فتح القدير
فتح القدير · الجزء الثامن
الصفحة 4688 · ص. المطبوع 114 · الشرح
( قَالَ ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ ( وَإِذَا أَقَرَّ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ عَلَى مُوَكِّلِهِ عِنْدَ الْقَاضِي ) مُتَعَلِّقٌ بِأَقَرَّ أَيْ أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي ( جَازَ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ ) أَطْلَقَ الْإِقْرَارَ وَالْمُوَكِّلَ لِيَتَنَاوَلَ اسْمُ الْمُوَكِّلِ لِلْمُدَّعِي 114 وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ وَهُوَ جَوَازُ إقْرَارِ الْوَكِيلِ عَلَى مُوَكِّلِهِ لَا يَتَفَاوَتُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُوَكِّلُهُ مُدَّعِيًا أَوْ مُدَّعًى عَلَيْهِ ، سِوَى أَنَّ مَعْنَى الْإِقْرَارِ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمُوَكِّلِ ، فَإِقْرَارُ وَكِيلِ الْمُدَّعِي هُوَ أَنْ يُقِرَّ أَنَّ مُوَكِّلَهُ قَبَضَ هَذَا الْمَالَ وَإِقْرَارُ وَكِيلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ أَنْ يُقِرَّ بِوُجُوبِ الْمَالِ عَلَى مُوَكِّلِهِ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ .
وَخُلَاصَةُ هَذَا مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ سَوَاءٌ كَانَ مُوَكِّلُهُ الْمُدَّعِيَ فَأَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَقَرَّ بِثُبُوتِهِ عَلَيْهِ . وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْكَافِي : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ مِنْ الْمُدَّعِي فَأَقَرَّ بِالْقَبْضِ أَوْ الْإِبْرَاءِ ، أَوْ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَقَرَّ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ ( وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي ) أَيْ لَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ عَلَى مُوَكِّلِهِ عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي ( عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ اسْتِحْسَانًا ) وَقَوْلُهُ اسْتِحْسَانًا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ جَازَ وَبِقَوْلِهِ لَمْ يَجُزْ كَمَا ذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ فَتَأَمَّلْ ( إلَّا أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الْوِكَالَةِ ) فَلَا يَدْفَعُ الْمَالَ إلَيْهِ . وَلَوْ ادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيُّ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ تَبْطُلُ الْوِكَالَةُ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ مُبْطِلٌ فِي دَعْوَاهُ ( وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَقَرَّ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ . وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ فِي الْوَجْهَيْنِ )
أَيْ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي وَفِي غَيْرِ مَجْلِسِهِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى رَحِمَهُمُ اللَّهُ ( وَهُوَ ) أَيْ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ ( قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا وَهُوَ الْقِيَاسُ ) أَيْ مُقْتَضَاهُ ( لِأَنَّهُ ) أَيْ الْوَكِيلَ ( مَأْمُورٌ بِالْخُصُومَةِ وَهِيَ ) أَيْ الْخُصُومَةُ ( مُنَازَعَةٌ ) وَمُشَاجَرَةٌ ( وَالْإِقْرَارُ يُضَادُّهُ ) أَيْ يُضَادُّ الْخُصُومَةَ الَّتِي هِيَ مُنَازَعَةٌ وَتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ بِتَأْوِيلِ مَا أَمَرَ بِهِ ( لِأَنَّهُ ) أَيْ الْإِقْرَارَ ( مُسَالَمَةٌ ) وَمُسَاعَدَةٌ ( وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ لَا يَتَنَاوَلُ ضِدَّهُ ، وَلِهَذَا ) أَيْ وَلِأَجْلِ عَدَمِ تَنَاوُلِ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ ضِدَّ ذَلِكَ الشَّيْءِ ( لَا يَمْلِكُ ) أَيْ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ ( الصُّلْحَ وَالْإِبْرَاءَ ) وَكَذَا لَا يَمْلِكُ الْهِبَةَ وَالْبَيْعَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْكَافِي وَغَيْرُهُ ، فَإِنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ مَا يُضَادُّ الْخُصُومَةَ ( وَيَصِحُّ ) أَيْ يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ ( إذَا اسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ ) بِأَنْ قَالَ وَكَّلْتُك بِالْخُصُومَةِ غَيْرُ جَائِزٍ الْإِقْرَارُ ، أَوْ بِأَنْ قَالَ وَكَّلْتُك بِالْخُصُومَةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا تُقِرَّ عَلَيَّ .
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَلِيلُ مَنْ يَقُولُ إنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْإِقْرَارَ ، فَوَجْهُ الدَّلَالَةِ هُوَ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ لَوْ كَانَ مَجَازًا لِمُطْلَقِ الْجَوَابِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ اسْتِثْنَاءُ الْإِقْرَارِ مِنْ التَّوْكِيلِ 115 بِالْخُصُومَةِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْجَوَابِ إمَّا الْإِقْرَارُ أَوْ الْإِنْكَارُ لَا كِلَاهُمَا بِالِاتِّفَاقِ . ثُمَّ فِي صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْإِقْرَارِ عَنْ الْجَوَابِ يَلْزَمُ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ غَيْرُ جَائِزِ الْإِنْكَارِ لَا يَصِحُّ لِمَا قُلْنَا . فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ لَيْسَ بِمَجَازٍ لِمُطْلَقِ الْجَوَابِ ا هـ كَلَامُهُ . أَقُولُ : فِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْجَوَابِ إمَّا الْإِقْرَارُ أَوْ الْإِنْكَارُ لَا كِلَاهُمَا بِالِاتِّفَاقِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْجَوَابِ إمَّا الْإِقْرَارُ وَحْدَهُ أَوْ الْإِنْكَارُ وَحْدَهُ لَا مَا يَعُمُّهُمَا بِالِاتِّفَاقِ ، فَلَا نُسَلِّمَ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ ، إذْ الْمُرَادُ مِنْ الْجَوَابِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ مَا يَعُمُّ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْكَارَ بِطَرِيقِ عُمُومِ الْمَجَازِ دُونَ أَحَدِهِمَا عَيْنًا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ مُفَصَّلًا وَمَشْرُوحًا سِيَّمَا مِنْ الشَّارِحِ الْمَذْكُورِ ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ لَا مَجْمُوعِهِمَا مَعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَهُوَ مُسَلَّمٌ ، إذْ لَا يَصِحُّ جَمْعُ الْإِنْكَارِ وَالْإِقْرَارِ مَعًا فِي جَوَابِ قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ حِينَئِذٍ قَوْلَهُ ثُمَّ فِي صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْإِقْرَارِ عَنْ الْجَوَابِ يَلْزَمُ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ ، إذْ اللَّازِمُ فِيهِمَا حِينَئِذٍ إنَّمَا هُوَ اسْتِثْنَاءُ الْجُزْئِيِّ مِنْ الْكُلِّيِّ كَمَا لَا يَخْفَى .
وَقَوْلُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ غَيْرُ جَائِزِ الْإِنْكَارِ لَا يَصِحُّ لِمَا قُلْنَا لَيْسَ بِتَامٍّ أَيْضًا ، إذْ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْإِنْكَارِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْإِقْرَارِ ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهِمَا . ثُمَّ أَقُولُ : وَبِهَذَا يَظْهَرُ فَسَادُ مَا فِي كَلَامِ غَايَةِ الْبَيَانِ أَيْضًا فِي هَذَا الْمَقَامِ حَيْثُ قَالَ فِي تَقْرِيرِ الْمَحَلِّ : وَكَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ وَاسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ فَأَقَرَّ الْوَكِيلُ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ ، لِأَنَّ لَفْظَ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْإِقْرَارَ ، فَلَوْ تَنَاوَلَهُ بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ . وَصَحَّ الْإِقْرَارُ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ لَا يَجُوزُ ا هـ . فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ أَنَّهَا أَمْرٌ جُزْئِيٌّ لَا تَعَدُّدَ فِيهِ أَصْلًا فَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهَا وَاحِدٌ مِنْ حَيْثُ الْمَفْهُومُ فَهُوَ لَا يُنَافِي تَعَدُّدَهَا مِنْ حَيْثُ الْأَفْرَادُ وَصِحَّةُ اسْتِثْنَاءِ بَعْضِ أَفْرَادِهَا مِنْهَا عِنْدَ التَّوْكِيلِ بِهَا كَمَا لَا يَخْفَى .
وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ فِي حَلِّ هَذَا الْمُقَامِ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِقْرَارَ لَوْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ لَمَا صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ كَمَا لَوْ اسْتَثْنَى الْإِنْكَارَ وَكَمَا لَوْ وُكِّلَ بِالْبَيْعِ عَلَى أَنْ لَا يَقْبِضَ الثَّمَنَ أَوْ لَا يُسْلِمَ الْمَبِيعَ انْتَهَى . وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي حَلِّ الْمَقَامِ ، وَلَكِنْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ : وَلَوْ كَانَ الْإِقْرَارُ مِنْ حُقُوقِ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ لَمَا صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ كَمَا لَوْ اسْتَثْنَى الْإِنْكَارَ ، وَكَمَا لَوْ وُكِّلَ بِالْبَيْعِ عَلَى أَنْ لَا يَقْبِضَ الثَّمَنَ أَوْ لَا يُسْلِمَ الْمَبِيعَ . ثُمَّ قَالَ : وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ لَمَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ انْتَهَى . أَقُولُ : نَظَرُهُ سَاقِطٌ جِدًّا لِأَنَّ عَدَمَ التَّنَاوُلِ إنَّمَا يُنَافِي صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ دُونَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَدَارُ صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْإِقْرَارِ مِنْ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ شَرْعًا هُوَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ فَلَا يَلْزَمُ الْمَحْذُورُ . نَعَمْ يَرِدُ عَلَى الْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ أَنَّ مَنْ يَقُولُ بِصِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْإِقْرَارِ مِنْ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ مِمَّنْ يَقُولُ بِجَوَازِ إقْرَارِ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ عَلَى مُوَكِّلِهِ لَا يَقُولُ بِكَوْنِ الْإِقْرَارِ مِنْ حُقُوقِ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ ، بَلْ يَقُولُ بِكَوْنِهِ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ كَمَا سَيَظْهَرُ مِنْ تَقْرِيرِ الْمُصَنِّفِ فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ وَيَصِحُّ إذَا اسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ عَلَى الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ حُجَّةً عَلَيْهِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبَ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّارِحَ الْكَاكِيَّ وَالشَّارِحَ الْعَيْنِيَّ جَعَلَا قَوْلَ الْمُصَنِّفِ : وَيَصِحُّ إذَا اسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ يَرِدُ عَلَى قَوْلِهِمْ : أَيْ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا ، وَقَرَّرَ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ بِمَا لَا حَاصِلَ لَهُ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ النَّاظِرِ فِي كَلَامِهِمَا . وَلَمَّا رَأَيْنَا تَفْصِيلَ ذَلِكَ إطْنَابًا مُمِلًّا أَعْرَضْنَا عَنْهُ ، عَلَى أَنَّ مَآلَ مَا ذَكَرَهُ 116 الْكَاكِيُّ فِي تَقْرِيرِ الْجَوَابِ مَا ذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ ، وَمَآلُ مَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ فِي تَقْرِيرِهِ مَا ذُكِرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَدْ عَرَفْت حَالَهُمَا ( وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا يَتَقَيَّدُ بِجَوَابٍ هُوَ خُصُومَةٌ ) يَعْنِي الْإِنْكَارَ ( إذْ الْعَادَةُ ) فِي التَّوْكِيلِ ( جَرَتْ بِذَلِكَ وَلِهَذَا يَخْتَارُ فِيهَا ) أَيْ فِي الْخُصُومَةِ ( الْأَهْدَى فَالْأَهْدَى ) وَالْإِقْرَارُ لَا يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ الْهِدَايَةِ . قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُبْتَدَأَةٌ خِلَافِيَّةٌ ، لَيْسَ إيرَادُهَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِشْهَادِ : يَعْنِي لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ أَيْضًا ، كَذَا فِي الْمُخْتَلِفَاتِ الْبُرْهَانِيَّةِ ا هـ .
وَقَدْ اقْتَفَى أَثَرَهُ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ ، إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ ذَكَرَهُ بِطَرِيقِ النَّقْلِ عَنْ النِّهَايَةِ . وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ : وَكَانَ هَذَا سَهْوَ الْقَلَمِ مِنْ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ ، وَظَنِّي أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ فَكَذَا فِيمَا وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ عَلَى وَجْهِ النَّتِيجَةِ : يَعْنِي لَمَّا كَانَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ لَا يَتَنَاوَلُ ضِدَّهُ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْوَكِيلُ الصُّلْحَ وَصَحَّ اسْتِثْنَاءُ الْمُوَكِّلِ الْإِقْرَارَ أَنْتَجَ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ وَهُوَ الْإِنْكَارُ لَا بِجَوَابِ هُوَ مُسَالَمَةٌ وَهُوَ الْإِقْرَارُ ، وَلِأَجْلِ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ يَخْتَارُ فِي التَّوْكِيلِ بِخُصُومَةٍ الْأَهْدَى فِي الْخُصُومَةِ فَالْأَهْدَى ، وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ كَلَامِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِإِجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، لِأَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا لَا يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ وَهُوَ الْإِنْكَارُ ، لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ مُطْلَقُ الْجَوَابِ وَهُوَ يَشْمَلُ الْإِنْكَارَ وَالْإِقْرَارَ جَمِيعًا ، بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ بِالْخُصُومَةِ ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ زُفَرُ بَيْنَ الْخُصُومَةِ وَالْإِقْرَارِ مُضَادَّةٌ ، وَلِهَذَا صَرَّحَ عَلَاءُ الدِّينِ الْعَالِمُ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ الْمُطْلَقِ فَأَقَرَّ يَصِحُّ ; فَعُلِمَ أَنَّهُ إذَا وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ الْمُطْلَقِ لَا يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ ، وَقَدْ تَحَيَّرَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَقَالَ : هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ لَا لِلِاسْتِشْهَادِ ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ .
أَقُولُ : فِيهِ نَظَرٌ ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ كَوْنَ الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ مِنْ قَبِيلِ سَهْوِ الْقَلَمِ عَمَّا ظُنَّ أَنَّهُ مُرَادٌ بِذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْسَبَ إلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى تَمْيِيزٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ إلَى صَاحِبِ الْهِدَايَةِ ذَلِكَ الْإِمَامُ الَّذِي لَنْ تَسْمَحَ بِمِثْلِهِ الْأَدْوَارُ مَا دَارَ الْفَلَكُ الدُّوَّارُ ، فَإِنَّ بَيْنَ الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ وَمَا ظَنَّهُ مُرَادًا بِذَلِكَ بَوْنًا بَعِيدًا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى ، فَأَنَّى يَتَيَسَّرُ الْحَمْلُ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا سَهْوًا عَنْ الْآخَرِ . وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ إمْكَانِ تَصْحِيحِ كَلَامِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِإِجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ . قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا لَا يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ وَهُوَ الْإِنْكَارُ . قُلْنَا : إنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا لَا يَتَقَيَّدُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ آخِرًا بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ فَهُوَ مُسَلَّمٌ ، لَكِنْ لَا يَضُرُّ بِتَصْحِيحِ كَلَامِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِإِجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا كَمَا هُوَ مُرَادُهُ قَطْعًا ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا لَا يَتَقَيَّدُ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا أَيْضًا بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ فَهُوَ مَمْنُوعٌ ، كَيْفَ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُخْتَلِفَاتِ الْبُرْهَانِيَّةِ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَيْضًا عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ .
قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ مُطْلَقُ الْجَوَابِ وَهُوَ يَشْمَلُ الْإِنْكَارَ وَالْإِقْرَارَ جَمِيعًا ، بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ بِالْخُصُومَةِ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ زُفَرُ بَيْنَ الْخُصُومَةِ وَالْإِقْرَارِ مُضَادَّةٌ . قُلْنَا : لِزُفَرَ أَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا أَنَّ الْأَمْرَ يَنْصَرِفُ إلَى جَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ ، إذْ الْعَادَةُ فِي التَّوْكِيلِ جَرَتْ بِذَلِكَ وَلِهَذَا يَخْتَارُ الْأَهْدَى فَالْأَهْدَى ، وَالْوِكَالَةُ تَتَقَيَّدُ بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ ، وَصَرَّحَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ فِي الْكَافِي وَالتَّبْيِينِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ اتِّفَاقَ جَوَابِ الْمَسْأَلَتَيْنِ لَا يَقْتَضِي اتِّحَادَ دَلِيلِهِمَا .
قَوْلُهُ وَلِهَذَا صَرَّحَ عَلَاءُ الدِّينِ الْعَالِمُ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ الْمُطْلَقِ فَأَقَرَّ يَصِحُّ . قُلْنَا : لَا يَدُلُّ مَا صَرَّحَ بِهِ عَلَاءُ الدِّينِ الْعَالِمُ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ 117 عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ الْمُطْلَقِ فَأَقَرَّ يَصِحُّ عِنْدَ جَمِيعِ الْأَئِمَّةِ حَتَّى زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ فَلَا يَتِمُّ مَطْلُوبُهُ . وَأَمَّا صِحَّةُ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى قَوْلِهِ الْآخَرِ فَمِمَّا لَا يَشُكُّ فِيهِ أَحَدٌ فَانْدَفَعَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ هَاهُنَا بِحَذَافِيرِهِ . ثُمَّ أَقُولُ : الْإِنْصَافُ أَنَّ كَوْنَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا مَسْأَلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ خِلَافِيَّةٌ غَيْرُ مُورَدَةٍ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِشْهَادِ كَمَا اخْتَارَهُ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِشَأْنِ الْمُصَنِّفِ إذْ هُوَ بِصَدَدِ بَيَانِ أَدِلَّةِ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي مَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ ، فَمَا الضَّرُورَةُ فِي شُرُوعِ مَسْأَلَةٍ أُخْرَى أَثْنَاءَ ذِكْرِ أَدِلَّةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ تَمَامِهَا ؟ فَالْوَجْهُ عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ذُكِرَتْ هَاهُنَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِشْهَادِ : يَعْنِي لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ الْمُطْلَقِ صَرِيحًا لَا يَتَنَاوَلُ الْإِقْرَارَ بَلْ يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ وَهُوَ الْإِنْكَارُ بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ ، وَلِهَذَا يَخْتَارُ فِيهَا الْأَهْدَى فَالْأَهْدَى . فَكَيْفَ يَتَنَاوَلُ الْإِقْرَارَ مَا إذَا وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ بِمُجَرَّدِ احْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ بِالْخُصُومَةِ مُطْلَقُ الْجَوَابِ مَجَازًا .
نَعَمْ مَسْأَلَةُ التَّوْكِيلِ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا أَيْضًا عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُخْتَلِفَاتِ الْبُرْهَانِيَّةِ فَلَا يَحْصُلُ بِهَا إلْزَامُ الْخَصْمِ . إلَّا أَنَّ ذِكْرَهَا هَاهُنَا مِنْ قَبِيلِ رَدِّ الْمُخْتَلَفِ عَلَى الْمُخْتَلِفِ ، فَيَصِيرُ اسْتِشْهَادًا تَحْقِيقِيًّا عِنْدَ الْمُسْتَدِلِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلْزَامِيًّا . وَنَظِيرُ هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى فَتَدَبَّرْ . ( وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ التَّوْكِيلَ ) يَعْنِي أَنَّ التَّوْكِيلَ الْمَعْهُودَ الْمَذْكُورَ وَهُوَ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ ( صَحِيحٌ قَطْعًا ) أَيْ صَحِيحٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِالْإِجْمَاعِ ( وَصِحَّتُهُ بِتَنَاوُلِهِ مَا يَمْلِكُهُ قَطْعًا ) أَيْ صِحَّةُ هَذَا التَّوْكِيلِ بِتَنَاوُلِهِ مَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ قَطْعًا لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِغَيْرِ الْمَمْلُوكِ تَصَرُّفٌ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ . قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ : وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ بِبَيْعِ الْخَمْرِ أَوْ شِرَائِهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ . لِأَنَّا نَقُولُ : إنَّ ذَلِكَ مَمْلُوكٌ لِلْمُسْلِمِ ضِمْنًا وَحُكْمًا لِتَصَرُّفِ الْوَكِيلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا قَصْدًا عَلَى وَجْهٍ لَا يَلْحَقُهُ اللُّوَّمُ وَالْإِثْمُ فِي ذَلِكَ .
عَلَى أَنَّا نَقُولُ : إنَّ لِلْمُسْلِمِ وِلَايَةً فِي جِنْسِ التَّصَرُّفِ لِكَوْنِهِ حُرًّا عَاقِلًا بَالِغًا عَلَى وَجْهٍ يَلْزَمُهُ حُكْمُ التَّصَرُّفِ فِيمَا تَصَرَّفَ بِوِلَايَتِهِ . لَا يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُوَكِّلِ وِلَايَةٌ فِي كُلِّ الْأَفْرَادِ ، وَقَدْ مَضَى بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْوِكَالَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَمِنْ شَرْطِ الْوِكَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ وَتَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ ا هـ كَلَامُهُ . أَقُولُ : فِي جَوَابِهِ الثَّانِي بَحْثٌ ، لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ النَّقْضَ اللَّازِمَ هَاهُنَا بِصِحَّةِ تَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ بِبَيْعِ الْخَمْرِ وَشِرَائِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَلْ يُؤَيِّدُهُ ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يَكُونَ لِلْمُوَكِّلِ وِلَايَةٌ فِي كُلِّ الْأَفْرَادِ فَجَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ بِمَا لَا يَمْلِكُهُ بِنَفْسِهِ وَهُوَ بَيْعُ الْخَمْرِ وَشِرَاؤُهَا يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ عِنْدَهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ أَيْضًا صِحَّةُ التَّوْكِيلِ بِمَا لَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ ، فَلَا يَتِمُّ قَوْلُهُ وَصِحَّتُهُ بِتَنَاوُلِهِ مَا يَمْلِكُهُ قَطْعًا . وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ : وَإِنْ اخْتَلَجَ فِي ذِهْنِك صِحَّةُ تَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ بِبَيْعِ الْخَمْرِ فَتَذَكَّرْ مَا تَقَدَّمَ فِيهِ ا هـ .
أَقُولُ : الَّذِي تَقَدَّمَ فِيهِ مِنْ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ هُوَ قَوْلُهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْوِكَالَةِ بِصَدَدِ شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمِنْ شَرْطِ الْوِكَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ . قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ : إنَّ هَذَا الْقَيْدَ وَقَعَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَمِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْخَمْرِ ، وَلَوْ وَكَّلَ بِهِ جَازَ عِنْدَهُ ، وَمَنْشَأُ هَذَا التَّوَهُّمِ أَنْ جَعَلَ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ لِلْعَهْدِ : أَيْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ الَّذِي وُكِّلَ بِهِ ، وَأَمَّا إذَا جُعِلَتْ لِلْجِنْسِ حَتَّى يَكُونَ مَعْنَاهُ يَمْلِكُ جِنْسَ التَّصَرُّفِ احْتِرَازًا عَنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَيَكُونَ عَلَى مَذْهَبِ الْكُلِّ وَهُوَ الْمُرَادُ ا هـ .
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَآلَ هَذَا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ فِي جَوَابِهِ الثَّانِي ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ النَّقْصَ هَاهُنَا بَلْ يُؤَيِّدُهُ ( وَذَلِكَ ) أَيْ مَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ ( مُطْلَقُ الْجَوَابِ ) الْمُتَنَاوِلِ لِلْإِنْكَارِ وَالْإِقْرَارِ جَمِيعًا ( دُونَ أَحَدِهِمَا عَيْنًا ) أَيْ دُونَ أَحَدِ 118 الْجَوَابَيْنِ بِعَيْنِهِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا بِعَيْنِهِ حَرَامًا لِأَنَّ خَصْمَهُ إنْ كَانَ مُحِقًّا يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَوَابُ بِالْإِقْرَارِ وَإِنْ كَانَ مُبْطِلًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَوَابُ بِالْإِنْكَارِ فَلَا يُمْلَكُ الْمُعَيَّنُ مِنْهُمَا قَطْعًا فَلَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِهِ قَطْعًا بَلْ يَصِحُّ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ ، وَحَيْثُ صَحَّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عُلِمَ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَمْلُوكَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَهُوَ مُطْلَقُ الْجَوَابِ الدَّاخِلِ تَحْتَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ( وَطَرِيقُ الْمَجَازِ ) أَيْ بَيْنَ الْخُصُومَةِ وَمُطْلَقِ الْجَوَابِ ( مَوْجُودٌ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ) عَلَى مَا سَيَأْتِي عَنْ قَرِيبٍ عِنْدَ بَيَانِ وَجْهِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ( فَيُصْرَفُ إلَيْهِ ) أَيْ فَيُصْرَفُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ إلَى التَّوْكِيلِ بِمُطْلَقِ الْجَوَابِ ( تَحَرِّيًا لِلصِّحَّةِ قَطْعًا ) أَيْ تَحَرِّيًا لِصِحَّةِ كَلَامِ الْمُوَكِّلِ قَطْعًا ، فَإِنَّ كَلَامَ الْعَاقِلِ يُصَانُ عَنْ الْإِلْغَاءِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث