منح الجليل شرح مختصر خليل
منح الجليل شرح مختصر خليل · الجزء السابع
( بَابٌ )
( فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الِاسْتِحْقَاقِ ) وَيَتَوَقَّفُ بَيَانُ أَحْكَامِهِ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ وَسَبَبِهِ وَشُرُوطِهِ وَمَوَانِعِهِ وَحُكْمِهِ . ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ مِنْ تَرَاجُمِ كُتُبِهَا ، وَعَرَّفَهُ بِأَنَّهُ رَفْعُ مِلْكِ شَيْءٍ بِثُبُوتِ مِلْكٍ قَبْلَهُ أَوْ حُرِّيَّةٍ كَذَلِكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ . قَوْلُهُ رَفْعُ جِنْسٌ شَمِلَ الْمُعَرَّفَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الرَّفْعِ ، وَإِضَافَتُهُ لِلْمِلْكِ فَصْلٌ مُخْرِجٌ رَفْعَ غَيْرِ الْمِلْكِ . وَقَوْلُهُ بِثُبُوتِ مِلْكٍ قَبْلَهُ فَصْلٌ ثَانٍ مُخْرِجٌ رَفْعَ الْمِلْكِ بِعِتْقٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ جِنَايَةٍ أَوْ نَحْوِهَا مِنْ أَسْبَابِ رَفْعِ الْمِلْكِ ، وَقَوْلُهُ أَوْ حُرِّيَّةٍ عَطْفٌ عَلَى مِلْكٍ أَيْ أَوْ رَفْعُ مِلْكِ شَيْءٍ بِثُبُوتِ حُرِّيَّتِهِ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ كَذَلِكَ قَبْلَهُ وَقَوْلُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَصْلٌ ثَالِثٌ مُخْرِجٌ رَفْعَ مِلْكٍ مَا عُرِفَ لِمُعَيَّنٍ مَعْصُومٍ بَعْدَ بَيْعِهِ أَوْ قَسْمِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ مُشْتَرِيهِ أَوْ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ إلَّا بِثَمَنِهِ أَوْ قِيمَتِهِ الَّتِي قُوِّمَ بِهَا .
وَقَالَ فِي اللُّبَابِ هُوَ الْحُكْمُ بِإِخْرَاجِ الْمُدَّعَى فِيهِ مِنْ يَدِ حَائِزِهِ إلَى يَدِ مُدَّعِيهِ بَعْدَ ثُبُوتِ سَبَبِهِ وَشُرُوطِهِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ فِي تَكْمِيلِ التَّقْيِيدِ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي هَلْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَيْ تَعْرِيفٍ . ابْنُ عَرَفَةَ اعْتِصَارُ الْهِبَةِ . ا هـ . وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ لِعَدَمِ شُمُولِهِ اسْتِحْقَاقَ مُدَّعِي الْحُرِّيَّةِ وَهُوَ اسْتِحْقَاقٌ شَرْعِيٌّ وَقَدْ يُقَالُ يَشْمَلُهُ لِأَنَّ مُدَّعِيَ الْحُرِّيَّةِ يَمْلِكُ مَنْفَعَةَ 149 نَفْسِهِ وَاسْتِحْقَاقَهُ بِرِقِّيَّتِهِ يَرْفَعُ مِلْكَهُ عَنْهَا أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ . الْعَدَوِيُّ لَا يَخْفَى أَنَّ ابْنَ عَرَفَةَ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَكَانَ الْأَخْصَرُ أَنْ يَقُولَ رَفْعُ مِلْكٍ بِثُبُوتِ مِلْكٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ قَبْلَهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَوْ حُرِّيَّةٍ كَذَلِكَ اسْتِحْقَاقَ مُدَّعِي الْحُرِّيَّةِ بِرِقِّيَّتِهِ ، فَالتَّقْدِيرُ أَوْ رَفْعُ حُرِّيَّةٍ كَذَلِكَ أَيْ بِثُبُوتِ مِلْكٍ قَبْلَهُ . فَإِنْ قُلْتَ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِحْقَاقَ بِحُرِّيَّةٍ فَالْجَوَابُ لَعَلَّهُ رَأَى أَنَّهُ لَيْسَ اسْتِحْقَاقًا حَقِيقِيًّا ، وَأَنَّ إطْلَاقَهُ عَلَيْهِ مَجَازٌ فَلَا حَاجَةَ لِإِدْخَالِهِ فِي التَّعْرِيفِ ، وَعَدَمُ إدْخَالِهِ أَوْلَى مِنْ عَدَمِ إدْخَالِ الِاسْتِحْقَاقِ بِرِقِّيَّةِ مُدَّعِي الْحُرِّيَّةِ ، كَذَا قِيلَ ، وَفِيهِ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ رَفْعُ مِلْكٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ بِثُبُوتِ مِلْكٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ قَبْلَهُ .
ابْنُ عَرَفَةَ حُكْمُهُ الْوُجُوبُ عِنْدَ تَيَسُّرِ سَبَبِهِ فِي الرُّبُعِ عَلَى عَدَمِ يَمِينِ مُسْتَحِقِّهِ وَعَلَى يَمِينِهِ مُبَاحٌ كَغَيْرِ الرُّبُعِ لِأَنَّ الْحَلِفَ مَشَقَّةٌ ا هـ . أَقُولُ الظَّاهِرُ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْحُرِّيَّةِ أَوْ الرِّقِّيَّةِ وَاجِبٌ عِنْدَ تَيَسُّرِ سَبَبِهِ ، وَبِغَيْرِهِمَا مُبَاحٌ عِنْدَهُ وَلَوْ عَلَى عَدَمِ الْيَمِينِ لِأَنَّ تَرْكَهُ لَيْسَ مِنْ الْإِضَاعَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا ، وَسَبَبُهُ قِيَامُ الْبَيِّنَةِ عَلَى عَيْنِ الشَّيْءِ الْمُسْتَحَقِّ أَنَّهُ مِلْكُ الْمُدَّعِي لَا يَعْلَمُونَ خُرُوجَهُ وَلَا خُرُوجَ شَيْءٍ مِنْهُ عَنْهُ حَتَّى الْآنَ ، وَالشَّهَادَةُ بِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمَعْمُولِ بِهِ قَالَهُ فِي اللُّبَابِ ، وَشُرُوطُهُ ثَلَاثَةٌ ، الْأَوَّلُ الشَّهَادَةُ عَلَى عَيْنِهِ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَحِيَازَتُهُ وَهِيَ أَنْ يَبْعَثَ الْقَاضِي عَدْلَيْنِ ، وَقِيلَ أَوْ عَدْلًا مَعَ الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالْمِلْكِيَّةِ ، فَإِذَا كَانَتْ دَارًا مَثَلًا قَالُوا لَهُمَا مَثَلًا هَذِهِ الدَّارُ الَّتِي شَهِدْنَا فِيهَا عِنْدَ الْقَاضِي فُلَانٍ الشَّهَادَةَ الْمُقَيَّدَةَ أَعْلَاهُ .
الثَّانِي : الْأَعْذَارُ فِي ذَلِكَ إلَى الْحَائِزِ ، فَإِنْ ادَّعَى مَدْفَعًا أَجَّلَهُ فِيهِ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ .
الثَّالِثُ : يَمِينُ الِاسْتِبْرَاءِ . وَاخْتُلِفَ فِي لُزُومِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ،
الْأَوَّلِ : أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي جَمْعِ الْأَشْيَاءِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَسَحْنُونٌ .
الثَّانِي : لَا يَمِينَ فِي الْجَمِيعِ قَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ .
الثَّالِثِ : أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ فِي الْعَقَارِ وَيَحْلِفُ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ الْأَنْدَلُسِيِّينَ . وَفِي 150 سِجِلَّاتِ الْبَاجِيَّ لَوْ اسْتَحَقَّ مِنْ يَدِ غَاصِبٍ فَلَا يَحْلِفُ .
ابْنُ سَلْمُونٍ لَا يَمِينَ عَلَى مُسْتَحِقِّ الْأَصْلِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ خَصْمُهُ مَا يُوجِبُهَا . وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ كَالْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ ا هـ ، ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا غَيْرُ الْأُصُولِ مِنْ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالْعُرُوضِ وَغَيْرِهَا فَيَكْتُبُ فِي اسْتِحْقَاقِهَا يَعْرِفُ شُهُودُهُ فُلَانًا وَيَعْلَمُونَ لَهُ مَالًا وَمِلْكًا جَارِيَةً ، وَصِفَتُهَا كَذَا ، أَوْ فَرَسًا أَوْ ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا لَا يَعْلَمُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ بَيْعًا وَلَا تَفْوِيتًا ، وَلَا أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ حَتَّى الْآنِ . وَقَيَّدُوا عَلَى ذَلِكَ شَهَادَتَهُمْ عَلَى عَيْنِ الثَّوْبِ أَوْ الْفَرَسِ أَوْ الْجَارِيَةِ فِي كَذَا ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ ، وَنَصُّهُ حَلَفَ بِإِذْنِ الْقَاضِي بِقَرْيَةِ كَذَا فُلَانٌ الْمَذْكُورُ فِي رَسْمِ الِاسْتِرْعَاءِ بِكَذَا ، بِحَيْثُ يَجِبُ وَكَمَا تَجِبُ يَمِينًا قَالَ فِيهَا وَبِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا بِعْتُ الْفَرَسَ أَوْ الثَّوْبَ أَوْ الْجَارِيَةَ الْمَشْهُودَ لِي بِهِ فِيهِ ، وَلَا فَوَّتَهُ وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِي بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْفَوَاتِ حَتَّى الْآنِ وَمَنْ حَضَرَ الْيَمِينَ الْمَنْصُوصَةَ عَنْ الْإِذْنِ وَاسْتَوْعَبَهَا مِنْ الْحَالِفِ وَعَرَفَهُ قَيَّدَ عَلَى ذَلِكَ شَهَادَتَهُ فِي كَذَا وَكَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى عَيْنِ الْجَارِيَةِ أَوْ الْفَرَسِ أَوْ الثَّوْبِ ، وَهُوَ يُشِيرُ إلَيْهَا فِي يَمِينِهِ ، زِيَادَةُ بَيَانِ الْيَمِينِ فِي هَذَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ الْمَعْمُولِ بِهِ . بِخِلَافِ الْأُصُولِ فَلَا يَمِينَ فِيهَا إلَّا عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ .
وَحَكَى ابْنُ سَهْلٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ أَنْ لَا يَمِينَ عَلَى مُسْتَحِقِّ الْعَرْضِ وَالْحَيَوَانِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْخَصْمُ مَا يُوجِبُهَا ، وَتَكُونُ الْيَمِينُ عَلَى النَّصِّ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ . وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ فَرَجٍ يُحَلِّفُهُ أَنَّهُ مَالُهُ وَمِلْكُهُ وَأَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ . ابْنُ سَهْلٍ وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ فَرَجٍ . وَفِي الْمَجْمُوعَةِ إذَا كَانَتْ الْجَارِيَةُ غَائِبَةً فَالشَّهَادَةُ فِيهَا عَلَى النَّعْتِ وَالِاسْمِ جَائِزَةٌ ، فَإِنْ وُجِدَتْ جِوَارِي كَثِيرَةٌ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ يُحَلِّفُهُ الْحَاكِمُ الْمُسْتَحِقُّ وَأَثْبَتَ عِنْدَهُ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ سِوَاهَا فَلَا يُكَلَّفُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ . ا هـ . وَمَانِعُهُ فِعْلٌ وَسُكُوتٌ ، فَالْفِعْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا ادَّعَاهُ مِنْ حَائِزِهِ ، فَلَوْ قَالَ إنَّمَا اشْتَرَيْتُهُ خَوْفَ أَنْ يُغَيِّبَهُ ، فَإِذَا أَثْبَتَهُ رَجَعْتُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ . أَصْبَغُ إلَّا أَنْ تَكُونَ بَيِّنَتُهُ بَعِيدَةً جِدًّا ، وَيَشْهَدُ قَبْلَ شِرَائِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِيهِ لِذَلِكَ فَذَلِكَ يَنْفَعُهُ وَإِنْ اشْتَرَاهُ ، وَهُوَ يَرَى أَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُ ، ثُمَّ وَجَّهَ بَيِّنَةً فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا وَأَخْذُ ثَمَنِهِ أَصْبَغُ 151 وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ . وَأَمَّا السُّكُوتُ ، فَمِثْلُ أَنْ يَتْرُكَ الْقِيَامَ بِلَا مَانِعٍ مُدَّةَ الْحِيَازَةِ قَالَهُ فِي اللُّبَابِ . ( وَإِنْ زَرَعَ ) غَاصِبٌ أَوْ مُتَعَدٍّ أَرْضًا ( فَاسْتُحِقَّتْ ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْأَرْضُ ، أَيْ قَامَ مَالِكُهَا عَلَى زَارِعِهَا وَرَفَعَ مِلْكَهُ أَيْ حَوْزَهُ لِلتَّصَرُّفِ بِإِثْبَاتِ مِلْكِهِ قِبَلَهُ بِلَا عِوَضٍ فَهُوَ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ ، إذْ مُرَادُ ابْنِ عَرَفَةَ بِالْمِلْكِ فِي تَعْرِيفِهِ مُطْلَقَ الْحَوْزِ لِلتَّصَرُّفِ وَالْكَوْنُ تَحْتَ الْيَدِ مَجَازًا وَقَرِينَتُهُ إضَافَةُ رَفْعِ إلَيْهِ إذْ الْمِلْكُ الْحَقِيقِيُّ لَا يُرْفَعُ بِذَلِكَ ، وَبِهَذَا سَقَطَ قَوْلُ طفي ، الِاسْتِحْقَاقُ الْمَشْهُورُ هُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذِي شُبْهَةٍ أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ ، وَسَبَقَ الْبِسَاطِيُّ طفي إلَى مَا قَالَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَإِنْ لَمْ يُنْتَفَعْ ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ ( بِالزَّرْعِ ) أَيْ لَمْ يَبْلُغْ طَوْرًا يُنْتَفَعُ بِهِ فِيهِ إذَا قُلِعَ بِأَنْ لَمْ يُنْبِتْ أَوْ نَبَتَ وَصَغَرَ ( أُخِذَ ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، أَيْ فَلِلْمُسْتَحِقِّ الْأَرْضَ أَخْذُ الزَّرْعِ مَعَهَا ( بِلَا شَيْءٍ ) يَغْرَمُهُ لِلزَّارِعِ عِوَضًا عَنْ الْبَذْرِ وَالْحَرْثِ وَالسَّقْيِ وَغَيْرِهَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَزْوِيقِ الْجِدَارِ وَشَبَهِهِ وَأَحْرَى لَا شَيْءَ لِلْمُتَعَدِّي إنْ حَرَثَهَا وَاسْتُحِقَّتْ قَبْلَ زَرْعِهَا .
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ أُخِذَ أَنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِأَخْذِهِ ، وَلَوْ أَرَادَ الزَّارِعُ قَلْعَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ يَأْمُرُهُ بِقَلْعِهِ ، فَإِنْ أَبَى فَلَهُ أَخْذُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ كَمَا فِي تَوْضِيحِهِ ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إبْقَاؤُهُ لِزَارِعِهِ بِكِرَاءٍ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْمَوَّازِ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لَهُ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِلْمُسْتَحِقِّ أَخْذُهُ مَجَّانًا كَانَ إبْقَاؤُهُ بِكِرَاءٍ بَيْعًا لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ بِالْكِرَاءِ عَلَى تَبْقِيَتِهِ ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ لِلْغَرَرِ وَخَرَجَ جَوَازُهُ عَلَى أَنَّ مَنْ مَلَكَ أَوْ يَمْلِكُ لَا يُعَدُّ مَالِكًا وَنَظَرَ فِيهِ الْبِسَاطِيُّ ، فَيَخْرُجُ عَلَى أَنَّ مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَاخْتَارَ أَحَدَهُمَا لَا يُعَدُّ مُنْتَقِلًا إذْ عَلَيْهِ لَا يُتَصَوَّرُ هُنَا بَيْعُ الزَّرْعِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ عَلَى تَبْقِيَتِهِ . وَمَنَعَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَلَى عَدِّهِ مُنْتَقِلًا ، أَفَادَهُ تت . 152 طفي قَوْلُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ يَأْمُرُهُ بِقَلْعِهِ إلَخْ . فِيهِ نَظَرٌ وَالصَّوَابُ إبْقَاءُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّ الْخِيَارَ لِلْمُسْتَحِقِّ إنْ شَاءَ أَمَرَهُ بِقَلْعِهِ ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ مَجَّانًا كَمَا فِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَالتَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِمْ . ابْنُ يُونُسَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ إنْ كَانَ الزَّرْعُ صَغِيرًا إذَا قُلِعَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ قَضَى بِهِ لِرَبِّ الْأَرْضِ بِلَا ثَمَنٍ وَلَا زَرِيعَةٍ وَلَا شَيْءٍ وَمَا عَزَاهُ لِلتَّوْضِيحِ لَيْسَ فِيهِ ، وَنَصُّهُ وَإِنْ كَانَ قِيَامُهُ بَعْدَ الزَّرْعِ وَقَبْلَ ظُهُورِهِ أَوْ بَعْدَهُ ، وَقَبْلَ الِانْتِقَاعِ بِهِ فِيهِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِقَلْعِهِ أَوْ يَأْخُذَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ بِلَا ثَمَنٍ وَلَا زَرِيعَةٍ ا هـ .
( وَإِلَّا ) لَمْ يَبْلُغْ الزَّرْعُ حَدَّ الِانْتِفَاعِ بِهِ بِأَنْ اُسْتُحِقَّتْ الْأَرْضُ بَعْدَ بُلُوغِهِ طَوْرًا يُنْتَفَعُ بِهِ فِيهِ إذَا قُلِعَ وَلَوْ لِرَعْيِ الْبَهَائِمِ ( فَلَهُ ) أَيْ الْمُسْتَحِقِّ ( قَلْعُهُ ) أَيْ أَمَرَ زَارِعَهُ بِهِ ( إنْ لَمْ يَفُتْ ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَضَمِّ الْفَاءِ ، أَيْ يَمْضِ ( وَقْتُ مَا ) أَيْ الزَّرْعِ الَّذِي ( تُرَادُ ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ الْأَرْضُ ( لَهُ ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ زَرْعِ الْمُتَعَدِّي أَمْ لَا كَمَا لَوْ زُرِعَتْ سِمْسِمًا وَأَرَادَ الْمُسْتَحِقُّ زَرْعَهَا مِقْثَأَةً أَوْ بَقْلًا . ابْنُ رُشْدٍ الْقِيَاسُ أَنَّ لَهُ قَلْعَهُ بَعْدَ خُرُوجِ إبَّانِ الزَّرْعِ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ تَصْلُحُ لِزَرْعِ الْمَقَاثِي وَالْبُقُولِ ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ لَمْ يَقْصِدْ إضْرَارَ الْغَاصِبِ أَوْ الْمُتَعَدِّي بِتَكْلِيفِهِ بِقَلْعِ زَرْعِهِ ، وَإِنَّمَا رَغِبَ فِي الِانْتِفَاعِ بِأَرْضِهِ لِلْمِقْثَأَةِ أَوْ الْبَقْلِ إذْ قَدْ تَكُونُ الْمَنْفَعَةُ بِهَذَا أَكْثَرَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ بِالزَّرْعِ . وَفِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ خِلَافُ هَذَا ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْحَقِّ وَغَيْرُهُ .
الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْمُرَادَ وَقْتُ مَا زَرَعَهُ فِيهَا الْغَاصِبُ أَوْ الْمُتَعَدِّي فَقَطْ ، وَظَاهِرُ تَقْرِيرِ الشَّارِحِ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا وَقَرَّرَهُ الْبِسَاطِيُّ بِالْأَوَّلِ أَفَادَهُ تت . طفي تَنْبِيهٌ " غ " شَمِلَ قَوْلُهُ مَا تُرَادُ لَهُ الزَّرْعَ وَالْمَقَاثِيَ وَالْبَقْلَ وَغَيْرَهَا مِنْ جِنْسِ مَا زَرَعَ الْمُتَعَدِّي فِيهَا وَمِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، وَهَذَا خِلَافُ مَا لِأَصْبَغَ فِي نَوَازِلِهِ ، وَخِلَافُ مَا حَمَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْحَقِّ وَغَيْرُهُ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ إبَّانَ مَا زَرَعَ الْغَاصِبُ فِيهَا خَاصَّةً ، وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا فِي تَوْضِيحِهِ ، فَلَعَلَّهُ اعْتَمَدَ هُنَا مَا لِابْنِ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ ثُمَّ سَاقَ نَصَّهُ . ا هـ . وَتَبِعَهُ تت ، وَفِيمَا قَالَهُ " غ " نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ 153 الْأَوَّلُ : لَيْسَ الْمُرَادُ وَلَا الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَا تُرَادُ لَهُ مَا قَالَ ، وَإِنَّمَا مُرَادُ مَا تُرَادُ تِلْكَ الْأَرْضُ وَتُقْصَدُ لَهُ وَهُوَ مَا يُزْرَعُ فِيهَا غَالِبًا لَا كُلُّ شَيْءٍ ، وَلَوْ أَرَادَ مَا قَالَ " غ " لَقَالَ إنْ لَمْ نُفِتْ الِانْتِفَاعَ بِهَا ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ وَأَنْصَفَ .
الثَّانِي : أَنَّهُ حَمَلَ كَلَامَ عَبْدِ الْحَقِّ عَلَى إبَّانِ مَا زَرَعَ الْغَاصِبُ فِيهَا ، وَكَلَامُ عَبْدِ الْحَقِّ يَظْهَرُ مِنْهُ خِلَافُهُ ، وَنَصُّهُ عَلَى نَقْلِ الْمُوضِحِ وَابْنِ فَرْحُونٍ وَاللَّفْظُ لَهُمَا . عَبْدُ الْحَقِّ إنَّمَا يُرِيدُونَ إبَّانَ الشَّيْءِ الْمَزْرُوعِ فِيهَا لَا غَيْرُهُ ، فَإِذَا فَاتَ إبَّانُ مَا يُزْرَعُ فِيهَا فَلَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ تَكَلُّفُ الْغَاصِبِ الْقَلْعَ ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُعْمَلَ فِيهَا مَقْثَأَةٌ أَوْ شَيْءٌ غَيْرُ الَّذِي زَرَعَ فِيهَا وَهَذَا لِأَصْبَغَ مُبَيَّنٌ هَكَذَا فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ ، وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ ، وَهَكَذَا حَفِظْت عَنْ بَعْضِ شُيُوخِنَا الْقَرَوِيِّينَ ا هـ .
فَقَوْلُهُ إبَّانُ الشَّيْءِ الْمَزْرُوعِ فِيهَا أَيْ الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يُزْرَعَ فِيهَا وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا هَذَا الَّذِي فَهِمَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْهُ وَجَرَى عَلَيْهِ فِي مُخْتَصَرِهِ ، وَلِذَا حَادَ عَنْ عِبَارَةِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بِفَوَاتِ الْإِبَّانِ وَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ فِي صَغِيرِهِ إنْ لَمْ يَفُتْ وَقْتُ الزَّرْعِ الْمَقْصُودِ مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ وَالْمُرَادُ بِإِبَّانِ الزِّرَاعَةِ إبَّانُ الشَّيْءِ الَّذِي يُزْرَعُ فِيهَا لَا غَيْرُهُ . ا هـ . وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَإِلَّا فَيَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ الْمُتَعَدِّي زَرَعَ مَا شَأْنُهُ أَنْ لَا يُزْرَعَ فِيهَا وَفَاتَ إبَّانُهُ وَلَمْ يَفُتْ إبَّانُ الْمَقْصُودِ مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قَلْعُهُ ، وَتَفُوتُ ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَلَا غَيْرُهُ ، وَبِنَقْلِ كَلَامِ الشَّارِحِ تَعْلَمُ مَا فِي قَوْلِ تت الْمُرَادُ بِالْإِبَّانِ إبَّانُ مَا زَرَعَ فِيهَا الْغَاصِبُ فَقَطْ ، وَهُوَ ظَاهِرُ تَقْرِيرِ الشَّارِحِ .
وَمَعْنَى الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ عَبْدُ الْحَقِّ هُوَ قَوْلُهَا وَمَنْ اكْتَرَى أَرْضًا وَزَرَعَ فِيهَا وَكَانَتْ تُزْرَعُ السَّنَةَ كُلَّهَا إلَخْ ، ثُمَّ قَالَتْ وَإِنْ كَانَتْ تُزْرَعُ مَرَّةً فِي السَّنَةِ إلَخْ فَعَلَّقَتْ الْأَمْرَ عَلَى عَادَتِهَا وَمَا يُقْصَدُ مِنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . الْبُنَانِيُّ وَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ لَفْظَ الْعُتْبِيَّةِ عَنْ أَصْبَغَ يَدُلُّ لِمَا فَهِمَهُ " غ " ، وَنَصُّهَا وَمَنْ تَعَدَّى فَزَرَعَ أَرْضَ رَجُلٍ فَقَامَ عَلَيْهِ بِمَدٍّ إبَّانِ الْحَرْثِ وَقَدْ كَبَرَ الزَّرْعُ وَاشْتَدَّ فَأَرَادَ قَلْعَ الزَّرْعِ ، وَقَالَ أُرِيدُ أَكْرِيهَا مَقْثَأَةً أَوْ أَزْرَعُهَا بَقْلًا وَهِيَ أَرْضُ 154 سَقْيٍ يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ إبَّانِ الزَّرْعِ إلَّا كِرَاؤُهَا وَإِنْ كَانَتْ أَرْضَ سَقْيٍ يَنْتَفِعُ بِمَا ذَكَرْت ، وَإِنَّمَا لَهُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَفُتْ إبَّانُ الزَّرْعِ الَّذِي فِيهَا وَلَا حُجَّةَ لَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ قَلْبَهَا وَالْكِرَاءُ لَهُ عِوَضٌ عَنْ ذَلِكَ ا هـ .
( فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الِاسْتِحْقَاقِ ) وَيَتَوَقَّفُ بَيَانُ أَحْكَامِهِ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ وَسَبَبِهِ وَشُرُوطِهِ وَمَوَانِعِهِ وَحُكْمِهِ . ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ مِنْ تَرَاجُمِ كُتُبِهَا ، وَعَرَّفَهُ بِأَنَّهُ رَفْعُ مِلْكِ شَيْءٍ بِثُبُوتِ مِلْكٍ قَبْلَهُ أَوْ حُرِّيَّةٍ كَذَلِكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ . قَوْلُهُ رَفْعُ جِنْسٌ شَمِلَ الْمُعَرَّفَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الرَّفْعِ ، وَإِضَافَتُهُ لِلْمِلْكِ فَصْلٌ مُخْرِجٌ رَفْعَ غَيْرِ الْمِلْكِ . وَقَوْلُهُ بِثُبُوتِ مِلْكٍ قَبْلَهُ فَصْلٌ ثَانٍ مُخْرِجٌ رَفْعَ الْمِلْكِ بِعِتْقٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ جِنَايَةٍ أَوْ نَحْوِهَا مِنْ أَسْبَابِ رَفْعِ الْمِلْكِ ، وَقَوْلُهُ أَوْ حُرِّيَّةٍ عَطْفٌ عَلَى مِلْكٍ أَيْ أَوْ رَفْعُ مِلْكِ شَيْءٍ بِثُبُوتِ حُرِّيَّتِهِ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ كَذَلِكَ قَبْلَهُ وَقَوْلُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَصْلٌ ثَالِثٌ مُخْرِجٌ رَفْعَ مِلْكٍ مَا عُرِفَ لِمُعَيَّنٍ مَعْصُومٍ بَعْدَ بَيْعِهِ أَوْ قَسْمِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ مُشْتَرِيهِ أَوْ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ إلَّا بِثَمَنِهِ أَوْ قِيمَتِهِ الَّتِي قُوِّمَ بِهَا .
وَقَالَ فِي اللُّبَابِ هُوَ الْحُكْمُ بِإِخْرَاجِ الْمُدَّعَى فِيهِ مِنْ يَدِ حَائِزِهِ إلَى يَدِ مُدَّعِيهِ بَعْدَ ثُبُوتِ سَبَبِهِ وَشُرُوطِهِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ فِي تَكْمِيلِ التَّقْيِيدِ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي هَلْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَيْ تَعْرِيفٍ . ابْنُ عَرَفَةَ اعْتِصَارُ الْهِبَةِ . ا هـ . وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ لِعَدَمِ شُمُولِهِ اسْتِحْقَاقَ مُدَّعِي الْحُرِّيَّةِ وَهُوَ اسْتِحْقَاقٌ شَرْعِيٌّ وَقَدْ يُقَالُ يَشْمَلُهُ لِأَنَّ مُدَّعِيَ الْحُرِّيَّةِ يَمْلِكُ مَنْفَعَةَ 149 نَفْسِهِ وَاسْتِحْقَاقَهُ بِرِقِّيَّتِهِ يَرْفَعُ مِلْكَهُ عَنْهَا أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ . الْعَدَوِيُّ لَا يَخْفَى أَنَّ ابْنَ عَرَفَةَ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَكَانَ الْأَخْصَرُ أَنْ يَقُولَ رَفْعُ مِلْكٍ بِثُبُوتِ مِلْكٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ قَبْلَهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَوْ حُرِّيَّةٍ كَذَلِكَ اسْتِحْقَاقَ مُدَّعِي الْحُرِّيَّةِ بِرِقِّيَّتِهِ ، فَالتَّقْدِيرُ أَوْ رَفْعُ حُرِّيَّةٍ كَذَلِكَ أَيْ بِثُبُوتِ مِلْكٍ قَبْلَهُ . فَإِنْ قُلْتَ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِحْقَاقَ بِحُرِّيَّةٍ فَالْجَوَابُ لَعَلَّهُ رَأَى أَنَّهُ لَيْسَ اسْتِحْقَاقًا حَقِيقِيًّا ، وَأَنَّ إطْلَاقَهُ عَلَيْهِ مَجَازٌ فَلَا حَاجَةَ لِإِدْخَالِهِ فِي التَّعْرِيفِ ، وَعَدَمُ إدْخَالِهِ أَوْلَى مِنْ عَدَمِ إدْخَالِ الِاسْتِحْقَاقِ بِرِقِّيَّةِ مُدَّعِي الْحُرِّيَّةِ ، كَذَا قِيلَ ، وَفِيهِ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ رَفْعُ مِلْكٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ بِثُبُوتِ مِلْكٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ قَبْلَهُ .
ابْنُ عَرَفَةَ حُكْمُهُ الْوُجُوبُ عِنْدَ تَيَسُّرِ سَبَبِهِ فِي الرُّبُعِ عَلَى عَدَمِ يَمِينِ مُسْتَحِقِّهِ وَعَلَى يَمِينِهِ مُبَاحٌ كَغَيْرِ الرُّبُعِ لِأَنَّ الْحَلِفَ مَشَقَّةٌ ا هـ . أَقُولُ الظَّاهِرُ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْحُرِّيَّةِ أَوْ الرِّقِّيَّةِ وَاجِبٌ عِنْدَ تَيَسُّرِ سَبَبِهِ ، وَبِغَيْرِهِمَا مُبَاحٌ عِنْدَهُ وَلَوْ عَلَى عَدَمِ الْيَمِينِ لِأَنَّ تَرْكَهُ لَيْسَ مِنْ الْإِضَاعَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا ، وَسَبَبُهُ قِيَامُ الْبَيِّنَةِ عَلَى عَيْنِ الشَّيْءِ الْمُسْتَحَقِّ أَنَّهُ مِلْكُ الْمُدَّعِي لَا يَعْلَمُونَ خُرُوجَهُ وَلَا خُرُوجَ شَيْءٍ مِنْهُ عَنْهُ حَتَّى الْآنَ ، وَالشَّهَادَةُ بِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمَعْمُولِ بِهِ قَالَهُ فِي اللُّبَابِ ، وَشُرُوطُهُ ثَلَاثَةٌ ، الْأَوَّلُ الشَّهَادَةُ عَلَى عَيْنِهِ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَحِيَازَتُهُ وَهِيَ أَنْ يَبْعَثَ الْقَاضِي عَدْلَيْنِ ، وَقِيلَ أَوْ عَدْلًا مَعَ الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالْمِلْكِيَّةِ ، فَإِذَا كَانَتْ دَارًا مَثَلًا قَالُوا لَهُمَا مَثَلًا هَذِهِ الدَّارُ الَّتِي شَهِدْنَا فِيهَا عِنْدَ الْقَاضِي فُلَانٍ الشَّهَادَةَ الْمُقَيَّدَةَ أَعْلَاهُ .
الثَّانِي : الْأَعْذَارُ فِي ذَلِكَ إلَى الْحَائِزِ ، فَإِنْ ادَّعَى مَدْفَعًا أَجَّلَهُ فِيهِ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ .
الثَّالِثُ : يَمِينُ الِاسْتِبْرَاءِ . وَاخْتُلِفَ فِي لُزُومِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ،
الْأَوَّلِ : أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي جَمْعِ الْأَشْيَاءِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَسَحْنُونٌ .
الثَّانِي : لَا يَمِينَ فِي الْجَمِيعِ قَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ .
الثَّالِثِ : أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ فِي الْعَقَارِ وَيَحْلِفُ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ الْأَنْدَلُسِيِّينَ . وَفِي 150 سِجِلَّاتِ الْبَاجِيَّ لَوْ اسْتَحَقَّ مِنْ يَدِ غَاصِبٍ فَلَا يَحْلِفُ .
ابْنُ سَلْمُونٍ لَا يَمِينَ عَلَى مُسْتَحِقِّ الْأَصْلِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ خَصْمُهُ مَا يُوجِبُهَا . وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ كَالْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ ا هـ ، ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا غَيْرُ الْأُصُولِ مِنْ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالْعُرُوضِ وَغَيْرِهَا فَيَكْتُبُ فِي اسْتِحْقَاقِهَا يَعْرِفُ شُهُودُهُ فُلَانًا وَيَعْلَمُونَ لَهُ مَالًا وَمِلْكًا جَارِيَةً ، وَصِفَتُهَا كَذَا ، أَوْ فَرَسًا أَوْ ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا لَا يَعْلَمُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ بَيْعًا وَلَا تَفْوِيتًا ، وَلَا أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ حَتَّى الْآنِ . وَقَيَّدُوا عَلَى ذَلِكَ شَهَادَتَهُمْ عَلَى عَيْنِ الثَّوْبِ أَوْ الْفَرَسِ أَوْ الْجَارِيَةِ فِي كَذَا ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ ، وَنَصُّهُ حَلَفَ بِإِذْنِ الْقَاضِي بِقَرْيَةِ كَذَا فُلَانٌ الْمَذْكُورُ فِي رَسْمِ الِاسْتِرْعَاءِ بِكَذَا ، بِحَيْثُ يَجِبُ وَكَمَا تَجِبُ يَمِينًا قَالَ فِيهَا وَبِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا بِعْتُ الْفَرَسَ أَوْ الثَّوْبَ أَوْ الْجَارِيَةَ الْمَشْهُودَ لِي بِهِ فِيهِ ، وَلَا فَوَّتَهُ وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِي بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْفَوَاتِ حَتَّى الْآنِ وَمَنْ حَضَرَ الْيَمِينَ الْمَنْصُوصَةَ عَنْ الْإِذْنِ وَاسْتَوْعَبَهَا مِنْ الْحَالِفِ وَعَرَفَهُ قَيَّدَ عَلَى ذَلِكَ شَهَادَتَهُ فِي كَذَا وَكَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى عَيْنِ الْجَارِيَةِ أَوْ الْفَرَسِ أَوْ الثَّوْبِ ، وَهُوَ يُشِيرُ إلَيْهَا فِي يَمِينِهِ ، زِيَادَةُ بَيَانِ الْيَمِينِ فِي هَذَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ الْمَعْمُولِ بِهِ . بِخِلَافِ الْأُصُولِ فَلَا يَمِينَ فِيهَا إلَّا عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ .
وَحَكَى ابْنُ سَهْلٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ أَنْ لَا يَمِينَ عَلَى مُسْتَحِقِّ الْعَرْضِ وَالْحَيَوَانِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْخَصْمُ مَا يُوجِبُهَا ، وَتَكُونُ الْيَمِينُ عَلَى النَّصِّ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ . وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ فَرَجٍ يُحَلِّفُهُ أَنَّهُ مَالُهُ وَمِلْكُهُ وَأَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ . ابْنُ سَهْلٍ وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ فَرَجٍ . وَفِي الْمَجْمُوعَةِ إذَا كَانَتْ الْجَارِيَةُ غَائِبَةً فَالشَّهَادَةُ فِيهَا عَلَى النَّعْتِ وَالِاسْمِ جَائِزَةٌ ، فَإِنْ وُجِدَتْ جِوَارِي كَثِيرَةٌ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ يُحَلِّفُهُ الْحَاكِمُ الْمُسْتَحِقُّ وَأَثْبَتَ عِنْدَهُ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ سِوَاهَا فَلَا يُكَلَّفُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ . ا هـ . وَمَانِعُهُ فِعْلٌ وَسُكُوتٌ ، فَالْفِعْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا ادَّعَاهُ مِنْ حَائِزِهِ ، فَلَوْ قَالَ إنَّمَا اشْتَرَيْتُهُ خَوْفَ أَنْ يُغَيِّبَهُ ، فَإِذَا أَثْبَتَهُ رَجَعْتُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ . أَصْبَغُ إلَّا أَنْ تَكُونَ بَيِّنَتُهُ بَعِيدَةً جِدًّا ، وَيَشْهَدُ قَبْلَ شِرَائِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِيهِ لِذَلِكَ فَذَلِكَ يَنْفَعُهُ وَإِنْ اشْتَرَاهُ ، وَهُوَ يَرَى أَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُ ، ثُمَّ وَجَّهَ بَيِّنَةً فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا وَأَخْذُ ثَمَنِهِ أَصْبَغُ 151 وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ . وَأَمَّا السُّكُوتُ ، فَمِثْلُ أَنْ يَتْرُكَ الْقِيَامَ بِلَا مَانِعٍ مُدَّةَ الْحِيَازَةِ قَالَهُ فِي اللُّبَابِ . ( وَإِنْ زَرَعَ ) غَاصِبٌ أَوْ مُتَعَدٍّ أَرْضًا ( فَاسْتُحِقَّتْ ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْأَرْضُ ، أَيْ قَامَ مَالِكُهَا عَلَى زَارِعِهَا وَرَفَعَ مِلْكَهُ أَيْ حَوْزَهُ لِلتَّصَرُّفِ بِإِثْبَاتِ مِلْكِهِ قِبَلَهُ بِلَا عِوَضٍ فَهُوَ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ ، إذْ مُرَادُ ابْنِ عَرَفَةَ بِالْمِلْكِ فِي تَعْرِيفِهِ مُطْلَقَ الْحَوْزِ لِلتَّصَرُّفِ وَالْكَوْنُ تَحْتَ الْيَدِ مَجَازًا وَقَرِينَتُهُ إضَافَةُ رَفْعِ إلَيْهِ إذْ الْمِلْكُ الْحَقِيقِيُّ لَا يُرْفَعُ بِذَلِكَ ، وَبِهَذَا سَقَطَ قَوْلُ طفي ، الِاسْتِحْقَاقُ الْمَشْهُورُ هُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذِي شُبْهَةٍ أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ ، وَسَبَقَ الْبِسَاطِيُّ طفي إلَى مَا قَالَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَإِنْ لَمْ يُنْتَفَعْ ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ ( بِالزَّرْعِ ) أَيْ لَمْ يَبْلُغْ طَوْرًا يُنْتَفَعُ بِهِ فِيهِ إذَا قُلِعَ بِأَنْ لَمْ يُنْبِتْ أَوْ نَبَتَ وَصَغَرَ ( أُخِذَ ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، أَيْ فَلِلْمُسْتَحِقِّ الْأَرْضَ أَخْذُ الزَّرْعِ مَعَهَا ( بِلَا شَيْءٍ ) يَغْرَمُهُ لِلزَّارِعِ عِوَضًا عَنْ الْبَذْرِ وَالْحَرْثِ وَالسَّقْيِ وَغَيْرِهَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَزْوِيقِ الْجِدَارِ وَشَبَهِهِ وَأَحْرَى لَا شَيْءَ لِلْمُتَعَدِّي إنْ حَرَثَهَا وَاسْتُحِقَّتْ قَبْلَ زَرْعِهَا .
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ أُخِذَ أَنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِأَخْذِهِ ، وَلَوْ أَرَادَ الزَّارِعُ قَلْعَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ يَأْمُرُهُ بِقَلْعِهِ ، فَإِنْ أَبَى فَلَهُ أَخْذُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ كَمَا فِي تَوْضِيحِهِ ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إبْقَاؤُهُ لِزَارِعِهِ بِكِرَاءٍ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْمَوَّازِ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لَهُ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِلْمُسْتَحِقِّ أَخْذُهُ مَجَّانًا كَانَ إبْقَاؤُهُ بِكِرَاءٍ بَيْعًا لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ بِالْكِرَاءِ عَلَى تَبْقِيَتِهِ ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ لِلْغَرَرِ وَخَرَجَ جَوَازُهُ عَلَى أَنَّ مَنْ مَلَكَ أَوْ يَمْلِكُ لَا يُعَدُّ مَالِكًا وَنَظَرَ فِيهِ الْبِسَاطِيُّ ، فَيَخْرُجُ عَلَى أَنَّ مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَاخْتَارَ أَحَدَهُمَا لَا يُعَدُّ مُنْتَقِلًا إذْ عَلَيْهِ لَا يُتَصَوَّرُ هُنَا بَيْعُ الزَّرْعِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ عَلَى تَبْقِيَتِهِ . وَمَنَعَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَلَى عَدِّهِ مُنْتَقِلًا ، أَفَادَهُ تت . 152 طفي قَوْلُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ يَأْمُرُهُ بِقَلْعِهِ إلَخْ . فِيهِ نَظَرٌ وَالصَّوَابُ إبْقَاءُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّ الْخِيَارَ لِلْمُسْتَحِقِّ إنْ شَاءَ أَمَرَهُ بِقَلْعِهِ ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ مَجَّانًا كَمَا فِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَالتَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِمْ . ابْنُ يُونُسَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ إنْ كَانَ الزَّرْعُ صَغِيرًا إذَا قُلِعَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ قَضَى بِهِ لِرَبِّ الْأَرْضِ بِلَا ثَمَنٍ وَلَا زَرِيعَةٍ وَلَا شَيْءٍ وَمَا عَزَاهُ لِلتَّوْضِيحِ لَيْسَ فِيهِ ، وَنَصُّهُ وَإِنْ كَانَ قِيَامُهُ بَعْدَ الزَّرْعِ وَقَبْلَ ظُهُورِهِ أَوْ بَعْدَهُ ، وَقَبْلَ الِانْتِقَاعِ بِهِ فِيهِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِقَلْعِهِ أَوْ يَأْخُذَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ بِلَا ثَمَنٍ وَلَا زَرِيعَةٍ ا هـ .
( وَإِلَّا ) لَمْ يَبْلُغْ الزَّرْعُ حَدَّ الِانْتِفَاعِ بِهِ بِأَنْ اُسْتُحِقَّتْ الْأَرْضُ بَعْدَ بُلُوغِهِ طَوْرًا يُنْتَفَعُ بِهِ فِيهِ إذَا قُلِعَ وَلَوْ لِرَعْيِ الْبَهَائِمِ ( فَلَهُ ) أَيْ الْمُسْتَحِقِّ ( قَلْعُهُ ) أَيْ أَمَرَ زَارِعَهُ بِهِ ( إنْ لَمْ يَفُتْ ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَضَمِّ الْفَاءِ ، أَيْ يَمْضِ ( وَقْتُ مَا ) أَيْ الزَّرْعِ الَّذِي ( تُرَادُ ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ الْأَرْضُ ( لَهُ ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ زَرْعِ الْمُتَعَدِّي أَمْ لَا كَمَا لَوْ زُرِعَتْ سِمْسِمًا وَأَرَادَ الْمُسْتَحِقُّ زَرْعَهَا مِقْثَأَةً أَوْ بَقْلًا . ابْنُ رُشْدٍ الْقِيَاسُ أَنَّ لَهُ قَلْعَهُ بَعْدَ خُرُوجِ إبَّانِ الزَّرْعِ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ تَصْلُحُ لِزَرْعِ الْمَقَاثِي وَالْبُقُولِ ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ لَمْ يَقْصِدْ إضْرَارَ الْغَاصِبِ أَوْ الْمُتَعَدِّي بِتَكْلِيفِهِ بِقَلْعِ زَرْعِهِ ، وَإِنَّمَا رَغِبَ فِي الِانْتِفَاعِ بِأَرْضِهِ لِلْمِقْثَأَةِ أَوْ الْبَقْلِ إذْ قَدْ تَكُونُ الْمَنْفَعَةُ بِهَذَا أَكْثَرَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ بِالزَّرْعِ . وَفِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ خِلَافُ هَذَا ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْحَقِّ وَغَيْرُهُ .
الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْمُرَادَ وَقْتُ مَا زَرَعَهُ فِيهَا الْغَاصِبُ أَوْ الْمُتَعَدِّي فَقَطْ ، وَظَاهِرُ تَقْرِيرِ الشَّارِحِ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا وَقَرَّرَهُ الْبِسَاطِيُّ بِالْأَوَّلِ أَفَادَهُ تت . طفي تَنْبِيهٌ " غ " شَمِلَ قَوْلُهُ مَا تُرَادُ لَهُ الزَّرْعَ وَالْمَقَاثِيَ وَالْبَقْلَ وَغَيْرَهَا مِنْ جِنْسِ مَا زَرَعَ الْمُتَعَدِّي فِيهَا وَمِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، وَهَذَا خِلَافُ مَا لِأَصْبَغَ فِي نَوَازِلِهِ ، وَخِلَافُ مَا حَمَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْحَقِّ وَغَيْرُهُ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ إبَّانَ مَا زَرَعَ الْغَاصِبُ فِيهَا خَاصَّةً ، وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا فِي تَوْضِيحِهِ ، فَلَعَلَّهُ اعْتَمَدَ هُنَا مَا لِابْنِ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ ثُمَّ سَاقَ نَصَّهُ . ا هـ . وَتَبِعَهُ تت ، وَفِيمَا قَالَهُ " غ " نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ 153 الْأَوَّلُ : لَيْسَ الْمُرَادُ وَلَا الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَا تُرَادُ لَهُ مَا قَالَ ، وَإِنَّمَا مُرَادُ مَا تُرَادُ تِلْكَ الْأَرْضُ وَتُقْصَدُ لَهُ وَهُوَ مَا يُزْرَعُ فِيهَا غَالِبًا لَا كُلُّ شَيْءٍ ، وَلَوْ أَرَادَ مَا قَالَ " غ " لَقَالَ إنْ لَمْ نُفِتْ الِانْتِفَاعَ بِهَا ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ وَأَنْصَفَ .
الثَّانِي : أَنَّهُ حَمَلَ كَلَامَ عَبْدِ الْحَقِّ عَلَى إبَّانِ مَا زَرَعَ الْغَاصِبُ فِيهَا ، وَكَلَامُ عَبْدِ الْحَقِّ يَظْهَرُ مِنْهُ خِلَافُهُ ، وَنَصُّهُ عَلَى نَقْلِ الْمُوضِحِ وَابْنِ فَرْحُونٍ وَاللَّفْظُ لَهُمَا . عَبْدُ الْحَقِّ إنَّمَا يُرِيدُونَ إبَّانَ الشَّيْءِ الْمَزْرُوعِ فِيهَا لَا غَيْرُهُ ، فَإِذَا فَاتَ إبَّانُ مَا يُزْرَعُ فِيهَا فَلَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ تَكَلُّفُ الْغَاصِبِ الْقَلْعَ ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُعْمَلَ فِيهَا مَقْثَأَةٌ أَوْ شَيْءٌ غَيْرُ الَّذِي زَرَعَ فِيهَا وَهَذَا لِأَصْبَغَ مُبَيَّنٌ هَكَذَا فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ ، وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ ، وَهَكَذَا حَفِظْت عَنْ بَعْضِ شُيُوخِنَا الْقَرَوِيِّينَ ا هـ .
فَقَوْلُهُ إبَّانُ الشَّيْءِ الْمَزْرُوعِ فِيهَا أَيْ الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يُزْرَعَ فِيهَا وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا هَذَا الَّذِي فَهِمَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْهُ وَجَرَى عَلَيْهِ فِي مُخْتَصَرِهِ ، وَلِذَا حَادَ عَنْ عِبَارَةِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بِفَوَاتِ الْإِبَّانِ وَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ فِي صَغِيرِهِ إنْ لَمْ يَفُتْ وَقْتُ الزَّرْعِ الْمَقْصُودِ مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ وَالْمُرَادُ بِإِبَّانِ الزِّرَاعَةِ إبَّانُ الشَّيْءِ الَّذِي يُزْرَعُ فِيهَا لَا غَيْرُهُ . ا هـ . وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَإِلَّا فَيَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ الْمُتَعَدِّي زَرَعَ مَا شَأْنُهُ أَنْ لَا يُزْرَعَ فِيهَا وَفَاتَ إبَّانُهُ وَلَمْ يَفُتْ إبَّانُ الْمَقْصُودِ مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قَلْعُهُ ، وَتَفُوتُ ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَلَا غَيْرُهُ ، وَبِنَقْلِ كَلَامِ الشَّارِحِ تَعْلَمُ مَا فِي قَوْلِ تت الْمُرَادُ بِالْإِبَّانِ إبَّانُ مَا زَرَعَ فِيهَا الْغَاصِبُ فَقَطْ ، وَهُوَ ظَاهِرُ تَقْرِيرِ الشَّارِحِ .
وَمَعْنَى الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ عَبْدُ الْحَقِّ هُوَ قَوْلُهَا وَمَنْ اكْتَرَى أَرْضًا وَزَرَعَ فِيهَا وَكَانَتْ تُزْرَعُ السَّنَةَ كُلَّهَا إلَخْ ، ثُمَّ قَالَتْ وَإِنْ كَانَتْ تُزْرَعُ مَرَّةً فِي السَّنَةِ إلَخْ فَعَلَّقَتْ الْأَمْرَ عَلَى عَادَتِهَا وَمَا يُقْصَدُ مِنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . الْبُنَانِيُّ وَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ لَفْظَ الْعُتْبِيَّةِ عَنْ أَصْبَغَ يَدُلُّ لِمَا فَهِمَهُ " غ " ، وَنَصُّهَا وَمَنْ تَعَدَّى فَزَرَعَ أَرْضَ رَجُلٍ فَقَامَ عَلَيْهِ بِمَدٍّ إبَّانِ الْحَرْثِ وَقَدْ كَبَرَ الزَّرْعُ وَاشْتَدَّ فَأَرَادَ قَلْعَ الزَّرْعِ ، وَقَالَ أُرِيدُ أَكْرِيهَا مَقْثَأَةً أَوْ أَزْرَعُهَا بَقْلًا وَهِيَ أَرْضُ 154 سَقْيٍ يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ إبَّانِ الزَّرْعِ إلَّا كِرَاؤُهَا وَإِنْ كَانَتْ أَرْضَ سَقْيٍ يَنْتَفِعُ بِمَا ذَكَرْت ، وَإِنَّمَا لَهُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَفُتْ إبَّانُ الزَّرْعِ الَّذِي فِيهَا وَلَا حُجَّةَ لَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ قَلْبَهَا وَالْكِرَاءُ لَهُ عِوَضٌ عَنْ ذَلِكَ ا هـ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث