رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الثاني
الصفحة 1967 · ص. المطبوع 619 · الشرح
( قَوْلُهُ شَهِدُوا إلَخْ ) بَيَانُهُ مَا فِي اللُّبَابِ إذَا الْتَبَسَ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ فَوَقَفُوا بَعْدَ إكْمَالِ ذِي الْقَعْدَةِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ تَبَيَّنَ بِشَهَادَةٍ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ فَوُقُوفُهُمْ صَحِيحٌ وَحَجُّهُمْ تَامٌّ ، وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ . ا هـ . ( قَوْلُهُ حَتَّى الشُّهُودَ ) أَيْ حَجُّهُمْ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ النَّحْرِ ; حَتَّى لَوْ وَقَفُوا عَلَى رُؤْيَتِهِمْ لَمْ يَجُزْ وُقُوفُهُمْ وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُعِيدُوا الْوُقُوفَ مَعَ الْإِمَامِ ، وَإِنْ لَمْ يُعِيدُوا فَقَدْ فَاتَهُمْ الْحَجُّ وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُحِلُّوا بِالْعُمْرَةِ وَقَضَاءُ الْحَجِّ مِنْ قَابِلٍ كَمَا فِي اللُّبَابِ وَغَيْرِهِ ( قَوْلُهُ لِلْحَرَجِ الشَّدِيدِ ) بَيَانٌ لِوَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ أَيْ لِأَنَّ فِيهِ بَلْوَى عَامَّةً لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ وَالتَّدَارُكُ غَيْرُ مُمْكِنٍ ، وَفِي الْأَمْرِ بِالْإِعَادَةِ حَرَجٌ بَيِّنٌ فَوَجَبَ أَنْ يُكْتَفَى بِهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَفُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ لِأَنَّ التَّدَارُكَ مُمْكِنٌ فِي الْجُمْلَةِ بِأَنْ يَزُولَ الِاشْتِبَاهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ هِدَايَةٌ ( قَوْلُهُ وَقَبْلَهُ إلَخْ ) أَيْ وَلَوْ شَهِدُوا بَعْدَ الْوُقُوفِ بِوُقُوفِهِمْ قَبْلَ وَقْتِهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ ، وَقَوْلُهُ إنْ أَمْكَنَ التَّدَارُكُ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُمْ إذَا شَهِدُوا أَنَّ الْيَوْمَ الَّذِي وَقَفُوا فِيهِ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَلَا شَكَّ أَنَّ التَّدَارُكَ بِأَنْ يَقِفُوا يَوْمَ عَرَفَةَ مُمْكِنٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ كَمَالٍ . وَاعْتَرَضَ قَوْلَ الْهِدَايَةِ فِي الْجُمْلَةِ إلَخْ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ .
قُلْت : لَكِنَّ اعْتِرَاضَهُ سَاقِطٌ لِأَنَّ قَوْلَ الْهِدَايَةِ بِأَنْ يَزُولَ الِاشْتِبَاهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ إذَا شَهِدُوا يَوْمَ عَرَفَةَ وَزَالَ الِاشْتِبَاهُ بِشَهَادَتِهِمْ يُمْكِنُ تَدَارُكُ الْوُقُوفِ بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدُوا يَوْمَ النَّحْرِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّدَارُكُ ، فَلَمَّا أَمْكَنَ التَّدَارُكُ هُنَا فِي الْجُمْلَةِ أَيْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ بِأَنَّهُمْ وَقَفُوا بَعْدَ يَوْمِهِ فَإِنَّ التَّدَارُكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ أَصْلًا فَلِذَا لَمْ تُقْبَلْ ، وَمُقْتَضَى هَذَا الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّهُ إذَا شَهِدُوا بِالْوُقُوفِ قَبْلَ وَقْتِهِ أَنْ تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ التَّدَارُكُ لِأَنَّهُ لَمَّا أَمْكَنَ التَّدَارُكُ فِي بَعْضِ صُوَرِهَا صَارَ لِقَبُولِهَا مَحَلٌّ فَقُبِلَتْ مُطْلَقًا ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ بِالْوُقُوفِ بَعْدَ وَقْتِهِ فَإِنَّهُ حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ التَّدَارُكُ فِيهَا أَصْلًا لَمْ يَكُنْ لِقَبُولِهَا مَحَلٌّ . ثُمَّ رَأَيْت التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِقَاضِي خَانْ حَيْثُ قَالَ فِي تَوْجِيهِ الْقِيَاسِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى : وَلِهَذَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ وَقَفُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ لَا يُجْزِئُهُمْ إنْ لَمْ يَعْلَمُوا بِذَلِكَ إلَّا يَوْمَ النَّحْرِ . ا هـ . وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقِيَاسَ هُنَاكَ أَنْ تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ وَلَا يَصِحُّ الْحَجُّ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ التَّدَارُكُ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ إذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِوُقُوفِهِمْ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إلَّا يَوْمَ النَّحْرِ ، فَهَذَا صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَاهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ ظَهَرَ لَك أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ قُبِلَتْ إنْ أَمْكَنَ التَّدَارُكُ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ الشَّهَادَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ مَقْبُولَةٌ مُطْلَقًا ، نَعَمْ ذَكَرُوا هَذَا التَّقْيِيدَ فِي مَسْأَلَةٍ ثَالِثَةٍ . قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَقَدْ بَقِيَ هُنَا مَسْأَلَةٌ ثَالِثَةٌ ، وَهِيَ مَا إذَا شَهِدُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَالنَّاسُ بِمِنًى أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ يُنْظَرُ فَإِنْ أَمْكَنَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ مَعَ النَّاسِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ نَهَارًا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الْوُقُوفِ 619 فَإِنْ لَمْ يَقِفُوا عَشِيَّةً فَاتَهُمْ الْحَجُّ ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَقِفَ مَعَهُمْ لَيْلًا لَا نَهَارًا فَكَذَلِكَ اسْتِحْسَانًا ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَقِفَ لَيْلًا مَعَ أَكْثَرِهِمْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يَقِفُوا مِنْ الْغَدِ اسْتِحْسَانًا ، وَالشُّهُودُ فِي هَذَا كَغَيْرِهِمْ كَمَا قَدَّمْنَاهُ . وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ : وَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْبَلَ فِي هَذَا شَهَادَةَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ا هـ . فَإِنْ قُلْت : فَهَلْ يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَصْحِيحًا لِكَلَامِهِ . قُلْت : يُمْكِنُ بِتَكَلُّفٍ ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ وَقَبْلَهُ ظَرْفًا لَشَهِدُوا لَا لِوُقُوفِهِمْ وَيُجْعَلَ الْمَشْهُودُ بِهِ مَحْذُوفًا ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ : وَلَوْ شَهِدُوا قَبْلَ وُقُوفِهِمْ بِأَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ قُبِلَتْ إنْ أَمْكَنَ التَّدَارُكُ إلَخْ . وَاقْتَصَرَ الشَّارِحُ عَلَى إمْكَانِ التَّدَارُكِ لَيْلًا لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ إمْكَانِهِ نَهَارًا يُفْهِمُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ بِالْأَوْلَى ; فَافْهَمْ وَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ الْمُفْرَدَ .
[ تَتِمَّةٌ ] قَالَ فِي اللُّبَابِ : وَلَا عِبْرَةَ بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ فَيَلْزَمُ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ الْمَغْرِبِ أَهْلَ الْمَشْرِقِ ; وَإِذَا ثَبَتَ فِي مِصْرٍ لَزِمَ سَائِرَ النَّاسِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بَلَدٍ مَطْلَعُ بَلَدِهِمْ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ كَثِيرَةٌ وَقُدِّرَ الْكَثِيرُ بِالشَّهْرِ . ا هـ . وَقَدَّمْنَا تَمَامَ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي الصَّوْمِ ; وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ هُنَا اعْتِبَارُ اخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ لِمَا عَلِمْته مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ تَأَمَّلْ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث