الإنصاف
الإنصاف · الجزء الثاني عشر
قَوْلُهُ ( وَالسَّادِسُ : الْعَدَالَةُ ، وَهِيَ اسْتِوَاءُ أَحْوَالِهِ فِي دِينِهِ ، وَاعْتِدَالُ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ ) ، تَقَدَّمَ فِي " بَابِ طُرُقِ الْحُكْمِ وَصِفَتِهِ " أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ : اعْتِبَارُ الْعَدَالَةِ فِي الْبَيِّنَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، فَيُعْتَبَرُ اسْتِوَاءُ أَحْوَالِهِ فِي دِينِهِ ، وَاعْتِدَالُ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ ، بِلَا رَيْبٍ ، وَقِيلَ : الْعَدْلُ مَنْ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَاخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ عِنْدَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٍ ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ ، وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ ، فِي الْعَدَالَةِ : اجْتِنَابَ الرِّيبَةِ وَانْتِفَاءَ التُّهْمَةِ ، زَادَ فِي الرِّعَايَةِ : وَفِعْلُ مَا يُسْتَحَبُّ ، وَتَرْكُ مَا يُكْرَهُ .
فَائِدَةٌ :
الْعَاقِلُ مَنْ عَرَفَ الْوَاجِبَ عَقْلًا ، الضَّرُورِيَّ وَغَيْرَهُ ، وَالْمُمْتَنِعَ وَالْمُمْكِنَ ، وَمَا يَضُرُّهُ وَمَا يَنْفَعُهُ غَالِبًا ، وَالْعَقْلُ : نَوْعُ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ إنْسَانِيٍّ . وَمَحَلُّ ذَلِكَ الْأُصُولُ ، وَالْإِسْلَامُ : الشَّهَادَتَانِ نُطْقًا أَوْ حُكْمًا ، تَبَعًا أَوْ بِدَارٍ ، مَعَ الْتِزَامِ أَحْكَامِ الدِّينِ ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ .
تَنْبِيهٌ :
ظَاهِرُ قَوْلِهِ ( وَيُعْتَبَرُ لَهَا شَيْئَانِ الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ ، وَهُوَ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ ) ، أَنَّ أَدَاءَ الْفَرَائِضِ وَحْدَهَا يَكْفِي وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ سُنَنَهَا ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ ، 44 وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمَذْهَبِ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي ، وَصَاحِبُ التَّبْصِرَةِ ، وَالتَّرْغِيبِ ، وَالْمُحَرَّرِ ، وَالنَّظْمِ ، وَالْوَجِيزِ ، وَغَيْرُهُمْ ، أَدَاءَ الْفَرَائِضِ بِسُنَنِهَا الرَّاتِبَةِ ، وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ ، وَالْمُسْتَوْعِبِ ، وَالْخُلَاصَةِ : بِسُنَنِهَا ، وَلَمْ يَذْكُرْ " الرَّاتِبَةَ " وَقَدْ أَوْمَأَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَالْجَمَاعَةُ ، كَقَوْلِهِ فِيمَنْ يُوَاظِبُ عَلَى تَرْكِ سُنَنِ الصَّلَاةِ : رَجُلُ سُوءٍ ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ : لَوْ تَرَكَ سُنَّةً سَنَّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِهِ : فَهُوَ رَجُلُ سُوءٍ ، وَقَالَ الْقَاضِي : يَأْثَمُ ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ : وَمُرَادُهُ لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ تَرْكِ فَرْضٍ ، وَإِلَّا فَلَا يَأْثَمُ بِتَرْكِ سُنَّةٍ ، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَنْ تَرَكَهَا طُولَ عُمُرِهِ ، أَوْ أَكْثَرَهُ ، فَإِنَّهُ يَفْسُقُ بِذَلِكَ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ إذَا دَاوَمَ عَلَى تَرْكِهَا ; لِأَنَّهُ بِالْمُدَاوَمَةِ يَكُونُ رَاغِبًا عَنْ السُّنَّةِ ، وَتَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ لِكَوْنِهَا سُنَّةً ، وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ خَرَجَ عَلَى هَذَا ، وَكَذَا قَالَ فِي الْفُصُولِ : الْإِدْمَانُ عَلَى تَرْكِ هَذِهِ السُّنَنِ غَيْرُ جَائِرٍ ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْوِتْرِ ، وَقَالَ بَعْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْوِتْرِ : وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُحْكَمُ بِفِسْقِهِ ، قُلْت : فَيُعَايَى بِهَا عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ ، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ مَنْ تَرَكَ الْوِتْرَ فَلَيْسَ بِعَدْلٍ وَقَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْجَمَاعَةِ ، عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ ; لِأَنَّهُ يُسَمَّى نَاقِصَ الْإِيمَانِ 45
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ : وَتُرَدُّ شَهَادَةُ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ تَرْكِ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ . قَوْلُهُ ( وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمَ ، وَهُوَ أَنْ لَا يَرْتَكِبَ كَبِيرَةً ، وَلَا يُدْمِنَ عَلَى صَغِيرَةٍ ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ ، وَالْوَجِيزِ ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ ، وَالْمُذْهَبِ ، وَالْمُسْتَوْعِبِ ، وَالْخُلَاصَةِ ، وَالنَّظْمِ ، وَقِيلَ : أَنْ لَا يَظْهَرَ مِنْهُ إلَّا الْخَيْرُ ، وَقِيلَ : أَنْ لَا يَتَكَرَّرَ مِنْهُ صَغِيرَةٌ ، وَقِيلَ : ثَلَاثًا ، وَقَطَعَ بِهِ فِي آدَابِ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ ، وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ : بِأَنْ لَا يُكْثِرَ مِنْ الصَّغَائِرِ ، وَلَا يُصِرَّ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهَا ، وَعَنْهُ : تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِكِذْبَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : اخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ . وَقَاسَ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ الصَّغَائِرِ ، وَهُوَ بَعِيدٌ ; لِأَنَّ الْكَذِبَ مَعْصِيَةٌ فِيمَا تَحْصُلُ بِهِ الشَّهَادَةُ ، وَهُوَ الْخَبَرُ ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ ، وَأَخَذَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ : أَنَّ الْكَذِبَ كَبِيرَةٌ ، وَجَعَلَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ : الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْكَذِبِ : وَأَوْرَدَ ذَلِكَ مَذْهَبًا ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ : وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَقَالَ أَيْضًا : وَلَعَلَّ الْخِلَافَ فِي الْكِذْبَةِ لِلتَّرَدُّدِ فِيهَا : هَلْ هِيَ كَبِيرَةٌ أَوْ صَغِيرَةٌ ؟ وَأَطْلَقَ فِي الْمُحَرَّرِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ بِالْكِذْبَةِ الْوَاحِدَةِ ، 46 وَظَاهِرُ الْكَافِي : أَنَّ الْعَدْلَ مَنْ رَجَحَ خَيْرُهُ وَلَمْ يَأْتِ كَبِيرَةً ; لِأَنَّ الصَّغَائِرَ تَقَعُ مُكَفَّرَةً أَوَّلًا فَأَوَّلًا ، فَلَا تَجْتَمِعُ ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَوْلَا الْإِجْمَاعُ لَقُلْنَا بِهِ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي الْعُمْدَةِ : أَنَّهُ عَدْلٌ وَلَوْ أَتَى كَبِيرَةً ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ : صَرَّحَ بِهِ فِي قِيَاسِ الشُّبْهَةِ ، وَعَنْهُ فِيمَنْ أَكَلَ الرِّبَا إنْ أَكْثَرَ لَمْ نُصَلِّ خَلْفَهُ ، قَالَ الْقَاضِي ، وَابْنُ عَقِيلٍ : فَاعْتَبَرَ الْكَثْرَةَ ، وَقَالَ فِي الْمُغْنِي : إنْ أَخَذَ صَدَقَةً مُحَرَّمَةً وَتَكَرَّرَ : رُدَّتْ شَهَادَتُهُ ، وَعَنْهُ فِيمَنْ وَرِثَ مَا أَخَذَهُ مَوْرُوثُهُ مِنْ الطَّرِيقِ هَذَا أَهْوَنُ ، لَيْسَ هُوَ أَخْرَجَهُ ، وَأَعْجَبُ إلَى أَنْ يَرُدَّهُ ، وَعَنْهُ أَيْضًا : لَا يَكُونُ عَدْلًا حَتَّى يَرُدَّ مَا أَخَذَ ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَنْ شَهِدَ عَلَى إقْرَارِ كَذِبٍ مَعَ عِلْمِهِ بِالْحَالِ " ، أَوْ تَكَرَّرَ نَظَرُهُ إلَى الْأَجْنَبِيَّاتِ وَالْقُعُودِ لَهُ بِلَا حَاجَةٍ شَرْعِيَّةٍ : قُدِحَ فِي عَدَالَتِهِ ، قَالَ : وَلَا يَسْتَرِيبُ أَحَدٌ فِيمَنْ صَلَّى مُحْدِثًا ، أَوْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ ، أَوْ بَعْدَ الْوَقْتِ ، أَوْ بِلَا قِرَاءَةٍ : أَنَّهُ كَبِيرَةٌ .
فَائِدَةٌ :
" الْكَبِيرَةُ " مَا فِيهِ حَدٌّ أَوْ وَعِيدٌ نَصَّ عَلَيْهِ ، وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ : هِيَ مَا فِيهِ حَدٌّ أَوْ وَعِيدٌ ، أَوْ غَضَبٌ أَوْ لَعْنَةٌ أَوْ نَفْيُ الْإِيمَانِ ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ ، وَالْغُنْيَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ : الْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ مِنْ الصَّغَائِرِ ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي مُعْتَمَدِهِ : مَعْنَى " الْكَبِيرَةِ " أَنَّ عِقَابَهَا أَعْظَمُ " وَالصَّغِيرَةُ " أَقَلُّ ، وَلَا يُعْلَمَانِ إلَّا بِتَوْقِيفٍ . وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : إنْ تَكَرَّرَتْ الصَّغَائِرُ مِنْ نَوْعٍ أَوْ أَنْوَاعٍ ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ : تَجْتَمِعُ وَتَكُونُ كَبِيرَةً ، 47 وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : لَا تَجْتَمِعُ ، وَهُوَ شَبِيهُ مَقَالَةِ الْمُعْتَزِلَةِ
فَائِدَةٌ :
الْعَاقِلُ مَنْ عَرَفَ الْوَاجِبَ عَقْلًا ، الضَّرُورِيَّ وَغَيْرَهُ ، وَالْمُمْتَنِعَ وَالْمُمْكِنَ ، وَمَا يَضُرُّهُ وَمَا يَنْفَعُهُ غَالِبًا ، وَالْعَقْلُ : نَوْعُ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ إنْسَانِيٍّ . وَمَحَلُّ ذَلِكَ الْأُصُولُ ، وَالْإِسْلَامُ : الشَّهَادَتَانِ نُطْقًا أَوْ حُكْمًا ، تَبَعًا أَوْ بِدَارٍ ، مَعَ الْتِزَامِ أَحْكَامِ الدِّينِ ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ .
تَنْبِيهٌ :
ظَاهِرُ قَوْلِهِ ( وَيُعْتَبَرُ لَهَا شَيْئَانِ الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ ، وَهُوَ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ ) ، أَنَّ أَدَاءَ الْفَرَائِضِ وَحْدَهَا يَكْفِي وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ سُنَنَهَا ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ ، 44 وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمَذْهَبِ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي ، وَصَاحِبُ التَّبْصِرَةِ ، وَالتَّرْغِيبِ ، وَالْمُحَرَّرِ ، وَالنَّظْمِ ، وَالْوَجِيزِ ، وَغَيْرُهُمْ ، أَدَاءَ الْفَرَائِضِ بِسُنَنِهَا الرَّاتِبَةِ ، وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ ، وَالْمُسْتَوْعِبِ ، وَالْخُلَاصَةِ : بِسُنَنِهَا ، وَلَمْ يَذْكُرْ " الرَّاتِبَةَ " وَقَدْ أَوْمَأَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَالْجَمَاعَةُ ، كَقَوْلِهِ فِيمَنْ يُوَاظِبُ عَلَى تَرْكِ سُنَنِ الصَّلَاةِ : رَجُلُ سُوءٍ ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ : لَوْ تَرَكَ سُنَّةً سَنَّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِهِ : فَهُوَ رَجُلُ سُوءٍ ، وَقَالَ الْقَاضِي : يَأْثَمُ ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ : وَمُرَادُهُ لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ تَرْكِ فَرْضٍ ، وَإِلَّا فَلَا يَأْثَمُ بِتَرْكِ سُنَّةٍ ، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَنْ تَرَكَهَا طُولَ عُمُرِهِ ، أَوْ أَكْثَرَهُ ، فَإِنَّهُ يَفْسُقُ بِذَلِكَ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ إذَا دَاوَمَ عَلَى تَرْكِهَا ; لِأَنَّهُ بِالْمُدَاوَمَةِ يَكُونُ رَاغِبًا عَنْ السُّنَّةِ ، وَتَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ لِكَوْنِهَا سُنَّةً ، وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ خَرَجَ عَلَى هَذَا ، وَكَذَا قَالَ فِي الْفُصُولِ : الْإِدْمَانُ عَلَى تَرْكِ هَذِهِ السُّنَنِ غَيْرُ جَائِرٍ ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْوِتْرِ ، وَقَالَ بَعْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْوِتْرِ : وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُحْكَمُ بِفِسْقِهِ ، قُلْت : فَيُعَايَى بِهَا عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ ، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ مَنْ تَرَكَ الْوِتْرَ فَلَيْسَ بِعَدْلٍ وَقَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْجَمَاعَةِ ، عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ ; لِأَنَّهُ يُسَمَّى نَاقِصَ الْإِيمَانِ 45
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ : وَتُرَدُّ شَهَادَةُ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ تَرْكِ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ . قَوْلُهُ ( وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمَ ، وَهُوَ أَنْ لَا يَرْتَكِبَ كَبِيرَةً ، وَلَا يُدْمِنَ عَلَى صَغِيرَةٍ ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ ، وَالْوَجِيزِ ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ ، وَالْمُذْهَبِ ، وَالْمُسْتَوْعِبِ ، وَالْخُلَاصَةِ ، وَالنَّظْمِ ، وَقِيلَ : أَنْ لَا يَظْهَرَ مِنْهُ إلَّا الْخَيْرُ ، وَقِيلَ : أَنْ لَا يَتَكَرَّرَ مِنْهُ صَغِيرَةٌ ، وَقِيلَ : ثَلَاثًا ، وَقَطَعَ بِهِ فِي آدَابِ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ ، وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ : بِأَنْ لَا يُكْثِرَ مِنْ الصَّغَائِرِ ، وَلَا يُصِرَّ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهَا ، وَعَنْهُ : تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِكِذْبَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : اخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ . وَقَاسَ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ الصَّغَائِرِ ، وَهُوَ بَعِيدٌ ; لِأَنَّ الْكَذِبَ مَعْصِيَةٌ فِيمَا تَحْصُلُ بِهِ الشَّهَادَةُ ، وَهُوَ الْخَبَرُ ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ ، وَأَخَذَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ : أَنَّ الْكَذِبَ كَبِيرَةٌ ، وَجَعَلَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ : الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْكَذِبِ : وَأَوْرَدَ ذَلِكَ مَذْهَبًا ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ : وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَقَالَ أَيْضًا : وَلَعَلَّ الْخِلَافَ فِي الْكِذْبَةِ لِلتَّرَدُّدِ فِيهَا : هَلْ هِيَ كَبِيرَةٌ أَوْ صَغِيرَةٌ ؟ وَأَطْلَقَ فِي الْمُحَرَّرِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ بِالْكِذْبَةِ الْوَاحِدَةِ ، 46 وَظَاهِرُ الْكَافِي : أَنَّ الْعَدْلَ مَنْ رَجَحَ خَيْرُهُ وَلَمْ يَأْتِ كَبِيرَةً ; لِأَنَّ الصَّغَائِرَ تَقَعُ مُكَفَّرَةً أَوَّلًا فَأَوَّلًا ، فَلَا تَجْتَمِعُ ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَوْلَا الْإِجْمَاعُ لَقُلْنَا بِهِ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي الْعُمْدَةِ : أَنَّهُ عَدْلٌ وَلَوْ أَتَى كَبِيرَةً ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ : صَرَّحَ بِهِ فِي قِيَاسِ الشُّبْهَةِ ، وَعَنْهُ فِيمَنْ أَكَلَ الرِّبَا إنْ أَكْثَرَ لَمْ نُصَلِّ خَلْفَهُ ، قَالَ الْقَاضِي ، وَابْنُ عَقِيلٍ : فَاعْتَبَرَ الْكَثْرَةَ ، وَقَالَ فِي الْمُغْنِي : إنْ أَخَذَ صَدَقَةً مُحَرَّمَةً وَتَكَرَّرَ : رُدَّتْ شَهَادَتُهُ ، وَعَنْهُ فِيمَنْ وَرِثَ مَا أَخَذَهُ مَوْرُوثُهُ مِنْ الطَّرِيقِ هَذَا أَهْوَنُ ، لَيْسَ هُوَ أَخْرَجَهُ ، وَأَعْجَبُ إلَى أَنْ يَرُدَّهُ ، وَعَنْهُ أَيْضًا : لَا يَكُونُ عَدْلًا حَتَّى يَرُدَّ مَا أَخَذَ ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَنْ شَهِدَ عَلَى إقْرَارِ كَذِبٍ مَعَ عِلْمِهِ بِالْحَالِ " ، أَوْ تَكَرَّرَ نَظَرُهُ إلَى الْأَجْنَبِيَّاتِ وَالْقُعُودِ لَهُ بِلَا حَاجَةٍ شَرْعِيَّةٍ : قُدِحَ فِي عَدَالَتِهِ ، قَالَ : وَلَا يَسْتَرِيبُ أَحَدٌ فِيمَنْ صَلَّى مُحْدِثًا ، أَوْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ ، أَوْ بَعْدَ الْوَقْتِ ، أَوْ بِلَا قِرَاءَةٍ : أَنَّهُ كَبِيرَةٌ .
فَائِدَةٌ :
" الْكَبِيرَةُ " مَا فِيهِ حَدٌّ أَوْ وَعِيدٌ نَصَّ عَلَيْهِ ، وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ : هِيَ مَا فِيهِ حَدٌّ أَوْ وَعِيدٌ ، أَوْ غَضَبٌ أَوْ لَعْنَةٌ أَوْ نَفْيُ الْإِيمَانِ ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ ، وَالْغُنْيَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ : الْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ مِنْ الصَّغَائِرِ ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي مُعْتَمَدِهِ : مَعْنَى " الْكَبِيرَةِ " أَنَّ عِقَابَهَا أَعْظَمُ " وَالصَّغِيرَةُ " أَقَلُّ ، وَلَا يُعْلَمَانِ إلَّا بِتَوْقِيفٍ . وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : إنْ تَكَرَّرَتْ الصَّغَائِرُ مِنْ نَوْعٍ أَوْ أَنْوَاعٍ ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ : تَجْتَمِعُ وَتَكُونُ كَبِيرَةً ، 47 وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : لَا تَجْتَمِعُ ، وَهُوَ شَبِيهُ مَقَالَةِ الْمُعْتَزِلَةِ
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث