فتح القدير
فتح القدير · الجزء الثامن
page 4656 · printed p. 78 · commentary
( قَالَ ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ ( وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَالْعَرْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ) وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِأَجَلٍ غَيْرِ مُتَعَارَفٍ أَيْضًا عِنْدَهُ ، صَرَّحَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا ، وَلَقَبُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِمَا عَزَّ وَهَانَ وَبِأَيِّ مَنْ كَانَ وَإِلَى أَجَلٍ كَانَ مُتَعَارَفًا وَغَيْرَ مُتَعَارَفٍ كَذَا قَالُوا ( وَقَالَا ) أَيْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ( لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِنُقْصَانٍ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ ) أَيْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ وَيَجُوزُ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ ( وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ) أَيْ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالنُّقُودِ ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَهُمَا إلَّا بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ . قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ : وَإِذَا بَاعَ بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ فِيمَا بَيْنَ التُّجَّارِ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ جَازَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا ، وَإِنْ بَاعَ بِأَجَلٍ غَيْرِ مُتَعَارَفٍ فِيمَا بَيْنَ التُّجَّارِ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ بِأَنْ بَاعَ مَثَلًا إلَى خَمْسِينَ سَنَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ وَقَالَ : إنَّمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِالنَّسِيئَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَيْعِ بِالنَّقْدِ ، فَأَمَّا إذَا كَانَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَيْعِ بِالنَّقْدِ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِالنَّسِيئَةِ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ بِعْ هَذَا الْعَبْدَ فَاقْضِ دَيْنِي ، أَوْ قَالَ بِعْ فَإِنَّ الْغُرَمَاءَ يُلَازِمُونَنِي ، أَوْ قَالَ بِعْ فَإِنِّي أَحْتَاجُ إلَى نَفَقَةِ عِيَالِي فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بِالنَّسِيئَةِ انْتَهَى .
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ جَانِبِهِمَا ( لِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ ) أَيْ بِمَا هُوَ مُتَعَارَفٌ بَيْنَ النَّاسِ ( لِأَنَّ التَّصَرُّفَاتِ لِدَفْعِ الْحَاجَاتِ فَتَتَقَيَّدُ بِمَوَاقِعِهَا ) أَيْ فَتَتَقَيَّدُ التَّصَرُّفَاتُ بِمَوَاقِعِ الْحَاجَاتِ ( وَالْمُتَعَارَفُ الْبَيْعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَبِالنُّقُودِ وَلِهَذَا ) أَيْ وَلِأَجْلٍ تَقَيُّدِ التَّصَرُّفَاتِ بِمَوَاقِعِهَا ( يَتَقَيَّدُ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ الْفَحْمِ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ اللَّحْمِ مَكَانَ الْفَحْمِ ، لَكِنَّ الْفَحْمَ أَلْيَقُ لِقِرَانِ قَوْلِهِ بِزَمَانِ الْحَاجَةِ ، إذْ كُلُّ الْأَزْمَانِ زَمَانُ الْحَاجَةِ إلَى اللَّحْمِ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ ( وَالْجَمْدُ ) بِسُكُونِ الْمِيمِ لَا غَيْرُ هُوَ مَا جَمَدَ مِنْ الْمَاءِ فَكَانَ فِيهِ تَسْمِيَةٌ لِلِاسْمِ بِالْمَصْدَرِ ، كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَالدِّيوَانِ ( وَالْأُضْحِيَّةُ بِزَمَانِ الْحَاجَةِ ) مُتَعَلِّقٌ بِيَتَقَيَّد : أَيْ يَتَقَيَّدُ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ هَذِهِ الْأُمُورِ بِزَمَانِ الْحَاجَةِ فَيَتَقَيَّدُ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ الْفَحْمِ بِأَيَّامِ الْبَرْدِ ، وَبِشِرَاءِ الْجَمْدِ بِأَيَّامِ الصَّيْفِ ، وَبِشِرَاءِ الْأُضْحِيَّةِ بِأَيَّامِ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهَا ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ ، حَتَّى لَوْ اشْتَرَى ذَلِكَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ يَلْزَمْ الْآمِرُ ( وَلِأَنَّ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ ) وَهُوَ ظَاهِرٌ ( وَهِبَةٌ مِنْ وَجْهٍ ) وَلِهَذَا لَوْ حَصَلَ مِنْ الْمَرِيضِ كَانَ مُعْتَبَرًا مِنْ الثُّلُثِ ، وَالْأَبُ وَالْوَصِيُّ لَا يَمْلِكَانِهِ ، وَهُوَ وَكِيلٌ بِالْبَيْعِ دُونَ الْهِبَةِ .
( وَكَذَا الْمُقَايَضَةُ ) أَيْ الْبَيْعُ بِالْعَرَضِ ( بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ وَجْهٍ ) ; لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ إخْرَاجَ السِّلْعَةِ مِنْ الْمِلْكِ بَيْعٌ ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ تَحْصِيلَ السِّلْعَةِ فِي الْمِلْكِ شِرَاءٌ ( فَلَا يَتَنَاوَلُهُ ) أَيْ فَلَا يَتَنَاوَلُ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ وَبَيْعَ الْمُقَايَضَةِ ( مُطْلَقُ اسْمِ الْبَيْعِ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُهُ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ ) ; لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ ( وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ مُطْلَقٌ ) أَيْ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ ( فَيَجْرِي ) أَيْ يَجْرِي الْمُطْلَقُ ( عَلَى إطْلَاقِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ ) فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْبَيْعُ .
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ : وَلِأَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ : أَيْ سَلَّمْنَا أَنَّ 78 التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ مُطْلَقٌ لَكِنَّ الْمُطْلَقَ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ .
أَقُولُ : هَذَا أَقْبَحُ مِمَّا قَالَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ، إذْ لَمْ يَقُلْ الْخَصْمُ هُنَا قَطُّ إنَّ التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ مُطْلَقٌ ، بَلْ قَالَ إنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ : يَعْنِي أَنَّ مَا هُوَ فِي صُورَةِ الْإِطْلَاقِ مِنْ الْآمِرِ فَهُوَ مُقَيَّدٌ فِي الْحَقِيقَةِ بِالْمُتَعَارَفِ ، فَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ الْحُكْمُ بِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ مُطْلَقٌ حَتَّى يَصِيرَ مَحَلًّا لِلْمَنْعِ أَوْ التَّسْلِيمِ ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مَا ذُكِرَ مِنْ قِبَلِ أَبِي حَنِيفَةَ هَاهُنَا قَوْلًا بِالْمُوجَبِ بِتَسْلِيمِ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ مُطْلَقٌ .
وَالْحَقُّ أَنَّ حَاصِلَ مَعْنَى الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ مَنْعٌ لِكَوْنِ مُطْلَقِ الْأَمْرِ هَاهُنَا مُقَيَّدًا بِالْمُتَعَارَفِ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ لُزُومِ إجْرَاءِ الْمُطْلَقِ عَلَى إطْلَاقِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ ، وَأَنَّ حَاصِلَ مَعْنَى قَوْلِهِ ( وَالْبَيْعُ بِالْغَبْنِ أَوْ بِالْعَيْنِ ) أَيْ الْعَرَضِ ( مُتَعَارَفٌ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى الثَّمَنِ وَالتَّبَرُّمِ ) أَيْ السَّآمَةِ ( مِنْ الْعَيْنِ ) تَنْزِلُ فِي الْجَوَابِ مِنْ الْمَنْعِ الْمَذْكُورِ : يَعْنِي سَلَّمْنَا أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ ، لَكِنَّ الْبَيْعَ بِالْغَبْنِ أَوْ الْعَيْنِ مُتَعَارَفٌ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى الثَّمَنِ لِتِجَارَةٍ رَابِحَةٍ أَوْ لِغَيْرِهَا ، وَعِنْدَ التَّبَرُّمِ مِنْ الْعَيْنِ ، وَفِي هَذَا لَا يُبَالِي بِقِلَّةِ الثَّمَنِ وَكَثْرَتِهِ وَنَقْدِيَّةِ الثَّمَنِ وَعَرْضِيَّتِهِ فَكَانَ الْعُرْفُ مُشْتَرَكًا فَلَمْ يَصْلُحْ حُجَّةً لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ ( وَالْمَسَائِلُ مَمْنُوعَةٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ ) أَيْ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهَا مِنْ قِبَلِ الْخَصْمِ ، وَهِيَ مَسَائِلُ شِرَاءِ الْفَحْمِ وَالْجَمْدِ وَالْأُضْحِيَّةِ لَيْسَتْ بِمُسَلَّمَةٍ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، بَلْ هِيَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ . وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَهِيَ عَلَى إطْلَاقِهَا لَا تَتَقَيَّدُ بِزَمَانِ الْحَاجَةِ .
قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ : وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا تَتَقَيَّدُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا فَنَقُولُ : إنَّمَا تَتَقَيَّدُ بِدَلَالَةِ الْغَرَضِ لَا بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ شِرَاءِ الْفَحْمِ دَفْعُ ضَرَرِ الْبَرْدِ وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالشِّتَاءِ ، وَالْغَرَضُ مِنْ شِرَاءِ الْجُمْدِ دَفْعُ ضَرَرِ الْحَرِّ وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالصَّيْفِ ، حَتَّى لَوْ انْعَدَمَتْ هَذِهِ الدَّلَالَةُ بِأَنْ وُجِدَ التَّوْكِيلُ مِمَّنْ يَعْتَادُ تَرَبُّصَ الْفَحْمِ كَالْحَدَّادِينَ أَوْ تَرَبُّصَ الْجَمْدِ كَالْفَقَّاعِينَ لَا يَتَقَيَّدُ التَّوْكِيلُ ، كَذَا قَالَ الْإِمَامُ عَلَاءُ الدِّينِ الْعَالِمُ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ . وَكَذَا التَّوْكِيلُ بِالْأُضْحِيَّةِ يَتَقَيَّدُ بِأَيَّامِ النَّحْرِ بِالْغَرَضِ لَا بِالْعَادَةِ ; لِأَنَّ غَرَضَ الْمُوَكِّلِ خُرُوجُهُ عَنْ عُهْدَةِ الْوُجُوبِ الَّذِي يَلْحَقُهُ فِي أَيَّامِ تِلْكَ السَّنَةِ انْتَهَى . وَقَالَ فِي الْكَافِي : وَلِأَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي حَقِّ الْوَقْتِ لَا عَامٌّ فَلَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا وَاحِدًا ، 79 وَقَدْ صَارَ الْمُتَعَارَفُ مُرَادًا فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُهُ مُرَادًا ، فَأَمَّا هَذَا فَعَامٌّ انْتَهَى . وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي الْكِفَايَةِ أَيْضًا ( وَأَنَّهُ ) أَيْ الْبَيْعُ بِالْغَبْنِ ( بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا وَلِأَنَّ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ وَهِبَةٌ مِنْ وَجْهٍ : يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ( حَتَّى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ يَحْنَثُ بِهِ ) أَيْ بِالْبَيْعِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ ، فَلَمَّا جُعِلَ هَذَا بَيْعًا مُطْلَقًا فِي الْيَمِينِ جُعِلَ فِي الْوَكَالَةِ كَذَلِكَ . وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَرَيَانِ الْعُرْفِ فِي الْيَمِينِ فِي نَوْعِ جَرَيَانِهِ فِي الْبَيْعِ فِي ذَلِكَ النَّوْعِ ; أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ قَدِيدًا حَنِثَ ، وَفِي التَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ اللَّحْمِ لَوْ اشْتَرَى الْوَكِيلُ لَحْمًا قَدِيدًا وَقَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي لَا عَلَى الْآمِرِ . وَأُجِيبُ بِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِشِرَاءِ اللَّحْمِ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى لَحْمٍ يُبَاعُ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْقَدِيدُ لَا يُبَاعُ بِهَا عَادَةً فَلَا يَقَعُ التَّوْكِيلُ عَلَيْهِ ، فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْعُرْفَ قَدْ اخْتَلَفَ فِي حَقِّهِمَا فَاخْتَلَفَ الْجَوَابُ لِذَلِكَ . وَأَمَّا الْبَيْعُ بِالْغَبْنِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ بَيْعًا حَقِيقَةً وَعُرْفًا ، أَمَّا حَقِيقَةً فَظَاهِرٌ ، وَأَمَّا عُرْفًا فَيُقَالُ بَيْعٌ رَابِحٌ وَبَيْعٌ خَاسِرٌ ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ .
وَأَقُولُ : فِي الْجَوَابِ بَحْثٌ ; لِأَنَّ حَاصِلَهُ الِاعْتِرَافُ بِاخْتِلَافِ الْعُرْفِ فِي حَقِّ الْيَمِينِ وَالْبَيْعِ وَالتَّشَبُّثِ بِادِّعَاءِ أَنَّ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ بَيْعًا لَا حَقِيقَةً وَلَا عُرْفًا ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ بَيْعًا مِنْ وَجْهٍ فَهُوَ مُسَلَّمٌ ، لَكِنْ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْجَوَابُ عَمَّا قَالَاهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ بَيْعًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَهُوَ مَمْنُوعٌ إذْ هُوَ أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ لَا يَقُولُ بِهِ الْخَصْمُ بَلْ يَدَّعِي أَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ وَهِبَةٌ مِنْ وَجْهٍ ، وَنَحْنُ بِصَدَدِ الْجَوَابِ عَنْهُ بِمَسْأَلَةِ الْيَمِينِ ، فَإِذَا وَرَدَ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ بِاخْتِلَافِ الْعُرْفِ وَالْحُكْمِ مِنْ حَقِّ الْيَمِينِ وَالْبَيْعِ فَكَيْفَ يَصِحُّ الْجَوَابُ عَنْهُ بِالْمَصِيرِ إلَى الْأَصْلِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ ( غَيْرَ أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ لَا يَمْلِكَانِهِ ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْرِيرُهُ لَوْ كَانَ الْبَيْعُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ بَيْعًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَمَلَكَهُ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ : يَعْنِي أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ إنَّمَا لَا يَمْلِكَانِ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ ( مَعَ أَنَّهُ بَيْعٌ ) أَيْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ( لِأَنَّ وِلَايَتَهُمَا ) أَيْ وِلَايَةَ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ عَلَى الصَّغِيرِ ( نَظَرِيَّةٌ ) أَيْ بِشَرْطِ النَّظَرِ فِي أَمْرِ الصَّغِيرِ بِالشَّفَقَةِ وَإِيصَالِ النَّفْعِ إلَيْهِ ( وَلَا نَظَرَ فِيهِ ) أَيْ فِي الْبَيْعِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ .
( وَالْمُقَايَضَةُ شِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَبَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا ، وَكَذَا الْمُقَايَضَةُ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ وَجْهٍ : يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُقَايَضَةَ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ وَجْهٍ ، بَلْ هِيَ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ( لِوُجُودِ حَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ : وَهِيَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ عَلَى وَجْهِ 80 التَّرَاضِي بِطَرِيقِ الِاكْتِسَابِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ . قَالَ : وَكُلُّ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدُّ فَهُوَ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ .
أَقُولُ : فِيهِ خَلَلٌ ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيْعِ فِي قَوْلِهِ وَالْمُقَايَضَةُ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ هُوَ الْبَيْعُ الْمُقَابِلُ لِلشِّرَاءِ وَهُوَ وَصْفُ الْبَائِعِ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالشِّرَاءِ فِي قَوْلِهِ الْمَزْبُورُ هُوَ الشِّرَاءُ الْمُقَابِلُ لِلْبَيْعِ وَهُوَ وَصْفٌ لِلْمُشْتَرِي ، وَالْحَدُّ الْمَذْكُورُ : أَعْنِي مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ عَلَى وَجْهِ التَّرَاضِي بِطَرِيقِ الِاكْتِسَابِ إنَّمَا هُوَ حَدُّ الْبَيْعِ الَّذِي هُوَ عَقْدٌ شَرْعِيٌّ وَهُوَ الْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مَعَ الِارْتِبَاطِ الشَّرْعِيِّ الْحَاصِلِ بَيْنَهُمَا ، فَذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ قَوْلِهِ لِوُجُودِ حَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا . وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ وَكُلُّ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدُّ فَهُوَ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَعْدَ أَنْ جَعَلَ هَذَا الْحَدَّ حَدًّا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ الْبِيَاعَاتِ الْغَيْرِ الِاضْطِرَارِيَّةِ بَيْعًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَشِرَاءً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، إذْ لَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْهَا عَنْ صِدْقِ هَذَا الْحَدِّ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ قَطُّ . وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِوَجْهٍ آخَرَ عَلَى قَوْلِهِ وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ عَلَى وَجْهِ التَّرَاضِي بِطَرِيقِ الِاكْتِسَابِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِهِ بِمَالٍ هِيَ بَاءُ الْمُقَابَلَةِ وَالْعِوَضِ فَلَا يَتَنَاوَلُ الْحَدُّ الشِّرَاءَ انْتَهَى . أَقُولُ : هَذَا سَاقِطٌ ; لِأَنَّ بَاءَ الْمُقَابَلَةِ وَالْعِوَضِ لَا تُنَافِي تَنَاوُلَ الْحَدِّ الْمَذْكُورِ الشِّرَاءَ ، فَإِنَّ الْمُقَابَلَةَ وَالْمُعَاوَضَةَ يَتَحَقَّقَانِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَدَلَيْنِ بِلَا تَفَاوُتٍ ، وَإِنَّمَا بَقِيَ حَدِيثُ دُخُولِ الْبَاءِ عَلَى الثَّمَنِ وَسَيَجِيءُ الْكَلَامُ فِيهِ . ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ : وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْبَيْعُ فِي الْحَقِيقَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إخْرَاجِ مِلْكِهِ مُتَوَصِّلًا بِهِ إلَى تَحْصِيلِ مِلْكِ غَيْرِهِ ، وَالشِّرَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ تَحْصِيلِ مِلْكِ غَيْرِهِ مُتَوَصِّلًا إلَيْهِ بِإِخْرَاجِ مِلْكِهِ ، وَكِلَاهُمَا صَادِقٌ عَلَى الْمُقَايَضَةِ انْتَهَى .
أَقُولُ : هَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى تَحْرِيرِهِ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا عِنْدَهُ ، إلَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ وَكِلَاهُمَا صَادِقٌ عَلَى الْمُقَايَضَةِ أَنَّهُمَا صَادِقَانِ عَلَى بَدَلَيْ الْمُقَايَضَةِ مَعًا فَلَا يُنْتَقَضُ بِسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ ، فَإِنَّ صِدْقَ الْبَيْعِ بِالْمَعْنَى الْمَزْبُورِ فِي سَائِرِهَا مُخْتَصٌّ بِالسِّلْعَةِ وَصِدْقَ الشِّرَاءِ فِيهَا مُخْتَصٌّ بِالثَّمَنِ فَيَسْقُطُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى قَوْلِهِ وَكِلَاهُمَا صَادِقٌ عَلَى الْمُقَايَضَةِ بَلْ عَلَى جَمِيعِ الْبِيَاعَاتِ فَفِي تَقْرِيرِهِ قُصُورٌ انْتَهَى فَتَدَبَّرْ .
ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ : فَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ يُطْلَقَانِ عَلَى عَقْدٍ شَرْعِيٍّ يُرَدُّ عَلَى مَجْمُوعِ مَالَيْنِ بِاعْتِبَارَيْنِ يَتَعَيَّنُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِإِطْلَاقِ لَفْظٍ يَخُصُّهُ 81 عَلَيْهِ ، وَبِذَلِكَ يَتَمَيَّزُ الْبَائِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ عَنْ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ انْتَهَى . أَقُولُ : وَفِيهِ خَلَلٌ ; لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّ مَعْنَى الْبَيْعِ وَمَعْنَى الشِّرَاءِ مُتَّحِدَانِ بِالذَّاتِ وَمُتَغَايِرَانِ بِالِاعْتِبَارِ يَتَعَيَّنُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِإِطْلَاقِ لَفْظٍ يَخُصُّهُ عَلَيْهِ وَهُوَ لَفْظُ الْبَيْعِ فِي الْبَيْعِ وَلَفْظُ الشِّرَاءِ فِي الشِّرَاءِ ، فَيَمْتَازُ بِهِ الْبَائِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي لَكِنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ . أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ أَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ وَلَفْظَ الشِّرَاءِ مِنْ الْأَضْدَادِ يُطْلَقُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى كُلٍّ مِنْ مَعْنَيَيْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ، وَصَرَّحُوا بِهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ حَتَّى صَرَّحَ نَفْسَهُ أَيْضًا هُنَاكَ بِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ مِنْ الْأَضْدَادِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا .
وَقَالَ : يُقَالُ بَاعَ الشَّيْءَ إذَا شَرَاهُ أَوْ اشْتَرَاهُ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَتَيَسَّرُ اخْتِصَاصُ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَزْبُورَيْنِ ، وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ تَعَيُّنُ أَحَدِ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ بِإِطْلَاقِ أَحَدِ ذَيْنِك اللَّفْظَيْنِ عَلَيْهِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا هُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ يَصِحُّ إطْلَاقَةُ عَلَى كُلٍّ مِنْ مَعْنَيَيْهِ ، عَلَى أَنَّ اتِّحَادَ مَعْنَيَيْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِالذَّاتِ مِمَّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الثِّقَاتِ وَلَا يُرَى لَهُ وَجْهٌ سَدِيدٌ . وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْبَيْعَ كَمَا يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ يَنْعَقِدُ أَيْضًا بِالتَّعَاطِي كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْبُيُوعِ ، وَفِي صُورَةِ التَّعَاطِي لَا يَلْزَمُ إطْلَاقُ لَفْظٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُمَا ، فَكَيْفَ يَتِمُّ قَوْلُهُ يَتَعَيَّنُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِإِطْلَاقِ لَفْظٍ يَخُصُّهُ عَلَيْهِ وَبِذَلِكَ يَتَمَيَّزُ الْبَائِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ عَنْ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ . وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّهُ لَوْ تَعَيَّنَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِلَفْظٍ يَخُصُّهُ وَامْتَازَ بِهِ الْبَائِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي لَكَانَ الصَّادِرُ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بَيْعًا وَمِنْ الْآخَرِ شِرَاءً أَلْبَتَّةَ فَلَمْ يَصِحَّ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُقَايَضَةَ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، بَلْ هِيَ حِينَئِذٍ إمَّا بَيْعٌ وَإِمَّا شِرَاءٌ لَا غَيْرُ . اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْمُرَادُ بِكَوْنِهَا بَيْعًا وَشِرَاءً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَلَى أَنَّهَا صَالِحَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْلَ صُدُورِ الْعَقْدِ ، وَأَمَّا بَعْدَ صُدُورِهِ فَيَتَعَيَّنُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَكِنَّهُ تَعَسُّفٌ .
ثُمَّ إنَّهُ فَرْعٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ سُقُوطُ بَعْضِ مَا قِيلَ هَاهُنَا . وَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ الْأَصْلُ كَمَا عَرَفْته لَمْ يَصِحَّ الْفَرْعُ أَيْضًا ; لِأَنَّ صِحَّةَ الْفَرْعِ فَرْعُ صِحَّةِ الْأَصْلِ كَمَا لَا يَخْفَى .
وَاعْلَمْ أَنَّ هَاهُنَا أَسْئِلَةً وَأَجْوِبَةً يَسْتَدْعِي بَسْطُهَا تَحْقِيقَ الْمَقَامِ فَنَقُولُ : إنْ قِيلَ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُوصَفَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ بِصِفَةٍ وَبِضِدِّهَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَلَوْ قُلْنَا بِأَنَّ بَيْعَ الْمُقَايَضَةِ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَزِمَ هَذَا الْمُحَالُ . قُلْنَا إنَّمَا يَلْزَمُ الْمُحَالُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَرَضِ نَفْسِهِ وَشِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَرَضِ صَاحِبِهِ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا هَكَذَا ; لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَبِيعٍ وَثَمَنٍ ، وَلَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فِي أَنْ يُجْعَلَ هُوَ مَبِيعًا أَوْ ثَمَنًا ، فَجُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعًا بِمُقَابَلَةِ الْآخَرِ وَثَمَنًا بِمُقَابَلَةِ الْآخَرِ . فَإِنْ قِيلَ : لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الْأَوْلَوِيَّةِ فِي أَحَدِهِمَا ; لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إدْخَالِ الْبَاءِ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِتَحَقُّقِ إلْصَاقِ الْبَدَلِ بِالْمُبْدَلِ وَمَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْبَاءُ يَتَعَيَّنُ لِلثَّمَنِيَّةِ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْبَاءَ تَصْحَبُ الْأَثْمَانَ فَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ الْآخَرُ لِكَوْنِهِ مَبِيعًا بِحِيَالِهِ . قُلْنَا : قَدْ ذَكَرَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ أَنَّ الْبَاءَ إنَّمَا تُعَيِّنُ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِيَّةِ إذَا كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنْ الْمَكِيلَاتِ أَوْ الْمَوْزُونَاتِ مِنْ غَيْرِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ، فَإِنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ مُتَعَيِّنَةٌ لِلثَّمَنِيَّةِ سَوَاءٌ دَخَلَتْ عَلَيْهَا الْبَاءُ أَوْ لَمْ تَدْخُلْ ، وَالْعُرُوضُ الْمُعَيَّنَةُ مُتَعَيِّنَةٌ لِلْمَبِيعِيَّةِ سَوَاءٌ دَخَلَتْ عَلَيْهَا الْبَاءُ أَوْ لَمْ تَدْخُلْ . أَمَّا الْمَكِيلَاتُ وَالْمَوْزُونَاتُ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ وَهِيَ مَوْصُوفَةٌ بِصِفَةٍ ، فَإِنْ دَخَلَتْ عَلَيْهَا الْبَاءُ تَتَعَيَّنُ لِلثَّمَنِيَّةِ ، كَمَا إذَا قَالَ اشْتَرَيْت هَذَا الْعَبْدَ بِكَذَا حِنْطَةٍ جَيِّدَةٍ ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهَا الْبَاءُ فَلَا تَتَعَيَّنُ لَهَا أَيْضًا . ثُمَّ إنَّ كَلَامَنَا هَاهُنَا فِي بَيْعِ الْمُقَايَضَةِ وَهِيَ تُنَبِّئُ عَنْ الْمُسَاوَاةِ يُقَالُ هُمَا قَيْضَانِ : أَيْ مُسَاوِيَانِ ، فَكَانَ كِلَا الْبَدَلَيْنِ مُتَعَيَّنًا فَلَا يَتَعَيَّنُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِلْمَبِيعِيَّةِ وَلَا لِلثَّمَنِيَّةِ فَلِذَلِكَ جُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعًا وَثَمَنًا ، وَإِنْ دَخَلَتْ الْبَاءُ فِي أَحَدِهِمَا .
فَإِنْ قِيلَ : إذَا كَانَ بَيْعُ الْمُقَايَضَةِ شِرَاءً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَبَيْعًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ رَجَّحَ أَبُو حَنِيفَةَ جَانِبَ الْبَيْعِ فِيهِ حَتَّى نَفِدَ الْبَيْعُ عَلَى الْآمِرِ عِنْدَهُ إذَا بَاعَ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ بِعَرْضٍ مَعَ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ ؟ قُلْنَا : رَجَّحَ هُوَ جَانِبَ الْبَيْعِ اسْتِدْلَالًا بِمَا ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ بِالسَّلَمِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ أَنَّ جَانِبَ الْبَيْعِ يَتَرَجَّحُ عَلَى جَانِبِ الشِّرَاءِ فِي الْبَيْعِ بِعَرَضٍ ، أَلَا يُرَى أَنَّ أَحَدَ الْمُضَارِبَيْنِ لَوْ اشْتَرَى بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ كَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ ، وَلَوْ بَاعَ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَةِ صَاحِبِهِ ؟ فَإِنْ بَاعَهُ بِعَرَضٍ يَتَوَقَّفُ أَيْضًا ، حَتَّى لَوْ أَجَازَ صَاحِبُهُ كَانَ تَصَرُّفُهُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ جَانِبَ الْبَيْعِ يَتَرَجَّحُ فِيهِ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ 82 فَإِنْ قُلْت : كَمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ عَاقِدَيْ عَقْدِ الْمُقَايَضَةِ بَائِعٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَرْضِ نَفْسِهِ مُشْتَرِيًا بِالنِّسْبَةِ إلَى عَرْضِ الْآخَرِ كَذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ عَاقِدَيْ عَقْدِ الصَّرْفِ بَائِعٌ وَمُشْتَرٍ لِمَا أَنَّ عَقْدَ الصَّرْفِ بَيْعٌ وَالْبَيْعُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَبِيعٍ وَثَمَنٍ ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْبَدَلَيْنِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فِي جَعْلِهِ مَبِيعًا أَوْ ثَمَنًا ، فَجُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعًا وَثَمَنًا ، ثُمَّ الْغَبْنُ الْفَاحِشُ يُتَحَمَّلُ فِي بَيْعِ الْمُقَايَضَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ خِلَافًا لِرِوَايَةِ الْحَسَنِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمَبْسُوطِ ، وَلَا يَتَحَمَّلُ فِي بَيْعِ الصَّرْفِ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ كَمَا ذَكَرَ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ بِالصَّرْفِ مِنْ صَرْفِ الْمَبْسُوطِ ، فَمَا وَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مَعَ اتِّحَادِهِمَا فِي الْعِلَّةِ ؟ قُلْت : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إنَّمَا نَشَأَ مِنْ حَيْثُ وُرُودُ عِلَّةِ عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ هُنَا أَيْضًا ، وَذَلِكَ ; لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ إنَّمَا لَا يَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّلِ لِلتُّهْمَةِ ، فَإِنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّهُ عَقَدَ لِنَفْسِهِ ، فَلَمَّا عَلِمَ بِالْغَبْنِ أَرَادَ أَنْ يُلْزِمَ ذَلِكَ الْمُوَكِّلَ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ هُنَا فَإِنَّ الْوَكِيلَ يَمْلِكُ عَقْدَ الصَّرْفِ لِنَفْسِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَبْسُوطِ .
وَأَمَّا فِي بَيْعِ الْمُقَايَضَةِ فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَ مِنْ نَفْسِهِ وَلَا أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ عَرَضَ الْآخَرِ بِمُقَابَلَةِ عَرَضِ الْمُوَكِّلِ ، فَلَمْ تُرَدَّ التُّهْمَةُ الَّتِي وَرَدَتْ فِي حَقِّ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ فَلَمْ يُمْنَعْ الْجَوَازُ لِذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ . وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْوَكِيلَ بِالصَّرْفِ إذَا اشْتَرَى بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ لَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّ الْغَبْنَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ كَانَ يَجُوزُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ لَا يَجُوزُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ شِرَاءٌ مِنْ وَجْهٍ ، إلَّا أَنَّ الشِّرَاءَ أَصْلٌ فِي هَذَا الْعَقْدِ ; لِأَنَّ الثَّمَنِيَّةَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ أَصْلٌ وَالْعِبْرَةُ لِلْأَصْلِ فَكَانَ شِرَاءً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَالْغَبْنُ الْفَاحِشُ لَا يَتَحَمَّلُ فِي الشِّرَاءِ بِالِاتِّفَاقِ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةُ . وَلَا يَلْزَمُ الْوَكِيلُ بِالصَّرْفِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بِالْأَقَلِّ أَصْلًا ; لِأَنَّ مُوَكِّلَهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ بِالنَّصِّ فَكَذَا وَكِيلُهُ انْتَهَى .
أَقُولُ : فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ مُوَكِّلَهُ إنَّمَا لَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِالْأَقَلِّ فِيمَا إذَا اتَّحَدَ الْبَدَلَانِ فِي الْجِنْسِ ، وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فِيهِ فَيَمْلِكُهُ قَطْعًا كَمَا تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ . وَلَا يَخْفَى أَنَّ عَدَمَ جَوَازِ بَيْعِ الْوَكِيلِ بِالصَّرْفِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي صُورَةِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ ، بَلْ يَعُمُّ صُورَتَيْ اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَاخْتِلَافِهِ ، بَلْ الْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةٌ فِي صَرْفِ الْمَبْسُوطِ بِصُورَةِ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ : وَإِنْ وَكَّلَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ يَصْرِفُهَا لَهُ فَبَاعَهَا بِدَنَانِيرَ وَحَطَّ عَنْهُ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ لَمْ يَجُزْ عَلَى الْآمِرِ انْتَهَى .
فَتَلْزَمُ هَذِهِ الصُّورَةُ قَطْعًا وَتَكْفِي فِي وُرُودِ السُّؤَالِ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ ، وَلَعَمْرِي إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ قَدْ خَرَجَ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ سُنَنِ الصَّوَابِ ، وَغَبَنَ فِي تَصَرُّفَاتِهِ غَبْنًا فَاحِشًا ، وَمَعَ ذَلِكَ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ : فَعَلَيْك بِهَذَا وَتَطْبِيقِهِ عَلَى مَا فِي الْكُتُبِ مُلَاحَظًا بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ تُحْمَدُ الْمُتَصَدِّي لِتَلْفِيقِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith