رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الرابع
الصفحة 3466 · ص. المطبوع 15 · الشرح
( قَوْلُهُ وَلَا جَمْعَ بَيْنَ جَلْدٍ وَرَجْمٍ ) لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّ الْجَلْدَ يَعْرَى عَنْ الْمَقْصُودِ مَعَ الرَّجْمِ فَتْحٌ ( قَوْلُهُ أَيْ تَغْرِيبٍ فِي الْبِكْرِ ) أَيْ فِي غَيْرِ الْمُحْصَنِ ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ۝ الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ } " مَنْسُوخٌ كَشَطْرِهِ الْآخَرِ ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ۝ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ } " بَحْرٌ .
وَتَمَامُ تَحْقِيقِهِ فِي الْفَتْحِ ( قَوْلُهُ وَفَسَّرَهُ ) أَيْ فَسَّرَ النَّفْيَ الْمَرْوِيَّ فِي حَدِيثٍ آخَرَ كَرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصِنْ بِنَفْيِ عَامٍ وَإِقَامَةِ الْحَدِّ } " ( قَوْلُهُ وَهُوَ أَحْسَنُ إلَخْ " ) فِيهِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِرِوَايَاتِ التَّغْرِيبِ ، وَقَوْلُهُمْ إنَّ فِي النَّفْيِ فَتْحَ بَابِ الْفِتْنَةِ لِانْفِرَادِهَا عَنْ الْعَشِيرَةِ وَعَمَّنْ تَسْتَحِي مِنْهُ ، وَلِقَوْلِ عَلِيٍّ : حَسْبُهُمَا مِنْ الْفِتْنَةِ أَنْ يُنْفَيَا .
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : غَرَّبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فِي الشَّرَابِ إلَى خَيْبَرَ فَلَحِقَ بِهِرَقْلَ فَتَنَصَّرَ ، فَقَالَ عُمَرُ لَا أُغَرِّبُ بَعْدَهُ مُسْلِمًا كَمَا فِي الْفَتْحِ .
وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ فِعْلَ الْحَبْسِ أَحْسَنُ مِنْ فِعْلِ التَّغْرِيبِ ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ تَفْسِيرَ الْوَارِدِ بِذَلِكَ بِقَرِينَةِ التَّعْلِيلِ فَتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ ; لِأَنَّهُ يَعُودُ عَلَى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْضِ ) أَيْ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ الْمَنْعُ عَنْ الْفَسَادِ . وَفِي التَّغْرِيبِ فَتْحُ بَابِ الْفَسَادِ كَمَا عَلِمْت ، فَفِيهِ نَقْضٌ وَإِبْطَالٌ لِلْمَقْصُودِ مِنْهُ شَرْعًا فَكَأَنَّهُ شَبَّهَ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ بِالْمَوْضُوعِ وَهُوَ مَحِلُّ الْعَرْضِ الْمُخْتَصِّ بِهِ أَوْ بِمَوْضُوعِ الْعِلْمِ ، وَهُوَ مَا يَبْحَثُ فِيهِ عَنْ عَوَارِضِهِ الذَّاتِيَّةِ كَبَدَنِ الْإِنْسَانِ لِعِلْمِ الطَّبِّ تَأَمَّلْ .
مَطْلَبٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى السِّيَاسَةِ ( قَوْلُهُ إلَّا سِيَاسَةً وَتَعْزِيرًا ) أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحَدِّ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ مِنْ عَطْفٍ وَإِقَامَةِ حَدٍّ عَلَى نَفْيِ عَامٍ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الْفَتْحِ .
وَفِيهِ أَيْضًا : لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْإِمَامِ مَصْلَحَةٌ فِي التَّغْرِيبِ تَعْزِيرًا فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ ، وَهُوَ مَحْمَلُ الْوَاقِعِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ كَمَا غَرَّبَ عُمَرُ نَصْرَ بْنَ الْحَجَّاجِ لِافْتِتَانِ النِّسَاءِ بِجَمَالِهِ وَالْجَمَالُ لَا يُوجِبُ نَفْيًا .
وَعَلَى هَذَا كَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِ السُّلُوكِ الْمُحَقِّقِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنَّا بِهِمْ وَحَشَرَنَا مَعَهُمْ يُغَرِّبُونَ 15 الْمُرِيدَ إذَا بَدَا مِنْهُ قُوَّةُ نَفْسٍ وَلَجَاجٍ لِتَنْكَسِرَ نَفْسُهُ وَتَلِينَ ، مِثْلُ هَذَا الْمُرِيدِ أَوْ مَنْ هُوَ قَرِيبٌ مِنْهُ هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ رَأْيُ الْقَاضِي فِي التَّغْرِيبِ ، أَمَّا مَنْ لَمْ يَسْتَحِ وَلَهُ حَالٌ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِغَلَبَةِ النَّفْسِ فَنَفْيُهُ يُوَسِّعُ طُرُقَ الْفَسَادِ وَيُسَهِّلُهَا عَلَيْهِ . ا هـ .
[ تَنْبِيهٌ ] أَشَارَ كَلَامُ الْفَتْحِ إلَى أَنَّ السِّيَاسَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالزِّنَا وَهُوَ مَا عَزَاهُ الشَّارِحُ إلَى النَّهْرِ . وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ : السِّيَاسَةُ لَا تَخْتَصُّ بِالزِّنَا بَلْ تَجُوزُ فِي كُلِّ جِنَايَةٍ ، وَالرَّأْيُ فِيهَا إلَى الْإِمَامِ عَلَى مَا فِي الْكَافِي ، كَقَتْلِ مُبْتَدِعٍ يُتَوَهَّمُ مِنْهُ انْتِشَارُ بِدْعَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ كَمَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَهِيَ مَصْدَرُ سَاسَ الْوَالِي الرَّعِيَّةَ : أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ ، فَالسِّيَاسَةُ اسْتِصْلَاحُ الْخَلْقِ بِإِرْشَادِهِمْ إلَى الطَّرِيقِ الْمُنْجِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَهِيَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ فِي ظَاهِرِهِمْ وَبَاطِنِهِمْ ، وَمِنْ السَّلَاطِينِ وَالْمُلُوكِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ فِي ظَاهِرِهِ لَا غَيْرُ ، وَمِنْ الْعُلَمَاءِ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْخَاصَّةِ فِي بَاطِنِهِمْ لَا غَيْرُ كَمَا فِي الْمُفْرَدَاتِ وَغَيْرِهَا ا هـ وَمِثْلُهُ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى .
قُلْت : وَهَذَا تَعْرِيفٌ لِلسِّيَاسَةِ الْعَامَّةِ الصَّادِقَةِ عَلَى جَمِيعِ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَتُسْتَعْمَلُ أَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ زَجْرٌ وَتَأْدِيبٌ وَلَوْ بِالْقَتْلِ ، كَمَا قَالُوا فِي اللُّوطِيِّ وَالسَّارِقِ وَالْخَنَّاقِ إذَا تَكَرَّرَ مِنْهُمْ ذَلِكَ حَلَّ قَتْلُهُمْ سِيَاسَةً وَكَمَا مَرَّ فِي الْمُبْتَدِعِ ، وَلِذَا عَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا تَغْلِيظُ جِنَايَةٍ لَهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ حَسْمًا لِمَادَّةِ الْفَسَادِ ، وَقَوْلُهُ لَهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مَعْنَاهُ أَنَّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَإِنْ لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهَا بِخُصُوصِهَا فَإِنَّ مَدَارَ الشَّرِيعَةِ بَعْدَ قَوَاعِدِ الْإِيمَانِ عَلَى حَسْمِ مَوَادِّ الْفَسَادِ لِبَقَاءِ الْعَالَمِ ، وَلِذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ السِّيَاسَةَ هِيَ فِعْلُ شَيْءٍ مِنْ الْحَاكِمِ لِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا وَإِنْ لَمْ يُرَدْ بِذَلِكَ الْفِعْلِ دَلِيلٌ جُزْئِيٌّ ا هـ .
وَفِي حَاشِيَةِ مِسْكِينٍ عَنْ الْحَمَوِيِّ : السِّيَاسَةُ شَرْعٌ مُغَلَّظٌ ، وَهِيَ نَوْعَانِ : سِيَاسَةٌ ظَالِمَةٌ فَالشَّرِيعَةُ تُحَرِّمُهَا . وَسِيَاسَةٌ عَادِلَةٌ تُخْرِجُ الْحَقَّ مِنْ الظَّالِمِ ، وَتَدْفَعُ كَثِيرًا . مِنْ الْمَظَالِمِ ، وَتَرْدَعُ أَهْلَ الْفَسَادِ ، وَتُوَصِّلُ إلَى الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ فَالشَّرِيعَةُ تُوجِبُ الْمَصِيرَ إلَيْهَا وَالِاعْتِمَادَ فِي إظْهَارِ الْحَقِّ عَلَيْهَا ، وَهِيَ بَابٌ وَاسِعٌ ، فَمَنْ أَرَادَ تَفْصِيلَهَا فَعَلَيْهِ بِمُرَاجَعَةِ كِتَابِ مَعِينِ الْحُكَّامِ لِلْقَاضِي عَلَاءِ الدِّينِ الْأَسْوَدِ الطَّرَابُلُسِيِّ الْحَنَفِيِّ . ا هـ .
قُلْت : وَالظَّاهِرُ أَنَّ السِّيَاسَةَ وَالتَّعْزِيرَ مُتَرَادِفَانِ وَلِذَا عَطَفُوا أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ لِبَيَانِ التَّفْسِيرِ كَمَا وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ وَالزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِمَا ، بَلْ اقْتَصَرَ فِي الْجَوْهَرَةِ عَلَى تَسْمِيَتِهِ تَعْزِيرًا وَسَيَأْتِي أَنَّ التَّعْزِيرَ تَأْدِيبٌ دُونَ الْحَدِّ مِنْ الْعَزْرِ بِمَعْنَى الرَّدِّ وَالرَّدْعِ وَأَنَّهُ يَكُونُ بِالضَّرْبِ وَغَيْرِهِ ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بِمُقَابَلَةِ مَعْصِيَةٍ وَلِذَا يُضْرَبُ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ عَلَى الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ السِّيَاسَةُ كَمَا مَرَّ فِي نَفْيِ عُمَرَ لِنَصْرِ بْنِ الْحَجَّاجِ ، فَإِنَّهُ وَرَدَ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ : مَا ذَنْبِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ : لَا ذَنْبَ لَك وَإِنَّمَا الذَّنْبُ لِي حَيْثُ لَا أُطَهِّرُ دَارَ الْهِجْرَةِ مِنْك ، فَقَدْ نَفَاهُ لِافْتِتَانِ النِّسَاءِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِصُنْعِهِ ، فَهُوَ فِعْلٌ لِمَصْلَحَةٍ وَهِيَ قَطْعُ الِافْتِتَانِ بِسَبَبِهِ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَشْرَفِ الْبِقَاعِ ، فَفِيهِ رَدٌّ وَرَدْعٌ عَنْ مُنْكَرٍ وَاجِبِ الْإِزَالَةِ ، وَقَالُوا إنَّ التَّعْزِيرَ مَوْكُولٌ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ ، فَقَدْ ظَهَرَ لَك بِهَذَا أَنَّ بَابَ التَّعْزِيرِ هُوَ الْمُتَكَفِّلُ لِأَحْكَامِ السِّيَاسَةِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ فِعْلَ السِّيَاسَةِ يَكُونُ مِنْ الْقَاضِي أَيْضًا ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْإِمَامِ لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْقَاضِي بَلْ لِكَوْنِهِ هُوَ الْأَصْلُ ، وَالْقَاضِي : نَائِبٌ عَنْهُ فِي تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ كَمَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ فَيَسْأَلُهُمْ الْإِمَامُ ، وَبَدَأَ الْإِمَامُ بِرَجْمِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَفِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى عَنْ مَعِينِ الْحُكَّامِ : لِلْقُضَاةِ تَعَاطِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ حَتَّى إدَامَةُ الْحَبْسِ وَالْإِغْلَاظُ عَلَى أَهْلِ الشَّرِّ بِالْقَمْعِ لَهُمْ ، وَالتَّحْلِيفُ بِالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ ، وَتَحْلِيفُ الشُّهُودِ إذَا ارْتَابَ مِنْهُمْ ذَكَرَهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة ، وَتَحْلِيفُ الْمُتَّهَمِ لِاعْتِبَارِ حَالِهِ أَوْ الْمُتَّهَمِ بِسَرِقَةٍ يَضُرُّ بِهِ وَيَحْبِسُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي . ا هـ . وَسَيَأْتِي فِي بَابِ التَّعْزِيرِ أَنَّ لِلْقَاضِي تَعْزِيرَ الْمُتَّهَمِ وَصَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ قُبَيْلَ الْجِهَادِ أَنَّ مِنْ السِّيَاسَةِ عُقُوبَتَهُ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ سَارِقٌ وَأَنَّ الْمَسْرُوقَ عِنْدَهُ ، فَقَدْ أَجَازُوا 16 قَتْلَ النَّفْسِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ ، كَمَا إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ شَاهِرًا سَيْفَهُ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ وَسَيَأْتِي تَمَامُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث