رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الثالث
الصفحة 2539 · ص. المطبوع 355 · الشرح
مَطْلَبٌ زَوَالُ الْمِلْكِ لَا يُبْطِلُ الْيَمِينَ
( قَوْلُهُ وَزَوَالُ الْمِلْكِ لَا يُبْطِلُ الْيَمِينَ ) أَيْ زَوَالُهُ بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ كَمَا فِي الْفَتْحِ ، وَأَطْلَقَهُ اكْتِفَاءً بِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ التَّعْلِيقَ يَبْطُلُ بِزَوَالِ الْحِلِّ : أَيْ بِتَنْجِيزِ الثَّلَاثِ ، نَعَمْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ مَعَ اللِّحَاقِ خِلَافًا لَهُمَا . وَأَجَابَ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ الْبُطْلَانَ فِيهِ لِخُرُوجِ الْمُعَلَّقِ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ لَا لِزَوَالِ الْمِلْكِ . وَاعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ عِتْقَ مُدَبَّرَيْهِ وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ دَلِيلُ زَوَالِ مِلْكِهِ ، وَقَيَّدَ بِزَوَالِ الْمِلْكِ لِأَنَّ زَوَالَ مَحَلِّ الْبِرِّ مُبْطِلٌ لِلْيَمِينِ كَمَا مَرَّ
فَإِنْ قُلْت : قَدْ جَعَلُوا زَوَالَ الْمِلْكِ مُبْطِلًا لِلْيَمِينِ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ امْرَأَتُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ فَخَرَجَتْ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَمْ يَحْنَثْ وَبَطَلَتْ الْيَمِينُ بِالْبَيْنُونَةِ ، حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا ثُمَّ خَرَجَتْ بِلَا إذْنٍ لَمْ يَحْنَثْ .
قُلْت : الْيَمِينُ مُقَيَّدَةٌ بِحَالِ وِلَايَةِ الْإِذْنِ وَالْمَنْعِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ وَذَلِكَ حَالُ قِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ فَسَقَطَ الْيَمِينُ بِزَوَالِ الزَّوْجِيَّةِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ فَقَضَى دَيْنَهُ ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يَحْنَثْ ، بِخِلَافِ إلَّا بِإِذْنِ فُلَانٍ وَلَا مُعَامَلَةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهَا مُطْلَقَةٌ كَمَا فِي الْمُحِيطِ بَحْرٌ .
وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا لَمْ تَبْطُلْ لِزَوَالِ الْمِلْكِ بَلْ لِفَقْدِ شَرْطٍ قُيِّدَتْ بِهِ الْيَمِينُ وَنَظِيرُهُ : لَوْ حَلَّفَهُ الْوَالِي لِيُعْلِمَنهُ بِكُلِّ مُفْسِدٍ تَقَيَّدَ بِحَالِ قِيَامِ وِلَايَتِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَيْمَانِ .
[ تَنْبِيهٌ ] اسْتَثْنَى فِي الْبَحْرِ مِنْ عَدَمِ بُطْلَانِهَا بِزَوَالِ الْمِلْكِ فَرْعًا . فِي الْقُنْيَةِ : إنْ سَكَنْت فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ وَخَرَجَ عَلَى الْفَوْرِ وَخَلَعَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ سَكَنَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَا تَطْلُقُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ امْرَأَتُهُ وَقْتَ وُجُودِ الشَّرْطِ ا هـ . قَالَ فِي الْبَحْرِ : فَقَدْ بَطَلَتْ الْيَمِينُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ هُنَا ، فَعَلَى هَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ كَوْنِ الْجَزَاءِ فَأَنْتِ طَالِقٌ 355 وَبَيْنَ كَوْنِهِ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ لِأَنَّهَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ لَمْ تَبْقَ امْرَأَتُهُ فَلْيُحْفَظْ هَذَا فَإِنَّهُ حَسَنٌ جِدًّا . ا هـ . وَسَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ فِي الْفُرُوعِ . وَحَاصِلُهُ تَقْيِيدُ قَوْلِهِمْ زَوَالُ الْمِلْكِ لَا يُبْطِلُ الْيَمِينَ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْجَزَاءُ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ ، أَمَّا لَوْ كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ .
أَقُولُ : مَا فِي الْقُنْيَةِ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِبَارِ حَالَةِ الشَّرْطِ بِدَلِيلِ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهَا وَقْتَ وُجُودِ الشَّرْطِ لَيْسَتْ امْرَأَتَهُ ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَظْهَرِ . فَفِي الْقُنْيَةِ أَيْضًا : إنْ فَعَلْت كَذَا فَحَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَحَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَفَعَلَ أَحَدَ الْفِعْلَيْنِ حَتَّى بَانَتْ امْرَأَتُهُ ثُمَّ فَعَلَ الْآخَرَ ، فَقِيلَ لَا يَقَعُ الثَّانِي لِأَنَّهَا لَيْسَتْ امْرَأَتَهُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ ، وَقِيلَ يَقَعُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ . ا هـ .
فَأَفَادَ أَنَّ الْأَظْهَرَ اعْتِبَارُ حَالَةِ التَّعْلِيقِ لَا حَالَةَ وُجُودِ الشَّرْطِ ، وَهِيَ فِي حَالَةِ التَّعْلِيقِ كَانَتْ امْرَأَتَهُ فَلَا يَضُرُّ بَيْنُونَتُهَا بَعْدَهُ ، وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا أَطْلَقَهُ أَصْحَابُ الْمُتُونِ هُنَا ، وَلِمَا صَرَّحُوا بِهِ أَيْضًا فِي الْكِنَايَاتِ مِنْ أَنَّ الْبَائِنَ لَا يَلْحَقُ الْبَائِنَ إلَّا إذَا كَانَ الْبَائِنُ مُعَلَّقًا قَبْلَ إيجَادِ الْمُنَجَّزِ الْبَائِنِ ، كَقَوْلِهِ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ بَائِنٌ ثُمَّ أَبَانَهَا ثُمَّ دَخَلَتْ بَانَتْ بِأُخْرَى وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ حَالَةِ التَّعْلِيقِ ، فَإِنَّهَا كَانَتْ امْرَأَةً لَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ; وَلَوْ اعْتَبَرَ حَالَةَ وُجُودِ الشَّرْطِ لَزِمَ أَنْ لَا يَقَعَ الْمُعَلَّقُ ، فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْمُرَجِّحَ اعْتِبَارُ حَالَةِ التَّعْلِيقِ .
مَطْلَبٌ مُهِمٌّ : الْإِضَافَةُ لِلتَّعْرِيفِ لَا لِلتَّقْيِيدِ فِيمَا لَوْ قَالَ لَا تَخْرُجُ امْرَأَتِي مِنْ الدَّارِ وَعَلَيْهِ مَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ : لَوْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ امْرَأَتُهُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَطَلَّقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَخَرَجَتْ ، أَوْ قَالَ إنْ قَبَّلْتُ امْرَأَتِي فُلَانَةَ فَعَبْدِي حُرٌّ فَقَبَّلَهَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ يَحْنَثُ فِيهِمَا لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِلتَّعْرِيفِ لَا لِلتَّقْيِيدِ ا هـ وَكَذَا مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَحْرِ : لَوْ قَالَ كُلَّمَا دَخَلْتُ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَلَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَدَخَلَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ إلَخْ فَإِنَّ تَصْرِيحَهُ بِأَنَّ لَهُ أَنْ يَجْمَعَهَا عَلَى وَاحِدَةٍ يَشْمَلُ مَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَوْطُوءَةٍ وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ حَالَةِ التَّعْلِيقِ ; لِأَنَّهَا وَقْتَهُ كَانَتْ امْرَأَتَهُ فَدَخَلَتْ فِي الْأَيْمَانِ الثَّلَاثِ ، وَلِمَا عَلِمْت مِنْ تَرْجِيحِ أَنَّ الْمُنْعَقِدَ بِكَلِمَةِ كُلَّمَا أَيْمَانٌ مُنْعَقِدَةٌ لِلْحَالِ ، وَيَنْبَغِي عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ كُلَّمَا حَنِثَ يَنْعَقِدُ يَمِينٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ جَمْعَهَا عَلَى وَاحِدَةٍ لِأَنَّهَا بَعْدَ الْحِنْثِ لَمْ تَبْقَ امْرَأَتَهُ فَلَا تَدْخُلُ فِي الْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ بَعْدَهُ ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي آخِرِ الْكِنَايَاتِ مِنْ أَنَّهُ إذَا قَالَ : كُلُّ امْرَأَةٍ لِي لَا تَدْخُلُ الْمُبَانَةُ بِالْخُلْعِ وَالْإِيلَاءِ إلَّا أَنْ يُعَيِّنَهَا فَاغْتَنِمْ تَحْقِيقَ هَذَا الْمَقَامِ وَعَلَيْك السَّلَامُ ( قَوْلُهُ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ يَمِينٍ ) بَيَانٌ لِلْمِلْكِ ، وَقَوْلُهُ فَلَوْ أَبَانَهَا أَوْ بَاعَهُ إلَخْ تَفْرِيعٌ عَلَيْهِمَا بِطَرِيقِ النَّشْرِ الْمُرَتَّبِ ( قَوْلُهُ فَلَوْ أَبَانَهَا ) أَيْ بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث