فتح القدير
فتح القدير · الجزء الأول
الصفحة 599 · ص. المطبوع 519 · الشرح
( قَوْلُهُ وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا عَرَضَ لَهُ ) قِيلَ مَعْنَاهُ أَوَّلُ مَا عَرَضَ لَهُ فِي عُمُرِهِ مِنْ حِينِ بَلَغَ ، وَقِيلَ أَوَّلُ مَا عَرَضَ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ السَّهْوَ لَيْسَ بِعَادَةٍ لَهُ ( قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا شَكَّ إلَخْ ) الْحَاصِلُ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَحَادِيثُ هِيَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝519 إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَسْتَقْبِلْ } وَهُوَ غَرِيبٌ ، وَإِنْ كَانُوا هُمْ يَعْرِفُونَهُ ، وَمَعْنَاهُ فِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ فِي الَّذِي لَا يَدْرِي صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا : يُعِيدُ حَتَّى يَحْفَظَ .
وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَشُرَيْحٍ ، وَمَا فِي الصَّحِيحِ { ۝ إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ } وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ ، وَلَفْظُ التَّحَرِّي وَإِنْ لَمْ يَرْوِهِ مِسْعَرٌ وَالثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَوُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ وَغَيْرُهُمْ ، فَقَدْ رَوَاهُ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ الْحَافِظُ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الصَّحِيحِ .
وَمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { ۝ إذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ وَاحِدَةً صَلَّى أَوْ ثِنْتَيْنِ فَلْيَبْنِ عَلَى وَاحِدَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ ثِنْتَيْنِ صَلَّى أَوْ ثَلَاثًا فَلْيَبْنِ عَلَى ثِنْتَيْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ ثَلَاثًا صَلَّى أَوْ أَرْبَعًا فَلْيَبْنِ عَلَى ثَلَاثٍ ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
فَلَمَّا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ الْكُلُّ سَلَكُوا فِيهَا طَرِيقَ الْجَمْعِ بِحَمْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى مَحْمَلٍ يُتَّجَهُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ ، فَالْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ أَوَّلُ شَكٍّ عَرَضَ لَهُ إمَّا مُطْلَقًا فِي عُمُرِهِ أَوْ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ ، وَاخْتِيرَ الْحَمْلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ الشَّكُّ لَيْسَ عَادَةً لَهُ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الْأَوَّلَ بِلَا شَكٍّ وَالثَّانِيَ ظَاهِرًا ، وَيُسَاعِدُهُ الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إسْقَاطِ مَا عَلَيْهِ دُونَ حَرَجٍ لِأَنَّ الْحَرَجَ بِإِلْزَامِ الِاسْتِقْبَالِ إنَّمَا يَلْزَمُ عِنْدَ كَثْرَةِ عُرُوضِ الشَّكِّ لَهُ ، وَصَارَ كَمَا إذَا شَكَّ أَنَّهُ صَلَّى أَوْ لَا وَالْوَقْتُ بَاقٍ تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى يَقِينِ الْإِسْقَاطِ دُونَ حَرَجٍ لِأَنَّ عُرُوضَهُ قَلِيلٌ ، بِخِلَافِهِ بَعْدَ الْوَقْتِ لَا يَلْزَمُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ خِلَافُهُ فَلَا يَدْفَعُ الشَّكُّ حُكْمَ الظَّاهِرِ ، وَحَمْلُ عَدَمِ الْفَسَادِ الَّذِي تَظَافَرَ عَلَيْهِ الْحَدِيثَانِ الْآخَرَانِ عَلَى مَا إذَا كَانَ يَكْثُرُ مِنْهُ لِلُزُومِ الْحَرَجِ بِتَقْدِيرِ الْإِلْزَامِ وَهُوَ مُنْتَفٍ شَرْعًا بِالنَّافِي فَوَجَبَ أَنَّ حُكْمَهُ الْعَمَلُ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ التَّحَرِّي وَيُجْعَلُ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ الثَّانِي ، فَإِذَا لَمْ يَقَعْ تَحَرِّيهِ عَلَى شَيْءٍ وَجَبَ الْبِنَاءُ عَلَى الْمُتَيَقَّنِ وَهُوَ مَحْمَلُ الثَّالِثِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ .
وَأَمَّا مَا يُفِيدُهُ بَعْضُ الْأَحَادِيثِ مِنْ إنَاطَةِ سُجُودِ السَّهْوِ بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ وَإِنْ ذَكَرَ الصَّوَابَ يَقِينًا وَبَنَى عَلَيْهِ فَمَحْمَلُهُ أَنْ يَشْغَلَهُ الشَّكُّ قَدْرَ أَدَاءِ رُكْنٍ حَتَّى لَزِمَهُ تَأْخِيرُ رُكْنٍ أَوْ وَاجِبٍ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث