فتح القدير
فتح القدير · الجزء الأول
( قَوْلُهُ فَإِنْ رَأَى الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ فِي صَلَاتِهِ بَطَلَتْ ) لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْخَلْفِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَحْدَثَ الْمُتَيَمِّمُ فِي الصَّلَاةِ فَانْصَرَفَ فَوَجَدَ مَاءً فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي دُونَ فَسَادٍ لِأَنَّ انْتِقَاضَ التَّيَمُّمِ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ بِاعْتِبَارِ ظُهُورِ الْحَدَثِ السَّابِقِ وَرُؤْيَةُ الْمَاءِ هُنَا بَعْدَ انْتِقَاضِهِ بِالْحَدَثِ فَلَمْ تُوجَدْ الْقُدْرَةُ حَالَ قِيَامٍ فَلَا يَتَحَقَّقُ انْتِقَاضُهُ مُسْتَنِدًا كَذَا فِي النِّهَايَةِ . وَفِي شَرْحِ الْكَنْزِ : لَوْ قَالَ : فَإِنْ رَأَى الْمُتَيَمِّمُ أَوْ الْمُقْتَدِي بِهِ إلَخْ لَكَانَ أَشْمَلَ ، فَإِنَّ الْمُتَوَضِّئَ الْمُقْتَدِيَ بِهِ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ لِاعْتِقَادِهِ قُدْرَةَ إمَامِهِ بِإِخْبَارِهِ وَصَلَاةُ الْإِمَامِ تَامَّةٌ مَا لَمْ يَعْلَمْ .
وَفِيهِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ أَوْ تَمَّتْ مُدَّةُ مَسْحِهِ هَذَا إذَا كَانَ وَاجِدًا لِلْمَاءِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ لَا تَبْطُلُ وَقِيلَ تَبْطُلُ وَهِيَ الْخِلَافِيَّةُ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا فِي بَابِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ .
قَالَ : وَلَوْ أَحْدَثَ فَذَهَبَ لِيَتَوَضَّأَ فَتَمَّتْ الْمُدَّةُ لَا تَبْطُلُ بَلْ يَتَوَضَّأُ وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ وَيَبْنِي لِأَنَّهُ إنَّمَا لَزِمَهُ غَسْلُ رِجْلَيْهِ لِحَدَثٍ حَلَّ بِهِمَا لِلْحَالِ فَصَارَ كَحَدَثِ سَبْقِهِ لِلْحَالِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ لِأَنَّ انْقِضَاءَ الْمُدَّةِ لَيْسَ بِحَدَثٍ بَلْ يَظْهَرُ عِنْدَهُ السَّابِقُ عَلَى الشُّرُوعِ فَكَأَنَّهُ شَرَعَ بِلَا طَهَارَةٍ فَصَارَ كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا أَحْدَثَ فَذَهَبَ لِلْوُضُوءِ فَوَجَدَهُ فَإِنَّهُ لَا يَبْنِي لِمَا ذَكَرْنَا ، وَكَذَا الْمُسْتَحَاضَةُ إذَا أَحْدَثَتْ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ ذَهَبَ الْوَقْتُ قَبْلَ أَنْ تَتَوَضَّأَ انْتَهَى .
وَهَذَا الصَّرِيحُ فِي ثُبُوتِ الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ . وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْأَسْبَابَ الْمُتَعَاقِبَةَ كَالْبَوْلِ ثُمَّ الرُّعَافُ ثُمَّ الْقَيْءُ إنَّ أَوْجَبَتْ أَحْدَاثًا مُتَعَدِّدَةً يُجْزِئُهُ عَنْهَا وُضُوءٌ وَاحِدٌ ، فَالْأَوْجَهُ مَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ الرُّعَافِ فَبَال ثُمَّ رَعَفَ ثُمَّ تَوَضَّأَ أَنَّهُ يَحْنَثُ . وَإِنْ قُلْنَا لَا تُوجِبُ كَمَا قَدَّمْنَا النَّظَرَ فِيهِ فِي بَابِ الْغُسْلِ فَالْأَوْجَهُ مَا فِي النِّهَايَةِ وَهُوَ الْحَقُّ فِي اعْتِقَادِي ، لَكِنْ كَلَامُ النِّهَايَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ بَلْ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي بَابِ الْغُسْلِ فَلَا تَتَفَرَّعُ مَسْأَلَةُ التَّيَمُّمِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ اخْتِيَارِهِ ( قَوْلُهُ بِعَمَلٍ يَسِيرٍ ) بِأَنْ كَانَ وَاسِعًا ، فَلَوْ كَانَ ضَيِّقًا يَحْتَاجُ إلَى عِلَاجٍ تَمَّتْ لِلْمُنَافِي 386 قَوْلُهُ أَوْ تَذَكَّرَ فَائِتَةً ) أَيْ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى إمَامِهِ وَفِي الْوَقْتِ سَعَةٌ ( قَوْلُهُ أَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فِي الْفَجْرِ ) يَعْنِي طُلُوعُهَا مُفْسِدٌ ، فَإِذَا طَلَعَتْ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَسَدَتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا .
وَلْنَسْتَطْرِدْ ذِكْرَ الْخِلَافِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ .
فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ عَدَمُ فَسَادِ الصَّلَاةِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ فِيهَا تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا } وَتَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ . وَلَنَا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْمُتَقَدِّمُ فَإِنَّهُ يُفِيدُ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ الْمُتَقَدِّمِ الْفَسَادَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ . وَإِذَا تَعَارَضَا قُدِّمَ النَّهْيُ فَيَجِبُ حَمْلُ مَا رَوَوْا عَلَى مَا قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ دَفْعًا لِإِهْمَالِ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ .
وَعَلَى هَذَا فَيَتَعَذَّرُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُمْسِكُ عَنْ الْأَفْعَالِ فِي أَيِّ رُكْنٍ وَقَعَ الطُّلُوعُ إلَى أَنْ تَرْتَفِعَ ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ طُلُوعُهَا يُوجِبُ الْفَسَادَ لَا يُفِيدُ الْإِمْسَاكُ مَنْعَهُ .
وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ تُعْرَفُ بِالِاثْنَيْ عَشَرَةَ وَزِيدَ عَلَيْهَا مَا إذَا وُجِدَ مَاءٌ يُغْسَلُ بِهِ النَّجَاسَةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ : أَعْنِي بَعْدَ قَدْرِ التَّشَهُّدِ وَمَا إذَا دَخَلَ وَقْتٌ مَكْرُوهٌ فِي قَضَاءِ فَائِتَةٍ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَمَا إذَا أُعْتِقَتْ وَهِيَ تُصَلِّي بِغَيْرِ قِنَاعٍ فَلَمْ تَسْتَتِرْ مِنْ وَقْتِهَا وَكَوْنُ الِانْقِطَاعِ الْمُفْسِدِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا دَامَ وَقْتًا كَامِلًا بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ وَوَقَعَ الِانْقِطَاعُ فِيهِ فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أَنَّهُ انْقِطَاعٌ مُؤَثِّرٌ فَيَظْهَرُ الْفَسَادُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَيَقْضِيهَا وَإِلَّا فَبِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ( قَوْلُهُ وَقِيلَ الْأَصْلُ فِيهِ ) 387 أَيْ فِي ثُبُوتِ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ ، قِيلَ قَائِلُهُ أَبُو سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيِّ ( قَوْلُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ) أَيْ إذَا قُلْت هَذَا أَوْ فَعَلْت هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك ( قَوْلُهُ وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْفَرْضِ إلَّا بِهِ يَكُونُ فَرْضًا ) وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّلَبَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِنَاءً عَلَى اخْتِيَارِهِ لَا بِلَا اخْتِيَارٍ .
وَقَدْ يُقَالُ : اقْتِضَاءُ الْحُكْمِ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِيَارِ لِيَنْتَفِيَ الْجَبْرُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَقَاصِدِ لَا الْوَسَائِلِ ، وَإِذًا لَوْ حُمِلَ مُغْمًى عَلَيْهِ إلَى الْمَسْجِدِ فَأَفَاقَ فَتَوَضَّأَ فِيهِ أَجْزَأَهُ عَنْ السَّعْيِ ، وَلَوْ لَمْ يُحْمَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّعْيُ لِيُتَوَصَّلَ ، فَكَذَا إذَا تَحَقَّقَ الْقَاطِعُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِلَا اخْتِيَارٍ حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَى صَلَاةٍ أُخْرَى ، وَلَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلٌ هُوَ قُرْبَةُ قَاطِعٍ . فَلَوْ فَعَلَ مُخْتَارًا مُحَرَّمًا أَثِمَ لِمُخَالَفَةِ الْوَاجِبِ .
وَالْجَوَابُ بِأَنَّ الْفَسَادَ عِنْدَهُ لَيْسَ لِعَدَمِ الْفِعْلِ بَلْ لِلْأَدَاءِ مَعَ الْحَدَثِ ، إذْ بِالرُّؤْيَةِ وَانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَانْقِطَاعِ الْعُذْرِ يَظْهَرُ السَّابِقُ فَيَسْتَنِدُ النَّقْصُ فَيَظْهَرُ فِي هَذِهِ لِقِيَامِ حُرْمَتِهَا حَالَةَ الظُّهُورِ ، بِخِلَافِ الْمُنْقَضِيَةِ لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ وَلَوْ سُلِّمَ أَيْضًا .
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ : لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ الْخُرُوجَ بِفِعْلِهِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ . بَلْ هُوَ حُمِلَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ لَمَّا رَأَى خِلَافَهُ فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ ، وَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَرْضًا لَاخْتَصَّ بِفِعْلٍ هُوَ قُرْبَةٌ ، وَإِنَّمَا تَبْطُلُ عِنْدَهُ فِيهَا لِأَنَّهُ فِي أَثْنَائِهَا 388 كَيْفَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ وَهُوَ السَّلَامُ وَهُوَ آخِرُهَا دَاخِلًا فِيهَا ، وَاعْتِرَاضُ الْمُغَيِّرِ فِي ذَلِكَ كَهُوَ قَبْلَهُ ، وَلِذَا يَتَغَيَّرُ الْفَرْضُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِيهِ وَاقْتِدَاءِ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ فِيهِ ( قَوْلُهُ وَالِاسْتِخْلَافُ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ ) أَيْ فِي حَالَةِ الْحَدَثِ ، وَإِلَّا فَهُوَ فِي نَفْسِهِ عَمَلٌ كَثِيرٌ مُفْسِدٌ فَلِذَا أَفْسَدَ فِي مَسْأَلَةِ تَوَهُّمِ الْحَدَثِ دُونَ الِانْصِرَافِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ فُعِلَ الْمُفْسِدُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ إذْ لَا حَاجَةَ لَهُ إلَى اسْتِخْلَافِ إمَامٍ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فَتَتِمَّ صَلَاتُهُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ .
وَفِيهِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ أَوْ تَمَّتْ مُدَّةُ مَسْحِهِ هَذَا إذَا كَانَ وَاجِدًا لِلْمَاءِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ لَا تَبْطُلُ وَقِيلَ تَبْطُلُ وَهِيَ الْخِلَافِيَّةُ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا فِي بَابِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ .
قَالَ : وَلَوْ أَحْدَثَ فَذَهَبَ لِيَتَوَضَّأَ فَتَمَّتْ الْمُدَّةُ لَا تَبْطُلُ بَلْ يَتَوَضَّأُ وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ وَيَبْنِي لِأَنَّهُ إنَّمَا لَزِمَهُ غَسْلُ رِجْلَيْهِ لِحَدَثٍ حَلَّ بِهِمَا لِلْحَالِ فَصَارَ كَحَدَثِ سَبْقِهِ لِلْحَالِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ لِأَنَّ انْقِضَاءَ الْمُدَّةِ لَيْسَ بِحَدَثٍ بَلْ يَظْهَرُ عِنْدَهُ السَّابِقُ عَلَى الشُّرُوعِ فَكَأَنَّهُ شَرَعَ بِلَا طَهَارَةٍ فَصَارَ كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا أَحْدَثَ فَذَهَبَ لِلْوُضُوءِ فَوَجَدَهُ فَإِنَّهُ لَا يَبْنِي لِمَا ذَكَرْنَا ، وَكَذَا الْمُسْتَحَاضَةُ إذَا أَحْدَثَتْ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ ذَهَبَ الْوَقْتُ قَبْلَ أَنْ تَتَوَضَّأَ انْتَهَى .
وَهَذَا الصَّرِيحُ فِي ثُبُوتِ الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ . وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْأَسْبَابَ الْمُتَعَاقِبَةَ كَالْبَوْلِ ثُمَّ الرُّعَافُ ثُمَّ الْقَيْءُ إنَّ أَوْجَبَتْ أَحْدَاثًا مُتَعَدِّدَةً يُجْزِئُهُ عَنْهَا وُضُوءٌ وَاحِدٌ ، فَالْأَوْجَهُ مَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ الرُّعَافِ فَبَال ثُمَّ رَعَفَ ثُمَّ تَوَضَّأَ أَنَّهُ يَحْنَثُ . وَإِنْ قُلْنَا لَا تُوجِبُ كَمَا قَدَّمْنَا النَّظَرَ فِيهِ فِي بَابِ الْغُسْلِ فَالْأَوْجَهُ مَا فِي النِّهَايَةِ وَهُوَ الْحَقُّ فِي اعْتِقَادِي ، لَكِنْ كَلَامُ النِّهَايَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ بَلْ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي بَابِ الْغُسْلِ فَلَا تَتَفَرَّعُ مَسْأَلَةُ التَّيَمُّمِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ اخْتِيَارِهِ ( قَوْلُهُ بِعَمَلٍ يَسِيرٍ ) بِأَنْ كَانَ وَاسِعًا ، فَلَوْ كَانَ ضَيِّقًا يَحْتَاجُ إلَى عِلَاجٍ تَمَّتْ لِلْمُنَافِي 386 قَوْلُهُ أَوْ تَذَكَّرَ فَائِتَةً ) أَيْ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى إمَامِهِ وَفِي الْوَقْتِ سَعَةٌ ( قَوْلُهُ أَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فِي الْفَجْرِ ) يَعْنِي طُلُوعُهَا مُفْسِدٌ ، فَإِذَا طَلَعَتْ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَسَدَتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا .
وَلْنَسْتَطْرِدْ ذِكْرَ الْخِلَافِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ .
فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ عَدَمُ فَسَادِ الصَّلَاةِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ فِيهَا تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا } وَتَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ . وَلَنَا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْمُتَقَدِّمُ فَإِنَّهُ يُفِيدُ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ الْمُتَقَدِّمِ الْفَسَادَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ . وَإِذَا تَعَارَضَا قُدِّمَ النَّهْيُ فَيَجِبُ حَمْلُ مَا رَوَوْا عَلَى مَا قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ دَفْعًا لِإِهْمَالِ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ .
وَعَلَى هَذَا فَيَتَعَذَّرُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُمْسِكُ عَنْ الْأَفْعَالِ فِي أَيِّ رُكْنٍ وَقَعَ الطُّلُوعُ إلَى أَنْ تَرْتَفِعَ ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ طُلُوعُهَا يُوجِبُ الْفَسَادَ لَا يُفِيدُ الْإِمْسَاكُ مَنْعَهُ .
وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ تُعْرَفُ بِالِاثْنَيْ عَشَرَةَ وَزِيدَ عَلَيْهَا مَا إذَا وُجِدَ مَاءٌ يُغْسَلُ بِهِ النَّجَاسَةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ : أَعْنِي بَعْدَ قَدْرِ التَّشَهُّدِ وَمَا إذَا دَخَلَ وَقْتٌ مَكْرُوهٌ فِي قَضَاءِ فَائِتَةٍ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَمَا إذَا أُعْتِقَتْ وَهِيَ تُصَلِّي بِغَيْرِ قِنَاعٍ فَلَمْ تَسْتَتِرْ مِنْ وَقْتِهَا وَكَوْنُ الِانْقِطَاعِ الْمُفْسِدِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا دَامَ وَقْتًا كَامِلًا بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ وَوَقَعَ الِانْقِطَاعُ فِيهِ فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أَنَّهُ انْقِطَاعٌ مُؤَثِّرٌ فَيَظْهَرُ الْفَسَادُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَيَقْضِيهَا وَإِلَّا فَبِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ( قَوْلُهُ وَقِيلَ الْأَصْلُ فِيهِ ) 387 أَيْ فِي ثُبُوتِ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ ، قِيلَ قَائِلُهُ أَبُو سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيِّ ( قَوْلُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ) أَيْ إذَا قُلْت هَذَا أَوْ فَعَلْت هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك ( قَوْلُهُ وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْفَرْضِ إلَّا بِهِ يَكُونُ فَرْضًا ) وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّلَبَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِنَاءً عَلَى اخْتِيَارِهِ لَا بِلَا اخْتِيَارٍ .
وَقَدْ يُقَالُ : اقْتِضَاءُ الْحُكْمِ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِيَارِ لِيَنْتَفِيَ الْجَبْرُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَقَاصِدِ لَا الْوَسَائِلِ ، وَإِذًا لَوْ حُمِلَ مُغْمًى عَلَيْهِ إلَى الْمَسْجِدِ فَأَفَاقَ فَتَوَضَّأَ فِيهِ أَجْزَأَهُ عَنْ السَّعْيِ ، وَلَوْ لَمْ يُحْمَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّعْيُ لِيُتَوَصَّلَ ، فَكَذَا إذَا تَحَقَّقَ الْقَاطِعُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِلَا اخْتِيَارٍ حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَى صَلَاةٍ أُخْرَى ، وَلَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلٌ هُوَ قُرْبَةُ قَاطِعٍ . فَلَوْ فَعَلَ مُخْتَارًا مُحَرَّمًا أَثِمَ لِمُخَالَفَةِ الْوَاجِبِ .
وَالْجَوَابُ بِأَنَّ الْفَسَادَ عِنْدَهُ لَيْسَ لِعَدَمِ الْفِعْلِ بَلْ لِلْأَدَاءِ مَعَ الْحَدَثِ ، إذْ بِالرُّؤْيَةِ وَانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَانْقِطَاعِ الْعُذْرِ يَظْهَرُ السَّابِقُ فَيَسْتَنِدُ النَّقْصُ فَيَظْهَرُ فِي هَذِهِ لِقِيَامِ حُرْمَتِهَا حَالَةَ الظُّهُورِ ، بِخِلَافِ الْمُنْقَضِيَةِ لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ وَلَوْ سُلِّمَ أَيْضًا .
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ : لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ الْخُرُوجَ بِفِعْلِهِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ . بَلْ هُوَ حُمِلَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ لَمَّا رَأَى خِلَافَهُ فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ ، وَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَرْضًا لَاخْتَصَّ بِفِعْلٍ هُوَ قُرْبَةٌ ، وَإِنَّمَا تَبْطُلُ عِنْدَهُ فِيهَا لِأَنَّهُ فِي أَثْنَائِهَا 388 كَيْفَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ وَهُوَ السَّلَامُ وَهُوَ آخِرُهَا دَاخِلًا فِيهَا ، وَاعْتِرَاضُ الْمُغَيِّرِ فِي ذَلِكَ كَهُوَ قَبْلَهُ ، وَلِذَا يَتَغَيَّرُ الْفَرْضُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِيهِ وَاقْتِدَاءِ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ فِيهِ ( قَوْلُهُ وَالِاسْتِخْلَافُ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ ) أَيْ فِي حَالَةِ الْحَدَثِ ، وَإِلَّا فَهُوَ فِي نَفْسِهِ عَمَلٌ كَثِيرٌ مُفْسِدٌ فَلِذَا أَفْسَدَ فِي مَسْأَلَةِ تَوَهُّمِ الْحَدَثِ دُونَ الِانْصِرَافِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ فُعِلَ الْمُفْسِدُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ إذْ لَا حَاجَةَ لَهُ إلَى اسْتِخْلَافِ إمَامٍ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فَتَتِمَّ صَلَاتُهُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith