الإنصاف
الإنصاف · الجزء الحادي عشر
قَوْلُهُ ( وَإِنْ نَكَلَ : قَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ . نَصَّ عَلَيْهِ . وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ . نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ . مَرِيضًا كَانَ ، أَوْ غَيْرَهُ . قَالَ فِي الْفُرُوعِ : نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْجَمَاعَةُ . وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ، وَغَيْرِهِ . وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي ، وَالْمُحَرَّرِ ، وَالشَّرْحِ ، وَالْفُرُوعِ ، وَغَيْرِهِمْ . وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ : وَيَتَخَرَّجُ حَبْسُهُ ، لِيُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ . وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ : تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي . وَقَالَ : قَدْ صَوَّبَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ . 255 وَقَالَ : مَا هُوَ بِبَعِيدٍ يَحْلِفُ وَيَأْخُذُ . نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا . ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ : يُقَالُ لَهُ : احْلِفْ وَخُذْ . قَالَ فِي الْفُرُوعِ : يَجُوزُ رَدُّهَا . وَذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ ، فَقَالُوا : وَعَنْهُ يَرُدُّ الْيَمِين عَلَى الْمُدَّعِي قَالَ : وَلَعَلَّ ظَاهِرَهُ يَجِبُ . وَلِأَجْلِ هَذَا قَالَ الشَّيْخُ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ : أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِالنُّكُولِ ، وَلَكِنْ يَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَى خَصْمِهِ . وَقَالَ : قَدْ صَوَّبَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَالَ : مَا هُوَ بِبَعِيدٍ ، يَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي طَالِبِ الْمَذْكُورَةِ . وَظَاهِرُهَا : جَوَازُ الرَّدِّ . وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ فِي الْعُمْدَةِ رَدَّهَا . وَاخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ ، وَزَادَ : بِإِذْنِ النَّاكِلِ فِيهِ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ . وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَعَ عِلْمِ مُدَّعٍ وَحْدَهُ بِالْمُدَّعِي بِهِ : لَهُمْ رَدُّهَا . وَإِذَا لَمْ يَحْلِفْ لَمْ يَأْخُذْ كَالدَّعْوَى عَلَى وَرَثَةِ مَيِّتٍ حَقًّا عَلَيْهِ يَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِهِ . وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الْعَالِمُ بِالْمُدَّعَى بِهِ ، دُونَ الْمُدَّعِي ، مِثْلَ : أَنْ يَدَّعِيَ الْوَرَثَةُ أَوْ الْوَصِيُّ عَلَى غَرِيمٍ لِلْمَيِّتِ ، فَيُنْكِرُ : فَلَا يَحْلِفُ الْمُدَّعِي . قَالَ : وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي الْعِلْمَ ، وَالْمُنْكِرُ يَدَّعِي الْعِلْمَ : فَهُنَا يُتَوَجَّهُ الْقَوْلَانِ ، يَعْنِي الرِّوَايَتَيْنِ . فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا : إذَا رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي : فَهَلْ تَكُونُ يَمِينُهُ كَالْبَيِّنَةِ ، أَمْ كَإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ . 256 قَالَ ابْنُ الْقِيَمِ فِي الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ : أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا : أَنَّهَا كَإِقْرَارٍ . فَعَلَى هَذَا : لَوْ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِالْأَدَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ بَعْدَ حَلِفِ الْمُدَّعِي ، فَإِنْ قِيلَ : يَمِينُهُ كَالْبَيِّنَةِ ، سُمِعَتْ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ . وَإِنْ قِيلَ : هِيَ كَالْإِقْرَارِ لَمْ تُسْمَعْ لِكَوْنِهِ مُكَذِّبًا لِلْبَيِّنَةِ بِالْإِقْرَارِ . الثَّانِيَةُ : إذْ قَضَى بِالنُّكُولِ ، فَهَلْ يَكُونُ كَالْإِقْرَارِ ، أَوْ كَالْبَدَلِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَامِعِ : النُّكُولُ إقْرَارٌ وَقَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ فِي الْقَسَامَةِ عَلَى مَا يَأْتِي . وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا مَا إذَا ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ ، وَاسْتَحْلَفْنَاهَا ، فَنَكَلَتْ . فَهَلْ يُقْضَى عَلَيْهَا بِالنُّكُولِ ، وَتُجْعَلُ زَوْجَتَهُ ؟ إذَا قُلْنَا هُوَ إقْرَارٌ : حُكِمَ عَلَيْهَا بِذَلِكَ . وَإِنْ قُلْنَا : بَذْلٌ ، لَمْ يُحْكَمْ بِذَلِكَ . لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ لَا تُسْتَبَاحُ بِالْبَذْلِ . وَكَذَا لَوْ ادَّعَى رِقَّ مَجْهُولِ النَّسَبِ . وَقُلْنَا . يَسْتَحْلِفُ . فَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ . وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى قَذْفَهُ ، وَاسْتَحْلَفْنَاهُ فَنَكَلَ فَهَلْ يُحَدُّ لِلْقَذْفِ ؟ يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ النُّكُولَ يَقُومُ مَقَامَ الشَّاهِدِ وَالْبَيِّنَةِ ، لَا مَقَامَ الْإِقْرَارِ وَالْبَدَلِ . لِأَنَّ النَّاكِلَ قَدْ صَرَّحَ بِالْإِنْكَارِ ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمُدَّعَى بِهِ وَهُوَ يُصِرُّ عَلَى ذَلِكَ ، فَتَوَرَّعَ عَنْ الْيَمِينِ . فَكَيْفَ يُقَالُ : إنَّهُ مُقِرٌّ مَعَ إصْرَارِهِ عَلَى الْإِنْكَارِ ، وَيُجْعَلُ مُكَذِّبًا لِنَفْسِهِ ؟ وَأَيْضًا : لَوْ كَانَ مُقِرًّا لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ نُكُولُهُ بِالْإِبْرَاءِ وَالْأَدَاءِ . فَإِنَّهُ يَكُونُ مُكَذِّبًا لِنَفْسِهِ . وَأَيْضًا : فَإِنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ ، وَشَهَادَةٌ مِنْ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ مُقِرًّا شَاهِدًا عَلَى نَفْسِهِ بِسُكُوتِهِ ؟ وَالْبَذْلُ إبَاحَةٌ وَتَبَرُّعٌ ، وَهُوَ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ . وَلَمْ يَخْطِرْ عَلَى قَلْبِهِ . وَقَدْ يَكُونُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَرِيضًا مَرَضَ الْمَوْتِ . 257 فَلَوْ كَانَ النُّكُولُ بَذْلًا وَإِبَاحَةً : اُعْتُبِرَ خُرُوجُ الْمُدَّعَى بِهِ مِنْ الثُّلُثِ . قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا إقْرَارَ وَلَا إبَاحَةَ . بَلْ هُوَ جَارٍ مَجْرَى الشَّاهِدِ وَالْبَيِّنَةِ . انْتَهَى .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث