رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الثالث
مَطْلَبٌ فِي تَحْرِيمِ الْحَلَالِ
( قَوْلُهُ أَيْ عَلَى نَفْسِهِ ) تَبِعَ فِي هَذَا التَّعْبِيرِ صَاحِبَ الْبَحْرِ ، حَيْثُ قَالَ : وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَوْ جَعَلَ حُرْمَتَهُ مُعَلَّقَةً عَلَى فِعْلِهِ فَإِنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ : لَوْ قَالَ إنْ أَكَلْت هَذَا الطَّعَامَ فَهُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ فَأَكَلَهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ ا هـ كَلَامُ الْبَحْرِ . وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ فِي التَّعْلِيقِ أَيْضًا حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ تَحْرِيمٌ مُعَلَّقٌ فَلَا تَحْسُنُ الْمُقَابَلَةُ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ قَيَّدَ بِتَنْجِيزِ الْحُرْمَةِ لِأَنَّهُ لَوْ عَلَّقَهَا إلَخْ . ا هـ . ح .
قُلْت : وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ كَذَلِكَ لَوَرَدَ عَلَيْهِ مِثْلُ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَهَذَا الطَّعَامُ عَلَيَّ حَرَامٌ مَعَ أَنَّهُ عَلَّقَهَا عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ ، بَلْ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ قَيَّدَ بِتَنْجِيزِ الْحُرْمَةِ لِأَنَّهُ لَوْ عَلَّقَهَا عَلَى فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُرَادَ الْبَحْرِ فِي قَوْلُهُ عَلَى فِعْلِهِ : أَيْ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ وَاسْتَشْكَلَهُ الْمُصَنِّفُ ) أَيْ حَيْثُ قَالَ قُلْت وَهُوَ مُشْكِلٌ بِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ كَالْمُنَجَّزِ عِنْدَ وُقُوعِ الشَّرْطِ . ا هـ . وَالْجَوَابُ بِالْفَرْقِ هُنَا بَيْنَ الْمُنَجَّزِ وَالْمُعَلَّقِ ، وَهُوَ أَنَّ فِي الْمُنَجَّزِ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ طَعَامًا مَوْجُودًا ، أَمَّا فِي الْمُعَلَّقِ فَإِنَّهُ مَا حَرَّمَهُ إلَّا بَعْدَ الْأَكْلِ ، لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الْجَزَاءَ يَنْزِلُ عَقِبَ الشَّرْطِ ، وَحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ الطَّعَامُ مَوْجُودًا ا هـ ح .
قُلْت : لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْفَتْحِ مَسْأَلَةَ الْخُلَاصَةِ الْمَذْكُورَةَ . ثُمَّ قَالَ عَقِبَهَا : وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى : لَوْ قَالَ كُلُّ طَعَامٍ آكُلُهُ فِي مَنْزِلِك فَهُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ ، فَفِي الْقِيَاسِ لَا يَحْنَثُ إذَا أَكَلَهُ ، هَكَذَا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ . وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَحْنَثُ ; وَالنَّاسُ يُرِيدُونَ بِهَذَا أَنَّ أَكْلَهُ حَرَامٌ ا هـ وَعَلَى هَذَا يَجِبُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا أَنْ يَحْنَثَ إذَا أَكَلَهُ ، وَكَذَا مَا ذُكِرَ فِي الْحِيَلِ إنْ أَكَلْت طَعَامًا عِنْدَك أَبَدًا فَهُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ فَأَكَلَهُ لَمْ يَحْنَثْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جَوَابَ الْقِيَاسِ ا هـ وَتَبِعَهُ فِي النَّهْرِ ( قَوْلُهُ فَيَمِينٌ ) لِأَنَّ حُرْمَتَهُ لَا تَمْنَعُ كَوْنَهُ حَالِفًا نَهْرٌ ( قَوْلُهُ مَا لَمْ يَرُدَّ الْإِخْبَارَ ) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ إنْ أَرَادَ الْإِنْشَاءَ ، فَيَخْرُجُ مَا إذَا أَرَادَ الْإِخْبَارَ أَوْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا ، لِأَنَّ عِبَارَةَ الْخَانِيَّةِ هَكَذَا : إذَا قَالَ هَذِهِ الْخَمْرُ عَلَيَّ حَرَامٌ فِيهِ قَوْلَانِ .
وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يَنْوِي فِي ذَلِكَ إنْ أَرَادَ بِهِ الْخَبَرَ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْيَمِينَ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَعِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ . ا هـ . وَفِي الْفَتْحِ : وَإِنْ أَرَادَ الْإِخْبَارَ أَوْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ إخْبَارًا ( قَوْلُهُ بِأَكْلٍ أَوْ نَفَقَةٍ ) أَيْ أَوْ نَحْوِهِمَا مِنْ لُبْسِ ثَوْبٍ أَوْ سُكْنَى دَارٍ ، كُلُّ شَيْءٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ وَيُقْصَدُ مِنْهُ . قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَاعْلَمْ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ تَحْرِيمِ هَذِهِ الْأَعْيَانِ انْصِرَافُ الْيَمِينِ إلَى الْفِعْلِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا كَمَا فِي تَحْرِيمِ الشَّرْعِ لَهَا فِي نَحْوِ - { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ } - وَحُرِّمَتْ الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى النِّكَاحِ وَالشُّرْبِ وَالْأَكْلِ .
وَلِذَا 730 قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : لَوْ قَالَ هَذَا الثَّوْبُ عَلَيَّ حَرَامٌ فَلَبِسَهُ حَنِثَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَهُ ( قَوْلُهُ وَلَوْ تَصَدَّقَ إلَخْ ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَلَوْ قَالَ لِدَرَاهِمَ فِي يَدِهِ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ عَلَيَّ حَرَامٌ ، إنْ اشْتَرَى بِهَا حَنِثَ ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا أَوْ وَهَبَهَا لَمْ يَحْنَثْ بِحُكْمِ الْعُرْفِ ا هـ أَيْ أَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ تَحْرِيمُ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لِنَفْسِهِ ، بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا مَا يَأْكُلُهُ أَوْ يَلْبَسُهُ لَا بِأَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ قَضَى بِهَا دَيْنَهُ لَا يَحْنَثُ تَأَمَّلْ . وَفِي الْبَحْرِ : وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلدَّرَاهِمِ ، بَلْ لَوْ وَهَبَ مَا جَعَلَهُ حَرَامًا أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّحْرِيمِ حُرْمَةُ الِاسْتِمْتَاعِ ( قَوْلُهُ لِيَمِينِهِ ) أَيْ لِأَجْلِ يَمِينِهِ الَّتِي حَنِثَ بِهَا ، فَهُوَ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ كَفَّرَ ، وَقَوْلُهُ لِمَا تَقَرَّرَ إلَخْ عِلَّةٌ لِكَوْنِ ذَلِكَ يَمِينًا فَهُوَ عِلَّةٌ لِلْعِلَّةِ . وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ قَدْ لَا يَكُونُ يَمِينًا بِأَنْ قَصَدَ الْإِخْبَارَ لِأَنَّهُ إذَا قَصَدَ الْإِخْبَارَ لَمْ يُوجَدْ التَّحْرِيمُ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إنْشَاءٌ وَالْإِخْبَارَ حِكَايَةٌ فَافْهَمْ ، وَدَلِيلُ كَوْنِ التَّحْرِيمِ يَمِينًا مَبْسُوطٌ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ ( قَوْلُهُ حَنِثَ الْبَعْضُ ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ : ثُمَّ إذَا فَعَلَ مِمَّا حَرَّمَهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا حَنِثَ وَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إذَا ثَبَتَ تَنَاوَلَ كُلَّ جُزْءٍ مِنْهُ . ا هـ . ( قَوْلُهُ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِالْكُلِّ ) أَيْ بِكَلَامِ كُلِّ الْقَوْمِ الْمُخَاطَبِينَ وَأَكْلِ كُلِّ الرَّغِيفِ ، فَلَا يَحْنَثُ بِكَلَامِ بَعْضِهِمْ وَلَا أَكْلِ لُقْمَةٍ . قَالَ فِي النَّهْرِ : وَجَزَمَ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْمُحِيطِ فِي : أَكْلُ الرَّغِيفِ عَلَيَّ حَرَامٌ بِأَنَّهُ يَحْنَثُ بِلُقْمَةٍ ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ أَنَّ تَحْرِيمَهُ الرَّغِيفَ عَلَى نَفْسِهِ تَحْرِيمُ أَجْزَائِهِ أَيْضًا ، وَفِي لَا آكُلُهُ إنَّمَا مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ أَكْلِ الرَّغِيفِ كُلِّهِ فَلَا يَحْنَثُ بِالْبَعْضِ ، وَبِهَذَا يَضْعُفُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ ، قَالَ مَشَايِخُنَا الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَكْلُ هَذَا الرَّغِيفِ عَلَيَّ حَرَامٌ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ لُقْمَةٍ مِنْهُ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا آكُلُ هَذَا الرَّغِيفَ ; وَلَوْ قَالَ هَكَذَا لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْبَعْضِ . ا هـ .
قُلْت : وَيُشِيرُ إلَى هَذَا الْفَرْقِ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْهِدَايَةِ . وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الرَّغِيفَ اسْمٌ لِكُلِّهِ وَبِأَكْلِ بَعْضِهِ لَا يُسَمَّى آكِلًا لَهُ لَكِنْ إذَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَدْ جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ مُحَرَّمِ الْعَيْنِ حَيْثُ نَسَبَ التَّحْرِيمَ إلَى ذَاتِ الرَّغِيفِ وَجَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَمَا كَانَ مُحَرَّمًا لَا يَحِلُّ تَنَاوُلُ قَلِيلِهِ وَلَا كَثِيرِهِ ، وَحَيْثُ جَعَلْنَا هَذَا التَّحْرِيمَ يَمِينًا صَارَ حَالِفًا عَلَى عَدَمِ تَنَاوُلِ شَيْءٍ مِنْهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مَدْلُولُ الْأَصْلِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا آكُلُهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَنْعُ نَفْسِهِ عَنْ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ بَلْ عَنْ جَمِيعِهِ ، لَكِنْ أَيَّدَ فِي الْبَحْرِ كَلَامَ الْخَانِيَّةِ بِأَنَّ حُرْمَةَ الْعَيْنِ يُرَادُ مِنْهَا تَحْرِيمُ الْفِعْلِ ، فَإِذَا قَالَ هَذَا الطَّعَامُ عَلَيَّ حَرَامٌ فَالْمُرَادُ أَكْلُهُ وَفِي هَذَا الثَّوْبِ الْمُرَادُ لُبْسُهُ .
قُلْت : وَفِيهِ أَنَّ إسْنَادَ الْحُرْمَةِ إلَى الْعَيْنِ حَقِيقَةٌ عِنْدَنَا كَمَا تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ عَلَى مَعْنَى إخْرَاجِ الْعَيْنِ عَنْ مَحَلِّيَّةِ الْفِعْلِ لِيَنْتَفِ الْفِعْلُ بِالْأَوْلَى ، فَالْمَقْصُودُ نَفْيُ الْفِعْلِ وَتَوْصِيفُهُ بِالْحُرْمَةِ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ وَالِانْتِقَالِ عَنْ نَفْيِ الْعَيْنِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَ إسْنَادِ الْحُرْمَةِ إلَى الْفِعْلِ ابْتِدَاءً وَإِسْنَادِهَا إلَى الْعَيْنِ وَقَدْ ظَهَرَ فِيمَا ذَكَرُوهُ هُنَا ، لَكِنَّ هَذَا يَظْهَرُ فِي قَوْلِهِ هَذَا الرَّغِيفُ عَلَيَّ حَرَامٌ . أَمَّا لَوْ قَالَ أَكْلُ هَذَا الرَّغِيفِ عَلَيَّ حَرَامٌ لَا يَحْنَثُ بِالْبَعْضِ لِإِسْنَادِهِ الْحُرْمَةَ إلَى الْفِعْلِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا آكُلُهُ وَمِثْلُهُ كَلَامُكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ ، لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَمْ تُضَفْ إلَى الْعَيْنِ بَلْ الْفِعْلِ وَهُوَ الْكَلَامُ بِمَعْنَى التَّكْلِيمِ ، وَلَمْ أَرَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الَّذِي فِي الْخَانِيَّةِ هَذَا الرَّغِيفُ بِدُونِ لَفْظَةِ أَكْلُ عَلَى خِلَافِ مَا نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ الْمَارُّ إلَّا بِدُونِ لَفْظَةِ أَكْلُ ، نَعَمْ وَقَعَ التَّعْبِيرُ بِهَا فِي غَيْرِ الْخَانِيَّةِ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُشْكِلَةٌ فَلْتُحَرَّرْ ( قَوْلُهُ إلَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ إلَخْ ) أَيْ فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ بَعْضِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ لِمَشَايِخِنَا .
731 مَطْلَبٌ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مُعَيَّنًا فَأَكَلَ بَعْضَهُ
وَالْأَصْلُ فِيمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مُعَيَّنًا فَأَكَلَ بَعْضَهُ إنْ كَانَ يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ فِي مَجْلِسٍ أَوْ يَشْرَبُهُ فِي شَرْبَةٍ فَالْحَلِفُ عَلَى جَمِيعِهِ ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ بَعْضِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الِامْتِنَاعُ عَنْ أَكْلِهِ ، وَكُلُّ مَا لَا يُطَاقُ أَكْلُهُ فِي الْمَجْلِسِ وَلَا شُرْبُهُ فِي شَرْبَةٍ يَحْنَثُ بِأَكْلِ بَعْضِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْيَمِينِ الِامْتِنَاعُ عَنْ أَصْلِهِ لَا عَنْ جَمِيعِهِ ، وَلَوْ قَالَ لَا أَشْرَبُ لَبَنَ هَاتَيْنِ الشَّاتَيْنِ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَشْرَبَ مِنْ لَبَنِ كُلِّ شَاةٍ ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ شُرْبُ الْكُلِّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، أَوْ لَا يَأْكُلُ سَمْنَ هَذِهِ الْخَابِيَةِ فَأَكَلَ بَعْضَهُ حَنِثَ ; وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْأَكْلِ بَيْعٌ فَبَاعَ بَعْضَهَا لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الْأَكْلَ لَا يَتَأَتَّى عَلَى جَمِيعِهِ فِي مَجْلِسٍ وَيَتَأَتَّى الْبَيْعُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ . زَادَ فِي الْبَدَائِعِ عَنْ الْأَصْلِ : لَوْ قَالَ لَا آكُلُ هَذِهِ الرُّمَّانَةَ فَأَكَلَهَا إلَّا حَبَّةً أَوْ حَبَّتَيْنِ حَنِثَ فِي الِاسْتِحْسَانِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ يُقَالُ إنَّهُ أَكَلَهَا ، وَإِنْ تَرَكَ نِصْفَهَا أَوْ ثُلُثَهَا أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا لَا يَجْرِي فِي الْعُرْفِ أَنَّهُ يَسْقُطُ مِنْ الرُّمَّانَةِ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى أَكْلًا لِجَمِيعِهَا . ا هـ . وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ الرَّغِيفِ وَغَيْرِهِ كَاللُّقْمَةِ كَالْعَدَمِ ا هـ مُلَخَّصًا مِنْ الْبَحْرِ فِي بَابِ الْيَمِينِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَسَيَأْتِي هَذَا الْأَصْلُ هُنَاكَ ( قَوْلُهُ أَوْ حَلَفَ إلَخْ ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْمُسْتَثْنَى وَهُوَ قَوْلُهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ أَكْلُهُ . قَالَ فِي النَّهْرِ : وَفِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ : وَكَذَا كَلَامُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ عَلَيَّ حَرَامٌ يَحْنَثُ بِكَلَامِ أَحَدِهِمَا ، وَكَذَا كَلَامُ أَهْلِ بَغْدَادَ . وَفِي الْمُحِيطِ فِي : كَلَامُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا وَفُلَانًا الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ مَا لَمْ يُكَلِّمْهُمَا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ كَلَامَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَحْنَثُ بِكَلَامِ أَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ . ا هـ .
قُلْت : وَهَذَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ لَا بَعْدَ الْعَاطِفِ .
مَطْلَبٌ لَا أَذُوقُ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا حَنِثَ بِأَحَدِهِمَا ، بِخِلَافِ لَا أَذُوقُ طَعَامًا وَشَرَابًا فَفِي الْبَزَّازِيَّةِ : حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يَذُوقُ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا فَذَاقَ أَحَدَهُمَا طَلُقَتْ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا وَلَا فُلَانًا . وَلَوْ قَالَ لَا أَذُوقُ طَعَامًا وَشَرَابًا فَذَاقَ أَحَدَهُمَا لَا يَحْنَثُ . ا هـ . وَإِذَا كَرَّرَ لَا فَإِنَّهُ يَصِيرُ يَمِينَيْنِ كَمَا سَنَذْكُرُ فِي بَحْثِ الْكَلَامِ عَنْ الْوَاقِعَاتِ ( قَوْلُهُ وَنَوَى أَحَدَهُمَا ) أَيْ نَوَى أَنْ لَا يُكَلِّمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .
[ تَنْبِيهٌ ] فِي الْحَاوِي الزَّاهِدِيِّ عَنْ الْجَامِعِ : إنْ لَمْ أَكُنْ ضَرَبْت هَذَيْنِ السَّوْطَيْنِ فِي دَارِ فُلَانٍ فَعَبْدِي حُرٌّ فَضَرَبَ أَحَدَهُمَا فِي دَارِ غَيْرِهِ ، أَوْ قَالَ إنْ لَمْ أُكَلِّمْ فُلَانًا وَفُلَانًا الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَكَلَّمَ أَحَدَهُمَا الْيَوْمَ فَقَطْ يَحْنَثُ . قَالَ : وَأَلْحَقَ بَعْضَهُمْ بِذَلِكَ : إنْ لَمْ تَحْضُرِي فِرَاشِي وَلَمْ تُرَاعِينِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَلَمْ تَحْضُرْ فِرَاشَهُ وَلَكِنْ رَاعَتْهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ . قَالَ : وَفِيهِ إشْكَالٌ ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ جَلِيٌّ لِأَنَّ الْحِنْثَ فِي الْيَمِينِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا صَدَقَ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ الشَّرْطِ ، فَفِي إنْ دَخَلْت الدَّارَ إنَّمَا يَحْنَثُ إذَا صَدَقَ دَخَلْت ، وَفِي إنْ لَمْ أَدْخُلْ إنَّمَا يَحْنَثُ إذَا صَدَقَ لَمْ أَدْخُلْ ، فَإِذَا قَالَ إنْ لَمْ أَدْخُلْ هَاتَيْنِ الدَّارَيْنِ الْيَوْمَ أَوْ إنْ لَمْ أَكُنْ ضَرَبْت هَذَيْنِ السَّوْطَيْنِ فِي دَارِ فُلَانٍ فَحَرْفُ الشَّرْطِ دَخَلَ عَلَى النَّفْيِ وَهُوَ لَمْ أَكُنْ دَخَلْت أَوْ ضَرَبْت هَاتَيْنِ وَهُوَ نَفْيٌ لِمَجْمُوعِ دُخُولِ الدَّارَيْنِ وَضَرْبِ السَّوْطَيْنِ وَنَفْيُ الْمَجْمُوعِ يَتَحَقَّقُ بِنَفْيِ أَحَدِ أَجْزَائِهِ ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ لَمْ تَحْضُرِي فِرَاشِي وَلَمْ تُرَاعِينِي فَإِنَّهُ لَمَّا كَرَّرَ حَرْفَ النَّفْيِ كَانَ نَفْيًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا ، وَنَفْيُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَصْدُقُ مَعَ ثُبُوتِ أَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَصْدُقُ قَوْلُنَا لَمْ يَقْدُمْ زَيْدٌ وَلَمْ يَقْدُمْ عَمْرٌو مَعَ قُدُومِ أَحَدِهِمَا ، وَيَصْدُقُ إنْ لَمْ يَقْدُمْ زَيْدٌ وَعَمْرٌو مَعَ أَحَدِهِمَا ، لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْجَوَابِ ، فَإِنَّهُ قَالَ إذَا قَالَ إنْ لَمْ تُكَلِّمِي فُلَانًا وَلَمْ تُكَلِّمِي 732 فُلَانًا الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَكَلَّمَتْ أَحَدَهُمَا وَمَضَى الْيَوْمُ طَلُقَتْ ، فَقَدْ صَحَّ هَذَا الْجَوَابُ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ ، لَكِنْ مَا قُلْته مِنْ الْإِشْكَالِ قَوِيٌّ . ا هـ .
قُلْت : وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إذَا كَرَّرَ حَرْفَ النَّفْيِ يَكُونُ نَفْيُ كُلِّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ مَقْصُودًا ; فَفِي : إنْ لَمْ تَحْضُرِي فِرَاشِي وَلَمْ تُرَاعِينِي يَتَحَقَّقُ شَرْطُ الْحِنْثِ بِنَفْيِ كُلِّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ ، لِأَنَّهُ إذَا كَرَّرَ النَّفْيَ تَتَكَرَّرُ الْيَمِينُ ، حَتَّى لَوْ قَالَ لَا أُكَلِّمُك الْيَوْمَ وَلَا غَدًا وَلَا بَعْدَ غَدٍّ فَهِيَ أَيْمَانٌ ثَلَاثَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يُكَرِّرْ النَّفْيَ فَهِيَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ ، حَتَّى لَوْ كَلَّمَهُ لَيْلًا يَحْنَثُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا سَيَأْتِي عَنْ الْوَاقِعَاتِ فِي بَحْثِ الْكَلَامِ . وَأَمَّا عَدَمُ الصِّدْقِ فِي لَمْ يَقْدُمْ زَيْدٌ وَلَمْ يَقْدُمْ عَمْرٌو مَعَ قُدُومِ زَيْدٍ مَثَلًا فَلِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ قُدُومِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ حَيْثُ جَعَلَهُ مَقْصُودًا بِالنَّفْيِ ، فَإِذَا عَلَّقَ ذَلِكَ بِالشَّرْطِ يَتَحَقَّقُ شَرْطُ الْحِنْثِ وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَقْدُمُ زَيْدٌ ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَدَبَّرْهُ ( قَوْلُهُ وَلَهُ أَخٌ وَاحِدٌ ) أَيْ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ كَمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ قُبَيْلَ بَابِ الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ ، فَحِينَئِذٍ يَحْنَثُ إذَا كَلَّمَهُ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْجَمْعَ وَأَرَادَ الْوَاحِدَ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْأَخَ وَاحِدٌ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْوَاحِدَ فَبَقِيَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْجَمْعِ ، كَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ ثَلَاثَةَ أَرْغِفَةٍ مِنْ هَذَا الْحَبِّ وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا رَغِيفٌ وَاحِدٌ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ لَا يَحْنَثُ بَحْرٌ عَنْ الْوَاقِعَاتِ ( قَوْلُهُ قُلْت إلَخْ ) الْبَحْثُ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ فِي الْبَابِ الْآتِي ، وَقَوْلُهُ وَبِهِ عُلِمَ : أَيْ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِخْوَةِ فَإِنَّهُ جَمْعٌ لَيْسَ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ بَلْ هُوَ مُضَافٌ مِثْلُ أَوْلَادِ زَوْجَتِهِ ، فَحَيْثُ كَانَ عَالِمًا بِتَعَدُّدِهِمْ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِالْجَمْعِ كَمَا فِي لَا أُكَلِّمُ رِجَالًا أَوْ نِسَاءً ، بِخِلَافِ مَا فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ مِثْلُ لَا أُكَلِّمُ الْفُقَرَاءَ أَوْ الْمَسَاكِينَ أَوْ الرِّجَالَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِالْوَاحِدِ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ كَمَا فِي الْوَاقِعَاتِ .
مَطْلَبُ الْجَمْعِ الْمُضَافِ كَالْمُنَكَّرِ ، بِخِلَافِ الْمُعَرَّفِ بِأَلْ
وَمَا مَرَّ عَنْ الْوَاقِعَاتِ فِي إخْوَةِ فُلَانٍ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْجَمْعَ الْمُضَافَ كَالْمُنَكَّرِ ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ الْيَمِينِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْكَلَامِ تَمَامُ تَحْقِيقِ الْمُعَرَّفِ وَالْمُنَكَّرِ وَالْمُضَافِ . وَتَحْرِيرُ جَوَابِ هَذِهِ الْحَادِثَةِ . قَالَ فِي الْبَحْرِ : لَكِنْ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ إنْ أَحْسَنْت إلَى أَقْرِبَائِك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَحْسَنَتْ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْنَثُ وَلَا يُرَادُ الْجَمْعُ فِي عُرْفِنَا ا هـ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ فِي الْعُرْفِ فَرْقًا . ا هـ .
قُلْت : لَا يَخْفَى أَنَّ الْعُرْفَ الْآنَ عَدَمُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ إخْوَةِ فُلَانٍ وَأَقْرِبَائِك وَأَوْلَادِ زَوْجَتِهِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْجَمْعِ الْمُضَافِ فِي أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ الصَّادِقُ بِالْوَاحِدِ وَالْأَكْثَرِ ، فَيَنْبَغِي الْحِنْثُ فِي الْحَادِثَةِ الْمَذْكُورَةِ .
( قَوْلُهُ أَيْ عَلَى نَفْسِهِ ) تَبِعَ فِي هَذَا التَّعْبِيرِ صَاحِبَ الْبَحْرِ ، حَيْثُ قَالَ : وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَوْ جَعَلَ حُرْمَتَهُ مُعَلَّقَةً عَلَى فِعْلِهِ فَإِنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ : لَوْ قَالَ إنْ أَكَلْت هَذَا الطَّعَامَ فَهُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ فَأَكَلَهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ ا هـ كَلَامُ الْبَحْرِ . وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ فِي التَّعْلِيقِ أَيْضًا حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ تَحْرِيمٌ مُعَلَّقٌ فَلَا تَحْسُنُ الْمُقَابَلَةُ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ قَيَّدَ بِتَنْجِيزِ الْحُرْمَةِ لِأَنَّهُ لَوْ عَلَّقَهَا إلَخْ . ا هـ . ح .
قُلْت : وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ كَذَلِكَ لَوَرَدَ عَلَيْهِ مِثْلُ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَهَذَا الطَّعَامُ عَلَيَّ حَرَامٌ مَعَ أَنَّهُ عَلَّقَهَا عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ ، بَلْ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ قَيَّدَ بِتَنْجِيزِ الْحُرْمَةِ لِأَنَّهُ لَوْ عَلَّقَهَا عَلَى فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُرَادَ الْبَحْرِ فِي قَوْلُهُ عَلَى فِعْلِهِ : أَيْ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ وَاسْتَشْكَلَهُ الْمُصَنِّفُ ) أَيْ حَيْثُ قَالَ قُلْت وَهُوَ مُشْكِلٌ بِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ كَالْمُنَجَّزِ عِنْدَ وُقُوعِ الشَّرْطِ . ا هـ . وَالْجَوَابُ بِالْفَرْقِ هُنَا بَيْنَ الْمُنَجَّزِ وَالْمُعَلَّقِ ، وَهُوَ أَنَّ فِي الْمُنَجَّزِ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ طَعَامًا مَوْجُودًا ، أَمَّا فِي الْمُعَلَّقِ فَإِنَّهُ مَا حَرَّمَهُ إلَّا بَعْدَ الْأَكْلِ ، لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الْجَزَاءَ يَنْزِلُ عَقِبَ الشَّرْطِ ، وَحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ الطَّعَامُ مَوْجُودًا ا هـ ح .
قُلْت : لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْفَتْحِ مَسْأَلَةَ الْخُلَاصَةِ الْمَذْكُورَةَ . ثُمَّ قَالَ عَقِبَهَا : وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى : لَوْ قَالَ كُلُّ طَعَامٍ آكُلُهُ فِي مَنْزِلِك فَهُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ ، فَفِي الْقِيَاسِ لَا يَحْنَثُ إذَا أَكَلَهُ ، هَكَذَا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ . وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَحْنَثُ ; وَالنَّاسُ يُرِيدُونَ بِهَذَا أَنَّ أَكْلَهُ حَرَامٌ ا هـ وَعَلَى هَذَا يَجِبُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا أَنْ يَحْنَثَ إذَا أَكَلَهُ ، وَكَذَا مَا ذُكِرَ فِي الْحِيَلِ إنْ أَكَلْت طَعَامًا عِنْدَك أَبَدًا فَهُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ فَأَكَلَهُ لَمْ يَحْنَثْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جَوَابَ الْقِيَاسِ ا هـ وَتَبِعَهُ فِي النَّهْرِ ( قَوْلُهُ فَيَمِينٌ ) لِأَنَّ حُرْمَتَهُ لَا تَمْنَعُ كَوْنَهُ حَالِفًا نَهْرٌ ( قَوْلُهُ مَا لَمْ يَرُدَّ الْإِخْبَارَ ) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ إنْ أَرَادَ الْإِنْشَاءَ ، فَيَخْرُجُ مَا إذَا أَرَادَ الْإِخْبَارَ أَوْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا ، لِأَنَّ عِبَارَةَ الْخَانِيَّةِ هَكَذَا : إذَا قَالَ هَذِهِ الْخَمْرُ عَلَيَّ حَرَامٌ فِيهِ قَوْلَانِ .
وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يَنْوِي فِي ذَلِكَ إنْ أَرَادَ بِهِ الْخَبَرَ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْيَمِينَ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَعِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ . ا هـ . وَفِي الْفَتْحِ : وَإِنْ أَرَادَ الْإِخْبَارَ أَوْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ إخْبَارًا ( قَوْلُهُ بِأَكْلٍ أَوْ نَفَقَةٍ ) أَيْ أَوْ نَحْوِهِمَا مِنْ لُبْسِ ثَوْبٍ أَوْ سُكْنَى دَارٍ ، كُلُّ شَيْءٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ وَيُقْصَدُ مِنْهُ . قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَاعْلَمْ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ تَحْرِيمِ هَذِهِ الْأَعْيَانِ انْصِرَافُ الْيَمِينِ إلَى الْفِعْلِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا كَمَا فِي تَحْرِيمِ الشَّرْعِ لَهَا فِي نَحْوِ - { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ } - وَحُرِّمَتْ الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى النِّكَاحِ وَالشُّرْبِ وَالْأَكْلِ .
وَلِذَا 730 قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : لَوْ قَالَ هَذَا الثَّوْبُ عَلَيَّ حَرَامٌ فَلَبِسَهُ حَنِثَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَهُ ( قَوْلُهُ وَلَوْ تَصَدَّقَ إلَخْ ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَلَوْ قَالَ لِدَرَاهِمَ فِي يَدِهِ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ عَلَيَّ حَرَامٌ ، إنْ اشْتَرَى بِهَا حَنِثَ ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا أَوْ وَهَبَهَا لَمْ يَحْنَثْ بِحُكْمِ الْعُرْفِ ا هـ أَيْ أَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ تَحْرِيمُ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لِنَفْسِهِ ، بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا مَا يَأْكُلُهُ أَوْ يَلْبَسُهُ لَا بِأَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ قَضَى بِهَا دَيْنَهُ لَا يَحْنَثُ تَأَمَّلْ . وَفِي الْبَحْرِ : وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلدَّرَاهِمِ ، بَلْ لَوْ وَهَبَ مَا جَعَلَهُ حَرَامًا أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّحْرِيمِ حُرْمَةُ الِاسْتِمْتَاعِ ( قَوْلُهُ لِيَمِينِهِ ) أَيْ لِأَجْلِ يَمِينِهِ الَّتِي حَنِثَ بِهَا ، فَهُوَ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ كَفَّرَ ، وَقَوْلُهُ لِمَا تَقَرَّرَ إلَخْ عِلَّةٌ لِكَوْنِ ذَلِكَ يَمِينًا فَهُوَ عِلَّةٌ لِلْعِلَّةِ . وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ قَدْ لَا يَكُونُ يَمِينًا بِأَنْ قَصَدَ الْإِخْبَارَ لِأَنَّهُ إذَا قَصَدَ الْإِخْبَارَ لَمْ يُوجَدْ التَّحْرِيمُ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إنْشَاءٌ وَالْإِخْبَارَ حِكَايَةٌ فَافْهَمْ ، وَدَلِيلُ كَوْنِ التَّحْرِيمِ يَمِينًا مَبْسُوطٌ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ ( قَوْلُهُ حَنِثَ الْبَعْضُ ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ : ثُمَّ إذَا فَعَلَ مِمَّا حَرَّمَهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا حَنِثَ وَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إذَا ثَبَتَ تَنَاوَلَ كُلَّ جُزْءٍ مِنْهُ . ا هـ . ( قَوْلُهُ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِالْكُلِّ ) أَيْ بِكَلَامِ كُلِّ الْقَوْمِ الْمُخَاطَبِينَ وَأَكْلِ كُلِّ الرَّغِيفِ ، فَلَا يَحْنَثُ بِكَلَامِ بَعْضِهِمْ وَلَا أَكْلِ لُقْمَةٍ . قَالَ فِي النَّهْرِ : وَجَزَمَ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْمُحِيطِ فِي : أَكْلُ الرَّغِيفِ عَلَيَّ حَرَامٌ بِأَنَّهُ يَحْنَثُ بِلُقْمَةٍ ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ أَنَّ تَحْرِيمَهُ الرَّغِيفَ عَلَى نَفْسِهِ تَحْرِيمُ أَجْزَائِهِ أَيْضًا ، وَفِي لَا آكُلُهُ إنَّمَا مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ أَكْلِ الرَّغِيفِ كُلِّهِ فَلَا يَحْنَثُ بِالْبَعْضِ ، وَبِهَذَا يَضْعُفُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ ، قَالَ مَشَايِخُنَا الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَكْلُ هَذَا الرَّغِيفِ عَلَيَّ حَرَامٌ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ لُقْمَةٍ مِنْهُ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا آكُلُ هَذَا الرَّغِيفَ ; وَلَوْ قَالَ هَكَذَا لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْبَعْضِ . ا هـ .
قُلْت : وَيُشِيرُ إلَى هَذَا الْفَرْقِ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْهِدَايَةِ . وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الرَّغِيفَ اسْمٌ لِكُلِّهِ وَبِأَكْلِ بَعْضِهِ لَا يُسَمَّى آكِلًا لَهُ لَكِنْ إذَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَدْ جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ مُحَرَّمِ الْعَيْنِ حَيْثُ نَسَبَ التَّحْرِيمَ إلَى ذَاتِ الرَّغِيفِ وَجَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَمَا كَانَ مُحَرَّمًا لَا يَحِلُّ تَنَاوُلُ قَلِيلِهِ وَلَا كَثِيرِهِ ، وَحَيْثُ جَعَلْنَا هَذَا التَّحْرِيمَ يَمِينًا صَارَ حَالِفًا عَلَى عَدَمِ تَنَاوُلِ شَيْءٍ مِنْهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مَدْلُولُ الْأَصْلِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا آكُلُهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَنْعُ نَفْسِهِ عَنْ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ بَلْ عَنْ جَمِيعِهِ ، لَكِنْ أَيَّدَ فِي الْبَحْرِ كَلَامَ الْخَانِيَّةِ بِأَنَّ حُرْمَةَ الْعَيْنِ يُرَادُ مِنْهَا تَحْرِيمُ الْفِعْلِ ، فَإِذَا قَالَ هَذَا الطَّعَامُ عَلَيَّ حَرَامٌ فَالْمُرَادُ أَكْلُهُ وَفِي هَذَا الثَّوْبِ الْمُرَادُ لُبْسُهُ .
قُلْت : وَفِيهِ أَنَّ إسْنَادَ الْحُرْمَةِ إلَى الْعَيْنِ حَقِيقَةٌ عِنْدَنَا كَمَا تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ عَلَى مَعْنَى إخْرَاجِ الْعَيْنِ عَنْ مَحَلِّيَّةِ الْفِعْلِ لِيَنْتَفِ الْفِعْلُ بِالْأَوْلَى ، فَالْمَقْصُودُ نَفْيُ الْفِعْلِ وَتَوْصِيفُهُ بِالْحُرْمَةِ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ وَالِانْتِقَالِ عَنْ نَفْيِ الْعَيْنِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَ إسْنَادِ الْحُرْمَةِ إلَى الْفِعْلِ ابْتِدَاءً وَإِسْنَادِهَا إلَى الْعَيْنِ وَقَدْ ظَهَرَ فِيمَا ذَكَرُوهُ هُنَا ، لَكِنَّ هَذَا يَظْهَرُ فِي قَوْلِهِ هَذَا الرَّغِيفُ عَلَيَّ حَرَامٌ . أَمَّا لَوْ قَالَ أَكْلُ هَذَا الرَّغِيفِ عَلَيَّ حَرَامٌ لَا يَحْنَثُ بِالْبَعْضِ لِإِسْنَادِهِ الْحُرْمَةَ إلَى الْفِعْلِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا آكُلُهُ وَمِثْلُهُ كَلَامُكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ ، لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَمْ تُضَفْ إلَى الْعَيْنِ بَلْ الْفِعْلِ وَهُوَ الْكَلَامُ بِمَعْنَى التَّكْلِيمِ ، وَلَمْ أَرَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الَّذِي فِي الْخَانِيَّةِ هَذَا الرَّغِيفُ بِدُونِ لَفْظَةِ أَكْلُ عَلَى خِلَافِ مَا نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ الْمَارُّ إلَّا بِدُونِ لَفْظَةِ أَكْلُ ، نَعَمْ وَقَعَ التَّعْبِيرُ بِهَا فِي غَيْرِ الْخَانِيَّةِ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُشْكِلَةٌ فَلْتُحَرَّرْ ( قَوْلُهُ إلَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ إلَخْ ) أَيْ فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ بَعْضِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ لِمَشَايِخِنَا .
731 مَطْلَبٌ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مُعَيَّنًا فَأَكَلَ بَعْضَهُ
وَالْأَصْلُ فِيمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مُعَيَّنًا فَأَكَلَ بَعْضَهُ إنْ كَانَ يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ فِي مَجْلِسٍ أَوْ يَشْرَبُهُ فِي شَرْبَةٍ فَالْحَلِفُ عَلَى جَمِيعِهِ ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ بَعْضِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الِامْتِنَاعُ عَنْ أَكْلِهِ ، وَكُلُّ مَا لَا يُطَاقُ أَكْلُهُ فِي الْمَجْلِسِ وَلَا شُرْبُهُ فِي شَرْبَةٍ يَحْنَثُ بِأَكْلِ بَعْضِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْيَمِينِ الِامْتِنَاعُ عَنْ أَصْلِهِ لَا عَنْ جَمِيعِهِ ، وَلَوْ قَالَ لَا أَشْرَبُ لَبَنَ هَاتَيْنِ الشَّاتَيْنِ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَشْرَبَ مِنْ لَبَنِ كُلِّ شَاةٍ ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ شُرْبُ الْكُلِّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، أَوْ لَا يَأْكُلُ سَمْنَ هَذِهِ الْخَابِيَةِ فَأَكَلَ بَعْضَهُ حَنِثَ ; وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْأَكْلِ بَيْعٌ فَبَاعَ بَعْضَهَا لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الْأَكْلَ لَا يَتَأَتَّى عَلَى جَمِيعِهِ فِي مَجْلِسٍ وَيَتَأَتَّى الْبَيْعُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ . زَادَ فِي الْبَدَائِعِ عَنْ الْأَصْلِ : لَوْ قَالَ لَا آكُلُ هَذِهِ الرُّمَّانَةَ فَأَكَلَهَا إلَّا حَبَّةً أَوْ حَبَّتَيْنِ حَنِثَ فِي الِاسْتِحْسَانِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ يُقَالُ إنَّهُ أَكَلَهَا ، وَإِنْ تَرَكَ نِصْفَهَا أَوْ ثُلُثَهَا أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا لَا يَجْرِي فِي الْعُرْفِ أَنَّهُ يَسْقُطُ مِنْ الرُّمَّانَةِ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى أَكْلًا لِجَمِيعِهَا . ا هـ . وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ الرَّغِيفِ وَغَيْرِهِ كَاللُّقْمَةِ كَالْعَدَمِ ا هـ مُلَخَّصًا مِنْ الْبَحْرِ فِي بَابِ الْيَمِينِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَسَيَأْتِي هَذَا الْأَصْلُ هُنَاكَ ( قَوْلُهُ أَوْ حَلَفَ إلَخْ ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْمُسْتَثْنَى وَهُوَ قَوْلُهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ أَكْلُهُ . قَالَ فِي النَّهْرِ : وَفِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ : وَكَذَا كَلَامُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ عَلَيَّ حَرَامٌ يَحْنَثُ بِكَلَامِ أَحَدِهِمَا ، وَكَذَا كَلَامُ أَهْلِ بَغْدَادَ . وَفِي الْمُحِيطِ فِي : كَلَامُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا وَفُلَانًا الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ مَا لَمْ يُكَلِّمْهُمَا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ كَلَامَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَحْنَثُ بِكَلَامِ أَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ . ا هـ .
قُلْت : وَهَذَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ لَا بَعْدَ الْعَاطِفِ .
مَطْلَبٌ لَا أَذُوقُ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا حَنِثَ بِأَحَدِهِمَا ، بِخِلَافِ لَا أَذُوقُ طَعَامًا وَشَرَابًا فَفِي الْبَزَّازِيَّةِ : حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يَذُوقُ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا فَذَاقَ أَحَدَهُمَا طَلُقَتْ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا وَلَا فُلَانًا . وَلَوْ قَالَ لَا أَذُوقُ طَعَامًا وَشَرَابًا فَذَاقَ أَحَدَهُمَا لَا يَحْنَثُ . ا هـ . وَإِذَا كَرَّرَ لَا فَإِنَّهُ يَصِيرُ يَمِينَيْنِ كَمَا سَنَذْكُرُ فِي بَحْثِ الْكَلَامِ عَنْ الْوَاقِعَاتِ ( قَوْلُهُ وَنَوَى أَحَدَهُمَا ) أَيْ نَوَى أَنْ لَا يُكَلِّمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .
[ تَنْبِيهٌ ] فِي الْحَاوِي الزَّاهِدِيِّ عَنْ الْجَامِعِ : إنْ لَمْ أَكُنْ ضَرَبْت هَذَيْنِ السَّوْطَيْنِ فِي دَارِ فُلَانٍ فَعَبْدِي حُرٌّ فَضَرَبَ أَحَدَهُمَا فِي دَارِ غَيْرِهِ ، أَوْ قَالَ إنْ لَمْ أُكَلِّمْ فُلَانًا وَفُلَانًا الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَكَلَّمَ أَحَدَهُمَا الْيَوْمَ فَقَطْ يَحْنَثُ . قَالَ : وَأَلْحَقَ بَعْضَهُمْ بِذَلِكَ : إنْ لَمْ تَحْضُرِي فِرَاشِي وَلَمْ تُرَاعِينِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَلَمْ تَحْضُرْ فِرَاشَهُ وَلَكِنْ رَاعَتْهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ . قَالَ : وَفِيهِ إشْكَالٌ ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ جَلِيٌّ لِأَنَّ الْحِنْثَ فِي الْيَمِينِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا صَدَقَ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ الشَّرْطِ ، فَفِي إنْ دَخَلْت الدَّارَ إنَّمَا يَحْنَثُ إذَا صَدَقَ دَخَلْت ، وَفِي إنْ لَمْ أَدْخُلْ إنَّمَا يَحْنَثُ إذَا صَدَقَ لَمْ أَدْخُلْ ، فَإِذَا قَالَ إنْ لَمْ أَدْخُلْ هَاتَيْنِ الدَّارَيْنِ الْيَوْمَ أَوْ إنْ لَمْ أَكُنْ ضَرَبْت هَذَيْنِ السَّوْطَيْنِ فِي دَارِ فُلَانٍ فَحَرْفُ الشَّرْطِ دَخَلَ عَلَى النَّفْيِ وَهُوَ لَمْ أَكُنْ دَخَلْت أَوْ ضَرَبْت هَاتَيْنِ وَهُوَ نَفْيٌ لِمَجْمُوعِ دُخُولِ الدَّارَيْنِ وَضَرْبِ السَّوْطَيْنِ وَنَفْيُ الْمَجْمُوعِ يَتَحَقَّقُ بِنَفْيِ أَحَدِ أَجْزَائِهِ ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ لَمْ تَحْضُرِي فِرَاشِي وَلَمْ تُرَاعِينِي فَإِنَّهُ لَمَّا كَرَّرَ حَرْفَ النَّفْيِ كَانَ نَفْيًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا ، وَنَفْيُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَصْدُقُ مَعَ ثُبُوتِ أَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَصْدُقُ قَوْلُنَا لَمْ يَقْدُمْ زَيْدٌ وَلَمْ يَقْدُمْ عَمْرٌو مَعَ قُدُومِ أَحَدِهِمَا ، وَيَصْدُقُ إنْ لَمْ يَقْدُمْ زَيْدٌ وَعَمْرٌو مَعَ أَحَدِهِمَا ، لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْجَوَابِ ، فَإِنَّهُ قَالَ إذَا قَالَ إنْ لَمْ تُكَلِّمِي فُلَانًا وَلَمْ تُكَلِّمِي 732 فُلَانًا الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَكَلَّمَتْ أَحَدَهُمَا وَمَضَى الْيَوْمُ طَلُقَتْ ، فَقَدْ صَحَّ هَذَا الْجَوَابُ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ ، لَكِنْ مَا قُلْته مِنْ الْإِشْكَالِ قَوِيٌّ . ا هـ .
قُلْت : وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إذَا كَرَّرَ حَرْفَ النَّفْيِ يَكُونُ نَفْيُ كُلِّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ مَقْصُودًا ; فَفِي : إنْ لَمْ تَحْضُرِي فِرَاشِي وَلَمْ تُرَاعِينِي يَتَحَقَّقُ شَرْطُ الْحِنْثِ بِنَفْيِ كُلِّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ ، لِأَنَّهُ إذَا كَرَّرَ النَّفْيَ تَتَكَرَّرُ الْيَمِينُ ، حَتَّى لَوْ قَالَ لَا أُكَلِّمُك الْيَوْمَ وَلَا غَدًا وَلَا بَعْدَ غَدٍّ فَهِيَ أَيْمَانٌ ثَلَاثَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يُكَرِّرْ النَّفْيَ فَهِيَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ ، حَتَّى لَوْ كَلَّمَهُ لَيْلًا يَحْنَثُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا سَيَأْتِي عَنْ الْوَاقِعَاتِ فِي بَحْثِ الْكَلَامِ . وَأَمَّا عَدَمُ الصِّدْقِ فِي لَمْ يَقْدُمْ زَيْدٌ وَلَمْ يَقْدُمْ عَمْرٌو مَعَ قُدُومِ زَيْدٍ مَثَلًا فَلِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ قُدُومِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ حَيْثُ جَعَلَهُ مَقْصُودًا بِالنَّفْيِ ، فَإِذَا عَلَّقَ ذَلِكَ بِالشَّرْطِ يَتَحَقَّقُ شَرْطُ الْحِنْثِ وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَقْدُمُ زَيْدٌ ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَدَبَّرْهُ ( قَوْلُهُ وَلَهُ أَخٌ وَاحِدٌ ) أَيْ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ كَمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ قُبَيْلَ بَابِ الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ ، فَحِينَئِذٍ يَحْنَثُ إذَا كَلَّمَهُ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْجَمْعَ وَأَرَادَ الْوَاحِدَ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْأَخَ وَاحِدٌ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْوَاحِدَ فَبَقِيَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْجَمْعِ ، كَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ ثَلَاثَةَ أَرْغِفَةٍ مِنْ هَذَا الْحَبِّ وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا رَغِيفٌ وَاحِدٌ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ لَا يَحْنَثُ بَحْرٌ عَنْ الْوَاقِعَاتِ ( قَوْلُهُ قُلْت إلَخْ ) الْبَحْثُ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ فِي الْبَابِ الْآتِي ، وَقَوْلُهُ وَبِهِ عُلِمَ : أَيْ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِخْوَةِ فَإِنَّهُ جَمْعٌ لَيْسَ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ بَلْ هُوَ مُضَافٌ مِثْلُ أَوْلَادِ زَوْجَتِهِ ، فَحَيْثُ كَانَ عَالِمًا بِتَعَدُّدِهِمْ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِالْجَمْعِ كَمَا فِي لَا أُكَلِّمُ رِجَالًا أَوْ نِسَاءً ، بِخِلَافِ مَا فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ مِثْلُ لَا أُكَلِّمُ الْفُقَرَاءَ أَوْ الْمَسَاكِينَ أَوْ الرِّجَالَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِالْوَاحِدِ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ كَمَا فِي الْوَاقِعَاتِ .
مَطْلَبُ الْجَمْعِ الْمُضَافِ كَالْمُنَكَّرِ ، بِخِلَافِ الْمُعَرَّفِ بِأَلْ
وَمَا مَرَّ عَنْ الْوَاقِعَاتِ فِي إخْوَةِ فُلَانٍ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْجَمْعَ الْمُضَافَ كَالْمُنَكَّرِ ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ الْيَمِينِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْكَلَامِ تَمَامُ تَحْقِيقِ الْمُعَرَّفِ وَالْمُنَكَّرِ وَالْمُضَافِ . وَتَحْرِيرُ جَوَابِ هَذِهِ الْحَادِثَةِ . قَالَ فِي الْبَحْرِ : لَكِنْ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ إنْ أَحْسَنْت إلَى أَقْرِبَائِك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَحْسَنَتْ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْنَثُ وَلَا يُرَادُ الْجَمْعُ فِي عُرْفِنَا ا هـ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ فِي الْعُرْفِ فَرْقًا . ا هـ .
قُلْت : لَا يَخْفَى أَنَّ الْعُرْفَ الْآنَ عَدَمُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ إخْوَةِ فُلَانٍ وَأَقْرِبَائِك وَأَوْلَادِ زَوْجَتِهِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْجَمْعِ الْمُضَافِ فِي أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ الصَّادِقُ بِالْوَاحِدِ وَالْأَكْثَرِ ، فَيَنْبَغِي الْحِنْثُ فِي الْحَادِثَةِ الْمَذْكُورَةِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث