رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الرابع
الصفحة 4330 · ص. المطبوع 394 · الشرح
مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِي وَقْفِ الْإِقْطَاعَاتِ ( قَوْلُهُ : وَأَمَّا وَقْفُ الْإِقْطَاعَاتِ إلَخْ ) هِيَ مَا يَقْطَعُهُ الْإِمَامُ أَيْ يُعْطِيهِ مِنْ الْأَرَاضِيِ رَقَبَةً ، أَوْ مَنْفَعَةً لِمَنْ لَهُ حَقٌّ فِي بَيْتِ الْمَالِ . وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ فِي رِسَالَتِهِ التُّحْفَةِ الْمَرْضِيَّةِ فِي الْأَرَاضِي الْمِصْرِيَّةِ : أَنَّ الْوَاقِفَ لِأَرْضٍ مِنْ الْأَرَاضِي لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لَهَا مِنْ الْأَصْلِ ، بِأَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا حِينَ يَمُنُّ الْإِمَامُ عَلَى أَهْلِهَا ، أَوْ تَلَقَّى الْمِلْكَ مِنْ مَالِكِهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ أَوْ غَيْرِهِمَا ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَا خَفَاءَ فِي صِحَّةِ وَقْفِهِ لِوُجُودِ مِلْكِهِ وَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ غَيْرَهُمَا فَلَا يَخْلُو أَمَّا إنْ وَصَلَتْ إلَى يَدِهِ بِإِقْطَاعِ السُّلْطَانِ إيَّاهَا لَهُ ، أَوْ بِشِرَاءٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مِلْكَهُ ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَإِنْ كَانَتْ مَوَاتًا أَوْ مِلْكًا لِلسُّلْطَانِ صَحَّ وَقْفُهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَقِّ بَيْتِ الْمَالِ لَا يَصِحُّ قَالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ : إنَّ مَنْ أَقْطَعَهُ السُّلْطَانُ أَرْضًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ بِمُقَابَلَةِ مَا أُعِدَّ لَهُ فَلَهُ إجَارَتُهَا وَتَبْطُلُ بِمَوْتِهِ أَوْ إخْرَاجِهِ مِنْ الْإِقْطَاعِ لِأَنَّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْهُ ا هـ وَإِنْ وَصَلَتْ الْأَرْضُ إلَى الْوَاقِفِ بِالشِّرَاءِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِوَجْهٍ مُسَوَّغٍ ; فَإِنَّ وَقْفَهُ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا ، وَيُرَاعَى فِيهَا شُرُوطُهُ سَوَاءٌ كَانَ سُلْطَانًا أَوْ أَمِيرًا أَوْ غَيْرَهُمَا ، وَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ مِنْ أَنَّهُ لَا يُرَاعَى فِيهَا الشَّرَائِطُ إنْ كَانَ سُلْطَانًا أَوْ كَانَ أَمِيرًا فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا وَصَلَتْ إلَى الْوَاقِفِ بِإِقْطَاعِ السُّلْطَانِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، أَوْ بِنَاءً عَلَى أَصْلٍ فِي مَذْهَبِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ لَهَا السُّلْطَانُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ شِرَاءٍ فَأَفْتَى الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ أَنَّ الْوَقْتَ صَحِيحٌ أَجَابَ بِهِ حِين سُئِلَ عَنْ وَقْفِ السُّلْطَانِ جَقْمَقَ فَإِنَّهُ أَرْصَدَ أَرْضًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى مَصَالِحِ مَسْجِدٍ وَأَفْتَى بِأَنَّ سُلْطَانًا آخَرَ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَهُ ا هـ حَاصِلُ مَا فِي الرِّسَالَةِ . 394
قُلْت : وَمَا أَفْتَى بِهِ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ مُشْكِلٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ مِنْ حَقِّ بَيْتِ الْمَالِ لَا يَصِحُّ ، وَكَذَا مَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ فِي فُرُوعِ الْفَصْلِ الْآتِي عَنْ الْمَبْسُوطِ ، مِنْ أَنَّ لِلسُّلْطَانِ مُخَالَفَةَ شَرْطِ الْوَاقِفِ إذَا كَانَ غَالِبُ جِهَاتِ الْوَقْفِ قُرًى وَمَزَارِعَ ; لِأَنَّ أَصْلَهَا لِبَيْتِ الْمَالِ أَيْ فَلَمْ تَكُنْ وَقْفًا حَقِيقَةً بَلْ هِيَ أَرْصَادٌ أَخْرَجَهَا الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، وَعَيَّنَهَا لِمَنْ يَسْتَحِقُّ مِنْهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَنَحْوِهِمْ ، كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي بَابِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ ، وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْلَمْ شِرَاؤُهُ لَهَا وَلَا عَدَمُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِصِحَّةِ وَقْفِهَا لِأَنَّ شَرْطَهُ الْمِلْكُ ، وَلَمْ يُعْلَمْ وَلَا يَلْزَمُ عِلْمُهُ مِنْ وَقْفِهِ لَهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا لِبَيْتِ الْمَالِ كَمَا يُفِيدُهُ الْمَذْكُورُ عَنْ الْمَبْسُوطِ .
مَطْلَبٌ فِي أَوْقَافِ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ وَلِهَذَا أَفْتَى الْمَوْلَى أَبُو السُّعُودِ بِأَنَّ أَوْقَافَ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ لَا يُرَاعَى شَرْطُهَا لِأَنَّهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ تَئُولُ إلَيْهِ ا هـ وَأَمَّا ذِكْرُهُ فِي النَّهْرِ هُنَاكَ مِنْ قَوْلِهِ : وَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ الْحَالُ فِي الشِّرَاءِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَالْأَصْلُ هُوَ الصِّحَّةُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهَا إذَا عُلِمَ الشِّرَاءُ ، وَلَكِنْ لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَمْ لَا لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إلَّا إذَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ كَمَا مَرَّ هُنَاكَ ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الصِّحَّةُ فَافْهَمْ ، وَلَعَلَّ مُرَادَ الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ بِقَوْلِهِ : إنَّ الْوَقْفَ صَحِيحٌ أَيْ لَازِمٌ لَا يَنْقُصُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْصَادِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ وُصُولُ الْمُسْتَحِقِّينَ إلَى حُقُوقِهِمْ وَلَمْ يُزِدْ حَقِيقَةَ الْوَقْفِ وَقَدَّمْنَا تَمَامَ ذَلِكَ هُنَاكَ فَرَاجِعْهُ ( قَوْلُهُ : يَجْعَلُونَهَا مُشْتَرَاةً صُورَةً ) أَيْ بِدُونِ شَرَائِطِهِ الْمُسَوِّغَةِ لِعَدَمِ احْتِيَاجِ بَيْتِ الْمَالِ إلَى بَيْعِهَا فِي هَذِهِ الدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَقْفًا حَقِيقَةً بَلْ هُوَ إرْصَادٌ كَمَا عَلِمْته مِمَّا حَرَّرْنَاهُ آنِفًا فَلَمْ يَكُنْ مِمَّا جُهِلَ حَالَ شِرَائِهِ حَتَّى يُحْمَلَ عَلَى الصِّحَّةِ فَافْهَمْ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث