَى مَا قُلْنَا آنِفًا فَإِنْ قَبِلَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا وَلَا يَسْقُطُ الْمَهْرُ ، وَإِنْ قَبِلَهُ الْأَبُ فَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ مَا لَمْ يَضْمَنْهُ ، فَإِنْ ضَمِنَهُ صَحَّ وَوَقَعَ 240 الطَّلَاقُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ . وَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ الصَّغِيرَةَ الْعَاقِلَةَ إذَا قَبِلَتْ الْخُلْعَ مِنْ زَوْجِهَا صَحَّ الْخُلْعُ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ وَلَا يَسْقُطُ الْمَهْرُ وَلَا يَلْزَمُ الْمَالُ . هَذَا ، ثُمَّ قِيلَ تَأْوِيلُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى مَالٍ مِثْلِ مَهْرِهَا ، أَمَّا عَلَى مَهْرِهَا فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْأَبَ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ إبْطَالِ مِلْكِهَا بِمُقَابَلَةِ مَا لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ ، وَلَا يَعْتَبِرُ ضَمَانُهُ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْخُلْعَ عَلَى مَهْرِهَا كَالْخُلْعِ عَلَى مَالٍ آخَرَ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَتَنَاوَلُ مِثْلَهُ لَا عَيْنَهُ وَضَمَانُ الْأَبِ إيَّاهُ صَحِيحٌ ، ثُمَّ يَنْظُرُ إنْ كَانَ مَهْرُهَا أَلْفًا وَالْخُلْعُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَسْأَلَةِ الْكِتَابِ لَزِمَ خَمْسُمِائَةٍ ، وَفِي الْقِيَاسِ يَلْزَمُهُ الْأَلْفُ . وَأَصْلُهُ أَنَّ الْكَبِيرَةَ إذَا اخْتَلَعَتْ عَلَى مَهْرِهَا وَهُوَ أَلْفٌ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَبْلَ قَبْضِهِ فِي الْقِيَاسِ يَجِبُ خَمْسُمِائَةٍ لِأَنَّهُ وَجَبَ لَهُ عَلَيْهَا أَلْفٌ بِالشَّرْطِ وَهِيَ وَجَبَ لَهَا خَمْسُمِائَةٍ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَيَلْتَقِيَانِ قِصَاصًا بِقَدْرِهِ فَبَقِيَ عَلَيْهَا خَمْسُمِائَةٍ لَهُ .
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ : لَا يَجِبُ عَلَيْهَا قَبْلَ الْقَبْضِ شَيْءٌ لِأَنَّ الْمَهْرَ يُرَادُ بِهِ عُرْفًا مَا تَسْتَحِقُّهُ الْمَرْأَةُ وَهُوَ نِصْفُ الْمَهْرِ فَيَسْقُطُ عَنْ الزَّوْجِ وَبَعْدَ قَبْضِهِ يَجِبُ لَهُ خَمْسُمِائَةٍ بِالشَّرْطِ وَتَبْرَأُ عَنْ الْبَاقِي بِحُكْمِ الْخُلْعِ ، وَهَذَا عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَقْسَامَ كُلَّهَا . وَإِذَا عَرَفْت هَذَا عَلِمْت أَنَّ الصَّوَابَ أَنْ يَقُولَ : إذَا خَلَعَهَا عَلَى مَهْرِهَا وَهُوَ أَلْفٌ لَا كَمَا قَالَ عَلَى أَلْفٍ وَمَهْرُهَا أَلْفٌ فَإِنَّهُ إذَا خَالَعَهَا كَذَلِكَ يَكُونُ مِنْ الْخُلْعِ عَلَى مَالٍ آخَرَ غَيْرِ أَنَّهُ اتَّفَقَ أَنَّهُ مِثْلُ الْمَهْرِ وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ ، وَالْحُكْمُ فِيهِ إذَا كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ الْمُسَمَّى لَهُ سُقُوطُ الْمَهْرِ عَنْهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا ، وَسَلَامَتُهُ لَهَا إنْ كَانَ مَقْبُوضًا لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي التَّقْسِيمِ ، وَإِذْ قَدْ وَقَعَ الْكَلَامُ فِي خُلْعِ الْأَجْنَبِيِّ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ نُبْذَةٍ مِنْهُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ إذَا خَاطَبَ الزَّوْجَ فَإِمَّا أَنْ يُضِيفَ الْبَدَلَ إلَى نَفْسِهِ عَلَى وَجْهٍ يُفِيدُ ضَمَانَهُ لَهُ أَوْ مِلْكَهُ إيَّاهُ أَوْ يُرْسِلُهُ أَوْ يُضِيفُهُ إلَى غَيْرِهِ ، فَإِنْ أَضَافَهُ إلَى نَفْسِهِ كَذَلِكَ بِأَنْ قَالَ اخْلَعْهَا عَلَى عَبْدِي هَذَا أَوْ أَلْفِيِّ هَذِهِ أَوْ عَلَى أَلْفٍ عَلَيَّ أَوْ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ فَفَعَلَ فَالْخُلْعُ وَاقِعٌ وَالْمُسَمَّى عَلَيْهِ ، فَإِنْ اسْتَحَقَّ لَزِمَ قِيمَتُهُ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَدَلُ لَا مَنْ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ وَلَا إلَى قَبُولِهِ ، بَلْ يَكْفِي الْأَمْرُ مِنْهُ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْخُلْعِ كَمَا فِي النِّكَاحِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ اخْتَلَعْتِ نَفْسَك مِنِّي فَقَالَتْ فَعَلْت قِيلَ لَا يَصِحُّ بِلَا قَبُولِ الزَّوْجِ ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَصِحُّ إنْ أَرَادَ بِهِ التَّحْقِيقَ دُونَ السَّوْمِ .
فَإِنْ قُلْت : مَا الْفَرْقُ بَيْنَ تَسْمِيَةِ الْأَجْنَبِيِّ وَسَيِّدِ الْأَمَةِ الْمَنْكُوحَةِ لِعَبْدٍ أَوْ حُرٍّ فَإِنَّهُ إذَا خَلَعَهَا مِنْ الزَّوْجِ 241 عَلَى عَبْدِهِ فَاسْتَحَقَّ لَا يَضْمَنُ قِيمَتَهُ بَلْ تَجِبُ قِيمَةُ الْعَبْدِ عَلَى الْأَمَةِ حَتَّى تُبَاعَ فِيهِ لِظُهُورِ الدَّيْنِ فِي حَقِّ السَّيِّدِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ قَبُولَ الْخُلْعِ هُنَا وُجِدَ مِنْهَا حُكْمًا بِسَبَبِ وِلَايَةِ السَّيِّدِ عَلَيْهَا فَكَانَ قَبُولُهُ كَقَبُولِهَا فَكَانَ الدَّيْنُ عَلَيْهَا إلَّا أَنَّ السَّيِّدَ الْتَزَمَ خُصُوصَ الْأَوَّلِ ، فَإِذَا فَاتَ عَادَ إلَيْهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي حَقِّ السَّيِّدِ فَتُبَاعُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهَا . وَإِذَا بِيعَتْ إنْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ بُدِئَ بِهِ لِأَنَّ دَيْنَ الْخُلْعِ أَضْعَفُ ، أَمَّا لَوْ خَلَعَهَا عَلَى رَقَبَتِهَا وَهِيَ تَحْتَ عَبْدٍ صَحَّ ، فَلَوْ ضَمِنَ الْمَوْلَى الدَّرَكَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فَالْمُطَالَبَةُ عَلَى الْمَوْلَى لِالْتِزَامِهِ دُونَهَا لَا قَبْلَ الْعِتْقِ وَلَا بَعْدَهُ ، وَلِأَنَّ الْقَبُولَ إنَّمَا يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْبَدَلِ لَا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ ، وَإِنْ أَرْسَلَهُ بِأَنْ قَالَ عَلَى أَلْفٍ أَوْ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ تَوَقَّفَ عَلَى قَبُولِ الْمَرْأَةِ لِأَنَّ الْبَدَلَ لَمْ يُضِفْ إلَى أَحَدٍ ، فَإِنْ قَبِلَتْ لَزِمَهَا تَسْلِيمُهُ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ عَجَزَتْ ، وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى غَيْرِهِ بِأَنْ قَالَ عَلَى عَبْدِ فُلَانٍ اُعْتُبِرَ قَبُولُ فُلَانٍ لِأَنَّ الْبَدَلَ أُضِيفَ إلَيْهِ ، وَكَذَا لَوْ قَالَ الزَّوْجُ لِرَبِّ الْعَبْدِ خَلَعْت امْرَأَتِي عَلَى عَبْدِك لِأَنَّ الْعَبْدَ أُضِيفَ إلَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ قَالَ لَهَا خَالَعْتكِ عَلَى عَبْدِ فُلَانٍ أَوْ قَالَتْ هِيَ اخْلَعْنِي عَلَى دَارِ فُلَانٍ تَوَقَّفَ عَلَى قَبُولِهَا لِأَنَّ الْخَطَّابَ جَرَى مَعَهَا فَكَانَتْ هِيَ الدَّاخِلَةُ فِي الْعَقْدِ .
وَلَوْ قَالَتْ اخْلَعْنِي عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنَّ فُلَانًا ضَامِنٌ فَأَجَابَ فَالْخُلْعُ مَعَهَا لِأَنَّهَا الْعَاقِدَةُ وَتَوَقَّفَ ضَمَانُ فُلَانٍ عَلَى قَبُولِهِ . وَلَوْ وَكَّلَتْ مَنْ يَخْلَعُهَا بِأَلْفٍ فَفَعَلَ فَالْمَالُ عَلَيْهَا دُونَ الْوَكِيلِ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ فِي الْخُلْعِ تَرْجِعُ إلَى مَنْ عُقِدَ لَهُ لَا إلَى الْوَكِيلِ ، وَلَوْ ضَمِنَهُ الْوَكِيلُ لَزِمَهُ ، وَإِنْ أَدَّى يَرْجِعُ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْخُلْعَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ، فَفَائِدَةُ أَمْرِهَا بِهِ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ إذَا ضَمِنَ فَأَدَّى لَا يَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ إلَّا إذَا ضَمِنَ بِأَمْرِهِ ، فَإِنَّ فَائِدَةَ الْأَمْرِ جَوَازُ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إنْكَاحَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَبْدِ كَالْخُلْعِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث