رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الثالث
الصفحة 3027 · ص. المطبوع 634 · الشرح
( قَوْلُهُ غَيْرِ الزَّوْجَةِ ) يَشْمَلُ الْأُصُولَ وَالْفُرُوعَ وَالْمَحَارِمَ وَالْمَمَالِيكَ ( قَوْلُهُ زَادَ الزَّيْلَعِيُّ وَالصَّغِيرِ ) يَعْنِي اسْتَثْنَاهُ أَيْضًا فَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهُ الْمُقْتَضَى بِهَا بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ كَالزَّوْجَةِ ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَقَارِبِ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ نَقَلَهُ عَنْ الذَّخِيرَةِ عَنْ الْحَاوِي فِي الْفَتَاوَى ، وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَتَبِعَهُمْ الشَّارِحُ مَعَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ وَكَافِي الْحَاكِمِ .
مَطْلَبٌ فِي مَوَاضِعَ لَا يَضْمَنُ فِيهَا الْمُنْفِقُ إذَا قَصَدَ الْإِصْلَاحَ وَفِي الْهِدَايَةِ : وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي لِلْوَلَدِ وَالْوَالِدَيْنِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ بِالنَّفَقَةِ فَمَضَتْ مُدَّةٌ سَقَطَتْ ; لِأَنَّ نَفَقَةَ هَؤُلَاءِ تَجِبُ كِفَايَةً لِلْحَاجَةِ حَتَّى لَا تَجِبَ مَعَ الْيَسَارِ وَقَدْ حَصَلَتْ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ إذَا قَضَى بِهَا الْقَاضِي ; لِأَنَّهَا تَجِبُ مَعَ يَسَارِهَا فَلَا تَسْقُطُ بِحُصُولِ الِاسْتِغْنَاءِ فِيمَا مَضَى . ا هـ وَقَرَّرَ كَلَامَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ . وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الذَّخِيرَةِ ، عَلَى أَنَّهُ فِي الذَّخِيرَةِ صَرَّحَ بِخِلَافِهِ وَعَزَاهُ إلَى الْكِتَابِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا قَالَ أَيْ فِي الْكِتَابِ ، وَكَذَلِكَ إنْ فَرَضَ الْقَاضِي النَّفَقَةَ عَلَى الْأَبِ فَغَابَ الْأَبُ وَتَرَكَهُمْ بِلَا نَفَقَةٍ فَاسْتَدَانَتْ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَأَنْفَقَتْ عَلَيْهِمْ تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَدِنْ بَعْدَ الْفَرْضِ وَكَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ لَمْ تَرْجِعْ عَلَى الْأَبِ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّهُمْ إذَا سَأَلُوا وَأُعْطُوا صَارَ مِلْكًا لَهُمْ فَوَقَعَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ نَفَقَةِ الْأَبِ ، وَاسْتِحْقَاقُ هَذِهِ النَّفَقَةِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ . فَإِنْ كَانُوا أُعْطُوا مِقْدَارَ نِصْفِ الْكِفَايَةِ سَقَطَ نِصْفُ الْكِفَايَةِ عَنْ الْأَبِ ، وَتَصِحُّ الِاسْتِدَانَةُ فِي النِّصْفِ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ ، وَلَيْسَ هَذَا فِي حَقِّ الْأَوْلَادِ خَاصَّةً ، بَلْ فِي نَفَقَةِ جَمِيعِ الْمَحَارِمِ إذَا أَكَلُوا مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ لَا رُجُوعَ لَهُمْ ; لِأَنَّ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ لَا تَصِيرُ دَيْنًا بِالْقَضَاءِ بَلْ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ . ا هـ وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْخَصَّافِ ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ قَاضِي خَانْ جَازِمًا بِهِ ، وَقَدْ قَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ : إنَّ مَا فِيهِ أَقْوَالٌ اقْتَصَرْتُ فِيهِ عَلَى قَوْلٍ أَوْ قَوْلَيْنِ ، وَقَدَّمْتُ مَا هُوَ الْأَظْهَرُ وَافْتَتَحْتُ بِمَا هُوَ الْأَشْهَرُ . وَقَدْ رَاجَعَ الرَّحْمَتِيُّ نُسْخَةً مِنْ الذَّخِيرَةِ مُحَرَّفَةً حَتَّى اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مَا مَرَّ بِمَسْأَلَةِ الْمَوْتِ الْآتِيَةِ وَحَكَمَ عَلَى الزَّيْلَعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ بِالْوَهْمِ ، وَقَالَ ; لِأَنَّ مُرَادَ الْحَاوِي أَنَّ نَفَقَةَ الصَّغِيرِ لَا تَسْقُطُ بَعْدَ الِاسْتِدَانَةِ ، وَأَطَالَ بِمَا لَا يُجْدِي نَفْعًا وَالصَّوَابُ فِي الرَّدِّ عَلَى الزَّيْلَعِيِّ مَا قَدَّمْنَاهُ .
( قَوْلُهُ وَأَمَّا مَا دُونَ شَهْرٍ ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ أَيْ شَهْرٌ فَأَكْثَرُ . 634 وَوَجْهُهُ أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ قَصِيرَةٌ وَأَنَّ الْقَاضِيَ مَأْمُورٌ بِالْقَضَاءِ ، فَلَوْ سَقَطَتْ الْمُدَّةُ الْقَصِيرَةُ لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ بِالْقَضَاءِ فَائِدَةٌ ; لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كُلُّ مَا مَضَى سَقْطٌ لَمْ يُمْكِنْ اسْتِيفَاءُ شَيْءٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ ( قَوْلُهُ وَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالصَّغِيرِ ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ غَيْرُ الزَّوْجَةِ وَالصَّغِيرِ ، أَمَّا الصَّغِيرُ فَفِيهِ مَا عَلِمْت ، وَأَمَّا الزَّوْجَةُ فَإِنَّمَا تَصِيرُ دَيْنًا بِالْقَضَاءِ وَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ ; لِأَنَّ نَفَقَتَهَا لَمْ تُشْرَعْ لِحَاجَتِهَا كَالْأَقَارِبِ بَلْ لِاحْتِبَاسِهَا ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهَا بَعْدَ الْقَضَاءِ لَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ ، نَعَمْ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ إنْ كَانَتْ شَهْرًا فَأَكْثَرَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالنَّفَقَةُ لَا تَصِيرُ دَيْنًا إلَّا بِالْقَضَاءِ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ بَعْدَ الْقَضَاءِ فِي أَنَّهَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ .
( قَوْلُهُ غَيْرُ الزَّوْجَةِ ) أَمَّا هِيَ فَتَرْجِعُ بِمَا فُرِضَ لَهَا وَلَوْ أَكَلَتْ مِنْ مَالِ نَفْسِهَا أَوْ مِنْ مَسْأَلَةٍ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا فَاسْتِدَانَتُهَا بَعْدَ الْفَرْضِ غَيْرُ شَرْطٍ ، نَعَمْ اسْتِدَانَتُهَا لِلصَّغِيرِ شَرْطٌ كَمَا عَلِمْته مِمَّا مَرَّ وَيَأْتِي ( قَوْلُهُ فَلَوْ لَمْ يَسْتَدِنْ ) أَفَادَ أَنَّ مُجَرَّدَ الْأَمْرِ بِالِاسْتِدَانَةِ لَا يَكْفِي ، وَمَا فَهِمَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ فَهُوَ غَلَطٌ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي [ أَنْفَعْ الْوَسَائِلِ ] ( قَوْلُهُ بَلْ فِي الذَّخِيرَةِ ) هَذَا مَحَلُّ التَّفْرِيعِ ، فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ فَفِي الذَّخِيرَةِ إلَخْ ، وَهَذَا أَيْضًا فِيمَا إذَا فَرَضَ الْقَاضِي لَهُمْ النَّفَقَةَ وَأَمَرَ الْأُمَّ بِالِاسْتِدَانَةِ كَمَا عَلِمْته مِنْ كَلَامِ الذَّخِيرَةِ ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ مِنْ قَوْلِهِ وَالصَّغِيرِ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ آنِفًا فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ أَوْ أَنْفَقَتْ مِنْ مَالِهَا ) هَذَا مِنْ كَلَامِ الْخَانِيَّةِ كَمَا تَعْرِفُهُ ، وَمَا قَبْلَهُ مَذْكُورٌ فِي الْخَانِيَّةِ أَيْضًا ، وَقَوْلُهُ رَجَعَتْ بِمَا زَادَتْ : أَيْ بِمَا اسْتَدَانَتْهُ أَوْ أَنْفَقَتْهُ مِنْ مَالِهَا لِتَكْمِيلِ نَفَقَتِهَا . وَأَفَادَ أَنَّ الْإِنْفَاقَ مِنْ مَالِهَا عَلَى الْأَوْلَادِ قَائِمٌ مَقَامَ الِاسْتِدَانَةِ فَهُوَ تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ فَلَوْ لَمْ تَسْتَدِنْ بِالْفِعْلِ فَلَا رُجُوعَ ، لَكِنْ هَذَا فَهْمٌ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ : وَفِي الْخَانِيَّةِ : رَجُلٌ غَابَ وَلَمْ يَتْرُكْ لِأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ نَفَقَةً وَلِأُمِّهِمْ مَالٌ تُجْبَرُ الْأُمُّ عَلَى الْإِنْفَاقِ ثُمَّ تَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الزَّوْجِ . ا هـ .
قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَلَمْ يَشْتَرِطْ الِاسْتِدَانَةَ وَلَا الْإِذْنَ بِهَا ، فَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إذَا أَنْفَقَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِهَا وَبَيْنَ مَا إذَا أَكَلُوا مِنْ الْمَسْأَلَةِ . ا هـ . قُلْت : لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ مَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ مَسَائِلَ أَمْرُ الْأَبْعَدِ بِالْإِنْفَاقِ عِنْدَ غَيْبَةِ الْأَقْرَبِ ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ تَقَدَّمَتْ فِي الْفُرُوعِ عَنْ وَاقِعَاتِ الْمُفْتِينَ لِقَدْرِي أَفَنْدِي ، فَفِيهَا يَأْمُرُ الْقَاضِي الْأَبْعَدَ لِيَرْجِعَ عَلَى الْأَقْرَبِ كَالْأُمِّ لِيَرْجِعَ عَلَى الْأَبِ فَهُوَ أَمْرٌ بِالْإِدَانَةِ ، وَيُحْبَسُ الْمُمْتَنِعُ عَنْهَا ; لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمَعْرُوفِ كَمَا قَدَّمَهُ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ وَالِاخْتِيَارِ قُبَيْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ قَضَى بِنَفَقَةِ الْإِعْسَارِ ، فَإِذَا كَانَتْ الْأُمُّ مُوسِرَةً تُؤْمَرُ بِالْإِدَانَةِ مِنْ مَالِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْسِرَةً تُؤْمَرُ بِالِاسْتِدَانَةِ ، فَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا إذَا أَكَلَ الْأَوْلَادُ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ سَقَطَتْ نَفَقَتُهُمْ عَنْ أَبِيهِمْ لِحُصُولِ الِاسْتِغْنَاءِ فَلَا تَرْجِعُ الْأُمُّ بِشَيْءٍ فِي الصُّورَتَيْنِ . وَأَمَّا إذَا أُمِرَتْ بِالِاسْتِدَانَةِ وَلَمْ تَسْتَدِنْ بَلْ أَنْفَقَتْ مِنْ مَالِهَا فَلَا رُجُوعَ لَهَا أَيْضًا ، بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا أَكَلُوا مِنْ الْمَسْأَلَةِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَهَا بِهِ الْقَاضِي الْقَائِمُ مَقَامَ الْغَائِبِ ، وَلِذَا صَرَّحُوا بِاشْتِرَاطِ الِاسْتِدَانَةِ بِالْفِعْلِ وَلَمْ يَكْفِ مُجَرَّدُ الْأَمْرِ بِهَا ، خِلَافًا لِمَنْ غَلِطَ فِيهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ أَنْفَعْ الْوَسَائِلِ .
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ إنْفَاقَهَا لَا يَقُومُ مَقَامَ الِاسْتِدَانَةِ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ بِقَوْلِهِ : وَإِنْ أَنْفَقَتْ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهَا أَوْ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ لَا تَرْجِعُ عَلَى الْأَبِ وَكَذَا فِي نَفَقَةِ الْمَحَارِمِ . ا هـ فَهَذَا صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَاهُ ، وَأَشَارَ إلَى بَعْضِهِ الْمَقْدِسِيَّ وَالْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فَافْهَمْ ، نَعَمْ لَوْ أُمِرَتْ بِالْإِنْفَاقِ وَهِيَ مُوسِرَةٌ فَاسْتَدَانَتْ وَأَنْفَقَتْ مِنْهُ تَرْجِعُ ; لِأَنَّ مَا اسْتَدَانَ دَيْنٌ عَلَيْهَا لَا عَلَى الْأَبِ ; لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ دَيْنًا عَلَى 635 الْأَبِ إلَّا بِالْأَمْرِ بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ لِعُمُومِ وِلَايَةِ الْقَاضِي ، فَإِذَا كَانَ دَيْنًا عَلَيْهَا صَارَ مِنْ مَالِهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِنْفَاقِ مِنْهُ أَوْ مِنْ مَالٍ آخَرَ ، بِخِلَافِ مَا إذَا أُمِرَتْ بِالِاسْتِدَانَةِ وَأَنْفَقَتْ مِنْ مَالِهَا فَإِنَّهَا تَكُونُ مُتَبَرِّعَةً ، فَاغْتَنِمْ تَحْرِيرَ هَذَا الْمَقَامِ ( قَوْلُهُ وَيُنْفِقَ مِنْهَا ) الْأَوْلَى مِنْهُ : أَيْ مِمَّا اسْتَدَانَهُ ( قَوْلُهُ لَكِنْ نَظَرَ فِيهِ فِي النَّهْرِ إلَخْ ) قَدْ يُجَابُ عَنْ الْبَحْرِ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ وَيُنْفِقَ مِمَّا اسْتَدَانَهُ تَحْقِيقُ الِاسْتِدَانَةِ ، فَهُوَ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا لَمْ يَسْتَدِنْ وَأَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ صَدَقَةٍ ، وَلِذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الشَّرْطِ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ : فَلَوْ أَنْفَقَ بَعْدَ الْإِذْنِ بِالِاسْتِدَانَةِ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ صَدَقَةٍ فَلَا رُجُوعَ لَهُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ .
وَحِينَئِذٍ فَلَا خِلَافَ وَسَقَطَ التَّنْظِيرُ ، أَفَادَهُ ط . وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِنْفَاقَ مِمَّا اسْتَدَانَهُ غَيْرُ شَرْطٍ ، لَكِنْ قَالَ الرَّحْمَتِيُّ : لَوْ أَنْفَقَ مِنْ غَيْرِهِ . فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ مَالِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ نَفَقَةً لِغِنَاهُ بِهِ أَوْ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ فَهُوَ اسْتِدَانَةٌ وَيَصْدُقُ أَنَّهُ أَنْفَقَ مِمَّا اسْتَدَانَهُ . لَكِنَّ صَاحِبَ النَّهْرِ مُولَعٌ بِالِاعْتِرَاضِ عَلَى أَخِيهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ . ا هـ . قُلْت : لَكِنَّ هَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ قَبْلَ الِاسْتِدَانَةِ ، أَمَّا بَعْدَ أَنْ اسْتَدَانَ وَصَارَ مَا اسْتَدَانَهُ دَيْنًا عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ ثُمَّ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فَهَلْ تَسْقُطُ نَفَقَتُهُ عَنْ قَرِيبِهِ ; لِأَنَّهَا تَجِبُ كِفَايَةً لِلْحَاجَةِ ، وَقَدْ حَصَلَتْ بِمَا صَارَ مَعَهُ مِنْ الصَّدَقَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِمَّا اسْتَدَانَهُ حَتَّى يُنْفِقَ مَا مَعَهُ ، وَلِذَا لَوْ دَفَعَ لَهُ الْقَرِيبُ نَفَقَةَ شَهْرٍ قَضَى الشَّهْرَ وَبَقِيَ مَعَهُ شَيْءٌ لَمْ يَقْضِ لَهُ بِأُخْرَى مَا لَمْ يُنْفِقْ مَا بَقِيَ ، أَمْ لَا تَسْقُطُ لِكَوْنِ مَا اسْتَدَانَهُ صَارَ مِلْكَهُ ، وَلِذَا لَوْ عَجَّلَ لَهُ نَفَقَةَ مُدَّةٍ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ لَا يُسْتَرَدُّ شَيْءٌ مِنْهَا اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْبَدَائِعِ .
وَنَظِيرُهُ مَا مَرَّ فِي مَوْتِ الزَّوْجَةِ أَوْ طَلَاقِهَا ، فَمَا اسْتَدَانَهُ فِي حُكْمِ الْمُعَجَّلِ فِيمَا يَظْهَرُ ، فَحَيْثُ مَلَكَهُ فَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْهُ أَوْ مِنْ الصَّدَقَةِ ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ الِاسْتِدَانَةُ ثَانِيًا مَا لَمْ يَفْرُغْ جَمِيعُ مَا مَعَهُ لِتَتَحَقَّقَ الْحَاجَةُ . فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا اسْتَدَانَ بِأَمْرِ قَاضٍ صَارَ مِلْكَهُ ; وَلِذَا لَوْ مَاتَ الْقَرِيبُ بَعْدَهَا يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ وَلَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ ، فَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ أَنْ يُنْفِقَ مِنْهُ أَوْ مِمَّا مَلَكَهُ بَعْدَ الِاسْتِدَانَةِ بِصَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِفَهْمِي الْقَاصِرِ فَتَأَمَّلْهُ .
( قَوْلُهُ أَوْ مَنْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ ) أَيْ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَقَارِبِ فَالْأَبُ غَيْرُ قَيْدٍ ( قَوْلُهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ فِي تَرِكَتِهِ ) فَلِلْأُمِّ أَنْ تَأْخُذَهَا مِنْ تَرِكَتِهِ ذَخِيرَةٌ ( قَوْلُهُ فَتَأَمَّلْ ) أَيْ عِنْدَ الْفَتْوَى مَا هُوَ الْأَوْلَى مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الْمُصَحَّحَيْنِ . قُلْت : لَكِنْ نُقِلَ الثَّانِي فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الْخَصَّافِ الْأَوَّلَ عَنْ الْأَصْلِ . قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ : وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّ تَصْحِيحَ الْخَصَّافِ لَا يُصَادِمُ تَصْحِيحَ الْأَصْلِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالنِّسَاءِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ . ا هـ أَيْ عَلَى مَا فِي الْأَصْلِ لِلْإِمَامِ مُحَمَّدٍ .
وَفِي شَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ : وَلَوْ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ الْمُسْتَدَانَةُ بِإِذْنٍ لَمْ تَسْقُطْ فِي الصَّحِيحِ فَتُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ وَإِنْ صَحَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ خِلَافَهُ . ا هـ . وَوَفَّقَ ط بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِمَا لَا يَظْهَرُ ، وَعَزَا مَا فِي الْمَتْنِ إلَى الْكَنْزِ وَالْوِقَايَةِ وَالْإِيضَاحِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ الْوَاقِعِ ، فَإِنَّ مَسْأَلَةَ الْمَوْتِ مِمَّا زَادَهَا الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُتُونِ تَبَعًا لِشَيْخِهِ صَاحِبِ الْبَحْرِ فَافْهَمْ .
( قَوْلُهُ وَفِي الْبَدَائِعِ إلَخْ ) تَبِعَ فِي النَّقْلِ عَنْهَا صَاحِبَ الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ . وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فِي الْبَدَائِعِ عَكْسُ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ قَالَ وَيُحْبَسُ فِي نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ كَالزَّوْجَاتِ ، أَمَّا غَيْرُ الْأَبِ فَلَا شَكَّ فِيهِ ، وَأَمَّا الْأَبُ فَلِأَنَّ فِي النَّفَقَةِ ضَرُورَةَ 636 دَفْعِ الْهَلَاكِ عَنْ الْوَلَدِ وَلِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ ، فَلَوْ لَمْ يُحْبَسْ سَقَطَ حَقُّ الْوَلَدِ رَأْسًا فَكَانَ فِي حَبْسِهِ دَفْعُ الْهَلَاكِ وَاسْتِدْرَاكُ الْحَقِّ عَنْ الْفَوَاتِ ; لِأَنَّ حَبْسَهُ يَحْمِلُهُ عَلَى الْأَدَاءِ ، وَهَذَا لَمْ يُوجَدْ فِي سَائِرِ دُيُونِ الْوَلَدِ ; لِأَنَّهَا لَا تَفُوتُ ، وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا : إنَّ الْمُمْتَنِعَ مِنْ الْقَسْمِ يُضْرَبُ وَلَا يُحْبَسُ ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْحُقُوقِ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُ هَذَا الْحَقِّ بِالْحَبْسِ ; لِأَنَّهُ يَفُوتُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَيُسْتَدْرَكُ بِالضَّرْبِ ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْحُقُوقِ .
ا هـ مُلَخَّصًا . وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُوَ حُكْمُ الْمُمْتَنِعِ عَنْ الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ ، وَقَدَّمْنَا عَنْ الذَّخِيرَةِ لَا يُحْبَسُ وَالِدٌ وَإِنْ عَلَا فِي دَيْنِ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ إلَّا فِي النَّفَقَةِ ; لِأَنَّ فِيهِ إتْلَافَ الصَّغِيرِ وَسَيَأْتِي فِي فَصْلِ الْحَبْسِ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ . وَفِي الْكَنْزِ : لَا يُحْبَسُ فِي دَيْنِ وَلَدِهِ إلَّا إذَا أَبَى عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَا مِثْلَهُ وَعَلَى هَذَا فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَدِينَ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَلَا يَلْزَمُ الْمَحْذُورُ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُمْتَنِعِ مِنْ الْإِنْفَاقِ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْإِنْفَاقِ بِالِاسْتِدَانَةِ فَحُبِسَ لِيُنْفِقَ مِنْ مَالِهِ أَوْ لِيَسْتَدِينَ فَافْهَمْ . وَقَوْلُ الْبَدَائِعِ : فَلَوْ لَمْ يُحْبَسْ سَقَطَ حَقُّ الْوَلَدِ رَأْسًا أَيْ كُلُّهُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا حُبِسَ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْقُطُ حَقُّهُ فِي مُدَّةِ الْحَبْسِ فَقَطْ . وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّغِيرَ لَيْسَ فِي حُكْمِ الزَّوْجَةِ خِلَافًا لِمَا مَرَّ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ : لَوْ كَانَ فِي حُكْمِهَا لَكَانَ يُمْكِنُ الْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ فَلَا يَسْقُطُ مِنْهَا شَيْءٌ كَسَائِرِ دُيُونِ الصَّغِيرِ .
( قَوْلُهُ وَقَيَّدَهُ ) أَيْ قَيَّدَ عَدَمَ الْحَبْسِ فِي نَفَقَةِ الْقَرِيبِ ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى النَّقْلِ الْخَطَأِ ، أَمَّا عَلَى الصَّوَابِ الَّذِي نَقَلْنَاهُ فَلَا تَقْيِيدَ ثُمَّ قَوْلُهُ بِمَا فَوْقَ الشَّهْرِ حَقُّهُ كَمَا فِي ط أَنْ يُقَالَ بِالشَّهْرِ فَمَا فَوْقَهُ ; لِأَنَّ الَّذِي لَا يَسْقُطُ هُوَ الْقَلِيلُ وَهُوَ مَا دُونَ شَهْرٍ كَمَا مَرَّ ( قَوْلُهُ وَلَا يَصِحُّ الْأَمْرُ إلَخْ ) فِي التَّتَارْخَانِيَّة : امْرَأَةٌ لَهَا ابْنٌ صَغِيرٌ لَا مَالَ لَهُ وَلَا لِلْمَرْأَةِ فَاسْتَدَانَتْ وَأَنْفَقَتْ عَلَى الصَّغِيرِ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَبَلَغَ لَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ . ا هـ أَيْ أَمَرَهَا الْقَاضِي بِأَنْ تَسْتَدِينَ وَتَرْجِعَ عَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ . قَالَ فِي الْمِنَحِ : فَقَدْ أَفَادَ أَنَّهُ يَمْلِكُ الْأَمْرَ بِالِاسْتِدَانَةِ إلَّا إذَا كَانَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ أَوْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ ( قَوْلُهُ النَّفَقَةُ ) أَيْ عَلَى الْمَوْلَى وَلَوْ فَقِيرًا قُهُسْتَانِيٌّ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث