رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الرابع
مَطْلَبٌ لَا يَصِحُّ إيجَارُ الْوَقْفِ بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ إلَّا عَنْ ضَرُورَةٍ
( قَوْلُهُ : فَلَا يَجُوزُ بِالْأَقَلِّ ) أَيْ لَا يَصِحُّ إذَا كَانَ بِغَبَنٍ فَاحِشٍ كَمَا يَأْتِي قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ إلَّا عَنْ ضَرُورَةٍ وَفِي فَتَاوَى الْحَانُوتِيِّ شَرْطُ إجَارَةِ الْوَقْفِ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ إذَا نَابَتْهُ نَائِبَةٌ أَوْ كَانَ دَيْنٌ . ا هـ . مَطْلَبٌ فِي اسْتِئْجَارِ الدَّارِ لِمُرْصَدٍ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ
قُلْت : وَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَمِمَّا عَزَاهُ لِلْأَشْبَاهِ جَوَازُ إجَارَةِ الدَّارِ الَّتِي عَلَيْهَا مَرْصَدٌ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ ، وَوَجْهُ ذَلِكَ : أَنَّ الْمَرْصَدَ دَيْنٌ عَلَى الْوَقْفِ بِنَفَقَةِ الْمُسْتَأْجِرِ لِعِمَارَةِ الدَّارِ لِعَدَمِ مَالٍ حَاصِلٍ فِي الْوَقْفِ فَإِذَا زَادَتْ أُجْرَةُ مِثْلِهَا بِهَذِهِ الْعِمَارَةِ 403 الَّتِي صَارَتْ لِلْوَقْفِ لَا تَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ لِأَنَّهُ إذَا أَرَادَ النَّاظِرُ إيجَارَ هَذِهِ الدَّارِ لِمَنْ يَدْفَعُ ذَلِكَ الْمُرْصَدَ لِصَاحِبِهِ لَا يَرْضَى بِاسْتِئْجَارِهَا بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا الْآنَ لَكِنْ أَفْتَى فِي الْخَيْرِيَّةِ بِلُزُومِ الْأُجْرَةِ الزَّائِدَةِ وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ فِي الْوَقْفِ مَالٌ وَأَرَادَ النَّاظِرُ دَفْعَ الْمُرْصَدِ مِنْهُ فَحِينَئِذٍ لَا شَكَّ فِي لُزُومِ الزِّيَادَةِ فَتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ : وَلَوْ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْمُؤَجِّرِ وَعِبَارَةُ قَارِئِ الْهِدَايَةِ سُئِلَ عَنْ مُسْتَحِقٍّ لِوَقْفٍ عَلَيْهِ هُوَ نَاظِرُهُ آجَرَهُ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ هَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ ، فَأَجَابَ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ لِمَا يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ الضَّرَرِ بِالْأُجْرَةِ ا هـ أَيْ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ ، فَيَضُرُّ بِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْمُسْتَحِقِّينَ ، وَرُبَّمَا يَتَضَرَّرُ الْوَقْفُ أَيْضًا الْآنَ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا لِلتَّعْمِيرِ وَأَمَّا مَا يُوجَدُ فِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّرْحِ مِنْ قَوْلِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَتُفْسَخَ هَذِهِ الْإِجَارَةُ ا هـ فَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّهَا لَا تُفْسَخُ بِمَوْتِ النَّاظِرِ عَلَى أَنَّ الضَّرَرَ إنَّمَا هُوَ فِي إبْقَائِهَا بِالْإِجَارَةِ الْقَلِيلَةِ لَا فِي فَسْخِهَا لِأَنَّهَا إذَا فُسِخَتْ تُؤَجَّرُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ فَلَا يَتَضَرَّرُ أَحَدٌ تَأَمَّلْ ، وَلَا يَجُوزُ إرْجَاعُ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَهُ لِانْفِسَاخِهَا بِمَوْتِهِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ : إلَّا بِنُقْصَانٍ يَسِيرٍ ) هُوَ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ إسْعَافٌ أَيْ مَا يَقْبَلُونَهُ وَلَا يَعُدُّونَهُ غَبْنًا . مَطْلَبٌ لَيْسَ لِلنَّاظِرِ إلَّا الْإِقَالَةُ
( قَوْلُهُ : لَا يَفْسَخُ الْعَقْدَ ) أَيْ لَوْ طَلَبَ الْمُسْتَأْجِرُ فَسْخَهُ لَا يُجِيبُهُ النَّاظِرُ لِلُزُومِ الضَّرَرِ عَلَى الْوَقْفِ قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَلَيْسَ لَهُ الْإِقَالَةُ إلَّا إنْ كَانَتْ أَصْلَحَ لِلْوَقْفِ . مَطْلَبٌ فِيمَا زَادَ أَجْرُ الْمِثْلِ بَعْدَ الْعَقْدِ
( قَوْلُهُ وَلَوْ زَادَ أَجْرُهُ ) أَيْ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى أَجْرِ مِثْلِهِ أَيْ الَّذِي كَانَ وَقْتَ الْعَقْدِ ، وَقَيَّدَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ الزِّيَادَةَ بِالْفَاحِشَةِ قَالَ فِي الْبَحْرِ ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ نَقْضِهَا بِالْيَسِيرَةِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْفَاحِشَةِ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهَا كَمَا مَرَّ فِي طَرَفِ النُّقْصَانِ ، وَالْوَاحِدُ فِي الْعَشَرَةِ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ ، وَهَذَا قَيْدٌ حَسَنٌ يَجِبُ حِفْظُهُ فَإِذَا كَانَتْ أُجْرَةُ دَارٍ عَشَرَةً مَثَلًا وَزَادَ أَجْرُ مِثْلِهَا وَاحِدًا فَإِنَّهَا لَا تُنْقَضُ كَمَا لَوْ آجَرَهَا الْمُتَوَلِّي بِتِسْعَةٍ فَإِنَّهَا لَا تُنْقَضُ بِخِلَافِ الدِّرْهَمَيْنِ فِي الطَّرَفَيْنِ ا هـ .
قُلْت : لَكِنْ نَقَلَ الْبِيرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْحَاوِي الْحَصِيرِيِّ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْفَاحِشَةَ مِقْدَارُهَا نِصْفُ مَا آجَرَ بِهِ أَوْ لَا ا هـ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا يَرُدُّ مَا بَحَثَهُ فِي الْبَحْرِ . نَعَمْ فِي إجَارَاتِ الْخَيْرِيَّةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا قَدْرُ الْخُمُسِ ، وَهُوَ عَيْنُ مَا بَحَثَهُ فِي الْبَحْرِ وَفِي الْخُلَاصَةِ إنْ آجَرَهُ الْمُتَوَلِّي بِأَجْرِ مِثْلِهِ أَوْ بِقَدْرِ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ ، فَإِنَّهُ لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ وَإِنْ جَاءَ آخَرُ وَزَادَ فِي الْأُجْرَةِ دِرْهَمَيْنِ فِي عَشَرَةٍ فَهُوَ يَسِيرٌ حَتَّى لَوْ آجَرَ بِثَمَانِيَةٍ وَأَجْرُ مِثْلِهِ عَشَرَةٌ لَا تَنْفَسِخُ ا هـ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْخُمُسَ قَلِيلٌ فِي طَرَفَيْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ ، فَلَا تَنْفَسِخُ بِهِ الْإِجَارَةُ لَكِنْ فِي وَكَالَةِ الْبَحْرِ عَنْ السِّرَاجِ أَنَّ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ أَوْ أَقَلُّ فَلَوْ أَكْثَرَ فَلَا ، ثُمَّ نَقَلَ بَعْدَهُ تَفْصِيلًا وَهُوَ أَنَّ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ فِي الْعُرُوضِ نِصْفُ الْعُشْرِ وَفِي الْحَيَوَانِ الْعُشْرُ وَفِي الْعَقَارِ الْخُمْسُ ، وَمَا خَرَجَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ فِيهِ ، وَوَجْهُهُ كَثْرَةُ التَّصَرُّفِ فِي الْعُرُوضِ وَقِلَّتُهُ فِي الْعَقَارِ وَتَوَسُّطَهُ فِي الْحَيَوَانِ وَكَثْرَةُ الْغَبْنِ لِقِلَّةِ التَّصَرُّفِ فَهَذَا يُؤَيِّدُ بَحْثَ الْبَحْرِ هُنَا ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ . وَانْظُرْ مَا فِي 404 جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ آخِرَ الْفَصْلِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ ، فَإِنَّهُ نَقَلَ التَّفْصِيلَ ثُمَّ قَالَ وَقِيلَ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ مِمَّا لَيْسَ لَهُ قِيمَةٌ مَعْلُومَةٌ ، فَلَوْ عُلِمَتْ كَفَحْمٍ شَرَاهُ بِيَسِيرِ الْغَبْنِ لَا يَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَبِهِ يُفْتَى ، وَنَقَلَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَيْهِ عَنْ الْبَحْرِ وَالْمِنَحِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ الْأَخِيرَ هُوَ الصَّحِيحُ .
قُلْت : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّفْصِيلِ بَيَانٌ لِهَذَا الْقَوْلِ تَأَمَّلْ : [ تَنْبِيهٌ ]
حَرَّرَ فِي الْبَحْرِ أَنَّ طَرِيقَ عِلْمِ الْقَاضِي بِالزِّيَادَةِ أَنْ يَجْتَمِعَ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْبَصَرِ وَالْأَمَانَةِ فَيُؤْخَذُ بِقَوْلِهِمَا مَعًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَهُمَا قَوْلُ الْوَاحِدِ يَكْفِي . ا هـ . ( قَوْلُهُ : قِيلَ يُعْقَدُ ثَانِيًا ) أَيْ مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْدَهُ وَقَوْلُهُ بِهِ أَيْ بِأَجْرِ الْمِثْلِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُجَدِّدُ الْعَقْدَ بِالْأُجْرَةِ الزَّائِدَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَبُولَ الْمُسْتَأْجِرِ الزِّيَادَةَ يَكْفِي عَنْ تَجْدِيدِ الْعَقْدِ ( قَوْلُهُ : فِي الْأَشْبَاهِ إلَخْ ) هُوَ عَيْنُ مَا فِي الْمَتْنِ لَكِنَّهُ نَقَلَهُ لِأُمُورٍ سَكَتَ عَنْهَا الْمَتْنُ . أَوَّلُهَا : أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالزِّيَادَةِ مَا يَشْمَلُ زِيَادَةَ تَعَنُّتٍ : أَيْ إضْرَارٍ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ فَإِنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ بَلْ الْمُرَادُ أَنْ تَزِيدَ فِي نَفْسِهَا عِنْدَ الْكُلِّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْبِيجَابِيُّ ، وَأَفَادَ أَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ نَفْسِ الْوَقْفِ لَا مِنْ عِمَارَةِ الْمُسْتَأْجِرِ بِمَا لَهُ لِنَفْسِهِ كَمَا فِي الْأَرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ لِأَجْلِ الْعِمَارَةِ كَمَا مَرَّ قَبْلَ الْفَصْلِ . ثَانِيهَا : التَّصْحِيحُ بِأَنَّهُ بِهِ يُفْتَى فَإِنَّهُ أَقْوَى . ثَالِثُهَا : أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِمُجَرَّدِ الزِّيَادَةِ بَلْ يَفْسَخُهُ الْمُتَوَلِّي كَمَا حَرَّرَهُ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ وَقَالَ فَإِنْ امْتَنَعَ يَفْسَخُهُ الْقَاضِي : رَابِعُهَا : أَنَّهُ قَبْلَ الْفَسْخِ لَا يَجِبُ إلَّا الْمُسَمَّى وَإِنَّمَا تَجِبُ الزِّيَادَةُ بَعْدَهُ ( قَوْلُهُ : وَقِيلَ لَا يَعْقِدُ بِهِ ثَانِيًا ) أَيْ لَا يَفْسَخُ وَلَا يَعْقِدُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَجْرَ الْمِثْلِ يُعْتَبَرُ وَقْتَ الْعَقْدِ ، وَهَذَا رِوَايَةُ فَتَاوَى سَمَرْقَنْدَ ، وَعَلَيْهَا مَشَى فِي التَّجْنِيسِ لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَالْإِسْعَافِ وَالْأَوْلَى رِوَايَةُ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْعَقِدُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَالْوَقْفُ يَجِبُ لَهُ النَّظَرُ ( قَوْلُهُ : وَالْمُسْتَأْجِرُ الْأَوَّلُ أَوْلَى إلَخْ ) تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ يَعْقِدُ ثَانِيًا وَالْمُرَادُ إذَا كَانَ مُسْتَأْجِرًا إجَارَةً صَحِيحَةً وَإِلَّا فَلَا حَقَّ لَهُ وَتُقْبَلُ الزِّيَادَةُ وَيَخْرُجُ كَمَا فِي الْبَحْرِ ، وَقَوْلُهُ : إذَا قِيلَ الزِّيَادَةُ أَيْ الزِّيَادَةُ الْمُعْتَبَرَةُ عِنْدَ الْكُلِّ كَمَا مَرَّ بَيَانُهَا : فَإِنْ قَبِلَهَا فَهُوَ الْأَحَقُّ وَإِلَّا آجَرَهَا مِنْ الثَّانِي إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ خَالِيَةً مِنْ الزِّرَاعَةِ ، وَإِلَّا وَجَبَتْ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ مِنْ وَقْتِهَا إلَى أَنْ يَسْتَحْصِدَ الزَّرْعَ لِأَنَّ شَغْلَهَا بِمِلْكِهِ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ إيجَارِهَا لِغَيْرِهِ فَإِذَا اسْتَحْصَدَ فَسَخَ وَأَجَّرَ مِنْ غَيْرِهِ ، وَكَذَا لَوْ كَانَ بَنَى فِيهَا أَوْ غَرَسَ ، لَكِنْ هُنَا يَبْقَى إلَى انْتِهَاءِ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ مَعْلُومَةٌ لِلْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ بِخِلَافِ الزَّرْعِ فَإِذَا انْتَهَى الْعَقْدُ فَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ قَبْلَ الْفَصْلِ فِي قَوْلِهِ : وَأَمَّا حُكْمُ الزِّيَادَةِ فِي الْأَرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ إلَخْ وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْمُنَاسِبَ ذِكْرُهَا هُنَا . مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِي مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْمُسْتَأْجِرُ الْأَوَّلُ أَوْلَى [ تَنْبِيهٌ ]
قَدْ عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ قَوْلَهُمْ إنَّ الْمُسْتَأْجِرَ الْأَوَّلَ أَوْلَى إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا زَادَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ قَبْلَ فَرَاغِ أُجْرَتِهِ وَقَدْ قَبِلَ الزِّيَادَةَ ، وَأَمَّا إذَا فَرَغَتْ مُدَّتُهُ ، فَلَيْسَ بِأَوْلَى إلَّا إذَا كَانَ لَهُ فِيهَا حَقُّ الْقَرَارِ ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْكِرْدَارِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مَبْسُوطًا فِي مَسْأَلَةِ الْأَرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ مِنْ أَنَّ لَهُ الِاسْتِبْقَاءَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ . مَعَ عَدَمِ الضَّرَرِ عَلَى الْوَقْفِ وَأَنَّ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ إطْلَاقِ عِبَارَاتِ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ الْمُفِيدَةِ لِوُجُوبِ الْقَلْعِ وَالتَّسْلِيمِ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَهَذَا وَجْهُ كَوْنِهِ أَحَقَّ بِالِاسْتِئْجَارِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَأَمَّا وَجْهُهُ فِي مَسْأَلَةِ زِيَادَةِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي أَثْنَاءِ 405 الْمُدَّةِ ، فَهُوَ أَنَّ مُدَّةَ إجَارَتِهِ قَائِمَةٌ لَمْ تَنْقَضِ ، وَقَدْ عَرَضَ فِي أَثْنَائِهَا مَا يُسَوِّغُ الْفَسْخَ وَهُوَ الزِّيَادَةُ الْعَارِضَةُ ، فَإِذَا قَبِلَهَا وَرَضِيَ بِدَفْعِهَا كَانَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ لِزَوَالِ ذَلِكَ الْمُسَوِّغِ فِي أَثْنَاءِ مُدَّتِهِ ، فَلَا يَسُوغُ فَسْخُهَا وَإِيجَارُهَا لِغَيْرِهِ ، بَلْ تُؤَجَّرُ مِنْهُ بِالزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ إلَى تَمَامِ مُدَّتِهِ ثُمَّ يُؤْجِرُهَا نَاظِرُ الْوَقْفِ لِمَنْ أَرَادَ وَإِنْ قَبِلَ الْمُسْتَأْجِرُ الْأَوَّلُ الزِّيَادَةَ لِزَوَالِ عِلَّةِ الْأَحَقِّيَّةِ وَهِيَ بَقَاءُ مُدَّةِ إجَارَتِهِ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ فِيهَا حَقُّ الْقَرَارِ فَهُوَ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ ، وَلَوْ بَعْدَ تَمَامِ الْمُدَّةِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ الْأُخْرَى كَمَا عَلِمْت .
وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لِأَرْضِ الْوَقْفِ وَنَحْوِهَا مِنْ حَانُوتٍ أَوْ دَارٍ ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا حَقُّ الْقَرَارِ الْمُسَمَّى بِالْكِرْدَارِ لَا يَكُونُ أَحَقَّ بِالِاسْتِئْجَارِ بَعْدَ فَرَاغِ مُدَّةِ اسْتِئْجَارِهِ ، سَوَاءٌ زَادَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ أَوْ لَا ، وَسَوَاءٌ قَبِلَ الزِّيَادَةَ أَوْ لَا خِلَافًا لِمَا يَفْهَمُهُ أَهْلُ زَمَانِنَا مِنْ أَنَّهُ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا ، وَيُسَمُّونَهُ ذَا الْيَدِ وَيَقُولُونَ : إنَّهُ مَتَى قَبِلَ الزِّيَادَةَ الْعَارِضَةَ لَا تُؤَجَّرْ لِغَيْرِهِ وَيَحْكُمُونَ بِذَلِكَ وَيُفْتُونَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُخَالِفًا لِمَا أَطْبَقَتْ عَلَيْهِ كُتُبُ الْمَذْهَبِ مِنْ مُتُونٍ وَشُرُوحٍ وَفَتَاوَى بَلْ مُسْتَنَدُهُمْ إطْلَاقُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ هُنَا ، وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهُ مُصَوَّرٌ فِي زِيَادَةِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ قَبْلَ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَاتِهِمْ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِإِطْلَاقِهِ وَلَا يَخْفَى مَعَ ذَلِكَ مَا فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ وَضَيَاعِ الْأَوْقَافِ حَيْثُ لَزِمَ مِنْ إبْقَاءِ أَرْضِ الْوَقْفِ بِيَدِ مُسْتَأْجِرٍ وَاحِدٍ مُدَّةً مَدِيدَةً تُؤَدِّيهِ إلَى دَعْوَى تَمَلُّكِهَا ، مَعَ أَنَّهُمْ مَنَعُوا مِنْ تَطْوِيلِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ خَوْفًا مِنْ ذَلِكَ كَمَا عَلِمْته ، وَهَذَا خُلَاصَةُ مَا ذَكَرْته فِي رِسَالَتِي الْمُسَمَّاةِ بِتَحْرِيرِ الْعِبَارَةِ فِيمَنْ هُوَ أَوْلَى بِالْإِجَارَةِ ، وَبِمُرَاجَعَتِهَا يَظْهَرُ لَك الْعَجَبُ الْعُجَابُ وَتَقِفُ عَلَى حَقِيقَةِ الصَّوَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُنْعِمِ الْوَهَّابِ
( قَوْلُهُ : فَلَا يَجُوزُ بِالْأَقَلِّ ) أَيْ لَا يَصِحُّ إذَا كَانَ بِغَبَنٍ فَاحِشٍ كَمَا يَأْتِي قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ إلَّا عَنْ ضَرُورَةٍ وَفِي فَتَاوَى الْحَانُوتِيِّ شَرْطُ إجَارَةِ الْوَقْفِ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ إذَا نَابَتْهُ نَائِبَةٌ أَوْ كَانَ دَيْنٌ . ا هـ . مَطْلَبٌ فِي اسْتِئْجَارِ الدَّارِ لِمُرْصَدٍ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ
قُلْت : وَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَمِمَّا عَزَاهُ لِلْأَشْبَاهِ جَوَازُ إجَارَةِ الدَّارِ الَّتِي عَلَيْهَا مَرْصَدٌ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ ، وَوَجْهُ ذَلِكَ : أَنَّ الْمَرْصَدَ دَيْنٌ عَلَى الْوَقْفِ بِنَفَقَةِ الْمُسْتَأْجِرِ لِعِمَارَةِ الدَّارِ لِعَدَمِ مَالٍ حَاصِلٍ فِي الْوَقْفِ فَإِذَا زَادَتْ أُجْرَةُ مِثْلِهَا بِهَذِهِ الْعِمَارَةِ 403 الَّتِي صَارَتْ لِلْوَقْفِ لَا تَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ لِأَنَّهُ إذَا أَرَادَ النَّاظِرُ إيجَارَ هَذِهِ الدَّارِ لِمَنْ يَدْفَعُ ذَلِكَ الْمُرْصَدَ لِصَاحِبِهِ لَا يَرْضَى بِاسْتِئْجَارِهَا بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا الْآنَ لَكِنْ أَفْتَى فِي الْخَيْرِيَّةِ بِلُزُومِ الْأُجْرَةِ الزَّائِدَةِ وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ فِي الْوَقْفِ مَالٌ وَأَرَادَ النَّاظِرُ دَفْعَ الْمُرْصَدِ مِنْهُ فَحِينَئِذٍ لَا شَكَّ فِي لُزُومِ الزِّيَادَةِ فَتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ : وَلَوْ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْمُؤَجِّرِ وَعِبَارَةُ قَارِئِ الْهِدَايَةِ سُئِلَ عَنْ مُسْتَحِقٍّ لِوَقْفٍ عَلَيْهِ هُوَ نَاظِرُهُ آجَرَهُ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ هَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ ، فَأَجَابَ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ لِمَا يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ الضَّرَرِ بِالْأُجْرَةِ ا هـ أَيْ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ ، فَيَضُرُّ بِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْمُسْتَحِقِّينَ ، وَرُبَّمَا يَتَضَرَّرُ الْوَقْفُ أَيْضًا الْآنَ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا لِلتَّعْمِيرِ وَأَمَّا مَا يُوجَدُ فِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّرْحِ مِنْ قَوْلِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَتُفْسَخَ هَذِهِ الْإِجَارَةُ ا هـ فَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّهَا لَا تُفْسَخُ بِمَوْتِ النَّاظِرِ عَلَى أَنَّ الضَّرَرَ إنَّمَا هُوَ فِي إبْقَائِهَا بِالْإِجَارَةِ الْقَلِيلَةِ لَا فِي فَسْخِهَا لِأَنَّهَا إذَا فُسِخَتْ تُؤَجَّرُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ فَلَا يَتَضَرَّرُ أَحَدٌ تَأَمَّلْ ، وَلَا يَجُوزُ إرْجَاعُ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَهُ لِانْفِسَاخِهَا بِمَوْتِهِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ : إلَّا بِنُقْصَانٍ يَسِيرٍ ) هُوَ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ إسْعَافٌ أَيْ مَا يَقْبَلُونَهُ وَلَا يَعُدُّونَهُ غَبْنًا . مَطْلَبٌ لَيْسَ لِلنَّاظِرِ إلَّا الْإِقَالَةُ
( قَوْلُهُ : لَا يَفْسَخُ الْعَقْدَ ) أَيْ لَوْ طَلَبَ الْمُسْتَأْجِرُ فَسْخَهُ لَا يُجِيبُهُ النَّاظِرُ لِلُزُومِ الضَّرَرِ عَلَى الْوَقْفِ قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَلَيْسَ لَهُ الْإِقَالَةُ إلَّا إنْ كَانَتْ أَصْلَحَ لِلْوَقْفِ . مَطْلَبٌ فِيمَا زَادَ أَجْرُ الْمِثْلِ بَعْدَ الْعَقْدِ
( قَوْلُهُ وَلَوْ زَادَ أَجْرُهُ ) أَيْ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى أَجْرِ مِثْلِهِ أَيْ الَّذِي كَانَ وَقْتَ الْعَقْدِ ، وَقَيَّدَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ الزِّيَادَةَ بِالْفَاحِشَةِ قَالَ فِي الْبَحْرِ ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ نَقْضِهَا بِالْيَسِيرَةِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْفَاحِشَةِ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهَا كَمَا مَرَّ فِي طَرَفِ النُّقْصَانِ ، وَالْوَاحِدُ فِي الْعَشَرَةِ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ ، وَهَذَا قَيْدٌ حَسَنٌ يَجِبُ حِفْظُهُ فَإِذَا كَانَتْ أُجْرَةُ دَارٍ عَشَرَةً مَثَلًا وَزَادَ أَجْرُ مِثْلِهَا وَاحِدًا فَإِنَّهَا لَا تُنْقَضُ كَمَا لَوْ آجَرَهَا الْمُتَوَلِّي بِتِسْعَةٍ فَإِنَّهَا لَا تُنْقَضُ بِخِلَافِ الدِّرْهَمَيْنِ فِي الطَّرَفَيْنِ ا هـ .
قُلْت : لَكِنْ نَقَلَ الْبِيرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْحَاوِي الْحَصِيرِيِّ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْفَاحِشَةَ مِقْدَارُهَا نِصْفُ مَا آجَرَ بِهِ أَوْ لَا ا هـ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا يَرُدُّ مَا بَحَثَهُ فِي الْبَحْرِ . نَعَمْ فِي إجَارَاتِ الْخَيْرِيَّةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا قَدْرُ الْخُمُسِ ، وَهُوَ عَيْنُ مَا بَحَثَهُ فِي الْبَحْرِ وَفِي الْخُلَاصَةِ إنْ آجَرَهُ الْمُتَوَلِّي بِأَجْرِ مِثْلِهِ أَوْ بِقَدْرِ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ ، فَإِنَّهُ لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ وَإِنْ جَاءَ آخَرُ وَزَادَ فِي الْأُجْرَةِ دِرْهَمَيْنِ فِي عَشَرَةٍ فَهُوَ يَسِيرٌ حَتَّى لَوْ آجَرَ بِثَمَانِيَةٍ وَأَجْرُ مِثْلِهِ عَشَرَةٌ لَا تَنْفَسِخُ ا هـ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْخُمُسَ قَلِيلٌ فِي طَرَفَيْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ ، فَلَا تَنْفَسِخُ بِهِ الْإِجَارَةُ لَكِنْ فِي وَكَالَةِ الْبَحْرِ عَنْ السِّرَاجِ أَنَّ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ أَوْ أَقَلُّ فَلَوْ أَكْثَرَ فَلَا ، ثُمَّ نَقَلَ بَعْدَهُ تَفْصِيلًا وَهُوَ أَنَّ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ فِي الْعُرُوضِ نِصْفُ الْعُشْرِ وَفِي الْحَيَوَانِ الْعُشْرُ وَفِي الْعَقَارِ الْخُمْسُ ، وَمَا خَرَجَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ فِيهِ ، وَوَجْهُهُ كَثْرَةُ التَّصَرُّفِ فِي الْعُرُوضِ وَقِلَّتُهُ فِي الْعَقَارِ وَتَوَسُّطَهُ فِي الْحَيَوَانِ وَكَثْرَةُ الْغَبْنِ لِقِلَّةِ التَّصَرُّفِ فَهَذَا يُؤَيِّدُ بَحْثَ الْبَحْرِ هُنَا ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ . وَانْظُرْ مَا فِي 404 جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ آخِرَ الْفَصْلِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ ، فَإِنَّهُ نَقَلَ التَّفْصِيلَ ثُمَّ قَالَ وَقِيلَ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ مِمَّا لَيْسَ لَهُ قِيمَةٌ مَعْلُومَةٌ ، فَلَوْ عُلِمَتْ كَفَحْمٍ شَرَاهُ بِيَسِيرِ الْغَبْنِ لَا يَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَبِهِ يُفْتَى ، وَنَقَلَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَيْهِ عَنْ الْبَحْرِ وَالْمِنَحِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ الْأَخِيرَ هُوَ الصَّحِيحُ .
قُلْت : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّفْصِيلِ بَيَانٌ لِهَذَا الْقَوْلِ تَأَمَّلْ : [ تَنْبِيهٌ ]
حَرَّرَ فِي الْبَحْرِ أَنَّ طَرِيقَ عِلْمِ الْقَاضِي بِالزِّيَادَةِ أَنْ يَجْتَمِعَ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْبَصَرِ وَالْأَمَانَةِ فَيُؤْخَذُ بِقَوْلِهِمَا مَعًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَهُمَا قَوْلُ الْوَاحِدِ يَكْفِي . ا هـ . ( قَوْلُهُ : قِيلَ يُعْقَدُ ثَانِيًا ) أَيْ مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْدَهُ وَقَوْلُهُ بِهِ أَيْ بِأَجْرِ الْمِثْلِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُجَدِّدُ الْعَقْدَ بِالْأُجْرَةِ الزَّائِدَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَبُولَ الْمُسْتَأْجِرِ الزِّيَادَةَ يَكْفِي عَنْ تَجْدِيدِ الْعَقْدِ ( قَوْلُهُ : فِي الْأَشْبَاهِ إلَخْ ) هُوَ عَيْنُ مَا فِي الْمَتْنِ لَكِنَّهُ نَقَلَهُ لِأُمُورٍ سَكَتَ عَنْهَا الْمَتْنُ . أَوَّلُهَا : أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالزِّيَادَةِ مَا يَشْمَلُ زِيَادَةَ تَعَنُّتٍ : أَيْ إضْرَارٍ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ فَإِنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ بَلْ الْمُرَادُ أَنْ تَزِيدَ فِي نَفْسِهَا عِنْدَ الْكُلِّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْبِيجَابِيُّ ، وَأَفَادَ أَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ نَفْسِ الْوَقْفِ لَا مِنْ عِمَارَةِ الْمُسْتَأْجِرِ بِمَا لَهُ لِنَفْسِهِ كَمَا فِي الْأَرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ لِأَجْلِ الْعِمَارَةِ كَمَا مَرَّ قَبْلَ الْفَصْلِ . ثَانِيهَا : التَّصْحِيحُ بِأَنَّهُ بِهِ يُفْتَى فَإِنَّهُ أَقْوَى . ثَالِثُهَا : أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِمُجَرَّدِ الزِّيَادَةِ بَلْ يَفْسَخُهُ الْمُتَوَلِّي كَمَا حَرَّرَهُ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ وَقَالَ فَإِنْ امْتَنَعَ يَفْسَخُهُ الْقَاضِي : رَابِعُهَا : أَنَّهُ قَبْلَ الْفَسْخِ لَا يَجِبُ إلَّا الْمُسَمَّى وَإِنَّمَا تَجِبُ الزِّيَادَةُ بَعْدَهُ ( قَوْلُهُ : وَقِيلَ لَا يَعْقِدُ بِهِ ثَانِيًا ) أَيْ لَا يَفْسَخُ وَلَا يَعْقِدُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَجْرَ الْمِثْلِ يُعْتَبَرُ وَقْتَ الْعَقْدِ ، وَهَذَا رِوَايَةُ فَتَاوَى سَمَرْقَنْدَ ، وَعَلَيْهَا مَشَى فِي التَّجْنِيسِ لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَالْإِسْعَافِ وَالْأَوْلَى رِوَايَةُ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْعَقِدُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَالْوَقْفُ يَجِبُ لَهُ النَّظَرُ ( قَوْلُهُ : وَالْمُسْتَأْجِرُ الْأَوَّلُ أَوْلَى إلَخْ ) تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ يَعْقِدُ ثَانِيًا وَالْمُرَادُ إذَا كَانَ مُسْتَأْجِرًا إجَارَةً صَحِيحَةً وَإِلَّا فَلَا حَقَّ لَهُ وَتُقْبَلُ الزِّيَادَةُ وَيَخْرُجُ كَمَا فِي الْبَحْرِ ، وَقَوْلُهُ : إذَا قِيلَ الزِّيَادَةُ أَيْ الزِّيَادَةُ الْمُعْتَبَرَةُ عِنْدَ الْكُلِّ كَمَا مَرَّ بَيَانُهَا : فَإِنْ قَبِلَهَا فَهُوَ الْأَحَقُّ وَإِلَّا آجَرَهَا مِنْ الثَّانِي إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ خَالِيَةً مِنْ الزِّرَاعَةِ ، وَإِلَّا وَجَبَتْ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ مِنْ وَقْتِهَا إلَى أَنْ يَسْتَحْصِدَ الزَّرْعَ لِأَنَّ شَغْلَهَا بِمِلْكِهِ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ إيجَارِهَا لِغَيْرِهِ فَإِذَا اسْتَحْصَدَ فَسَخَ وَأَجَّرَ مِنْ غَيْرِهِ ، وَكَذَا لَوْ كَانَ بَنَى فِيهَا أَوْ غَرَسَ ، لَكِنْ هُنَا يَبْقَى إلَى انْتِهَاءِ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ مَعْلُومَةٌ لِلْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ بِخِلَافِ الزَّرْعِ فَإِذَا انْتَهَى الْعَقْدُ فَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ قَبْلَ الْفَصْلِ فِي قَوْلِهِ : وَأَمَّا حُكْمُ الزِّيَادَةِ فِي الْأَرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ إلَخْ وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْمُنَاسِبَ ذِكْرُهَا هُنَا . مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِي مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْمُسْتَأْجِرُ الْأَوَّلُ أَوْلَى [ تَنْبِيهٌ ]
قَدْ عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ قَوْلَهُمْ إنَّ الْمُسْتَأْجِرَ الْأَوَّلَ أَوْلَى إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا زَادَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ قَبْلَ فَرَاغِ أُجْرَتِهِ وَقَدْ قَبِلَ الزِّيَادَةَ ، وَأَمَّا إذَا فَرَغَتْ مُدَّتُهُ ، فَلَيْسَ بِأَوْلَى إلَّا إذَا كَانَ لَهُ فِيهَا حَقُّ الْقَرَارِ ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْكِرْدَارِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مَبْسُوطًا فِي مَسْأَلَةِ الْأَرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ مِنْ أَنَّ لَهُ الِاسْتِبْقَاءَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ . مَعَ عَدَمِ الضَّرَرِ عَلَى الْوَقْفِ وَأَنَّ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ إطْلَاقِ عِبَارَاتِ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ الْمُفِيدَةِ لِوُجُوبِ الْقَلْعِ وَالتَّسْلِيمِ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَهَذَا وَجْهُ كَوْنِهِ أَحَقَّ بِالِاسْتِئْجَارِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَأَمَّا وَجْهُهُ فِي مَسْأَلَةِ زِيَادَةِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي أَثْنَاءِ 405 الْمُدَّةِ ، فَهُوَ أَنَّ مُدَّةَ إجَارَتِهِ قَائِمَةٌ لَمْ تَنْقَضِ ، وَقَدْ عَرَضَ فِي أَثْنَائِهَا مَا يُسَوِّغُ الْفَسْخَ وَهُوَ الزِّيَادَةُ الْعَارِضَةُ ، فَإِذَا قَبِلَهَا وَرَضِيَ بِدَفْعِهَا كَانَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ لِزَوَالِ ذَلِكَ الْمُسَوِّغِ فِي أَثْنَاءِ مُدَّتِهِ ، فَلَا يَسُوغُ فَسْخُهَا وَإِيجَارُهَا لِغَيْرِهِ ، بَلْ تُؤَجَّرُ مِنْهُ بِالزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ إلَى تَمَامِ مُدَّتِهِ ثُمَّ يُؤْجِرُهَا نَاظِرُ الْوَقْفِ لِمَنْ أَرَادَ وَإِنْ قَبِلَ الْمُسْتَأْجِرُ الْأَوَّلُ الزِّيَادَةَ لِزَوَالِ عِلَّةِ الْأَحَقِّيَّةِ وَهِيَ بَقَاءُ مُدَّةِ إجَارَتِهِ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ فِيهَا حَقُّ الْقَرَارِ فَهُوَ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ ، وَلَوْ بَعْدَ تَمَامِ الْمُدَّةِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ الْأُخْرَى كَمَا عَلِمْت .
وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لِأَرْضِ الْوَقْفِ وَنَحْوِهَا مِنْ حَانُوتٍ أَوْ دَارٍ ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا حَقُّ الْقَرَارِ الْمُسَمَّى بِالْكِرْدَارِ لَا يَكُونُ أَحَقَّ بِالِاسْتِئْجَارِ بَعْدَ فَرَاغِ مُدَّةِ اسْتِئْجَارِهِ ، سَوَاءٌ زَادَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ أَوْ لَا ، وَسَوَاءٌ قَبِلَ الزِّيَادَةَ أَوْ لَا خِلَافًا لِمَا يَفْهَمُهُ أَهْلُ زَمَانِنَا مِنْ أَنَّهُ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا ، وَيُسَمُّونَهُ ذَا الْيَدِ وَيَقُولُونَ : إنَّهُ مَتَى قَبِلَ الزِّيَادَةَ الْعَارِضَةَ لَا تُؤَجَّرْ لِغَيْرِهِ وَيَحْكُمُونَ بِذَلِكَ وَيُفْتُونَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُخَالِفًا لِمَا أَطْبَقَتْ عَلَيْهِ كُتُبُ الْمَذْهَبِ مِنْ مُتُونٍ وَشُرُوحٍ وَفَتَاوَى بَلْ مُسْتَنَدُهُمْ إطْلَاقُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ هُنَا ، وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهُ مُصَوَّرٌ فِي زِيَادَةِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ قَبْلَ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَاتِهِمْ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِإِطْلَاقِهِ وَلَا يَخْفَى مَعَ ذَلِكَ مَا فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ وَضَيَاعِ الْأَوْقَافِ حَيْثُ لَزِمَ مِنْ إبْقَاءِ أَرْضِ الْوَقْفِ بِيَدِ مُسْتَأْجِرٍ وَاحِدٍ مُدَّةً مَدِيدَةً تُؤَدِّيهِ إلَى دَعْوَى تَمَلُّكِهَا ، مَعَ أَنَّهُمْ مَنَعُوا مِنْ تَطْوِيلِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ خَوْفًا مِنْ ذَلِكَ كَمَا عَلِمْته ، وَهَذَا خُلَاصَةُ مَا ذَكَرْته فِي رِسَالَتِي الْمُسَمَّاةِ بِتَحْرِيرِ الْعِبَارَةِ فِيمَنْ هُوَ أَوْلَى بِالْإِجَارَةِ ، وَبِمُرَاجَعَتِهَا يَظْهَرُ لَك الْعَجَبُ الْعُجَابُ وَتَقِفُ عَلَى حَقِيقَةِ الصَّوَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُنْعِمِ الْوَهَّابِ
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith