فتح القدير
فتح القدير · الجزء الأول
الصفحة 543 · ص. المطبوع 485 · الشرح
485 بَابُ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ )
( قَوْلُهُ لِأَنَّ كُلَّ فَرْضٍ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ شَرْطًا لِغَيْرِهِ ) هَذَا هُوَ الْأَصْلُ إلَّا مَا أَخْرَجَهُ عَنْهُ دَلِيلٌ ، كَمَا فِي " الْإِيمَانُ أَعْظَمُ الْأُصُولِ " وَهُوَ شَرْطٌ لِكُلِّ الْعِبَادَاتِ ، وَكَذَا الظُّهْرُ بِعَرَفَةَ تَقْدِيمُهَا شَرْطٌ لِلْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ بِهَا لِلدَّلِيلِ عَلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ . وَلَنَا مَا أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّرْجُمَانِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا 486 إلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلْيُعِدْ الَّتِي صَلَّاهَا مَعَ الْإِمَامِ } وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا ، وَصَحَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَبُو زُرْعَةَ وَغَيْرُهُمَا وَقْفَهُ .
وَاخْتَلَفُوا فِي نِسْبَةِ الْخَطَإِ فِي رَفْعِهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ نَسَبَهُ إلَى سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَسَبَهُ إلَى التَّرْجُمَانِيِّ . وَلَا يَخْفَى أَنَّ الرَّفْعَ زِيَادَةٌ وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَهُمَا ثِقَتَانِ . قَالَ ابْنُ مَعِينٍ فِي التَّرْجُمَانِيِّ : لَا بَأْسَ بِهِ ، وَكَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد وَأَحْمَدُ ، وَلِذَا وَثَّقَ ابْنُ مَعِينٍ سَعِيدًا ، وَذَكَرَ الذَّهَبِيُّ فِي مِيزَانِهِ تَوْثِيقَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَهِمُ .
فَإِنْ قُلْت : لَا يُقَاوِمُ مَالِكًا . فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُخْتَارَ فِي تَعَارُضٍ الْوَقْفِ وَالرَّفْعِ لَيْسَ كَوْنُ الِاعْتِبَارِ لِلْأَكْثَرِ وَلَا لِلْأَحْفَظِ وَإِنْ كَانَتْ مَذَاهِبَ بَلْ لِلرَّافِعِ بَعْدَ كَوْنِهِ ثِقَةً ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّرْجِيحَ بِذَاكَ هُوَ عِنْدَ تَعَارُضِ الْمَرْوِيَّيْنِ . وَلَا تَعَارُضَ فِي ذَلِكَ لِظُهُورِ أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ يَقِفُ الْحَدِيثَ وَقَدْ يَرْفَعُهُ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَمَسَّكْ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ } لِأَنَّ غَايَةَ مَا يُفِيدُهُ وُجُوبُ الْأَدَاءِ وَقْتَ التَّذَكُّرِ لَا فَسَادُ الْوَقْتِيَّةِ فِيهِ ، بِخِلَافِ مَا تَمَسَّكَ بِهِ ، لَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ الْمُفَادُ فِيهِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ لِلْفَسَادِ لِمَا أَسَلَفنَا مِنْ وُجُوبِ إعَادَةِ الْمُؤَدَّاةِ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ سَلَّمْنَاهُ .
لَكِنَّ فَسَادَ الْوَقْتِيَّةِ بِهَذَا الْخَبَرِ بَعْدَ تَسْلِيمِ حُجِّيَّتِهِ مُعَارَضٌ بِصِحَّتِهَا بِالْقَاطِعِ الدَّالِ عَلَى أَنَّهُ وَقْتُهَا ، وَلَازِمُهُ الشَّرْعِيُّ الصِّحَّةُ فِيهِ ، وَلَازِمُ الْقَطْعِيِّ قَطْعِيٌّ . وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى قَطْعِيَّةِ اللُّزُومِ : وَقَطْعِيَّةُ لُزُومِ الصِّحَّةِ فِيهِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ شُرُوطِهِ الثَّابِتَةِ شَرْعًا .
وَقَدْ ثَبَتَ اشْتِرَاطُ تَقْدِيمِ الْفَائِتَةِ بِهَذَا النَّصِّ فَيَتَوَقَّفُ قَطْعِيَّةُ لُزُومِ الصِّحَّةِ فِيهِ عَلَى تَقْدِيمِهَا ، لَكِنْ بَقِيَ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّهُ إثْبَاتُ شَرْطٍ لِلْمَقْطُوعِ بِهِ بِظَنِّيٍّ ، وَقَدْ الْتَزَمَهُ فِي النِّهَايَةِ فِي جَوَابِ السُّؤَالِ الْقَائِلِ : مَا عَمِلْتُمْ بِخَبَرِ الْفَاتِحَةِ مِثْلَ مَا عَمِلْتُمْ بِخَبَرِ التَّرْتِيبِ حَيْثُ قُلْتُمْ بِفَسَادِ الصَّلَاةِ عِنْدَ تَرْكِ التَّرْتِيبِ لَا عِنْدَ تَرْكِ الْفَاتِحَةِ ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ لِزِيَادَةِ شَرْطٍ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ ، وَتَعْيِينُ الْفَاتِحَةِ زِيَادَةُ رُكْنٍ فِيهَا فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ الشَّرْطُ لِأَنَّهُ أَحَطُّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَا يَثْبُتُ بِهِ الرُّكْنُ انْتَهَى .
وَلَا يَخْفَى أَنَّ إثْبَاتَ شَرْطٍ لِلْمُطْلَقِ فِي الصِّحَّةِ مِنْ عَيْنِ الزِّيَادَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى الْقَاطِعِ الْمُطْلَقِ لِأَنَّهُ تَقْيِيدٌ لِلْمُطْلَقِ فِي الصِّحَّةِ بِهِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ فِي الْأُصُولِ فَلَا يَجُوزُ . وَعَنْ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَدَلَ عَنْهُ بَعْدَ ذِكْرِهِ فِي النِّهَايَةِ إلَى جَوَابٍ آخَرَ جَعَلَهُ الْأَصَحَّ فَقَالَ : 487 أَوْ نَقُولُ : وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ الْجَوَابِ لَوْ قُلْنَا بِتَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ عَلَى وَجْهٍ تَفْسُدُ بِتَرْكِهَا يَلْزَمُ نَسْخُ الْكِتَابِ الَّذِي يَقْتَضِي الْجَوَازَ بِدُونِهَا وَهُوَ إطْلَاقُ قَوْله تَعَالَى { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ } وَهُوَ لَا يَجُوزُ كَمَا قُلْنَا بِجَوَازِ الْوَقْتِيَّةِ مَعَ تَذَكُّرِ الْفَائِتَةِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ لِئَلَّا يَلْزَمَ مِثْلُ هَذَا .
وَأَمَّا لَوْ قُلْنَا بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ عِنْدَ سَعَةِ الْوَقْتِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَلْزَمُ فَسَادُ الْوَقْتِيَّةِ لَا يَلْزَمُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْخَبَرِ بَلْ كَانَ عَمَلًا بِهِمَا لِأَنَّ بِذَلِكَ يَتَأَخَّرُ حُكْمُ مَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَلَا يَبْطُلُ وَكَانَ لَهُ وِلَايَةُ التَّأْخِيرِ بِدُونِ هَذَا ، وَهَذَا عَيْنُ نَظِيرِ مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي طَرِيقِ الْمُزْدَلِفَةِ يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ ، فَلَوْ لَمْ يُعِدْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ لَا يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ كَيْ لَا يَلْزَمُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ انْتَهَى . وَلَا يَخْفَى عَلَى مُتَأَمِّلٍ أَنَّ الْمَانِعَ هُوَ تَقْدِيمُ الْخَبَرِ عَلَى الْقَاطِعِ كَمَا هُوَ قَائِمٌ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ كَذَلِكَ هُوَ عِنْدَ سَعَتِهِ ، فَإِنَّ الْقَاطِعَ اقْتَضَى الصِّحَّةَ مُطْلَقًا ، فَإِذَا أَلْزَمْت التَّأْخِيرَ كَذَلِكَ كَانَ عَيْنُ تَقْدِيمِ الظَّنِّيِّ عَلَيْهِ .
نَعَمْ يَتَحَقَّقُ الْعَمَلُ بِهِمَا مِمَّنْ قَدَّمَ الْفَائِتَةَ بِنَاءً عَلَى اخْتِيَارِهِ ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي هَذَا بَلْ إنَّ تَعْيِينَ تَقْدِيمِ الْفَائِتَةِ عِنْدَ سَعَةِ الْوَقْتِ عَلَى وَجْهٍ تَفْسُدُ الْوَقْتِيَّةُ لَوْ قَدَّمَتْ هَلْ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ بَلْ هَذَا تَقْدِيمُ الظَّنِّيِّ عَيْنًا عِنْدَ مُعَارَضَتِهِ الْقَاطِعَ فِي صِحَّةِ الْوَقْتِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَقَوْلُهُ إنَّهُ عَيْنُ نَظِيرِ مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ إلَخْ قَدْ يُنْظَرُ فِيهِ بِأَنَّ الْحُكْمَ هُنَاكَ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ بِمُزْدَلِفَةَ إلَى الْفَجْرِ ، فَإِذَا لَمْ يُعِدْ حَتَّى طَلَعَ تَقَرَّرَ الْمَأْثَمُ بِتَرْكِ مُقْتَضَى خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ بِفَسَادِ الْمَغْرِبِ وَلُزُومِ قَضَائِهَا ، وَالْحُكْمُ هُنَا فَسَادُ الْوَقْتِيَّةِ وَلُزُومُ قَضَائِهَا ، وَبِذَلِكَ يَقَعُ التَّقْدِيمُ الْمُمْتَنِعُ ، هَذَا كُلُّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ ذَلِكَ الْقَاطِعِ وَمَعْرِفَةِ شَخْصِهِ وَلَمْ يُعَيِّنُوهُ ، وَالْإِجْمَاعُ مُنْتَفٍ ، إذْ مَالِكٌ وَأَصْحَابُنَا لَمْ يَقُولُوا بِصِحَّةِ الْوَقْتِيَّةِ إذَا قُدِّمَتْ مُطْلَقًا فَلَا إجْمَاعَ .
وَيُمْكِنُ كَوْنُهُ حَدِيثَ إمَامَةِ جِبْرِيلَ حَيْثُ قَالَ : الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ أَوْ مَشْهُورٌ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُتَوَاتِرِ فِي تَقْيِيدِ مُطْلَقِ الْكِتَابِ بِهِ ، وَحِينَئِذٍ فَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ وُجُوبُ تَقْدِيمِ الْفَائِتَةِ دُونَ فَسَادِ الْوَقْتِيَّةِ لَوْ لَمْ تُقَدَّمْ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَثِمَ لِتَرْكِ مُقْتَضَى خَبَرِ الْوَاحِدِ كَتَرْكِ الْفَاتِحَةِ سَوَاءً ، وَدَعْوَى مَنْ ادَّعَى أَنَّ خَبَرَ التَّرْتِيبِ مَشْهُورٌ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي رَفْعِهِ بَيْنِ الْمُحَدِّثِينَ ثَابِتٌ فَضْلًا عَنْ شُهْرَتِهِ ; أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَذْهَبَ تَقْدِيمُ الْوَقْتِيَّةِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ ، فَلَوْ كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ لَقَدَّمُوا الْفَائِتَةَ مُطْلَقًا لِجَوَازِ تَقْيِيدِ الْكِتَابِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ بِالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ فَيَكُونُ إطْلَاقُ جَوَازِ الْوَقْتِيَّةِ فِي كُلِّ الْوَقْتِ مُقَيَّدًا بِعَدَمِ الْفَائِتَةِ ، لَكِنَّ هَذَا إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ لِأَنَّ الثَّابِتَ قَائِلَانِ : قَائِلٌ بِالِاسْتِحْبَابِ ، وَقَائِلٌ بِالْوُجُوبِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ، فَجَعْلُهُ لِلْوُجُوبِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ وَهُوَ لَا يَجُوزُ ، فَإِذَا امْتَنَعَ إعْمَالُ ظَاهِرِهِ مِنْ الْوُجُوبِ لَزِمَ حَمْلُهُ عَلَى النَّدْبِ ، وَنَفْسُ الِامْتِنَاعِ لِلْإِحْدَاثِ هُوَ الْقَرِينَةُ الصَّارِفَةُ إلَى النَّدْبِ ، فَظَهَرَ بِهَذَا الْبَحْثِ 488 أَوْلَوِيَّةُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْقَائِلِينَ بِالِاسْتِحْبَابِ ، وَهُوَ مَحْمَلُ فِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّرْتِيبَ فِي الْقَضَاءِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْفِعْلِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ الْمُتَعَيَّنَ لِجَوَازِ كَوْنِهِ الْأُولَى ( قَوْلُهُ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى تَفْوِيتِ الْوَقْتِيَّةِ ) تَعْلِيلٌ لِلسُّقُوطِ بِضِيقِ الْوَقْتِ وَكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ .
وَأَمَّا بِالنِّسْيَانِ فَظَاهِرٌ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا أَوْجَبَ التَّرْتِيبَ عِنْدَ التَّذَكُّرِ ، ثُمَّ تَفْسِيرُ ضِيقِ الْوَقْتِ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي لَا يَسَعُ الْوَقْتِيَّةَ وَالْفَائِتَةَ وَلَا يُنَاطُ بِمُجَرَّدِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بَلْ بِالْوَاقِعِ ، فَلَوْ ظَنَّ ضِيقَهُ فَصَلَّى الْوَقْتِيَّةَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِ سَعَةٌ بَطَلَتْ ، ثُمَّ يَنْظُرُ إنْ ظَنَّ أَنَّ الْبَاقِيَ صَارَ لَا يَسَعُهُمَا فَأَعَادَ الْوَقْتِيَّةَ ثُمَّ ظَهَرَ أَيْضًا خِلَافُهُ بَطَلَتْ أَيْضًا ، ثُمَّ يَنْظُرُ أَيْضًا كَذَلِكَ وَكَذَلِكَ إلَى أَنْ يَظْهَرَ بَعْدَ إعَادَةٍ مِنْ الْإِعَادَاتِ ضِيقُهُ صَادِقًا فَيُعِيدَ الْوَقْتِيَّةَ ثُمَّ يُصَلِّيَ الْفَائِتَةَ ، وَإِنْ ظَهَرَ بَعْدَ إعَادَتِهِ أَنَّهُ يَسَعُهُمَا صَلَّى الْفَائِتَةَ ثُمَّ الْوَقْتِيَّةَ ، وَلَوْ صَلَّى الْوَقْتِيَّةَ ثُمَّ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ فَصْلٌ فَصَلَّى الْفَائِتَةَ فَخَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ أَنْ يَقْعُدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ حُكِمَ بِجَوَازِ الْوَقْتِيَّةِ لِتَبَيُّنِ ضِيقِ الْوَقْتِ وَيُعْتَبَرُ ضِيقُ الْوَقْتِ عِنْدَ الشُّرُوعِ ، حَتَّى لَوْ شَرَعَ فِي الْوَقْتِيَّةِ مَعَ تَذَكُّرِ الْفَائِتَةِ وَأَطَالَ حَتَّى ضَاقَ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَقْطَعَهَا ثُمَّ يَشْرَعَ فِيهَا ، وَلَوْ شَرَعَ نَاسِيًا وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَتَذَكَّرَ عِنْدَ ضِيقِهِ جَازَتْ ، وَلَوْ تَعَدَّدَتْ الْفَوَائِتُ لَا بِحَيْثُ يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ وَالْوَقْتُ يَسَعُ بَعْضَهَا لَا الْكُلَّ لَا تَجُوزُ الْوَقْتِيَّةُ حَتَّى يُصَلِّيَ ذَلِكَ ، وَقِيلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَيْسَ الصَّرْفُ إلَى هَذَا الْبَعْضِ أَوْلَى مِنْهُ لِلْآخَرِ ( قَوْلُهُ وَلَوْ قَدَّمَ الْفَائِتَةَ جَازَ ) يَعْنِي يَصِحُّ لَا أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ اشْتَغَلَ بِالنَّافِلَةِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ يَكُونُ آثِمًا بِتَفْوِيتِ الْفَرْضِ بِهَا وَيُحْكَمُ بِصِحَّتِهَا ( قَوْلُهُ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهَا ) أَيْ غَيْرِ الْفَائِتَةِ وَهُوَ كَوْنُ الِاشْتِغَالِ بِهَا يُفَوِّتُ الْوَقْتِيَّةَ وَهَذَا يُوجِبُ كَوْنَهُ عَاصِيًا فِي ذَلِكَ ، أَمَّا هِيَ فِي نَفْسِهَا فَلَا مَعْصِيَةَ فِي ذَاتِهَا هَذَا وَمَا أَمْكَنَ مُرَاعَاةُ حَالِ الْأَدَاءِ فِي الْقَضَاءِ يُرَاعَى ، فَمِنْ ذَلِكَ الْجَهْرُ وَالْإِخْفَاءُ . فَإِنَّ أَمَّ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَجَبَ الْجَهْرُ اتِّفَاقًا ، وَإِنْ انْفَرَدَ فِي قَضَائِهَا فَفِيهِ خِلَافُ الْمَشَايِخِ ، وَقَدَّمَهَا الْمُصَنِّفُ وَاخْتَارَ وُجُوبَ الْإِخْفَاءِ ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْأَوْلَى خِلَافُهُ وَتَقَدَّمَ الْوَجْهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ .
وَفِي النِّهَايَةِ فِي بَابِ كَفَّارَةِ الْإِحْرَامِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ : مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَقْضِيهَا بِالتَّكْبِيرَاتِ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ( قَوْلُهُ قَبْلَ وَقْتِهَا الثَّابِتِ بِالْحَدِيثِ ) يَعْنِي قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا } وَتَقَدَّمَ ، أَفَادَ أَنَّ وَقْتَ التَّذَكُّرِ وَقْتُ الْفَائِتَةِ ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ لَا يَكُونَ وَقْتًا لِلْوَقْتِيَّةِ فَيَكُونُ أَدَاءُ الْوَقْتِيَّةِ فِيهِ قَبْلَ وَقْتِهَا الثَّابِتِ بِالْحَدِيثِ ، وَإِنْ كَانَ وَقْتُهَا بِالْقَاطِعِ فَيَكُونُ إهْدَارًا لِأَحَدِ 489 الدَّلِيلَيْنِ فِي غَيْرِ مُلْجِئٍ ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى امْتِنَاعِ كَوْنِهِ وَقْتًا لِلْوَقْتِيَّةِ إذْ جَعَلَ وَقْتًا لِلْفَائِتَةِ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ ، إذْ لَا مَانِعَ مِنْ اعْتِبَارِهِ شَرْعًا وَقْتًا لَهُمَا بِحَيْثُ يَصِحُّ كُلٌّ مِنْهُمَا فِيهِ كَالصَّلَوَاتِ مِنْ الْفَرِيضَةِ وَالْمَنْذُورَةِ وَالنَّافِلَةِ ، غَيْرَ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى غَيْرِ الْمَعْلُومِ مِنْ كَوْنِ وَقْتِ التَّذَكُّرِ بَعْدَ انْقِضَاءِ وَقْتِهَا حَتَّى يَكُونَ الْأَدَاءُ فِيهِ خَالِيًا عَنْ الْإِثْمِ لِغَرَضِ كَوْنِ التَّأْخِيرِ لِلنَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ ، وَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ أَنَّ الْوَقْتَ لِلْوَقْتِيَّةِ أَيْضًا ، نَعَمْ لَوْ عَلَّلُوا انْفِرَادَ الْفَائِتَةِ بِالْوَقْتِ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ { ۝ لَا كَفَّارَةَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ } لَأَمْكَنَ ، وَحِينَئِذٍ يَبْقَى فِيهِ مَا قُلْنَاهُ فِي قَوْلِهِمْ إنَّ فِي تَقْدِيمِ الْفَائِتَةِ عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث