رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الثالث
( قَوْلُهُ أَيْ فِي ثُبُوتِ مَهْرِ الْمِثْلِ ) أَشَارَ إلَى أَنَّ ضَمِيرَ فِيهِ عَائِدٌ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ وَهُوَ ثُبُوتٌ ( قَوْلُهُ لِمَا ذُكِرَ ) عِلَّةٌ لِثُبُوتِ مَهْرِ الْمِثْلِ ، وَالْمُرَادُ بِمَا ذُكِرَ الْمُمَاثَلَةُ سِنًّا وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ ، وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى الْأَمْرَيْنِ : الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ مَهْرَ الْأُولَى كَانَ كَذَا ح . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِمَا ذُكِرَ ، فَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ : أَيْ لِثُبُوتِهِ بِسَبَبِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْأَوْصَافِ ( قَوْلُهُ شُهُودٌ عُدُولٌ ) أَشَارَ إلَى اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ مَعَ الْعَدَدِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إثْبَاتُ الْمَالِ وَالشَّرْطُ فِيهِ ذَلِكَ ( قَوْلُهُ فَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ الَّتِي تَدَّعِيهَا الْمَرْأَةُ ( قَوْلُهُ وَمَا فِي الْمُحِيطِ إلَخْ ) جَوَابٌ عَمَّا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ مَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْمُنْتَقَى ، وَهُوَ مَا مَرَّ مِنْ اشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَبَيْنَ مَا فِي الْمُحِيطِ حَيْثُ قَالَ : فَإِنْ فَرَضَ الْقَاضِي أَوْ الزَّوْجُ بَعْدَ الْعَقْدِ جَازَ ، لِأَنَّهُ يَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى التَّقْدِيرِ لِمَا وَجَبَ بِالْعَقْدِ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ زَادَ أَوْ نَقَصَ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْوَاجِبِ صَحِيحَةٌ وَالْحَطُّ عَنْهُ جَائِزٌ ا هـ .
وَوَجْهُ الْمُخَالَفَةِ أَنَّ ظَاهِرَ مَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْقَضَاءُ بِمَهْرٍ بِدُونِ الشَّهَادَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ مِنْ الزَّوْجِ . وَأَجَابَ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ مَا فِي الْمُحِيطِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا رَضِيَا بِذَلِكَ وَإِلَّا فَالزِّيَادَةُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ عِنْدَ إبَائِهِ وَالنَّقْصُ عَنْهُ عِنْدَ إبَائِهَا لَا يَجُوزُ . ا هـ .
أَقُولُ : قَدَّمْنَا عَنْ الْبَدَائِعِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ : وَمَا فُرِضَ بَعْدَ الْعَقْدِ أَوْ زِيدَ لَا يُنَصَّفُ أَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ يَجِبُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ طَلَبَتْ الْفَرْضَ مِنْ الزَّوْجِ يَلْزَمُهُ ، وَلَوْ امْتَنَعَ يُجْبِرُهُ الْقَاضِي عَلَيْهِ ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ نَابَ مَنَابَهُ فِي الْفَرْضِ ا هـ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ فَرْضُ مَهْرِ الْمِثْلِ وَإِنْ فَرَضَ الْقَاضِي عِنْدَ عَدَمِ التَّرَاضِي ، فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ مَا فِي الْمُحِيطِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ . وَأَمَّا قَوْلُ الْمُحِيطِ زَادَ أَوْ نَقَصَ إلَخْ فَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى صُورَةِ فَرْضِ الزَّوْجِ إذَا رَضِيَتْ بِهَا . وَبَيَانُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ تَنْدَفِعُ بِهِ الْمُخَالَفَةُ أَنَّك قَدْ عَلِمْت أَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ إنَّمَا يَجِبُ بِالنَّظَرِ إلَى مَنْ يُسَاوِيهَا مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا ، وَقَدْ عَلِمْت أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْ بِلَا مَهْرٍ وَطَلَبَتْ مِنْ الزَّوْجِ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا فَامْتَنَعَ وَرَافَعَتْهُ إلَى الْقَاضِي وَأَتَتْ بِشَاهِدَيْنِ شَهِدَا بِأَنَّ فُلَانَةَ مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا تُسَاوِيهَا فِي الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَأَنَّهَا تَزَوَّجَتْ بِكَذَا يَحْكُمُ لَهَا الْقَاضِي بِمِثْلِ مَهْرِ فُلَانَةَ الْمَذْكُورَةِ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ عِنْدَ فَرْضِ الزَّوْجِ بِالتَّرَاضِي كَمَا قُلْنَا .
وَإِذَا كَانَ فَرْضُ الْقَاضِي مَبْنِيًّا عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ الشَّهَادَةِ الْمَذْكُورَةِ تَنْدَفِعُ الْمُخَالَفَةُ الَّتِي ادَّعَاهَا فِي الْبَحْرِ لِأَنَّهُ لَا مُسَوِّغَ لِحَمْلِ مَا فِي الْمُحِيطِ ، عَلَى أَنَّ الْقَاضِي يَفْرِضُ لَهَا مَهْرًا بِرَأْيِهِ وَيُلْزِمُ أَحَدَهُمَا بِالزِّيَادَةِ أَوْ النَّقْصِ بِلَا رِضَاهُ مَعَ إمْكَانِ الْمَصِيرِ إلَى الْوَاجِبِ لَهَا شَرْعًا عِنْدَ وُجُودِ مَنْ يُسَاوِيهَا فِي الصِّفَاتِ مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ حَمْلَ كَلَامِ الْمُحِيطِ عَلَى حُكْمِ الْقَاضِي عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ مَنْ يُسَاوِيهَا مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا وَمِنْ الْأَجَانِبِ فَلَا يُخَالِفُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْمُنْتَقَى أَيْضًا لِأَنَّ كَلَامَهُمَا فِي مَهْرِ الْمِثْلِ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْمُمَاثِلِ ، فَيَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ عَلَى الشَّهَادَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ . أَمَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمُمَاثِلِ يَكُونُ تَقْدِيرًا لِمَهْرِ الْمِثْلِ جَارِيًا مَجْرَاهُ لَا عَيْنَهُ ، فَيَنْظُرُ فِيهِ الْقَاضِي نَظَرَ تَأَمُّلٍ وَاجْتِهَادٍ ، فَيَحْكُمُ بِهِ بِدُونِ شُهُودٍ وَإِقْرَارٍ مِنْ الزَّوْجِ ، فَمَوْضُوعُ الْكَلَامَيْنِ مُخْتَلِفٌ كَمَا لَا يَخْفَى . وَعَلَى هَذَا لَا يَتَأَتَّى أَيْضًا فِيهِ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ 140 إذْ لَا يُمْكِنُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْمُمَاثِلِ ، وَلَكِنَّ حَمْلَ كَلَامِ الْمُحِيطِ عَلَى مَا ذُكِرَ يُنَافِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ الْحُكْمُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ ، وَكَذَا مَا نَذْكُرُهُ قَرِيبًا عَنْ الصَّيْرَفِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ عَدَمُ الْمُمَاثِلِ لَا يُعْطَى لَهَا شَيْءٌ ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى حَالَةِ التَّرَاضِي ، لِمَا عَلِمْت مِنْ كَلَامِ الْبَدَائِعِ وَلِأَنَّهُ عِنْدَ وُجُودِ التَّرَاضِي يُسْتَغْنَى عَنْ التَّرَافُعِ إلَى الْقَاضِي وَعِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ الشَّاهِدَيْنِ ، فَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ بِيَمِينِهِ كَمَا مَرَّ وَيَأْتِي فَيَحْكُمُ لَهَا الْقَاضِي بِمَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
( قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ) أَيْ مَنْ يُمَاثِلُهَا فِي الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا بَحْرٌ ، وَمُقْتَضَاهُ الِاكْتِفَاءُ بِبَعْضِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ ; وَبِهِ صَرَّحَ فِي الِاخْتِيَارِ بِقَوْلِهِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ كُلُّهُ فَاَلَّذِي يُوجَدُ مِنْهُ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ اجْتِمَاعُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ فِي امْرَأَتَيْنِ ; فَيُعْتَبَرُ بِالْمَوْجُودِ مِنْهَا لِأَنَّهَا مِثْلُهَا . ا هـ . وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ مَالِكٍ وَغُرَرُ الْأَذْكَارِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُلْتَقَى .
قُلْت : وَلَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ اتِّفَاقُ الْمُتُونِ عَلَى ذِكْرِ مُعْظَمِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ وَتَصْرِيحُ الْهِدَايَةِ بِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ وَكَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الدَّارِ وَالْعَصْرِ ا هـ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الرَّغْبَةَ فِي الْبِكْرِ الشَّابَّةِ الْجَمِيلَةِ الْغَنِيَّةِ أَكْثَرُ مِنْ الثَّيِّبِ الْعَجُوزِ الشَّوْهَاءِ الْفَقِيرَةِ وَإِنْ تَسَاوَتَا فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ وَالْعِلْمِ وَالْأَدَبِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَوْصَافِ ; فَكَيْفَ يُقَدَّرُ مَهْرُ إحْدَاهُمَا بِمَهْرِ الْأُخْرَى مَعَ هَذَا التَّفَاوُتِ ; وَقَوْلُهُمْ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ اجْتِمَاعُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ فِي امْرَأَتَيْنِ مُسَلَّمٌ لَوْ الْتَزَمْنَا اعْتِبَارَهَا فِي قَوْمِ الْأَبِ فَقَطْ .
أَمَّا عِنْدَ اعْتِبَارِهَا مِنْ الْأَجَانِبِ أَيْضًا فَلَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ عَدَمُ الْوُجُودِ يَكُونُ الْقَوْلُ لِلزَّوْجِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدُ وَإِنْ امْتَنَعَ يُرْفَعُ الْأَمْرُ لِلْقَاضِي لِيُقَدِّرَ لَهَا مَهْرًا عَلَى مَا مَرَّ ; لَكِنْ فِي الْبَحْرِ عَنْ الصَّيْرَفِيَّةِ : مَاتَ فِي غُرْبَةٍ وَخَلَّفَ زَوْجَتَيْنِ غَرِيبَتَيْنِ تَدَّعِيَانِ الْمَهْرَ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا وَلَيْسَ لَهَا أَخَوَاتٌ فِي الْغُرْبَةِ قَالَ يُحْكَمُ بِجَمَالِهِمَا بِكَمْ يُنْكَحُ مِثْلُهُمَا ؟ قِيلَ لَهُ يَخْتَلِفُ بِالْبُلْدَانِ قَالَ إنْ وُجِدَ فِي بَلَدِهِمَا يُسْأَلُ وَإِلَّا فَلَا يُعْطَى لَهُمَا شَيْءٌ ا هـ أَيْ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْحَلِفِ بَعْدَ الْمَوْتِ لَكِنْ فِيهِ أَنَّ وَرَثَةَ الزَّوْجِ تَقُومُ مَقَامَهُ فَتَأَمَّلْ .
[ تَنْبِيهٌ ] جَرَى الْعُرْفُ فِي كَثِيرٍ مِنْ قُرَى دِمَشْقَ بِتَقْدِيرِ الْمَهْرِ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ لِجَمِيعِ نِسَاءِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ بِلَا تَفَاوُتٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ السُّكُوتِ عَنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَذْكُورِ الْمُسَمَّى وَقْتَ الْعَقْدِ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ كَالْمَشْرُوطِ ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُسْأَلُ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
وَوَجْهُ الْمُخَالَفَةِ أَنَّ ظَاهِرَ مَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْقَضَاءُ بِمَهْرٍ بِدُونِ الشَّهَادَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ مِنْ الزَّوْجِ . وَأَجَابَ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ مَا فِي الْمُحِيطِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا رَضِيَا بِذَلِكَ وَإِلَّا فَالزِّيَادَةُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ عِنْدَ إبَائِهِ وَالنَّقْصُ عَنْهُ عِنْدَ إبَائِهَا لَا يَجُوزُ . ا هـ .
أَقُولُ : قَدَّمْنَا عَنْ الْبَدَائِعِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ : وَمَا فُرِضَ بَعْدَ الْعَقْدِ أَوْ زِيدَ لَا يُنَصَّفُ أَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ يَجِبُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ طَلَبَتْ الْفَرْضَ مِنْ الزَّوْجِ يَلْزَمُهُ ، وَلَوْ امْتَنَعَ يُجْبِرُهُ الْقَاضِي عَلَيْهِ ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ نَابَ مَنَابَهُ فِي الْفَرْضِ ا هـ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ فَرْضُ مَهْرِ الْمِثْلِ وَإِنْ فَرَضَ الْقَاضِي عِنْدَ عَدَمِ التَّرَاضِي ، فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ مَا فِي الْمُحِيطِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ . وَأَمَّا قَوْلُ الْمُحِيطِ زَادَ أَوْ نَقَصَ إلَخْ فَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى صُورَةِ فَرْضِ الزَّوْجِ إذَا رَضِيَتْ بِهَا . وَبَيَانُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ تَنْدَفِعُ بِهِ الْمُخَالَفَةُ أَنَّك قَدْ عَلِمْت أَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ إنَّمَا يَجِبُ بِالنَّظَرِ إلَى مَنْ يُسَاوِيهَا مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا ، وَقَدْ عَلِمْت أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْ بِلَا مَهْرٍ وَطَلَبَتْ مِنْ الزَّوْجِ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا فَامْتَنَعَ وَرَافَعَتْهُ إلَى الْقَاضِي وَأَتَتْ بِشَاهِدَيْنِ شَهِدَا بِأَنَّ فُلَانَةَ مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا تُسَاوِيهَا فِي الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَأَنَّهَا تَزَوَّجَتْ بِكَذَا يَحْكُمُ لَهَا الْقَاضِي بِمِثْلِ مَهْرِ فُلَانَةَ الْمَذْكُورَةِ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ عِنْدَ فَرْضِ الزَّوْجِ بِالتَّرَاضِي كَمَا قُلْنَا .
وَإِذَا كَانَ فَرْضُ الْقَاضِي مَبْنِيًّا عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ الشَّهَادَةِ الْمَذْكُورَةِ تَنْدَفِعُ الْمُخَالَفَةُ الَّتِي ادَّعَاهَا فِي الْبَحْرِ لِأَنَّهُ لَا مُسَوِّغَ لِحَمْلِ مَا فِي الْمُحِيطِ ، عَلَى أَنَّ الْقَاضِي يَفْرِضُ لَهَا مَهْرًا بِرَأْيِهِ وَيُلْزِمُ أَحَدَهُمَا بِالزِّيَادَةِ أَوْ النَّقْصِ بِلَا رِضَاهُ مَعَ إمْكَانِ الْمَصِيرِ إلَى الْوَاجِبِ لَهَا شَرْعًا عِنْدَ وُجُودِ مَنْ يُسَاوِيهَا فِي الصِّفَاتِ مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ حَمْلَ كَلَامِ الْمُحِيطِ عَلَى حُكْمِ الْقَاضِي عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ مَنْ يُسَاوِيهَا مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا وَمِنْ الْأَجَانِبِ فَلَا يُخَالِفُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْمُنْتَقَى أَيْضًا لِأَنَّ كَلَامَهُمَا فِي مَهْرِ الْمِثْلِ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْمُمَاثِلِ ، فَيَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ عَلَى الشَّهَادَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ . أَمَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمُمَاثِلِ يَكُونُ تَقْدِيرًا لِمَهْرِ الْمِثْلِ جَارِيًا مَجْرَاهُ لَا عَيْنَهُ ، فَيَنْظُرُ فِيهِ الْقَاضِي نَظَرَ تَأَمُّلٍ وَاجْتِهَادٍ ، فَيَحْكُمُ بِهِ بِدُونِ شُهُودٍ وَإِقْرَارٍ مِنْ الزَّوْجِ ، فَمَوْضُوعُ الْكَلَامَيْنِ مُخْتَلِفٌ كَمَا لَا يَخْفَى . وَعَلَى هَذَا لَا يَتَأَتَّى أَيْضًا فِيهِ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ 140 إذْ لَا يُمْكِنُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْمُمَاثِلِ ، وَلَكِنَّ حَمْلَ كَلَامِ الْمُحِيطِ عَلَى مَا ذُكِرَ يُنَافِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ الْحُكْمُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ ، وَكَذَا مَا نَذْكُرُهُ قَرِيبًا عَنْ الصَّيْرَفِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ عَدَمُ الْمُمَاثِلِ لَا يُعْطَى لَهَا شَيْءٌ ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى حَالَةِ التَّرَاضِي ، لِمَا عَلِمْت مِنْ كَلَامِ الْبَدَائِعِ وَلِأَنَّهُ عِنْدَ وُجُودِ التَّرَاضِي يُسْتَغْنَى عَنْ التَّرَافُعِ إلَى الْقَاضِي وَعِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ الشَّاهِدَيْنِ ، فَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ بِيَمِينِهِ كَمَا مَرَّ وَيَأْتِي فَيَحْكُمُ لَهَا الْقَاضِي بِمَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
( قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ) أَيْ مَنْ يُمَاثِلُهَا فِي الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا بَحْرٌ ، وَمُقْتَضَاهُ الِاكْتِفَاءُ بِبَعْضِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ ; وَبِهِ صَرَّحَ فِي الِاخْتِيَارِ بِقَوْلِهِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ كُلُّهُ فَاَلَّذِي يُوجَدُ مِنْهُ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ اجْتِمَاعُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ فِي امْرَأَتَيْنِ ; فَيُعْتَبَرُ بِالْمَوْجُودِ مِنْهَا لِأَنَّهَا مِثْلُهَا . ا هـ . وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ مَالِكٍ وَغُرَرُ الْأَذْكَارِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُلْتَقَى .
قُلْت : وَلَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ اتِّفَاقُ الْمُتُونِ عَلَى ذِكْرِ مُعْظَمِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ وَتَصْرِيحُ الْهِدَايَةِ بِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ وَكَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الدَّارِ وَالْعَصْرِ ا هـ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الرَّغْبَةَ فِي الْبِكْرِ الشَّابَّةِ الْجَمِيلَةِ الْغَنِيَّةِ أَكْثَرُ مِنْ الثَّيِّبِ الْعَجُوزِ الشَّوْهَاءِ الْفَقِيرَةِ وَإِنْ تَسَاوَتَا فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ وَالْعِلْمِ وَالْأَدَبِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَوْصَافِ ; فَكَيْفَ يُقَدَّرُ مَهْرُ إحْدَاهُمَا بِمَهْرِ الْأُخْرَى مَعَ هَذَا التَّفَاوُتِ ; وَقَوْلُهُمْ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ اجْتِمَاعُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ فِي امْرَأَتَيْنِ مُسَلَّمٌ لَوْ الْتَزَمْنَا اعْتِبَارَهَا فِي قَوْمِ الْأَبِ فَقَطْ .
أَمَّا عِنْدَ اعْتِبَارِهَا مِنْ الْأَجَانِبِ أَيْضًا فَلَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ عَدَمُ الْوُجُودِ يَكُونُ الْقَوْلُ لِلزَّوْجِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدُ وَإِنْ امْتَنَعَ يُرْفَعُ الْأَمْرُ لِلْقَاضِي لِيُقَدِّرَ لَهَا مَهْرًا عَلَى مَا مَرَّ ; لَكِنْ فِي الْبَحْرِ عَنْ الصَّيْرَفِيَّةِ : مَاتَ فِي غُرْبَةٍ وَخَلَّفَ زَوْجَتَيْنِ غَرِيبَتَيْنِ تَدَّعِيَانِ الْمَهْرَ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا وَلَيْسَ لَهَا أَخَوَاتٌ فِي الْغُرْبَةِ قَالَ يُحْكَمُ بِجَمَالِهِمَا بِكَمْ يُنْكَحُ مِثْلُهُمَا ؟ قِيلَ لَهُ يَخْتَلِفُ بِالْبُلْدَانِ قَالَ إنْ وُجِدَ فِي بَلَدِهِمَا يُسْأَلُ وَإِلَّا فَلَا يُعْطَى لَهُمَا شَيْءٌ ا هـ أَيْ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْحَلِفِ بَعْدَ الْمَوْتِ لَكِنْ فِيهِ أَنَّ وَرَثَةَ الزَّوْجِ تَقُومُ مَقَامَهُ فَتَأَمَّلْ .
[ تَنْبِيهٌ ] جَرَى الْعُرْفُ فِي كَثِيرٍ مِنْ قُرَى دِمَشْقَ بِتَقْدِيرِ الْمَهْرِ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ لِجَمِيعِ نِسَاءِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ بِلَا تَفَاوُتٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ السُّكُوتِ عَنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَذْكُورِ الْمُسَمَّى وَقْتَ الْعَقْدِ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ كَالْمَشْرُوطِ ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُسْأَلُ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث