رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الثالث
الصفحة 2187 · ص. المطبوع 142 · الشرح
( قَوْلُهُ بِمَهْرِ ابْنِهِ ) أَيْ مَهْرِ زَوْجَةِ ابْنِهِ أَوْ الْمَهْرِ الْوَاجِبِ عَلَى ابْنِهِ ( قَوْلُهُ إذَا زَوَّجَهُ امْرَأَةً ) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ وَلَا يُطَالِبُ الْأَبَ إلَخْ لِأَنَّ الْمَهْرَ مَالٌ يَلْزَمُهُ ذِمَّةُ الزَّوْجِ وَلَا يَلْزَمُ الْأَبَ بِالْعَقْدِ ، إذْ لَوْ لَزِمَهُ لِمَا أَفَادَ الضَّمَانُ شَيْئًا بَحْرٌ ( قَوْلُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ ) مُقَابَلَةُ مَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالتَّتِمَّةِ أَنَّ لَهَا مُطَالَبَةَ أَبِي الصَّغِيرِ ضَمِنَ أَوْ لَمْ يَضْمَنْ . قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَالْمَذْكُورُ فِي الْمَنْظُومَةِ أَنَّ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَنَحْنُ نُخَالِفُهُ : ثُمَّ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَهَذَا هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ .
قُلْت : وَمِثْلُ مَا فِي الْمَنْظُومَةِ فِي الْمَجْمَعِ وَدُرَرِ الْبِحَارِ وَشُرُوحِهِمَا . وَفِي مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ : لَوْ زَوَّجَ طِفْلَهُ الْفَقِيرَ لَا يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ عِنْدَنَا . وَأَجَابَ فِي الْبَحْرِ عَمَّا ذَكَرَهُ شَارِحُ الطَّحَاوِيِّ بِحَمْلِهِ عَلَى مَا إذَا كَانَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ ، بِدَلِيلِ 142 أَنَّهُ فِي الْمِعْرَاجِ ذَكَرَ مَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْمَهْرَ لَا يَلْزَمُ أَبَا الْفَقِيرِ بِلَا ضَمَانٍ ، فَتَعَيَّنَ كَوْنُ الْأَوَّلِ فِي الْغِنَى .
قُلْت : وَأَصْرَحُ مِنْ هَذَا مَا فِي الْعِنَايَةِ حَيْثُ قَالَ نَاقِلًا عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ : إنَّ الْأَبَ إذَا زَوَّجَ الصَّغِيرَ امْرَأَةً فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَطْلُبَ الْمَهْرَ مِنْ أَبِي الزَّوْجِ ، فَيُؤَدِّيَ الْأَبُ مِنْ مَالِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ إلَخْ . وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ الشَّارِحِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لَا مَحَلَّ لَهُ ( قَوْلُهُ كَمَا فِي النَّفَقَةِ ) أَيْ أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ أَبُو الصَّغِيرُ بِالنَّفَقَةِ إلَّا إذَا ضَمِنَ ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمِنَحِ عَنْ الْخُلَاصَةِ .
وَفِي الْخَانِيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً وَلَيْسَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ لَا تَجِبُ عَلَى الْأَبِ نَفَقَتُهَا وَيَسْتَدِينُ الْأَبُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الِابْنِ إذَا أَيْسَرَ ا هـ .
وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ : فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لَا مَالَ لَهُ لَمْ يُؤَاخَذْ أَبُوهُ بِنَفَقَةِ زَوْجَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَمِنَهَا . ا هـ . وَمِثْلُهُ فِي الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِ .
قُلْت : وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ فِي بَابِ النَّفَقَةِ فِي الْفُرُوعِ حَيْثُ قَالَ وَفِي الْمُخْتَارِ وَالْمُلْتَقَى ، وَنَفَقَةُ زَوْجَةِ الِابْنِ عَلَى أَبِيهِ إنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ فَقِيرًا أَوْ زَمِنًا . ا هـ . اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا سَيَأْتِي عَلَى أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْإِنْفَاقِ لِيَرْجِعَ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَى الِابْنِ إذَا أَيْسَرَ ، كَمَا لَوْ قَالُوا الِابْنُ الْمُوسِرُ إذَا كَانَتْ أُمُّهُ وَزَوْجُهَا مُعْسِرَيْنِ يُؤْمَرُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى أُمِّهِ وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى زَوْجِهَا إذَا أَيْسَرَ ، وَيُؤَيِّدُهُ عِبَارَةُ الْخَانِيَّةِ الْمَذْكُورَةُ فَلْيُتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ وَلَا رُجُوعَ لِلْأَبِ إلَخْ ) أَيْ لَوْ أَدَّى الْأَبُ الْمَهْرَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ ، قِيلَ لِأَنَّ الْكَفِيلَ لَا رُجُوعَ لَهُ إلَّا بِالْأَمْرِ وَلَمْ يُوجَدْ ، لَكِنْ قَدَّمْنَا أَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى كَفَالَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْأَمْرِ لِثُبُوتِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ . وَلِهَذَا لَوْ ضَمِنَهُ أَجْنَبِيٌّ بِإِذْنِ الْأَبِ يَرْجِعُ ، فَكَذَا الْأَبُ ، نَعَمْ ذَكَرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ رُجُوعَ الْأَبِ لِمَا ذُكِرَ . وَفِي الِاسْتِحْسَانِ : لَا رُجُوعَ لَهُ لِتَحَمُّلِهِ عَنْهُ عَادَةً بِلَا طَمَعٍ فِي الرُّجُوعِ وَالثَّابِتُ بِالْعُرْفِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ إلَّا إذَا شَرَطَ الرُّجُوعَ فِي أَصْلِ الضَّمَانِ فَيَرْجِعُ لِأَنَّ الصَّرِيحَ يَفُوقُ الدَّلَالَةَ أَعْنِي الْعُرْفَ ، بِخِلَافِ الْوَصِيِّ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ لِعَدَمِ الْعَادَةِ فِي تَبَرُّعِهِ ، فَصَارَ كَبَقِيَّةِ الْأَبِ . ا هـ . فَعَدَمُ الرُّجُوعِ بِلَا إشْهَادٍ مَخْصُوصٌ بِالْأَبِ ، وَمُقْتَضَى هَذَا رُجُوعُ الْأُمِّ أَيْضًا حَيْثُ لَا عُرْفَ إذَا كَانَتْ وَصِيَّةً وَكَفَلَتْهُ ، أَمَّا بِدُونِ ذَلِكَ فَقَدْ صَارَ حَادِثَةَ الْفَتْوَى فِي صَبِيٍّ زَوَّجَهُ وَلِيُّهُ وَدَفَعَتْ أُمُّهُ عَنْهُ الْمَهْرَ وَهِيَ غَيْرُ وَصِيٍّ عَلَيْهِ ثُمَّ بَلَغَ فَأَرَادَتْ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ . وَيَنْبَغِي فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ عَدَمُ الرُّجُوعِ لِإِيفَائِهَا دَيْنَ الصَّبِيِّ بِلَا إذْنٍ وَلَا وِلَايَةٍ ، لَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ الْآتِي مِنْ اشْتِرَاطِ الْإِشْهَادِ فِي غَيْرِ الْأَبِ تَأَمَّلْ . وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ إذَا أَشْهَدَ أَيْ الْأَبُ عِنْدَ الْأَدَاءِ أَنَّهُ أَدَّى لِيَرْجِعَ رَجَعَ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ عِنْدَ الضَّمَانِ . ا هـ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِشْهَادَ عِنْدَ الضَّمَانِ أَوْ الْأَدَاءِ شَرْطُ الرُّجُوعِ كَمَا فِي الْبَحْرِ . وَقَيَّدَهُ فِي الْفَتْحِ بِمَا إذَا كَانَ الصَّغِيرُ فَقِيرًا وَاعْتِرَاضُهُ فِي النَّهْرِ بِمَا مَرَّ مِنْ غَايَةِ الْبَيَانِ أَيْ مِنْ حَيْثُ مُطْلَقُ عُمُومِ التَّعْلِيلِ بِالْعُرْفِ .
وَقَدْ يُقَالُ : إنَّ مَا فِي الْفَتْحِ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ اطِّرَادِ الْعُرْفِ إذَا كَانَ الصَّغِيرُ غَنِيًّا فَلَهُ الرُّجُوعُ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ وَلَا سِيَّمَا لَوْ كَانَ الْأَبُ فَقِيرًا فَتَأَمَّلْ .
وَبَقِيَ مَا لَوْ دَفَعَ بِلَا ضَمَانٍ ، وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ بِالْعَادَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ ، فَيَرْجِعُ إنْ أَشْهَدَ وَإِلَّا لَا وَسَيَذْكُرُ الشَّارِحُ فِي آخِرِ بَابِ الْوَصِيِّ . وَلَوْ اشْتَرَى لِطِفْلِهِ ثَوْبًا أَوْ طَعَامًا وَأَشْهَدَ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ يَرْجِعُ بِهِ لَوْ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا لَا لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ ح . وَمِثْلُهُ 143 لَوْ اشْتَرَى لَهُ دَارًا أَوْ عَبْدًا يَرْجِعُ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ لَا ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ لَا يَرْجِعُ كَذَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ حَسَنٌ يَجِبُ حِفْظُهُ . ا هـ . قُلْت وَحَاصِلُهُ الْفَرْقُ بَيْنَ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا فَفِي غَيْرِهِمَا لَا يَرْجِعُ إلَّا إذَا أَشْهَدَ سَوَاءٌ كَانَ الصَّغِيرُ فَقِيرًا أَوْ لَا ، وَكَذَا فِيهِمَا إنْ كَانَ الصَّغِيرُ غَنِيًّا . أَمَّا لَوْ فَقِيرًا فَلَا رُجُوعَ لَهُ وَإِنْ أَشْهَدَ لِوُجُوبِهِمَا عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ نَحْوِ الدَّارِ وَالْعَبْدِ وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْمَهْرَ بِلَا ضَمَانٍ كَالدَّارِ وَالْعَبْدِ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ ; فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ إنْ أَشْهَدَ وَلَوْ فَقِيرًا ، وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا فِي النَّهْرِ فَتَدَبَّرْ .
هَذَا وَسَنَذْكُرُ هُنَاكَ اخْتِلَافَ الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ الْوَصِيَّ لَوْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ عَلَى قَصْدِ الرُّجُوعِ هَلْ يُشْتَرَطُ الْإِشْهَادُ أَمْ لَا وَالِاسْتِحْسَانُ الْأَوَّلُ . وَعَلَيْهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَبِ ، فَمَا مَرَّ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ قَوْلِهِ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
وَشَمِلَ الرُّجُوعُ بَعْدَ الْإِشْهَادِ مَا لَوْ أَدَّى بَعْدَ بُلُوغِ الِابْنِ كَمَا فِي الْفَيْضِ . وَفِيهِ أَنَّ هَذَا : أَيْ اشْتِرَاطَ الْإِشْهَادِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّبِيِّ دَيْنٌ عَلَى أَبِيهِ ، فَلَوْ عَلَى الْأَبِ دَيْنٌ لَهُ فَأَدَّى مَهْرَ امْرَأَتِهِ وَلَمْ يُشْهِدْ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ أَدَّاهُ مِنْ دَيْنِهِ الَّذِي عَلَيْهِ صُدِّقَ ، وَلَوْ كَانَ الِابْنُ كَبِيرًا فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْأَدَاءَ بِلَا أَمْرِهِ . ا هـ .
[ تَنْبِيهٌ ] اشْتِرَاطُ الْإِشْهَادِ لِرُجُوعِ الْأَبِ لَا يُنَافِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ ، مِنْ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ وَأَخَذَتْ الزَّوْجَةُ مَهْرَهَا مِنْ تَرِكَتِهِ فَلِبَاقِي الْوَرَثَةِ الرُّجُوعُ فِي نَصِيبِ الصَّغِيرِ ، لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهُ صَارَ كَفِيلًا بِالْأَمْرِ دَلَالَةً وَالْكَفِيلُ بِأَمْرِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ يَرْجِعُ بِمَا أَدَّى ، وَإِنَّمَا لَمْ يَرْجِعْ لَوْ أَدَّى بِنَفْسِهِ بِلَا إشْهَادٍ لِلْعَادَةِ بِأَنَّهُ يُؤَدِّي تَبَرُّعًا . أَمَّا إذَا لَمْ يَدْفَعْ بِنَفْسِهِ وَأَخَذَتْ الزَّوْجَةُ مِنْ تَرِكَتِهِ لَمْ يُوجَدْ التَّبَرُّعُ مِنْهُ ، فَلِذَا يَرْجِعُ بَاقِي الْوَرَثَةِ فِي نَصِيبِ الصَّغِيرِ مِنْ التَّرِكَةِ .
[ فَرْعٌ ] فِي الْفَيْضِ : وَلَوْ أَعْطَى ضَيْعَةً بِمَهْرِ امْرَأَةِ ابْنِهِ وَلَمْ تَقْبِضْهَا حَتَّى مَاتَ الْأَبُ فَبَاعَتْهَا الْمَرْأَةُ لَمْ يَصِحَّ إلَّا إذَا ضَمِنَ الْأَبُ الْمَهْرَ ثُمَّ أَعْطَى الضَّيْعَةَ بِهِ فَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ إلَى الْقَبْضِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث