فتح القدير
فتح القدير · الجزء الأول
( قَوْلُهُ وَمَنْ أَتَى مَسْجِدًا قَدْ صَلَّى فِيهِ ) يَعْنِي فَاتَتْهُ جَمَاعَتُهُ وَصَارَ بِحَيْثُ يُصَلِّي الْفَرْضَ مُنْفَرِدًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَوَّعَ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ مَا بَدَا لَهُ سُنَّةً أَوْ نَافِلَةً مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضِيقٌ وَلَكِنْ هُوَ بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ تَرَكَ التَّطَوُّعَ ( قِيلَ هَذَا ) أَيْ تَرَكَ التَّطَوُّعَ لِلضِّيقِ ( فِي غَيْرِ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ ) أَمَّا هُمَا فَلَا يَتْرُكُهُمَا مَا أَمْكَنَهُ أَدَاءُ الْفَرْضِ فِي الْوَقْتِ بَعْدَهُمَا لِزِيَادَةِ 481 وَكَادَتِهِمَا ( وَقِيلَ ) بَلْ ( هَذَا ) أَيْ التَّرْكُ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ ( فِي الْجَمِيعِ ) أَيْ جَمِيعِ السُّنَنِ وَغَيْرِهَا كَمَا هُوَ الْعُمُومُ السَّابِقُ ( لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاظَبَ عَلَى السُّنَنِ عِنْدَ أَدَاءِ الْمَكْتُوبَاتِ بِجَمَاعَةٍ ) لَا مُنْفَرِدًا وَهَذَا مُنْفَرِدٌ ( وَلَا سُنَّةَ دُونَ الْمُوَاظَبَةِ ) فَلَا تَكُونُ سُنَّةً فِي حَقِّهِ هَذَا السَّبْكُ هُوَ الْمُرَادُ ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُرِدْهُ تَعَيَّنَ كَوْنُ الْمُرَادِ هَذَا : أَيْ عَدَمَ التَّرْكِ فِي الْكُلِّ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ فَلَمْ يُنَاسِبْهُ تَعْلِيلُهُ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ إخْرَاجِ الْأَوَّلِ إلَّا التَّطَوُّعُ قَبْلَ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ ، وَقَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَقْتِ ضِيقٌ وَإِنْ صَلَّاهُمَا بِجَمَاعَةٍ إذْ لَيْسَتَا بِسُنَّةٍ رَاتِبَةٍ فَلَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ قَوْلِهِ قَدْ صَلَّى فِيهِ ، وَيَفْسُدُ الْمَعْنَى أَيْضًا إذْ يُفِيدُ لَا يَتْرُكُ سُنَّةَ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ لَا يَتْرُكُ السُّنَنَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا سُنَّةَ إلَّا عِنْدَ أَدَاءِ الْفَرْضِ بِجَمَاعَةٍ ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا وَاظَبَ عَلَيْهَا كَذَلِكَ ، بَلْ الْحَقُّ أَنَّ سُنِّيَّتَهَا مُطْلَقَةٌ كَمَا هُوَ اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ لِإِطْلَاقِ الْمَعْنَى الْمَعْقُولِ مِنْ شَرْعِيَّتِهَا ، وَهُوَ تَكْمِيلُ الْفَرَائِضِ بِجَبْرِ الْخَلَلِ الَّذِي عَسَاهُ يَقَعُ فِيهَا وَقَطْعِ طَمَعِ الشَّيْطَانِ مِنْهُ أَنْ يُوَسْوِسَ لَهُ بِتَرْكِ الْفَرْضِ وَلِتَكُونَ الْمُتَقَدِّمَةُ مُعِينَةً عَلَى حُصُولِ الْجَمْعِيَّةِ فِي الْفَرْضِ لِقَطْعِ مَوَادِّ الشَّوَاغِلِ بِهَا قَبْلَ الْفَرْضِ فَيَدْخُلُ الْفَرْضُ وَقَدْ تَوَجَّهَتْ النَّفْسُ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَلِيَ الْفَرْضَ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الشَّوَاغِلِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَعَدَمِ الْمُوَاظَبَةِ إلَّا كَذَلِكَ وَقَعَ اتِّفَاقًا لِلِاتِّفَاقِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي الْفَرْضَ إلَّا كَذَلِكَ ، هَذَا فِي حَقِّنَا ، أَمَّا فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزِيَادَةُ الدَّرَجَاتِ إذْ لَا خَلَلَ فِي صَلَاتِهِ وَلَا طَمَعَ ( قَوْلُهُ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَتْرُكَهَا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ) ظَاهِرٌ فِي تَصْيِيرِ الْأَقْوَالِ ثَلَاثَةً يَتْرُكُهَا الْمُنْفَرِدُ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُكْرَهُ يَتْرُكُهَا إلَّا سُنَّةَ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ لَا يَتْرُكُ شَيْئًا بَعْدَ كَوْنِ الْوَقْتِ بَاقِيًا وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ ، وَالْمُرَادُ بِالْأَحْوَالِ كُلِّهَا حَالُ ضِيقِ الْوَقْتِ وَسَعَتِهِ وَالِانْفِرَادِ وَالْجَمَاعَةِ ، وَقَدْ يُرَادُ شُمُولُهُ لِلسَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ أَيْضًا فَيُفِيدُ اخْتِيَارَ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي السَّفَرِ ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمَشَايِخِ عَلَى نَفْيِ الِاسْتِنَانِ فِي السَّفَرِ فَلَا يُصَلِّي السُّنَّةَ فِيهِ ، وَقِيلَ يُصَلِّيهَا لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْقُولِ مِنْ شَرْعِيَّتِهَا مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ ، وَلَا ضَرَرَ عَلَى الْمُسَافِرِ فِيهِ إذْ يُمْكِنُهُ أَدَاؤُهَا رَاكِبًا عَلَى مَا مَرَّ ، لَكِنْ ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ سُنَّةِ الظُّهْرِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ : لَوْ كُنْت مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْت . وَلِأَنَّا لَا نَقُولُ لَا يُتَنَقَّلُ عَلَى الدَّابَّةِ فِي السَّفَرِ بَلْ الْكَلَامُ فِي ثُبُوتِ سُنِّيَّةِ الْمَعْهُودَةِ حَتَّى يَلْزَمَهُ إسَاءَةٌ بِالتَّرْكِ فَهَذَا هُوَ الْمَنْفِيُّ ، فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمَّا أَسْقَطَ شَطْرَ الْفَرْضِ عَنْهُ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ لِلسَّفَرِ فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ غَيْرَهُ بِحَيْثُ يُلْزَمُهُ إسَاءَةٌ بِتَرْكِهِ .
وَأَمَّا الْحَدِيثَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ : فَحَدِيثُ سُنَّةِ الْفَجْرِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَدَعُوهُمَا وَإِنْ طَرَدَتْكُمْ الْخَيْلُ } وَفِيهِ ابْنُ سَيْلَانَ بِمُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ وَنُونٍ ، قَالَ 482 ابْنُ الْقَطَّانِ : لَا نَدْرِي أَهُوَ عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَيْلَانَ أَوْ هُوَ جَابِرُ بْنُ سَيْلَانَ ؟ وَأَيُّهُمَا كَانَ فَحَالُهُ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ ، لَكِنْ صَرَّحَ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ بِمَا عَيَّنَهُ عَبْدُ الْحَقِّ مِنْ أَنَّهُ عَبْدُ رَبِّهِ وَقَالَ : هَكَذَا جَاءَ مُسَمًّى فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَدَنِيُّ أَبُو شَيْبَةَ الْوَاسِطِيُّ ، أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ : لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَحَدِيثُهُ حَسَنٌ وَلَيْسَ بِقَوِيٍّ .
وَقَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ : سَأَلْت عَنْهُ بِالْمَدِينَةِ فَلَمْ يَحْمَدُوهُ قِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ قَدَرِيًّا فَنَفَوْهُ مِنْ الْمَدِينَةِ ، فَأَمَّا رِوَايَاتُهُ فَلَا بَأْسَ بِهَا ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ : مُقَارِبُ الْحَدِيثِ .
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ حَدِيثِ سُنَّةِ الظُّهْرِ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ .
وَمِمَّا وَرَدَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ } وَأَسْلَفْنَا عَنْهَا فِي الْبُخَارِيِّ { كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ } وَأَخْرَجَ عَنْهَا فِي حَدِيثِ { وَلَمْ يَكُنْ يَدَعُهُمَا أَبَدًا } وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانِ عَنْ أَبِيهِ { أَنَّهُ أَرْسَلَ إلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَسَأَلَهَا عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : كَانَ يُصَلِّي وَيَدَعُ ، وَلَكِنْ لَمْ أَرَهُ تَرَكَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ وَلَا صِحَّةٍ وَلَا سَقَمٍ } وَأَسْنَدَ أَبُو يَعْلَى إلَى ابْنِ عُمَرَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { لَا تَتْرُكُوا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَإِنَّ فِيهَا الرَّغَائِبَ } .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ لَا يَتْرُكُ السُّنَنَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا سُنَّةَ إلَّا عِنْدَ أَدَاءِ الْفَرْضِ بِجَمَاعَةٍ ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا وَاظَبَ عَلَيْهَا كَذَلِكَ ، بَلْ الْحَقُّ أَنَّ سُنِّيَّتَهَا مُطْلَقَةٌ كَمَا هُوَ اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ لِإِطْلَاقِ الْمَعْنَى الْمَعْقُولِ مِنْ شَرْعِيَّتِهَا ، وَهُوَ تَكْمِيلُ الْفَرَائِضِ بِجَبْرِ الْخَلَلِ الَّذِي عَسَاهُ يَقَعُ فِيهَا وَقَطْعِ طَمَعِ الشَّيْطَانِ مِنْهُ أَنْ يُوَسْوِسَ لَهُ بِتَرْكِ الْفَرْضِ وَلِتَكُونَ الْمُتَقَدِّمَةُ مُعِينَةً عَلَى حُصُولِ الْجَمْعِيَّةِ فِي الْفَرْضِ لِقَطْعِ مَوَادِّ الشَّوَاغِلِ بِهَا قَبْلَ الْفَرْضِ فَيَدْخُلُ الْفَرْضُ وَقَدْ تَوَجَّهَتْ النَّفْسُ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَلِيَ الْفَرْضَ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الشَّوَاغِلِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَعَدَمِ الْمُوَاظَبَةِ إلَّا كَذَلِكَ وَقَعَ اتِّفَاقًا لِلِاتِّفَاقِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي الْفَرْضَ إلَّا كَذَلِكَ ، هَذَا فِي حَقِّنَا ، أَمَّا فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزِيَادَةُ الدَّرَجَاتِ إذْ لَا خَلَلَ فِي صَلَاتِهِ وَلَا طَمَعَ ( قَوْلُهُ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَتْرُكَهَا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ) ظَاهِرٌ فِي تَصْيِيرِ الْأَقْوَالِ ثَلَاثَةً يَتْرُكُهَا الْمُنْفَرِدُ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُكْرَهُ يَتْرُكُهَا إلَّا سُنَّةَ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ لَا يَتْرُكُ شَيْئًا بَعْدَ كَوْنِ الْوَقْتِ بَاقِيًا وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ ، وَالْمُرَادُ بِالْأَحْوَالِ كُلِّهَا حَالُ ضِيقِ الْوَقْتِ وَسَعَتِهِ وَالِانْفِرَادِ وَالْجَمَاعَةِ ، وَقَدْ يُرَادُ شُمُولُهُ لِلسَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ أَيْضًا فَيُفِيدُ اخْتِيَارَ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي السَّفَرِ ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمَشَايِخِ عَلَى نَفْيِ الِاسْتِنَانِ فِي السَّفَرِ فَلَا يُصَلِّي السُّنَّةَ فِيهِ ، وَقِيلَ يُصَلِّيهَا لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْقُولِ مِنْ شَرْعِيَّتِهَا مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ ، وَلَا ضَرَرَ عَلَى الْمُسَافِرِ فِيهِ إذْ يُمْكِنُهُ أَدَاؤُهَا رَاكِبًا عَلَى مَا مَرَّ ، لَكِنْ ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ سُنَّةِ الظُّهْرِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ : لَوْ كُنْت مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْت . وَلِأَنَّا لَا نَقُولُ لَا يُتَنَقَّلُ عَلَى الدَّابَّةِ فِي السَّفَرِ بَلْ الْكَلَامُ فِي ثُبُوتِ سُنِّيَّةِ الْمَعْهُودَةِ حَتَّى يَلْزَمَهُ إسَاءَةٌ بِالتَّرْكِ فَهَذَا هُوَ الْمَنْفِيُّ ، فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمَّا أَسْقَطَ شَطْرَ الْفَرْضِ عَنْهُ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ لِلسَّفَرِ فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ غَيْرَهُ بِحَيْثُ يُلْزَمُهُ إسَاءَةٌ بِتَرْكِهِ .
وَأَمَّا الْحَدِيثَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ : فَحَدِيثُ سُنَّةِ الْفَجْرِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَدَعُوهُمَا وَإِنْ طَرَدَتْكُمْ الْخَيْلُ } وَفِيهِ ابْنُ سَيْلَانَ بِمُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ وَنُونٍ ، قَالَ 482 ابْنُ الْقَطَّانِ : لَا نَدْرِي أَهُوَ عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَيْلَانَ أَوْ هُوَ جَابِرُ بْنُ سَيْلَانَ ؟ وَأَيُّهُمَا كَانَ فَحَالُهُ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ ، لَكِنْ صَرَّحَ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ بِمَا عَيَّنَهُ عَبْدُ الْحَقِّ مِنْ أَنَّهُ عَبْدُ رَبِّهِ وَقَالَ : هَكَذَا جَاءَ مُسَمًّى فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَدَنِيُّ أَبُو شَيْبَةَ الْوَاسِطِيُّ ، أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ : لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَحَدِيثُهُ حَسَنٌ وَلَيْسَ بِقَوِيٍّ .
وَقَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ : سَأَلْت عَنْهُ بِالْمَدِينَةِ فَلَمْ يَحْمَدُوهُ قِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ قَدَرِيًّا فَنَفَوْهُ مِنْ الْمَدِينَةِ ، فَأَمَّا رِوَايَاتُهُ فَلَا بَأْسَ بِهَا ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ : مُقَارِبُ الْحَدِيثِ .
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ حَدِيثِ سُنَّةِ الظُّهْرِ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ .
وَمِمَّا وَرَدَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ } وَأَسْلَفْنَا عَنْهَا فِي الْبُخَارِيِّ { كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ } وَأَخْرَجَ عَنْهَا فِي حَدِيثِ { وَلَمْ يَكُنْ يَدَعُهُمَا أَبَدًا } وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانِ عَنْ أَبِيهِ { أَنَّهُ أَرْسَلَ إلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَسَأَلَهَا عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : كَانَ يُصَلِّي وَيَدَعُ ، وَلَكِنْ لَمْ أَرَهُ تَرَكَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ وَلَا صِحَّةٍ وَلَا سَقَمٍ } وَأَسْنَدَ أَبُو يَعْلَى إلَى ابْنِ عُمَرَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { لَا تَتْرُكُوا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَإِنَّ فِيهَا الرَّغَائِبَ } .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith