رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الرابع
الصفحة 3883 · ص. المطبوع 207 · الشرح
مَطْلَبٌ فِي تَمْيِيزِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْمَلْبَسِ
( قَوْلُهُ وَيُمَيَّزُ الذِّمِّيُّ إلَخْ ) حَاصِلُهُ : أَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا مُخَالِطِينَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَمْيِيزِهِمْ عَنَّا كَيْ لَا يُعَامَلَ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِ مِنْ التَّوْقِيرِ وَالْإِجْلَالِ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَرُبَّمَا يَمُوتُ أَحَدُهُمْ فَجْأَةً فِي الطَّرِيقِ وَلَا يُعْرَفُ فَيُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَجَبَ التَّمْيِيزُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِمَا فِيهِ صَغَارٌ لَا إعْزَازٌ لِأَنَّ إذْلَالَهُمْ لَازِمٌ بِغَيْرِ أَذًى مِنْ ضَرْبٍ أَوْ صَفْعٍ بِلَا سَبَبٍ يَكُونُ مِنْهُ بَلْ الْمُرَادُ اتِّصَافُهُ بِهَيْئَةٍ وَضَيْعَةٍ فَتْحٌ ( قَوْلُهُ وَمَرْكَبِهِ ) مُخَالَفَةُ الْهَيْئَةِ فِيهِ إنَّمَا تَكُونُ إذَا رَكِبُوا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ وَغَالِبُ ظَنِّي أَنِّي سَمِعْته مِنْ الشَّيْخِ الْأَخِ كَذَلِكَ نَهْرٌ . قُلْت : وَهُوَ كَذَلِكَ فَفِي رِسَالَةِ الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ فِي الْكَنَائِسِ ، وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ يَخْتِمُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ بِالرَّصَاصِ وَيَرْكَبُوا عَلَى الْأُكُفِ عُرْضًا ( قَوْلُهُ سِلَاحِهِ ) تَبِعَ فِيهِ الدُّرَرَ وَهُوَ مُنَافٍ لِقَوْلِهِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الْمُتُونِ ، وَلَا يَعْمَلُ بِسِلَاحٍ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا اسْتَعَانَ بِهِمْ الْإِمَامُ أَوْ الْمُرَادُ مِنْ تَمْيِيزِهِ فِي سِلَاحِهِ بِأَنْ لَا يَحْمِلَ سِلَاحًا ، وَهُوَ بَعِيدٌ تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ إلَّا إذَا اسْتَعَانَ بِهِمْ الْإِمَامُ إلَخْ ) لَكِنَّهُ يَرْكَبُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِإِكَافٍ لَا بِسَرْجٍ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ نَهْرٌ ( قَوْلُهُ وَذَبٍّ ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ دَفْعٍ وَطَرْدِ الْعَدُوِّ ( قَوْلُهُ وَجَازَ بَغْلٌ ) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عِزٌّ وَشَرَفٌ وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ ( قَوْلُهُ وَهَذَا ) أَيْ جَوَازُ رُكُوبِهِ لِبَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ وَكَانَ يَنْبَغِي تَأْخِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ 207 كُلِّهَا عَنْ قَوْلِهِ وَيَرْكَبُ سَرْجًا كَالْأُكُفِ .
( قَوْلُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ ) كَمَا إذَا خَرَجَ إلَى قَرْيَةٍ أَوْ كَانَ مَرِيضًا فَتْحٌ ( قَوْلُهُ وَالْمُعْتَمَدُ أَنْ لَا يَرْكَبُوا ) كَتَبَ بَعْضُهُمْ هُنَا أَنَّ الصَّوَابَ يَرْكَبُونَ بِالنُّونِ ، كَمَا هُوَ عِبَارَةُ الْأَشْبَاهِ لِعَدَمِ النَّاصِبِ وَالْجَازِمِ وَأَنْ مُخَفَّفَةٌ مِنْ الثَّقِيلَةِ وَاسْمُهَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ . أَقُولُ : هَذَا التَّصْوِيبُ خَطَأٌ مَحْضٌ ، لِأَنَّ الْمُخَفَّفَةَ مِنْ الثَّقِيلَةِ الَّتِي لَا تَنْصِبُ الْمُضَارِعَ شَرْطًا أَنْ تَقَعَ بَعْدَ فِعْلِ الْيَقِينِ أَوْ مَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ نَحْوَ - { عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ } - { أَفَلَا يَرَوْنَ أَنْ لَا يَرْجِعُ } - وَهَذِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ الْمَصْدَرِيَّةُ النَّاصِبَةُ نَحْوَ - { وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ } - ( قَوْلُهُ مُطْلَقًا ) أَيْ وَلَوْ حِمَارًا ( قَوْلُهُ فِي الْمَجَامِعِ ) أَيْ فِي مَجَامِعِ الْمُسْلِمِينَ إذَا مَرَّ بِهِمْ فَتْحٌ ( قَوْلُهُ كَالْأُكُفِ ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ إكَافٍ مِثْلُ حِمَارٍ وَحُمُرٍ مِصْبَاحٌ فَكَانَ الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالْإِكَافِ الْمُفْرَدِ ( قَوْلُهُ كَالْبَرْذَعَةِ ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ كَالْأُكُفِ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْبَرْذَعَةُ بِالذَّالِ وَالدَّالِ حُلْسٌ يُجْعَلُ تَحْتَ الرَّحْلِ وَالْجَمْعُ الْبَرَاذِعُ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ . وَفِي عُرْفِ زَمَانِنَا هِيَ لِلْحِمَارِ مَا يُرْكَبُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ السَّرْجِ لِلْفَرَسِ ا هـ فَالْمُرَادُ هُنَا الْمَعْنَى الْعُرْفِيُّ لَا اللُّغَوِيُّ ( قَوْلُهُ وَلَا يَعْمَلُ بِسِلَاحٍ ) أَيْ لَا يَسْتَعْمِلُهُ وَلَا يَحْمِلُهُ لِأَنَّهُ عِزٌّ وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ يُمْنَعُونَ عَنْهُ .
قُلْت : وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ تُعْرَفُ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ دُرٌّ مُنْتَقًى ( قَوْلُهُ وَيُظْهِرُ الْكُسْتِيجُ ) بِضَمِّ الْكَافِ وَبِالْجِيمِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ مَعْنَاهُ الْعَجْزُ وَالذُّلُّ كَمَا فِي النَّهْرِ ، فَيَشْمَلُ الْقَلَنْسُوَةَ وَالزُّنَّارَ وَالنَّعْلَ لِوُجُودِ الذُّلِّ فِيهَا ، وَلِقَوْلِهِ فِي الْبَحْرِ وَكُسْتِيجَاتُ النَّصَارَى قَلَنْسُوَةٌ سَوْدَاءُ مِنْ اللُّبَدِ مُضَرَّبَةٌ وَزُنَّارٌ مِنْ الصُّوفِ ا هـ فَتَعْبِيرُهُ بِخُصُوصِ الزُّنَّارِ بَيَانٌ لِبَعْضِ أَنْوَاعِهِ . ا هـ . ح ( قَوْلُهُ الزُّنَّارُ ) بِوَزْنِ تُفَّاحٍ وَجَمْعُهُ زَنَانِيرُ مِصْبَاحٌ ، وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُغْرِبِ أَنَّهُ خَيْطٌ غَلِيظٌ بِقَدْرِ الْأُصْبُعِ يَشُدُّهُ الذِّمِّيُّ فَوْقَ ثِيَابِهِ . قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ الصُّوفِ أَوْ الشَّعْرِ وَأَنْ لَا يَجْعَلَ لَهُ حَلْقَةً تَشُدُّهُ كَمَا يَشُدُّ الْمُسْلِمُ الْمِنْطَقَةَ بَلْ يُعَلِّقُهُ عَلَى الْيَمِينِ أَوْ الشِّمَالِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ ( قَوْلُهُ وَلَوْ زَرْقَاءَ أَوْ صَفْرَاءَ ) أَيْ خِلَافًا لِمَا فِي الْفَتْحِ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ الْعَلَامَةَ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ مُتَعَارَفُهَا ، وَفِي بِلَادِنَا جُعِلَتْ الْعَلَامَةُ فِي الْعِمَامَةِ فَأُلْزِمَ النَّصَارَى بِالْأَزْرَقِ وَالْيَهُودُ بِالْأَصْفَرِ ، وَاخْتَصَّ الْمُسْلِمُونَ بِالْأَبْيَضِ قَالَ فِي النَّهْرِ : إلَّا أَنَّهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ : وَأَمَّا لُبْسُ الْعِمَامَةِ وَالزُّنَّارِ الْإِبْرَيْسَمِ فَجَفَاءٌ فِي حَقِّ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَمُكْسِرَةٌ لِقُلُوبِهِمْ وَهَذَا يُؤْذِنُ بِمَنْعِ التَّمْيِيزِ بِهَا ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة حَيْثُ صَرَّحَ بِمَنْعِهِمْ مِنْ الْقَلَانِسِ الصِّغَارِ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ طَوِيلَةً مِنْ كِرْبَاسٍ مَصْبُوغَةٍ بِالسَّوَادِ مُضَرَّبَةً مُبَطَّنَةً ، وَهَذَا فِي الْعَلَامَةِ أَوْلَى وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَمَنْعُهُمْ مِنْ لُبْسِ الْعَمَائِمِ هُوَ الصَّوَابُ الْوَاضِحُ بِالتِّبْيَانِ فَأَيَّدَ اللَّهُ سُلْطَانَ زَمَانِنَا ، وَلِسَعَادَتِهِ أَبَّدَ وَلِمُلْكِهِ شَيَّدَ وَلِأَمْرِهِ سَدَّدَ إذْ مَنَعَهُمْ مِنْ لُبْسِهَا ا هـ . قُلْت : وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا ذَكَرَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ مِنْ إلْزَامِهِمْ لُبْسَ الْقَلَانِسِ الطَّوِيلَةِ الْمُضَرَّبَةِ ، وَأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ وَمَنْ مَنَعَهُمْ مِنْ لُبْسِ الْعَمَائِمِ . [ تَنْبِيهٌ ]
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَكَذَا تُؤْخَذُ نِسَاؤُهُمْ بِالزِّيِّ فِي الطُّرُقِ فَيَجْعَلُ عَلَى مَلَاءَةِ الْيَهُودِيَّةِ خِرْقَةً صَفْرَاءَ وَعَلَى النَّصْرَانِيَّةِ زَرْقَاءَ وَكَذَا فِي الْحَمَّامَاتِ . ا هـ .
أَيْ فَيَجْعَلُ فِي أَعْنَاقِهِنَّ طَوْقَ الْحَدِيدِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ قَالَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى قُلْت : وَسَيَجِيءُ أَنَّ الذِّمِّيَّةَ فِي النَّظَرِ إلَى الْمُسْلِمَةِ كَالرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ فِي الْأَصَحِّ فَلَا تَنْظُرُ أَصْلًا إلَى الْمُسْلِمَةِ فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ ا هـ وَمُفَادُهُ مَنْعُهُنَّ مِنْ دُخُولِ حَمَّامٍ فِيهِ مُسْلِمَةٌ ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَفْهُومِ مِنْ كَلَامِهِمْ هُنَا تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ وَإِنَّمَا تَكُونُ طَوِيلَةً سَوْدَاءَ ) 208 ظَاهِرُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْعِمَامَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ لِلْقَلَنْسُوَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَنْعُهُمْ مِنْ الْعِمَامَةِ وَلَوْ غَيْرَ طَوِيلَةٍ وَإِلْزَامُهُمْ بِالْقَلَنْسُوَةِ الطَّوِيلَةِ كَمَا عَلِمْته فَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ : إنَّمَا يَلْبَسُ قَلَنْسُوَةً طَوِيلَةً سَوْدَاءَ وَالْقَلَنْسُوَةُ هِيَ الَّتِي يُدْخِلُ فِيهَا الرَّأْسَ وَالْعِمَامَةُ مَا يُدَارُ عَلَيْهَا مِنْ مِنْدِيلٍ وَنَحْوِهِ ( قَوْلُهُ الْإِبْرَيْسَمِ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَالرَّاءِ وَفَتْحِ السِّينِ وَهُوَ الْحَرِيرُ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ : الْحَرِيرَةُ وَاحِدَةُ الْحَرِيرِ وَهُوَ الْإِبْرَيْسَمِ ( قَوْلُهُ كَصُفُوفٍ مُرَبَّعٍ ) لِعِلَّةِ الْفَرْجِيَّةِ فَإِنَّهُ الْآنَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ ط ( قَوْلُهُ وَأَبْرَادٍ رَقِيقَةٍ ) الْبُرْدُ نَوْعٌ مِنْ الثِّيَابِ مُخَطَّطٌ كَمَا فِي النِّهَايَةِ ( قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ ) حَيْثُ قَالَ : بَلْ رُبَّمَا يَقِفُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ خِدْمَةً لَهُمْ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَتَغَيَّرَ خَاطِرُهُ مِنْهُ ، فَيَسْعَى بِهِ عِنْدَ مُسْتَكْتِبِهِ سِعَايَةً تُوجِبُ لَهُ مِنْهُ الضَّرَرُ ثُمَّ قَالَ : وَتُجْعَلُ مَكَاعِبُهُمْ خَشِنَةً فَاسِدَةَ اللَّوْنِ وَلَا يَلْبَسُوا طَيَالِسَةً كَطَيَالِسَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَرِدْيَةً كَأَرْدِيَتِهِمْ هَكَذَا أُمِرُوا وَاتَّفَقَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ . ا هـ .
وَقَالَ أَيْضًا وَلَا شَكَّ فِي وُقُوعِ خِلَافِ هَذَا فِي هَذِهِ الدِّيَارِ . ا هـ . قُلْت : وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ اسْتَأْسَدَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ : ﴿﴾ أَحْبَابَنَا نُوَبُ الزَّمَانِ كَثِيرَةٌ ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَمَرُّ مِنْهَا رِفْعَةُ السُّفَهَاءِ ﴿﴾ ﴿﴾ فَمَتَى يُفِيقُ الدَّهْرُ مِنْ سَكَرَاتِهِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَرَى الْيَهُودَ بِذِلَّةِ الْفُقَهَاءِ ﴿﴾ ( قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُلَازِمَ الصَّغَارَ ) أَيْ الذُّلَّ وَالْهَوَانَ وَالظَّاهِرُ أَنْ يَنْبَغِيَ هُنَا بِمَعْنَى يَجِبُ قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ إظْهَارُ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَدَمُ تَعْظِيمِهِمْ لَكِنْ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ : إذَا دَخَلَ يَهُودِيٌّ الْحَمَّامَ إنْ خَدَمَهُ الْمُسْلِمُ طَمَعًا فِي فُلُوسِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ تَعْظِيمًا لَهُ فَإِنْ كَانَ لِيَمِيلَ قَلْبُهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَكَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا كُرِهَ وَكَذَا لَوْ دَخَلَ ذِمِّيٌّ عَلَى مُسْلِمٍ فَقَامَ لَهُ لِيَمِيلَ قَلْبُهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَلَا بَأْسَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَوْ عَظَّمَهُ لِغِنَاهُ كُرِهَ ا هـ قَالَ الطَّرَسُوسِيُّ : وَإِنْ قَامَ تَعْظِيمًا لِذَاتِهِ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ كَفَرَ لِأَنَّ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ فَكَيْفَ بِتَعْظِيمِ الْكُفْرِ . ا هـ . قُلْت : وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَوْ قَامَ لَهُ خَوْفًا مِنْ شَرِّهِ فَلَا بَأْسَ أَيْضًا بَلْ إذَا تَحَقَّقَ الضَّرَرُ ، فَقَدْ يَجِبُ وَقَدْ يُسْتَحَبُّ عَلَى حَسَبِ حَالِ مَا يَتَوَقَّعُهُ ( قَوْلُهُ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ فِي الْمُرُورِ ) بِأَنْ يُلْجِئَهُ إلَى أَضْيَقِ الطَّرِيقِ ، وَعِبَارَةُ الْفَتْحِ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِمْ فِي الطَّرِيقِ .
( قَوْلُهُ وَيَجْعَلُ عَلَى دَارِهِ عَلَامَةً ) لِئَلَّا يَقِفَ سَائِلٌ فَيَدْعُو لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ أَوْ يُعَامِلَهُ فِي التَّضَرُّعِ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ فَتْحٌ ( قَوْلُهُ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ ) أَفَادَ أَنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، بَلْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ كُلُّهَا كَذَلِكَ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمْنَا تَحْدِيدَهَا ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ قَالَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ كَمَا أَخْرَجَهُ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ وَبَسَطَهُ فِي الْفَتْحِ ( قَوْلُهُ وَلَا يُطِيلُ ) فَيُمْنَعُ أَنْ يُطِيلَ فِيهَا الْمُكْثَ حَتَّى يَتَّخِذَ فِيهَا مَسْكَنًا لِأَنَّ حَالَهُمْ فِي الْمُقَامِ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ مَعَ الْتِزَامِ الْجِزْيَةِ كَحَالِهِمْ فِي غَيْرِهَا بِلَا جِزْيَةٍ وَهُنَاكَ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ التِّجَارَةِ ، بَلْ 209 مِنْ إطَالَةِ الْمُقَامِ فَكَذَلِكَ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ شَرْحُ السِّيَرِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ حَدَّ الطُّولِ سَنَةٌ تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَوْرَدَ فِيهِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْحَالُ ) أَيْ فَيَكُونُ الْمَنْعُ هُوَ الْمُتَعَمَّدُ فِي الْمَذْهَبِ .
قُلْت : لَكِنْ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْمُتُونِ فِي كِتَابِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يُمْنَعُ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَغَيْرِهِ وَذَكَرَ الشَّارِحُ هُنَاكَ أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ الْمَنْعُ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَحْدَهُ دُونَ الْإِمَامِ ، وَأَنَّ أَصْحَابَ الْمُتُونِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُتُونَ مَوْضُوعَةٌ لِنَقْلِ مَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، فَلَا يَعْدِلُ عَمَّا فِيهَا عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ السَّرَخْسِيُّ ذَكَرَ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ جَاءَ إلَى الْمَدِينَةِ ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ ، وَلِذَلِكَ قِصَّةٌ قَالَ فَهَذَا دَلِيلٌ لَنَا عَلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَنْعِهِ الْمُشْرِكَ ، مِنْ أَنْ يَدْخُلَ شَيْئًا مِنْ الْمَسَاجِدِ ثُمَّ قَالَ : إنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ يُمْنَعُونَ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَاصَّةً لِلْآيَةِ - { إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } - فَأَمَّا عِنْدَنَا لَا يُمْنَعُونَ كَمَا لَا يُمْنَعُونَ عَنْ دُخُولِ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْحَرْبِيُّ وَالذِّمِّيُّ إلَخْ ( قَوْلُهُ وَفِي الْخَانِيَّةِ إلَخْ ) كَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ عَلَى مَسْأَلَةِ الِاسْتِيطَانِ ثُمَّ إنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ نِسَاءَهُمْ تُمَيَّزُ بِالْكُسْتِيجِ دُونَ الْعَبِيدِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي عِبَارَةِ الْخَانِيَّةِ ذِكْرُ النِّسَاءِ أَصْلًا وَنَصُّهَا : وَلَا يُؤْخَذُ عُبَيْدُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالْكُسْتِيجَاتِ ، وَهَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهَا فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَعِبَارَةُ النَّهْرِ قَالُوا وَيَجِبُ أَنْ تُمَيَّزَ نِسَاؤُهُمْ أَيْضًا عَنْ نِسَائِنَا فِي الطُّرُقَاتِ وَالْحَمَّامَاتِ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَا يُؤْخَذُ عُبَيْدُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالْكُسْتِيجَاتِ . ا هـ . .
.
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث