نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج · الجزء الرابع
فَصْلٌ فِي الْقَرْضِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ أَشْهَرُ مِنْ كَسْرِهَا يُطْلَقُ اسْمًا بِمَعْنَى الْمُقْرَضِ وَمَصْدَرًا بِمَعْنَى الْإِقْرَاضِ ، وَلِشَبَهِهِ بِالسَّلَمِ فِي الضَّابِطِ الْآتِي جَعَلَهُ مُلْحَقًا بِهِ فَتَرْجَمَ لَهُ بِفَصْلٍ بَلْ هُوَ نَوْعٌ مِنْهُ إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا يُسَمَّى سَلَفًا ( الْإِقْرَاضُ ) الَّذِي هُوَ تَمْلِيكُ الشَّيْءِ بِرَدِّ بَدَلِهِ 220 ( مَنْدُوبٌ ) إلَيْهِ وَلِشُهْرَةِ هَذَا حَذَفَهُ ، وَقَدْ اسْتَغْنَى الشَّارِحُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : أَيْ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ مِنْ السُّنَنِ الْمُتَأَكِّدَةِ لِلْآيَاتِ الْكَثِيرَةِ وَالْأَخْبَارِ الشَّهِيرَةِ كَخَبَرِ مُسْلِمٍ { مَنْ نَفَّسَ عَنْ أَخِيهِ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ } وَصَحَّ خَبَرُ { مَنْ أَقْرَضَ لِلَّهِ مَرَّتَيْنِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ أَحَدِهِمَا لَوْ تَصَدَّقَ بِهِ } وَفِي خَبَرٍ فِي سَنَدِهِ مَنْ ضَعَّفَهُ الْأَكْثَرُونَ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ : إنَّ دِرْهَمَ الصَّدَقَةِ بِعَشْرٍ وَالْقَرْضَ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ } وَأَنَّ جِبْرِيلَ عَلَّلَ لَهُ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَرْضَ إنَّمَا يَقَعُ فِي يَدِ مُحْتَاجٍ بِخِلَافِ الصَّدَقَةِ ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ خَبَرَ { قَرْضُ الشَّيْءِ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَتِهِ } وَيُمْكِنُ رَدُّ الْخَبَرِ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ بِحَمْلِهِ عَلَى دَرَجَاتٍ صَغِيرَةٍ بِحَيْثُ إنَّ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ فِيهِ تُقَابَلُ بِخَمْسَةٍ فِي الصَّدَقَةِ كَمَا فِي خَبَرِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ ، أَوْ بِحَمْلِ الزِّيَادَةِ فِي الْقَرْضِ إنْ صَحَّتْ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُعْلِمَهَا بَعْدُ ، أَوْ يُقَالُ الْقَرْضُ فَضَلَ الصَّدَقَةَ بِاعْتِبَارِ الِابْتِدَاءِ لِامْتِيَازِهِ عَنْهَا بِصَوْنِهِ مَاءَ وَجْهِ مَنْ لَمْ يَعْتَدْ السُّؤَالَ عَنْ بَذْلِهِ لِكُلِّ أَحَدٍ بِخِلَافِهَا ، وَهِيَ فَضَلَتْهُ بِاعْتِبَارِ الْغَايَةِ لِامْتِيَازِهَا عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا مُقَابِلَ فِيهَا وَلَا بَدَلَ بِخِلَافِهِ ، وَعِنْدَ تَقَابُلِ الْخُصُوصِيَّتَيْنِ قَدْ تَتَرَجَّحُ الْأُولَى وَقَدْ تَتَرَجَّحُ الثَّانِيَةُ بِاعْتِبَارِ الْأَثَرِ الْمُرَتَّبِ
وَوَجْهُ ذِكْرِ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ دِرْهَمَ الْقَرْضِ فِيهِ تَنْفِيسُ كُرْبَةٍ وَإِنْظَارٌ 221 إلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ وَرَدُّهُ فَفِيهِ عِبَادَتَانِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ دِرْهَمَيْنِ وَهُمَا بِعِشْرِينَ حَسَنَةً ، فَالتَّضْعِيفُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَهُوَ الْبَاقِي فَقَطْ لِأَنَّ الْمُقْرِضَ يَسْتَرِدُّ ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَبْرَأ مِنْهُ كَانَ لَهُ عِشْرُونَ ثَوَابُ الْأَصْلِ وَالْمُضَاعَفَةُ ، وَمَحَلُّ نَدْبِهِ مَا لَمْ يَكُنْ الْمُقْتَرِضُ مُضْطَرًّا وَإِلَّا كَانَ وَاجِبًا ، وَمَا لَمْ يَعْلَمْ أَوْ يَظُنَّ مِنْ آخِذِهِ أَنَّهُ يُنْفِقُهُ فِي مَعْصِيَةٍ وَإِلَّا حَرُمَ عَلَيْهِمَا أَوْ فِي مَكْرُوهٍ كُرِهَ ، وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ مُضْطَرٍّ الِاقْتِرَاضُ إنْ لَمْ يَرْجُ وَفَاءَهُ مِنْ سَبَبٍ ظَاهِرٍ مَا لَمْ يُعْلِمْ الْمُقْرِضَ بِحَالِهِ ، وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ أَخْفَى غِنَاهُ وَأَظْهَرَ فَاقَتَهُ كَمَا يَأْتِي نَظِيرُهُ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُقْرِضَ لَوْ عَلِمَ حَقِيقَةَ أَمْرِهِ لَمْ يُقْرِضْهُ ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ عَلِمَ الْمُقْتَرِضُ أَنَّ مَا يُقْرِضُهُ لِنَحْوِ صَلَاحِهِ أَوْ عِلْمِهِ وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِ ذَلِكَ حَرُمَ عَلَيْهِ الِاقْتِرَاضُ أَيْضًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ ، وَلَوْ أَخْفَى الْفَاقَةَ وَأَظْهَرَ الْغَنِيُّ حَالَتَهُ حَرُمَ أَيْضًا لِمَا فِيهِ مِنْ التَّدْلِيسِ وَالتَّغْرِيرِ عَكْسُ الصَّدَقَةِ ( وَصِيغَتُهُ ) الصَّرِيحَةُ أَشْيَاءُ مِنْهَا ( أَقْرَضْتُك أَوْ أَسْلَفْتُك ) كَذَا أَوْ هَذَا ( أَوْ خُذْهُ بِمِثْلِهِ ) وَلَوْ مُتَقَوِّمًا إذْ ذَكَرَ الْمِثْلَ فِيهِ نَصٌّ فِي مَقْصُودِ الْقَرْضِ لِأَنَّ وَضْعَهُ عَلَى رَدِّ الْمِثْلِ صُورَةً ، وَبِهِ فَارَقَ جَعْلَهُمْ خُذْهُ بِكَذَا كِنَايَةً فِي الْبَيْعِ ، وَبِهِ انْدَفَعَ مَا لِلْغَزِّيِّ وَغَيْرِهِ هُنَا ، وَاتَّضَحَ أَنَّهُ صَرِيحٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمَا لَا كِنَايَةٌ خِلَافًا لِجَمْعٍ ، وَأَيْضًا فَمِمَّا يُدْفَعُ بِهِ ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ صَرِيحًا فِي بَابِهِ وَوَجَدَ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ لَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي غَيْرِهِ . 222 أَمَّا خُذْهُ بِكَذَا فَكِنَايَةٌ هُنَا أَيْضًا كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ ( أَوْ مَلَّكْتُكَهُ عَلَى أَنْ تَرُدَّ بَدَلَهُ ) أَوْ خُذْهُ وَرُدَّ بَدَلَهُ أَوْ اصْرِفْهُ فِي حَوَائِجِك وَرُدَّ بَدَلَهُ وَقَوْلُهُ : خُذْهُ فَقَطْ كِنَايَةٌ وَقَدْ سَبَقَهُ : أَقْرِضْنِي وَإِلَّا فَهُوَ كِنَايَةُ هِبَةٍ أَوْ اقْتَصَرَ عَلَى مَلَّكْتُكَهُ فَهِبَةٌ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي ذِكْرِ الْبَدَلِ صُدِّقَ الْآخِذُ بِيَمِينِهِ وَإِنَّمَا صُدِّقَ مُطْعِمٌ مُضْطَرٍّ أَنَّهُ قَرَضَ حَمْلًا لِلنَّاسِ عَلَى هَذِهِ الْمَكْرُمَةِ الَّتِي بِهَا إحْيَاءُ النُّفُوسِ إذْ لَوْ أَحْوَجْنَاهُ لِلْإِشْهَادِ لَفَاتَتْ النَّفْسُ ، أَوْ فِي أَنَّ الْمَأْخُوذَ قَرْضٌ أَوْ غَيْرُهُ فَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ آخِرَ الْقِرَاضِ .
وَوَجْهُ ذِكْرِ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ دِرْهَمَ الْقَرْضِ فِيهِ تَنْفِيسُ كُرْبَةٍ وَإِنْظَارٌ 221 إلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ وَرَدُّهُ فَفِيهِ عِبَادَتَانِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ دِرْهَمَيْنِ وَهُمَا بِعِشْرِينَ حَسَنَةً ، فَالتَّضْعِيفُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَهُوَ الْبَاقِي فَقَطْ لِأَنَّ الْمُقْرِضَ يَسْتَرِدُّ ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَبْرَأ مِنْهُ كَانَ لَهُ عِشْرُونَ ثَوَابُ الْأَصْلِ وَالْمُضَاعَفَةُ ، وَمَحَلُّ نَدْبِهِ مَا لَمْ يَكُنْ الْمُقْتَرِضُ مُضْطَرًّا وَإِلَّا كَانَ وَاجِبًا ، وَمَا لَمْ يَعْلَمْ أَوْ يَظُنَّ مِنْ آخِذِهِ أَنَّهُ يُنْفِقُهُ فِي مَعْصِيَةٍ وَإِلَّا حَرُمَ عَلَيْهِمَا أَوْ فِي مَكْرُوهٍ كُرِهَ ، وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ مُضْطَرٍّ الِاقْتِرَاضُ إنْ لَمْ يَرْجُ وَفَاءَهُ مِنْ سَبَبٍ ظَاهِرٍ مَا لَمْ يُعْلِمْ الْمُقْرِضَ بِحَالِهِ ، وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ أَخْفَى غِنَاهُ وَأَظْهَرَ فَاقَتَهُ كَمَا يَأْتِي نَظِيرُهُ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُقْرِضَ لَوْ عَلِمَ حَقِيقَةَ أَمْرِهِ لَمْ يُقْرِضْهُ ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ عَلِمَ الْمُقْتَرِضُ أَنَّ مَا يُقْرِضُهُ لِنَحْوِ صَلَاحِهِ أَوْ عِلْمِهِ وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِ ذَلِكَ حَرُمَ عَلَيْهِ الِاقْتِرَاضُ أَيْضًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ ، وَلَوْ أَخْفَى الْفَاقَةَ وَأَظْهَرَ الْغَنِيُّ حَالَتَهُ حَرُمَ أَيْضًا لِمَا فِيهِ مِنْ التَّدْلِيسِ وَالتَّغْرِيرِ عَكْسُ الصَّدَقَةِ ( وَصِيغَتُهُ ) الصَّرِيحَةُ أَشْيَاءُ مِنْهَا ( أَقْرَضْتُك أَوْ أَسْلَفْتُك ) كَذَا أَوْ هَذَا ( أَوْ خُذْهُ بِمِثْلِهِ ) وَلَوْ مُتَقَوِّمًا إذْ ذَكَرَ الْمِثْلَ فِيهِ نَصٌّ فِي مَقْصُودِ الْقَرْضِ لِأَنَّ وَضْعَهُ عَلَى رَدِّ الْمِثْلِ صُورَةً ، وَبِهِ فَارَقَ جَعْلَهُمْ خُذْهُ بِكَذَا كِنَايَةً فِي الْبَيْعِ ، وَبِهِ انْدَفَعَ مَا لِلْغَزِّيِّ وَغَيْرِهِ هُنَا ، وَاتَّضَحَ أَنَّهُ صَرِيحٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمَا لَا كِنَايَةٌ خِلَافًا لِجَمْعٍ ، وَأَيْضًا فَمِمَّا يُدْفَعُ بِهِ ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ صَرِيحًا فِي بَابِهِ وَوَجَدَ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ لَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي غَيْرِهِ . 222 أَمَّا خُذْهُ بِكَذَا فَكِنَايَةٌ هُنَا أَيْضًا كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ ( أَوْ مَلَّكْتُكَهُ عَلَى أَنْ تَرُدَّ بَدَلَهُ ) أَوْ خُذْهُ وَرُدَّ بَدَلَهُ أَوْ اصْرِفْهُ فِي حَوَائِجِك وَرُدَّ بَدَلَهُ وَقَوْلُهُ : خُذْهُ فَقَطْ كِنَايَةٌ وَقَدْ سَبَقَهُ : أَقْرِضْنِي وَإِلَّا فَهُوَ كِنَايَةُ هِبَةٍ أَوْ اقْتَصَرَ عَلَى مَلَّكْتُكَهُ فَهِبَةٌ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي ذِكْرِ الْبَدَلِ صُدِّقَ الْآخِذُ بِيَمِينِهِ وَإِنَّمَا صُدِّقَ مُطْعِمٌ مُضْطَرٍّ أَنَّهُ قَرَضَ حَمْلًا لِلنَّاسِ عَلَى هَذِهِ الْمَكْرُمَةِ الَّتِي بِهَا إحْيَاءُ النُّفُوسِ إذْ لَوْ أَحْوَجْنَاهُ لِلْإِشْهَادِ لَفَاتَتْ النَّفْسُ ، أَوْ فِي أَنَّ الْمَأْخُوذَ قَرْضٌ أَوْ غَيْرُهُ فَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ آخِرَ الْقِرَاضِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث