فتح القدير
فتح القدير · الجزء الثاني
page 758 · printed p. 106 · commentary
( فَصْلٌ فِي الْغُسْلِ ) غُسْلُ الْمَيِّتِ فَرْضٌ بِالْإِجْمَاعِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ خُنْثَى مُشْكِلًا فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ : قِيلَ يُيَمَّمُ ، وَقِيلَ يُغَسَّلُ فِي ثِيَابِهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى . وَسَنَدُ الْإِجْمَاعِ فِي السُّنَّةِ : قِيلَ وَنَوْعٌ مِنْ الْمَعْنَى . أَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ذَكْوَانَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { ۝ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ آدَم رَجُلًا أَشْعَرَ طُوَالًا كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوقٌ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ نَزَلَتْ الْمَلَائِكَةُ بِحَنُوطِهِ وَكَفَنِهِ مِنْ الْجَنَّةِ } فَلَمَّا مَاتَ عَلَيْهِ السَّلَامُ غَسَّلُوهُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ ثَلَاثًا وَجَعَلُوا فِي الثَّالِثَةِ كَافُورًا ، وَكَفَّنُوهُ فِي وِتْرٍ مِنْ الثِّيَابِ ، وَحَفَرُوا لَهُ لَحْدًا وَصَلَّوْا عَلَيْهِ وَقَالُوا : هَذِهِ سُنَّةُ وَلَدِ آدَمَ مِنْ بَعْدِهِ وَسَكَتَ عَنْهُ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ الْحَسَنُ عَنْ عَتِيِّ بْنِ ضَمْرَةَ السَّعْدِيِّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا نَحْوُهُ ، وَفِيهِ قَالُوا { ۝ يَا بَنِي آدَمَ هَذِهِ سُنَّتُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ فَكَذَاكُمْ فَافْعَلُوا } وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ ; لِأَنَّ عَتِيَّ بْنَ ضَمْرَةَ لَيْسَ لَهُ رَاوٍ غَيْرُ الْحَسَنِ .
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الَّذِي وَقَصَتْهُ 106 رَاحِلَتُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ . وَفِيهِ { ۝ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ } الْحَدِيثَ . وَحَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لَهُنَّ فِي ابْنَتِهِ { ۝ اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا } رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ . وَقَدْ غُسِّلَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَالنَّاسُ يَتَوَارَثُونَهُ ، وَلَمْ يُعْرَفْ تَرْكُهُ إلَّا فِي الشَّهِيدِ . وَمَا فِي الْكَافِي عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { ۝ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ ثَمَانِيَةُ حُقُوقٍ } وَذَكَرَ مِنْهَا غُسْلَ الْمَيِّتِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ . وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { ۝ حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ رَدُّ السَّلَامِ ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ ، وَاتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ } وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا { ۝ خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ } وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ { ۝ حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ } فَزَادَ { ۝ وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ } .
ثُمَّ عَقَلَ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ أَنَّ إيجَابَهُ لِقَضَاءِ حَقِّهِ فَكَانَ عَلَى الْكِفَايَةِ لِصَيْرُورَةِ حَقِّهِ مَقْضِيًّا بِفِعْلِ الْبَعْضِ . وَأَمَّا الْمَعْنَى ; فَلِأَنَّهُ كَإِمَامِ الْقَوْمِ حَتَّى لَا تَصِحَّ هَذِهِ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ ، وَطَهَارَةُ الْإِمَامِ شَرْطٌ فَكَذَا طَهَارَتُهُ فَهُوَ فَرْعُ ثُبُوتِ وُجُوبِ غُسْلِهِ سَمْعًا فَلَيْسَ هُوَ مَعْنًى مُسْتَقِلًّا بِالنَّظَرِ إلَى نَفْسِهِ فِي إفَادَةِ وُجُوبِ الْغُسْلِ . هَذَا وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ وُجُوبِهِ قِيلَ لَيْسَ لِنَجَاسَةٍ تَحِلُّ بِالْمَوْتِ بَلْ لِلْحَدَثِ ; لِأَنَّ الْمَوْتَ سَبَبٌ لِلِاسْتِرْخَاءِ وَزَوَالِ الْعَقْلِ ، وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الْحَيِّ ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فِيهِ لِلْحَرَجِ لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِ سَبَبِ الْحَدَثِ مِنْهُ .
فَلَمَّا لَمْ يَلْزَمْ سَبَبُ الْحَرَجِ فِي الْمَيِّتِ عَادَ الْأَصْلُ ; وَلِأَنَّ نَجَاسَةَ الْحَدَثِ تَزُولُ بِالْغُسْلِ لَا نَجَاسَةُ الْمَوْتِ لِقِيَامِ مُوجِبِهَا بَعْدَهُ . وَقِيلَ وَهُوَ الْأَقْيَسُ سَبَبُهُ نَجَاسَةُ الْمَوْتِ ; لِأَنَّ الْآدَمِيَّ حَيَوَانٌ دَمَوِيٌّ فَيَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ ، وَلِذَا لَوْ حَمَلَ مَيِّتًا قَبْلَ غُسْلِهِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ ، وَلَوْ كَانَ لِلْحَدَثِ لَصَحَّتْ كَحَمْلِ الْمُحْدِثِ . غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الْآدَمِيَّ الْمُسْلِمَ خُصَّ بِاعْتِبَارِ نَجَاسَتِهِ الْمَوْتِيَّةِ زَائِلَةً بِالْغُسْلِ تَكْرِيمًا ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالْغُسْلِ وَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ حَامِلِهِ بَعْدَهُ . وَقَوْلُكُمْ نَجَاسَةُ الْمَوْتِ لَا تَزُولُ لِقِيَامِ مُوجِبِهَا مُشْتَرِكَ الْإِلْزَامِ فَإِنَّ سَبَبَ الْحَدَثِ أَيْضًا قَائِمٌ بَعْدَ الْغُسْلِ .
وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { ۝ سُبْحَانَ اللَّهِ إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا } فَإِنْ صَحَّتْ وَجَبَ تَرْجِيحُ أَنَّهُ لِلْحَدَثِ . وَهَلْ يُغَسَّلُ الْكَافِرُ إنْ كَانَ لَهُ وَلِيٌّ مُسْلِمٌ ، وَهُوَ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ ؟ غَسَّلَهُ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ سُنَّةِ الْغُسْلِ بَلْ كَغَسْلِ الثَّوْبِ النَّجِسِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَا يُغَسَّلُ ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ لِلْغُسْلِ النِّيَّةُ ؟ . الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِإِسْقَاطِ وُجُوبِهِ عَنْ الْمُكَلَّفِ لَا لِتَحْصِيلِ طَهَارَتِهِ هُوَ ، وَشَرْطُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمَيِّتِ إذَا أَصَابَهُ الْمَطَرُ أَوْ جَرَى عَلَيْهِ الْمَاءُ لَا يَنُوبُ عَنْ الْغُسْلِ ; لِأَنَّا أُمِرْنَا بِالْغُسْلِ . انْتَهَى .
وَلِأَنَّا لَمْ نَقْضِ حَقَّهُ بَعْدُ . وَقَالُوا فِي الْغَرِيقِ : يُغَسَّلُ ثَلَاثًا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي رِوَايَةٍ : إنْ نَوَى الْغُسْلَ عِنْدَ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْمَاءِ يُغَسَّلُ مَرَّتَيْنِ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ فَثَلَاثًا . جَعَلَ حَرَكَةَ الْإِخْرَاجِ بِالنِّيَّةِ غَسْلَةً ، وَعَنْهُ يُغَسَّلُ مَرَّةً وَاحِدَةً كَأَنَّ هَذِهِ ذَكَرَ فِيهَا الْقَدْرَ الْوَاجِبَ ( قَوْلُهُ : وَضَعُوهُ عَلَى سَرِيرٍ ) قِيلَ طِوَالًا إلَى الْقِبْلَةِ ، وَقِيلَ عَرْضًا . قَالَ السَّرَخْسِيُّ : الْأَصَحُّ كَيْفَمَا تَيَسَّرَ ( قَوْلُهُ : وَوَضَعُوا عَلَى عَوْرَتِهِ خِرْقَةً ) ; لِأَنَّ الْعَوْرَةَ لَا يَسْقُطُ حُكْمُهَا بِالْمَوْتِ ، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِعَلِيٍّ { ۝ لَا تَنْظُرْ إلَى فَخْذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ } وَلِذَا لَا يَجُوزُ تَغْسِيلُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ وَبِالْعَكْسِ ، وَكَذَا 107 يَجِبُ عَلَى الْغَاسِلِ فِي اسْتِنْجَاءِ الْمَيِّتِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَنْ يَلُفَّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً لِيَغْسِلَ سَوْءَتَهُ ، وَكَذَا عَلَى الرِّجَالِ إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ وَلَا امْرَأَةً تُغَسِّلُهَا أَنْ يُيَمِّمَهَا رَجُلٌ وَيَلُفَّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً لِذَلِكَ ، وَلَا يُسْتَنْجَى الْمَيِّتُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ( قَوْلُهُ : هُوَ الصَّحِيحُ ) احْتِرَازًا عَنْ رِوَايَةِ النَّوَادِرِ أَنَّهُ يُسْتَرُ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ ، وَصَحَّحَهَا فِي النِّهَايَةِ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورِ آنِفًا ( وَقَوْلُهُ وَنَزَعُوا عَنْهُ ثِيَابَهُ ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ : السُّنَّةُ أَنْ يُغَسَّلَ فِي قَمِيصٍ وَاسِعِ الْكُمَّيْنِ أَوْ يُشْرَطُ كُمَّاهُ ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ غُسِّلَ فِي قَمِيصِهِ .
قُلْنَا : ذَاكَ خُصُوصِيَّةٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ أَنَّهُمْ قَالُوا نُجَرِّدُهُ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ نُغَسِّلُهُ فِي ثِيَابِهِ ؟ فَسَمِعُوا هَاتِفًا يَقُولُ : لَا تُجَرِّدُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي رِوَايَةٍ : اغْسِلُوهُ فِي قَمِيصِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَادَتَهُمْ الْمُسْتَمِرَّةَ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّجْرِيدُ ; وَلِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ وَيَتَنَجَّسُ الْمَيِّتُ بِهِ وَيَشِيعُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ إلَّا طِيبٌ ، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith