رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الرابع
الصفحة 4182 · ص. المطبوع 333 · الشرح
ط ( قَوْلُهُ : سَكَنَ أَحَدُهُمَا إلَخْ ) تَقَدَّمَتْ مَسَائِلُ الِانْتِفَاعِ بِالْمُشْتَرَكِ فِي غَيْبَةِ شَرِيكِهِ أَوَّلَ الْبَابِ عِنْدَ قَوْلِهِ إلَّا فِي الْخَلْطِ وَالِاخْتِلَاطِ ، وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا ( قَوْلُهُ : طَاحُونٌ مُشْتَرَكَةٌ ) الْمُرَادُ بِهَا كُلُّ مَا لَا يُقْسَمُ ط ( قَوْلُهُ : عَمِّرْهَا ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ : أَيْ قَالَ لِلْآخَرِ عَمِّرْهَا مَعِي فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ : لَمْ يَرْجِعْ ) ; لِأَنَّهُ شَرِيكُهُ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَفْعَلَ مَعَهُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الضَّابِطِ الْآتِي ( قَوْلُهُ : فَلَيْسَ بِمُتَطَوِّعٍ ) مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهُ وَلِلضَّابِطِ ( قَوْلُهُ : فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ ) ; لِأَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْإِنْفَاقِ وَعَلَى أَدَاءِ الْخَرَاجِ ط . مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِيمَا إذَا امْتَنَعَ الشَّرِيكُ مِنْ الْعِمَارَةِ وَالْإِنْفَاقِ فِي الْمُشْتَرَكِ
قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ : جَازَ الْجَبْرُ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي قِنٍّ وَزَرْعٍ وَدَابَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ ، وَلَمْ يُجْبَرْ ذُو السُّفْلِ عَلَى الْبِنَاءِ ; لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ يَصِيرُ الْمُمْتَنِعُ عَنْ النَّفَقَةِ مُتْلِفًا حَقًّا قَائِمًا لِشَرِيكِهِ فَيُجْبَرُ ، بِخِلَافِ الثَّانِي ; لِأَنَّ حَقَّ ذِي الْعُلُوِّ فَائِتٌ إذْ حَقُّهُ قَرَارُ الْعُلْوِ عَلَى السُّفْلِ وَلَمْ يُبْقَيَا ، لَكِنْ يَأْتِي فِي الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ : لَوْ انْهَدَمَ وَعَرْصَتُهُ عَرِيضَةٌ ، قِيلَ لَا يُجْبَرُ ، وَقِيلَ يُجْبَرُ وَهُوَ الْأَشْبَهُ لِتَضَرُّرِ الشَّرِيكِ ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَنْبَغِي أَنْ يُجْبَرَ ذُو السُّفْلِ عَلَى الْبِنَاءِ ا هـ مُلَخَّصًا .
وَذُكِرَ قَبِيلُهُ فِي قِنٍّ أَوْ زَرْعٍ بَيْنَهُمَا فَغَابَ أَحَدُهُمَا وَأَنْفَقَ الْآخَرُ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا ، بِخِلَافِ ذِي الْعُلْوِ مَعَ أَنَّ كُلًّا لَا يَصِلُ إلَى إحْيَاءِ حَقِّهِ إلَّا بِالْإِنْفَاقِ . وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَوَّلَ غَيْرُ مُضْطَرٍّ ; لِأَنَّ شَرِيكَهُ لَوْ حَاضِرًا يَجْبُرُهُ الْقَاضِي عَلَى الْإِنْفَاقِ ، وَلَوْ غَائِبًا يَأْمُرُ الْقَاضِي الْحَاضِرَ بِهِ لِيَرْجِعَ عَلَى الْآخَرِ ، فَلَمَّا زَالَ الِاضْطِرَارُ كَانَ مُتَبَرِّعًا أَمَّا ذُو الْعُلْوِ فَمُضْطَرٌّ فِي بِنَاءِ السُّفْلِ إذْ الْقَاضِي لَا يَجْبُرُهُ لَوْ حَاضِرًا فَلَا يَأْمُرُ غَيْرَهُ لَوْ غَائِبًا وَالْمُضْطَرُّ لَيْسَ بِمُتَبَرِّعٍ ا هـ مُلَخَّصًا ، وَحَاصِلُهُ : أَنَّ فِي الْجَبْرِ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَى الْقِنِّ وَالزَّرْعِ قَوْلَيْنِ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذُو السُّفْلِ كَذَلِكَ .
( قَوْلُهُ : وَالضَّابِطُ إلَخْ ) نُقِلَ هَذَا الضَّابِطُ فِي مُتَفَرِّقَاتِ قَضَاءِ الْبَحْرِ عَنْ الْإِمَامِ الْحَلْوَانِيِّ . قُلْت : وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِمَا إذَا كَانَ مَرِيدُ الْإِنْفَاقِ مُضْطَرًّا إلَى إنْفَاقِ شَرِيكِهِ مَعَهُ فَيُقَالُ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُضْطَرًّا إلَى الْإِنْفَاقِ مَعَهُ وَأَنْفَقَ بِلَا إذْنِ الْآخَرِ ، فَإِنْ كَانَ الْآخَرُ الْمُمْتَنِعُ يُجْبَرُ عَلَى الْفِعْلِ مَعَهُ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ 333 رَفْعِهِ إلَى الْقَاضِي لِيُجْبِرَهُ وَإِلَّا لَا : أَيْ وَإِنْ لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ لَا يَكُونُ مُتَطَوِّعًا فَالْأَوَّلُ كَمَا فِي الثَّلَاثِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ وَكَمَا فِي قِنٍّ وَزَرْعٍ وَدَابَّةٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَالثَّانِي كَمَا فِي سُفْلٍ انْهَدَمَ ، فَإِنَّ صَاحِبَهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى مَا مَرَّ ، فَذُو الْعُلْوِ مُضْطَرٌّ إلَى الْبِنَاءِ وَصَاحِبُهُ لَا يُجْبَرُ ، فَإِذَا أَنْفَقَ ذُو الْعُلْوِ لَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا ، وَمِثْلُهُ الْحَائِطُ الْمُنْهَدِمُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ حُمُولَةُ الْآخَرِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَرِيدُ الْإِنْفَاقِ غَيْرَ مُضْطَرٍّ وَكَانَ صَاحِبُهُ لَا يُجْبَرُ كَدَارٍ يُمْكِنُ قِسْمَتُهَا وَامْتَنَعَ الشَّرِيكُ مِنْ الْعِمَارَةِ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ ، فَلَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا الْآخَرُ بِلَا إذْنِهِ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إذْ يُمْكِنُهُ أَنْ يُقَسِّمَ حِصَّتَهُ وَيُعَمِّرَهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ ، وَيُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي مِنْ التَّقْيِيدِ بِمَا لَا يُقْسَمُ أَيْضًا ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالِاضْطِرَارِ كَمَا قُلْنَا ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ مُتَبَرِّعًا حَيْثُ أَمْكَنَتْهُ الْقِسْمَةُ .
وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ حَيْثُ قَالَ : وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الِاضْطِرَارَ يَثْبُتُ فِيمَا لَا يُجْبَرُ صَاحِبُهُ لَا فِيمَا يُجْبَرُ ، فَفِي الْأَوَّلِ يَرْجِعُ لَا فِي الثَّانِي لَوْ فَعَلَهُ بِلَا إذْنٍ ، وَهَذَا يُخَلِّصُك عَنْ الِاضْطِرَابِ الْوَاقِعِ فِي هَذَا الْبَابِ ا هـ مُلَخَّصًا فَافْهَمْ ، هَذَا .
وَفِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِلشُّرُنْبُلَالِيِّ : حَمَّامٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَوْ دُولَابٌ وَنَحْوُهُ مِمَّا تَفُوتُ بِقِسْمَتِهِ الْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ احْتَاجَ إلَى الْمَرَمَّةِ وَامْتَنَعَ أَحَدُهُمَا مِنْهَا .
قَالَ بَعْضُهُمْ : يُؤَجِّرُهَا الْقَاضِي لِيَرُمَّهَا بِالْأُجْرَةِ أَوْ يَأْذَنُ لِأَحَدِهِمَا بِالْإِجَارَةِ وَيَأْخُذُ الْمَرَمَّةَ مِنْهَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّ الْقَاضِيَ يَأْذَنُ لِغَيْرِ الْآبِي بِالْإِنْفَاقِ ثُمَّ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ حِصَّتَهُ ، وَالْفَتْوَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ا هـ وَمِثْلُهُ فِي الْخَيْرِيَّةِ عَنْ الْخَانِيَّةِ .
قُلْت : وَهَذَا زِيَادَةُ بَيَانٍ لِمَا سَكَتَ عَنْهُ الضَّابِطُ الْمَذْكُورُ ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا اُضْطُرَّ وَرَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي لِيُجْبِرَهُ ثُمَّ امْتَنَعَ تَعَنُّتًا أَوْ عَجْزًا يَأْذَنُ الْقَاضِي لِلْمُضْطَرِّ لِيَرْجِعَ بَقِيَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ بِمَاذَا يَرْجِعُ .
وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ : حَائِطٌ بَيْنَهُمَا وَهَى وَخِيفَ سُقُوطُهُ فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا نَقْضَهُ وَأَبَى الْآخَرُ يُجْبَرُ عَلَى نَقْضِهِ ، وَلَوْ هَدَمَا حَائِطًا بَيْنَهُمَا فَأَبَى أَحَدُهُمَا عَنْ بِنَائِهِ يُجْبَرُ ، وَلَوْ انْهَدَمَ لَا يُجْبَرُ وَلَكِنَّهُ يَبْنِي الْآخَرُ فَيَمْنَعُهُ حَتَّى يَأْخُذَ نِصْفَ مَا أَنْفَقَ لَوْ أَنْفَقَ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَنِصْفَ قِيمَةِ الْبِنَاءِ لَوْ أَنْفَقَ بِلَا أَمْرِ الْقَاضِي . ا هـ .
وَنُقِلَ هَذَا الْحُكْمُ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ عَنْ الذَّخِيرَةِ فِي مَسْأَلَةِ انْهِدَامِ السُّفْلِ وَقَالَ إنَّهُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا فِيمَا لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ كَالْحَائِطِ وَالسُّفْلِ أَمَّا مَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا لَا يُقْسَمُ لَا بُدَّ فِيهِ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ مِنْ إذْنِ الْقَاضِي كَمَا عَلِمْت خِلَافًا لِمَا سَيَأْتِي عَنْ الْأَشْبَاهِ .
وَبِهِ يَظْهَرُ لَك مَا فِي قِسْمَةِ الْخَيْرِيَّةِ ، حَيْثُ سُئِلَ فِي عَقَارٍ لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ كَالطَّاحُونِ وَالْحَمَّامِ إذَا احْتَاجَ إلَى مَرَمَّةٍ وَأَنْفَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ مَالِهِ ، أَجَابَ : لَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ كَمَا حَقَّقَهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ ، وَجَعَلَ الْفَتْوَى عَلَيْهِ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ : طَاحُونَةٌ لَهُمَا أَنْفَقَ أَحَدُهُمَا فِي مَرَمَّتِهَا بِلَا إذْنِ الْآخَرِ لَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا إذْ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِهِ إلَّا بِهِ ا هـ فَرَاجِعْ كُتُبَ الْمَذْهَبِ ، فَإِنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَعَ تَحَيُّرٌ وَاضْطِرَابٌ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ ا هـ مُلَخَّصًا . قُلْت : مَا نَقَلَهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ عَنْ الْفَضْلِيِّ قَالَ عَقِبَهُ أَقُولُ : يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى تَفْصِيلٍ قَدَّمْته . ا هـ .
قُلْت : أَرَادَ بِالتَّفْصِيلِ مَا مَرَّ مِنْ إنَاطَةِ الرُّجُوعِ وَعَدَمِهِ عَلَى الْجَبْرِ وَعَدَمِهِ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِمَا فِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ ; لِأَنَّ الشَّرِيكَ فِي الطَّاحُونِ يُجْبَرُ لِكَوْنِهَا مِمَّا لَا يُقْسَمُ فَلَا يَرْجِعُ الْمُعَمِّرُ بِلَا إذْنِهِ وَبِلَا أَمْرِ الْقَاضِي . وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُ كَلَامِ الْفَضْلِيِّ بِحَمْلِهِ عَلَى مَا إذَا أَنْفَقَ بِأَمْرِ الْقَاضِي أَوْ هُوَ قَوْلٌ آخَرُ كَمَا يَأْتِي وَأَمَّا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ فَقَدْ ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ السُّفْلِ ، وَهُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ عَنْ الذَّخِيرَةِ بِعَيْنِهِ ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا يُجْبَرُ فِيهَا الشَّرِيكُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمُعَمِّرُ وَإِنْ عَمَّرَ بِلَا إذْنِهِ كَمَا عَلِمْت وَلَا تُقَاسُ عَلَيْهَا مَسْأَلَةُ الطَّاحُونِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث