رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الأول
( قَوْلُهُ : وَكُرِهَ نَفْلٌ إلَخْ ) شُرُوعٌ فِي النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ نَوْعَيْ الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ وَفِيمَا يُكْرَهُ فِيهَا ، وَالْكَرَاهَةُ هُنَا تَحْرِيمِيَّةٌ أَيْضًا كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي الْحِلْيَةِ وَلِذَا عُبِّرَ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ بِعَدَمِ الْجَوَازِ ، وَالْمُرَادُ عَدَمُ الْحِلِّ لَا عَدَمُ الصِّحَّةِ كَمَا لَا يَخْفَى .
( قَوْلُهُ : قَصْدًا ) اُحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا لَوْ صَلَّى تَطَوُّعًا فِي آخِرِ اللَّيْلِ فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَةً طَلَعَ الْفَجْرُ فَإِنَّ الْأَفْضَلَ إتْمَامُهَا ; لِأَنَّ وُقُوعَهُ فِي التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْفَجْرِ لَا عَنْ قَصْدٍ 375 وَلَا يَنُوبَانِ عَنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ عَلَى الْأَصَحِّ ( لِقَوْلِهِ وَلَوْ تَحِيَّةَ مَسْجِدٍ ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا لَهُ سَبَبٌ أَوْ لَا كَمَا فِي الْبَحْرِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِيمَا لَهُ سَبَبٌ كَالرَّوَاتِبِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ ط .
( قَوْلُهُ : وَكُلُّ مَا كَانَ وَاجِبًا إلَخْ ) أَيْ مَا كَانَ مُلْحَقًا بِالنَّفْلِ ، بِأَنْ ثَبَتَ وُجُوبُهُ بِعَارِضٍ بَعْدَ مَا كَانَ نَفْلًا .
( قَوْلُهُ : عَلَى فِعْلِهِ ) أَيْ فِعْلِ الْعَبْدِ ، وَالْأَوْلَى إظْهَارُهُ مَثَلًا الْمَنْذُورُ يُوقَفُ عَلَى النَّذْرِ وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ عَلَى الطَّوَافِ وَسَجْدَتَا السَّهْوِ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ مِنْ جِهَتِهِ . ا هـ . ط .
وَيَرِدُ عَلَيْهِ سُجُودُ التِّلَاوَةِ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ وُجُوبُهُ عَلَى التِّلَاوَةِ . وَأَجَابَ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ وُجُوبَهُ فِي التَّحْقِيقِ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّمَاعِ لَا بِالِاسْتِمَاعِ وَلَا بِالتِّلَاوَةِ وَذَلِكَ لَيْسَ فِعْلًا مِنْ الْمُكَلَّفِ بَلْ وَصْفٌ خُلُقِيٌّ فِيهِ ، بِخِلَافِ النَّذْرِ وَالطَّوَافِ وَالشُّرُوعِ فَإِنَّهَا فِعْلُهُ وَلَوْلَاهُ لَكَانَتْ الصَّلَاةُ نَفْلًا . ا هـ . قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ : لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ فِي حَقِّ التَّالِي التِّلَاوَةُ دُونَ السَّمَاعِ وَإِلَّا لَزِمَ عَدَمُ الْوُجُوبِ عَلَى الْأَصَمِّ بِتِلَاوَتِهِ ا هـ وَنَحْوُهُ فِي الْبَحْرِ .
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِهِ لَكِنَّهُ لَيْسَ أَصْلُهُ نَفْلًا ; لِأَنَّ التَّنَفُّلَ بِالسَّجْدَةِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَكَانَتْ وَاجِبَةً بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَا بِالْتِزَامِ الْعَبْدِ ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ .
( قَوْلُهُ : وَرَكْعَتَيْ طَوَافٍ ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الطَّوَافُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ عَنْ مُعَاذِ ابْنِ عَفْرَاءَ " أَنَّهُ طَافَ بَعْدَ الْعَصْرِ أَوْ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَلَمْ يُصَلِّ ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاةٍ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَعَنْ صَلَاةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ } " ثُمَّ رَأَيْته مُصَرِّحًا بِهِ فِي الْحِلْيَةِ وَشَرْحِ اللُّبَابِ .
( قَوْلُهُ : وَسَجْدَتَيْ سَهْوٍ ) أَقُولُ : تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ الْمُجْتَبَى ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي مَعْنَاهُ هَلْ هُوَ عَلَى إطْلَاقِهِ أَوْ مُقَيَّدٌ بِبَعْضِ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّهُ لَا وَجْهَ لِكَرَاهَةِ سُجُودِ السَّهْوِ فِيمَا لَوْ صَلَّى الْفَجْرَ أَوْ الْعَصْرَ وَسَهَا فِيهِمَا ، وَكَذَا لَوْ قَضَى بَعْدَهُمَا فَائِتَةً وَسَهَا فِيهَا فَإِنَّهُ إذَا حَلَّ لَهُ أَدَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ كَيْفَ لَا يَحِلُّ لَهُ سُجُودُ السَّهْوِ الْوَاجِبِ فِيهَا ؟ وَلَعَلَّهُ اشْتَبَهَ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْأَوْقَاتِ بِالنَّوْعِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّ ذِكْرَ سُجُودِ السَّهْوِ نَحْوَ النَّوْعِ الْأَوَّلِ صَحِيحٌ وَقَدْ مَرَّ ، بِخِلَافِ ذِكْرِهِ هُنَا ، إلَّا أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ مُقَيَّدٌ بِبَعْضِ الصَّلَوَاتِ وَهِيَ الَّتِي تُكْرَهُ فِي هَذَا النَّوْعِ كَالنَّفْلِ وَالْوَاجِبِ لِغَيْرِهِ ، فَكَمَا يُكْرَهُ فِعْلُهَا يُكْرَهُ سُجُودُ السَّهْوِ فِيهَا ، ثُمَّ رَأَيْت الرَّحْمَتِيَّ جَزَمَ بِأَنَّ ذَلِكَ سَهْوٌ ، فَتَأَمَّلْ وَرَاجِعْ .
( قَوْلُهُ : وَلَوْ سُنَّةَ الْفَجْرِ ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الَّذِي شَرَعَ فِيهِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ سُنَّةَ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَمَا قِيلَ مِنْ الْحِيَلِ مَرْدُودٌ كَمَا سَيَأْتِي .
( قَوْلُهُ : بَعْدَ صَلَاةِ فَجْرٍ وَ عَصْرٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَكُرِهَ أَيْ وَكُرِهَ نَفْلٌ إلَخْ بَعْدَ صَلَاةِ فَجْرٍ وَعَصْرٍ : أَيْ إلَى مَا قُبَيْلَ الطُّلُوعِ وَالتَّغَيُّرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ السَّابِقِ لَا يَنْعَقِدُ الْفَرْضُ إلَخْ ، وَلِذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ هُنَا : الْمُرَادُ بِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ قَبْلَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْقَضَاءُ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ . ا هـ .
( قَوْلُهُ : وَلَوْ لِمَجْمُوعَةٍ بِعَرَفَةَ ) عَزَاهُ فِي الْمِعْرَاجِ إلَى الْمُجْتَبَى . وَفِي الْقُنْيَةِ إلَى مَجْدِ الْأَئِمَّةِ التَّرْجُمَانِيِّ وَظَهِيرِ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيِّ ، وَذَكَرَهُ فِي الْحِلْيَةِ بَحْثًا ، وَقَالَ لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا ، وَتَبِعَهُ فِي الْبَحْرِ .
( قَوْلُهُ : وَلَوْ وِتْرًا ) لِأَنَّهُ عَلَى قَوْلِهِ وَاجِبٌ يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ ، وَهُوَ مَعْنَى الْفَرْضِ الْعَمَلِيِّ ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا سُنَّةٌ مُخَالِفَةٌ لِغَيْرِهَا مِنْ السُّنَنِ وَلِذَا قَالَا لَا تَصِحُّ مِنْ قَعُودٍ ، وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الْقُنْيَةِ : الْوِتْرُ يُقْضَى بَعْدَ الْفَجْرِ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ سَائِرِ السُّنَنِ . ( قَوْلُهُ : أَوْ سَجْدَةِ تِلَاوَةٍ ) لِوُجُوبِهَا بِإِيجَابِهِ تَعَالَى لَا بِفِعْلِ الْعَبْدِ كَمَا عَلِمْته فَلَمْ تَكُنْ فِي مَعْنَى النَّفْلِ .
( قَوْلُهُ : لِشَغْلِ الْوَقْتِ بِهِ ) أَيْ بِالْفَجْرِ أَيْ بِصَلَاتِهِ ، فَفِي الْعِبَارَةِ اسْتِخْدَامٌ ط أَيْ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَجْرِ الزَّمَنُ لَا الصَّلَاةُ ، 376 ثُمَّ هَذَا عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَكُرِهَ . وَفِيهِ جَوَابٌ عَمَّا أُورِدَ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ } " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ يَعُمُّ النَّفَلَ وَغَيْرَهُ : وَجَوَابُهُ أَنَّ النَّهْيَ هُنَا لَا لِنُقْصَانٍ فِي الْوَقْتِ بَلْ لِيَصِيرَ الْوَقْتُ كَالْمَشْغُولِ بِالْفَرْضِ فَلَمْ يَجُزْ النَّفَلُ ، وَلَا مَا أُلْحِقَ بِهِ مِمَّا ثَبَتَ وُجُوبُهُ بِعَارِضٍ بَعْدَ مَا كَانَ نَفْلًا دُونَ الْفَرَائِضِ . وَمَا فِي مَعْنَاهَا ، بِخِلَافِ النَّهْيِ عَنْ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ لِمَعْنًى فِي الْوَقْتِ وَهُوَ كَوْنُهُ مَنْسُوبًا لِلشَّيْطَانِ فَيُؤَثِّرُ فِي الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ ، وَتَمَامُهُ فِي شُرُوعِ الْهِدَايَةِ .
( قَوْلُهُ : حَتَّى لَوْ نَوَى إلَخْ ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّعْلِيلِ : أَيْ وَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ كَوْنَ الْوَقْتِ مَشْغُولًا بِالْفَرْضِ تَقْدِيرًا وَسُنَّتُهُ تَابِعَةٌ لَهُ ، فَإِذَا تَطَوَّعَ انْصَرَفَ تَطَوُّعُهُ إلَى سُنَّتِهِ لِئَلَّا يَكُونَ آتِيًا بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَتَأَمَّلْ .
( قَوْلُهُ : بِلَا تَعْيِينٍ ) لِأَنَّ الصَّحِيحَ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ فِي السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ ، وَأَنَّهَا تَصِحُّ بِنِيَّةِ النَّفْلِ وَبِمُطْلَقِ النِّيَّةِ ، فَلَوْ تَهَجَّدَ بِرَكْعَتَيْنِ يَظُنُّ بَقَاءَ اللَّيْلِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُمَا بَعْدَ الْفَجْرِ كَانَتَا عَنْ السُّنَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ فَلَا يُصَلِّيهَا بَعْدَهُ لِلْكَرَاهَةِ أَشْبَاهٌ .
( قَوْلُهُ : وَقَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ ) عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ أَصْحَابُنَا وَمَالِكٌ ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، لَمَّا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُفِيدُ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِأَصْحَابِهِ عَقِبَ الْغُرُوبِ } ، { وَلِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَا رَأَيْت أَحَدًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهِمَا } " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسَكَتَ عَنْهُ وَالْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ . وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ أَنَّهُ سَأَلَ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ عَنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ ، قَالَ : فَنَهَى عَنْهَا ، وَقَالَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَهَا . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ بَعْدَهُمْ ، فَهَذَا يُعَارِضُ مَا رُوِيَ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ أَمَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَلَاتِهِمَا ; لِأَنَّهُ إذَا اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ ; لِأَنَّهُ دَلِيلُ ضَعْفِهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُشْتَهِرًا بَيْنَ الصَّحَابَةِ لَمَا خَفِيَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ ، أَوْ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْأَمْرِ بِتَعْجِيلِ الْمَغْرِبِ ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحَيْ الْمُنْيَةِ وَغَيْرِهِمَا .
( قَوْلُهُ : لِكَرَاهَةِ تَأْخِيرِهِ ) الْأَوْلَى تَأْخِيرُهَا أَيْ الصَّلَاةِ ، وَقَوْلُهُ إلَّا يَسِيرًا أَفَادَ أَنَّهُ مَا دُونَ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ بِقَدْرِ جَلْسَةٍ ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ الزَّائِدَ عَلَيْهِ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا مَا لَمْ تَشْتَبِكْ النُّجُومُ ، وَأَفَادَ فِي الْفَتْحِ وَأَقَرَّهُ فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ أَنَّ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ إذًا تَجُوزُ فِيهَا لَا تَزِيدُ عَلَى الْيَسِيرِ فَيُبَاحُ فِعْلُهُمَا ، وَقَدْ أَطَالَ فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ فِي الْفَتْحِ فِي بَابِ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ .
[ تَنْبِيهٌ ] يَجُوزُ قَضَاءُ الْفَائِتَةِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ بِلَا كَرَاهَةٍ ، وَيَبْدَأُ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ ثُمَّ بِالْجِنَازَةِ ثُمَّ بِالسُّنَّةِ ، وَلَعَلَّهُ لِبَيَانِ الْأَفْضَلِيَّةِ . وَفِي الْحِلْيَةِ : الْفَتْوَى عَلَى تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَنْ سُنَّةِ الْجُمُعَةِ ، فَعَلَى هَذَا تُؤَخَّرُ عَنْ سُنَّةِ الْمَغْرِبِ ; لِأَنَّهَا آكَدُ . ا هـ . بَحْرٌ . وَصَرَّحَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ بِكَرَاهَةِ الْمَنْذُورَةِ وَقَضَاءِ مَا أَفْسَدَهُ وَالْفَائِتَةِ لِغَيْرِ صَاحِبِ تَرْتِيبٍ ، وَهُوَ تَقْيِيدٌ حَسَنٌ وَبَقِيَ رَكْعَتَا الطَّوَافِ فَتُكْرَهُ أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحِلْيَةِ وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا ، فَإِنَّ قَوْلَهُ وَقِيلَ صَلَاةُ مَغْرِبٍ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بَعْدَ طُلُوعِ فَجْرٍ ، فَيُكْرَهُ فِي الثَّانِي جَمِيعُ مَا يُكْرَهُ فِي الْأَوَّلِ ، نَعَمْ صَرَّحَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ أَنَّهُ لَوْ طَافَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْهِ قَبْلَ سُنَّةِ الْمَغْرِبِ كَالْجِنَازَةِ .
( قَوْلُهُ : وَعِنْدَ خُرُوجِ إمَامٍ ) لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا { إذَا قُلْت لِصَاحِبِك أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْت } " فَإِذَا نُهِيَ عَنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ فَرْضٌ فَمَا ظَنُّك بِالنَّفْلِ ؟ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ مِنْهُمْ أَصْحَابُنَا وَمَالِكٌ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ التَّابِعِينَ ، فَمَا رُوِيَ مِمَّا 377 يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ كَانَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ فَلَا يُعَارِضُ أَدِلَّةَ الْمَنْعِ ، وَتَمَامُ الْأَدِلَّةِ فِي شَرْحَيْ الْمُنْيَةِ وَغَيْرِهِمَا ، ثُمَّ هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ فَيُكْرَهُ فِيهِ مَا يُكْرَهُ فِيهِ كَمَا بَيَّنَّا .
( قَوْلُهُ : لِخُطْبَةٍ مَا ) أَتَى بِمَا لِتَعْمِيمِ الْخُطْبَةِ ، وَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا ، سَوَاءٌ أَمْسَكَ الْخَطِيبُ عَنْهَا أَمْ لَا بَحْرٌ .
( قَوْلُهُ : وَسَيَجِيءُ أَنَّهَا عَشْرٌ ) أَيْ فِي بَابِ الْعِيدَيْنِ ، وَهِيَ : خُطْبَةُ جُمُعَةٍ وَفِطْرٍ وَأَضْحَى ، وَثَلَاثُ خُطَبِ الْحَجِّ ، وَخَتْمٌ وَنِكَاحٌ ، وَاسْتِسْقَاءٌ وَكُسُوفٌ ، وَالْمُرَادُ تَعْدَادُ الْخُطَبِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَإِلَّا فَخُطْبَةُ الْكُسُوفِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ كَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ فِيهَا عِنْدَ الْإِمَامِ لِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّتِهَا عِنْدَهُ ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْحِلْيَةِ ، وَكَذَا خُطْبَةُ الِاسْتِسْقَاءِ مَذْهَبُ الصَّاحِبَيْنِ ، فَيُقَالُ فِيهَا كَذَلِكَ . وَقَدْ يُجَابُ بِمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ حَيْثُ نَقَلَ رِوَايَةً عَنْ الْإِمَامِ بِمَشْرُوعِيَّةِ خُطْبَةِ الْكُسُوفِ ، وَلَعَلَّ مَنْ ذَكَرَهَا كَالْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا جَنَحَ إلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، فَصَحَّ كَوْنُهَا عَشْرًا عِنْدَنَا . وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ : خُرُوجِ إمَامٍ مِنْ الْحُجْرَةِ وَقِيَامِهِ لِلصَّلَاةِ قَيْدٌ فِيمَا يُنَاسِبُهُ مِنْهَا وَهُوَ مَا عَدَا خُطْبَةَ النِّكَاحِ وَخُطْبَةَ خَتْمِ الْقُرْآنِ فَافْهَمْ . وَعِلَّةُ الْكَرَاهَةِ فِي الْجَمِيعِ تَفْوِيتُ الِاسْتِمَاعِ الْوَاجِبِ فِيهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُجْتَبَى .
( قَوْلُهُ : وَقَيَّدَهَا ) أَيْ قَيَّدَ الْفَائِتَةَ الَّتِي لَا تُكْرَهُ حَالَ الْخُطْبَةِ ط .
( قَوْلُهُ : بَيْنَ كَلَامَيْ النِّهَايَةِ وَالصَّدْرِ ) فَإِنَّ صَدْرَ الشَّرِيعَةِ يَقُولُ تُكْرَهُ الْفَائِتَةُ ، وَصَاحِبَ النِّهَايَةِ يَقُولُ لَا تُكْرَهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُصَنِّفِ ح
( قَوْلُهُ : قَصْدًا ) اُحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا لَوْ صَلَّى تَطَوُّعًا فِي آخِرِ اللَّيْلِ فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَةً طَلَعَ الْفَجْرُ فَإِنَّ الْأَفْضَلَ إتْمَامُهَا ; لِأَنَّ وُقُوعَهُ فِي التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْفَجْرِ لَا عَنْ قَصْدٍ 375 وَلَا يَنُوبَانِ عَنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ عَلَى الْأَصَحِّ ( لِقَوْلِهِ وَلَوْ تَحِيَّةَ مَسْجِدٍ ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا لَهُ سَبَبٌ أَوْ لَا كَمَا فِي الْبَحْرِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِيمَا لَهُ سَبَبٌ كَالرَّوَاتِبِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ ط .
( قَوْلُهُ : وَكُلُّ مَا كَانَ وَاجِبًا إلَخْ ) أَيْ مَا كَانَ مُلْحَقًا بِالنَّفْلِ ، بِأَنْ ثَبَتَ وُجُوبُهُ بِعَارِضٍ بَعْدَ مَا كَانَ نَفْلًا .
( قَوْلُهُ : عَلَى فِعْلِهِ ) أَيْ فِعْلِ الْعَبْدِ ، وَالْأَوْلَى إظْهَارُهُ مَثَلًا الْمَنْذُورُ يُوقَفُ عَلَى النَّذْرِ وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ عَلَى الطَّوَافِ وَسَجْدَتَا السَّهْوِ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ مِنْ جِهَتِهِ . ا هـ . ط .
وَيَرِدُ عَلَيْهِ سُجُودُ التِّلَاوَةِ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ وُجُوبُهُ عَلَى التِّلَاوَةِ . وَأَجَابَ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ وُجُوبَهُ فِي التَّحْقِيقِ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّمَاعِ لَا بِالِاسْتِمَاعِ وَلَا بِالتِّلَاوَةِ وَذَلِكَ لَيْسَ فِعْلًا مِنْ الْمُكَلَّفِ بَلْ وَصْفٌ خُلُقِيٌّ فِيهِ ، بِخِلَافِ النَّذْرِ وَالطَّوَافِ وَالشُّرُوعِ فَإِنَّهَا فِعْلُهُ وَلَوْلَاهُ لَكَانَتْ الصَّلَاةُ نَفْلًا . ا هـ . قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ : لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ فِي حَقِّ التَّالِي التِّلَاوَةُ دُونَ السَّمَاعِ وَإِلَّا لَزِمَ عَدَمُ الْوُجُوبِ عَلَى الْأَصَمِّ بِتِلَاوَتِهِ ا هـ وَنَحْوُهُ فِي الْبَحْرِ .
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِهِ لَكِنَّهُ لَيْسَ أَصْلُهُ نَفْلًا ; لِأَنَّ التَّنَفُّلَ بِالسَّجْدَةِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَكَانَتْ وَاجِبَةً بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَا بِالْتِزَامِ الْعَبْدِ ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ .
( قَوْلُهُ : وَرَكْعَتَيْ طَوَافٍ ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الطَّوَافُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ عَنْ مُعَاذِ ابْنِ عَفْرَاءَ " أَنَّهُ طَافَ بَعْدَ الْعَصْرِ أَوْ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَلَمْ يُصَلِّ ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاةٍ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَعَنْ صَلَاةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ } " ثُمَّ رَأَيْته مُصَرِّحًا بِهِ فِي الْحِلْيَةِ وَشَرْحِ اللُّبَابِ .
( قَوْلُهُ : وَسَجْدَتَيْ سَهْوٍ ) أَقُولُ : تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ الْمُجْتَبَى ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي مَعْنَاهُ هَلْ هُوَ عَلَى إطْلَاقِهِ أَوْ مُقَيَّدٌ بِبَعْضِ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّهُ لَا وَجْهَ لِكَرَاهَةِ سُجُودِ السَّهْوِ فِيمَا لَوْ صَلَّى الْفَجْرَ أَوْ الْعَصْرَ وَسَهَا فِيهِمَا ، وَكَذَا لَوْ قَضَى بَعْدَهُمَا فَائِتَةً وَسَهَا فِيهَا فَإِنَّهُ إذَا حَلَّ لَهُ أَدَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ كَيْفَ لَا يَحِلُّ لَهُ سُجُودُ السَّهْوِ الْوَاجِبِ فِيهَا ؟ وَلَعَلَّهُ اشْتَبَهَ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْأَوْقَاتِ بِالنَّوْعِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّ ذِكْرَ سُجُودِ السَّهْوِ نَحْوَ النَّوْعِ الْأَوَّلِ صَحِيحٌ وَقَدْ مَرَّ ، بِخِلَافِ ذِكْرِهِ هُنَا ، إلَّا أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ مُقَيَّدٌ بِبَعْضِ الصَّلَوَاتِ وَهِيَ الَّتِي تُكْرَهُ فِي هَذَا النَّوْعِ كَالنَّفْلِ وَالْوَاجِبِ لِغَيْرِهِ ، فَكَمَا يُكْرَهُ فِعْلُهَا يُكْرَهُ سُجُودُ السَّهْوِ فِيهَا ، ثُمَّ رَأَيْت الرَّحْمَتِيَّ جَزَمَ بِأَنَّ ذَلِكَ سَهْوٌ ، فَتَأَمَّلْ وَرَاجِعْ .
( قَوْلُهُ : وَلَوْ سُنَّةَ الْفَجْرِ ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الَّذِي شَرَعَ فِيهِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ سُنَّةَ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَمَا قِيلَ مِنْ الْحِيَلِ مَرْدُودٌ كَمَا سَيَأْتِي .
( قَوْلُهُ : بَعْدَ صَلَاةِ فَجْرٍ وَ عَصْرٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَكُرِهَ أَيْ وَكُرِهَ نَفْلٌ إلَخْ بَعْدَ صَلَاةِ فَجْرٍ وَعَصْرٍ : أَيْ إلَى مَا قُبَيْلَ الطُّلُوعِ وَالتَّغَيُّرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ السَّابِقِ لَا يَنْعَقِدُ الْفَرْضُ إلَخْ ، وَلِذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ هُنَا : الْمُرَادُ بِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ قَبْلَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْقَضَاءُ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ . ا هـ .
( قَوْلُهُ : وَلَوْ لِمَجْمُوعَةٍ بِعَرَفَةَ ) عَزَاهُ فِي الْمِعْرَاجِ إلَى الْمُجْتَبَى . وَفِي الْقُنْيَةِ إلَى مَجْدِ الْأَئِمَّةِ التَّرْجُمَانِيِّ وَظَهِيرِ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيِّ ، وَذَكَرَهُ فِي الْحِلْيَةِ بَحْثًا ، وَقَالَ لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا ، وَتَبِعَهُ فِي الْبَحْرِ .
( قَوْلُهُ : وَلَوْ وِتْرًا ) لِأَنَّهُ عَلَى قَوْلِهِ وَاجِبٌ يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ ، وَهُوَ مَعْنَى الْفَرْضِ الْعَمَلِيِّ ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا سُنَّةٌ مُخَالِفَةٌ لِغَيْرِهَا مِنْ السُّنَنِ وَلِذَا قَالَا لَا تَصِحُّ مِنْ قَعُودٍ ، وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الْقُنْيَةِ : الْوِتْرُ يُقْضَى بَعْدَ الْفَجْرِ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ سَائِرِ السُّنَنِ . ( قَوْلُهُ : أَوْ سَجْدَةِ تِلَاوَةٍ ) لِوُجُوبِهَا بِإِيجَابِهِ تَعَالَى لَا بِفِعْلِ الْعَبْدِ كَمَا عَلِمْته فَلَمْ تَكُنْ فِي مَعْنَى النَّفْلِ .
( قَوْلُهُ : لِشَغْلِ الْوَقْتِ بِهِ ) أَيْ بِالْفَجْرِ أَيْ بِصَلَاتِهِ ، فَفِي الْعِبَارَةِ اسْتِخْدَامٌ ط أَيْ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَجْرِ الزَّمَنُ لَا الصَّلَاةُ ، 376 ثُمَّ هَذَا عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَكُرِهَ . وَفِيهِ جَوَابٌ عَمَّا أُورِدَ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ } " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ يَعُمُّ النَّفَلَ وَغَيْرَهُ : وَجَوَابُهُ أَنَّ النَّهْيَ هُنَا لَا لِنُقْصَانٍ فِي الْوَقْتِ بَلْ لِيَصِيرَ الْوَقْتُ كَالْمَشْغُولِ بِالْفَرْضِ فَلَمْ يَجُزْ النَّفَلُ ، وَلَا مَا أُلْحِقَ بِهِ مِمَّا ثَبَتَ وُجُوبُهُ بِعَارِضٍ بَعْدَ مَا كَانَ نَفْلًا دُونَ الْفَرَائِضِ . وَمَا فِي مَعْنَاهَا ، بِخِلَافِ النَّهْيِ عَنْ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ لِمَعْنًى فِي الْوَقْتِ وَهُوَ كَوْنُهُ مَنْسُوبًا لِلشَّيْطَانِ فَيُؤَثِّرُ فِي الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ ، وَتَمَامُهُ فِي شُرُوعِ الْهِدَايَةِ .
( قَوْلُهُ : حَتَّى لَوْ نَوَى إلَخْ ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّعْلِيلِ : أَيْ وَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ كَوْنَ الْوَقْتِ مَشْغُولًا بِالْفَرْضِ تَقْدِيرًا وَسُنَّتُهُ تَابِعَةٌ لَهُ ، فَإِذَا تَطَوَّعَ انْصَرَفَ تَطَوُّعُهُ إلَى سُنَّتِهِ لِئَلَّا يَكُونَ آتِيًا بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَتَأَمَّلْ .
( قَوْلُهُ : بِلَا تَعْيِينٍ ) لِأَنَّ الصَّحِيحَ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ فِي السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ ، وَأَنَّهَا تَصِحُّ بِنِيَّةِ النَّفْلِ وَبِمُطْلَقِ النِّيَّةِ ، فَلَوْ تَهَجَّدَ بِرَكْعَتَيْنِ يَظُنُّ بَقَاءَ اللَّيْلِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُمَا بَعْدَ الْفَجْرِ كَانَتَا عَنْ السُّنَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ فَلَا يُصَلِّيهَا بَعْدَهُ لِلْكَرَاهَةِ أَشْبَاهٌ .
( قَوْلُهُ : وَقَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ ) عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ أَصْحَابُنَا وَمَالِكٌ ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، لَمَّا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُفِيدُ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِأَصْحَابِهِ عَقِبَ الْغُرُوبِ } ، { وَلِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَا رَأَيْت أَحَدًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهِمَا } " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسَكَتَ عَنْهُ وَالْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ . وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ أَنَّهُ سَأَلَ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ عَنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ ، قَالَ : فَنَهَى عَنْهَا ، وَقَالَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَهَا . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ بَعْدَهُمْ ، فَهَذَا يُعَارِضُ مَا رُوِيَ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ أَمَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَلَاتِهِمَا ; لِأَنَّهُ إذَا اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ ; لِأَنَّهُ دَلِيلُ ضَعْفِهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُشْتَهِرًا بَيْنَ الصَّحَابَةِ لَمَا خَفِيَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ ، أَوْ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْأَمْرِ بِتَعْجِيلِ الْمَغْرِبِ ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحَيْ الْمُنْيَةِ وَغَيْرِهِمَا .
( قَوْلُهُ : لِكَرَاهَةِ تَأْخِيرِهِ ) الْأَوْلَى تَأْخِيرُهَا أَيْ الصَّلَاةِ ، وَقَوْلُهُ إلَّا يَسِيرًا أَفَادَ أَنَّهُ مَا دُونَ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ بِقَدْرِ جَلْسَةٍ ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ الزَّائِدَ عَلَيْهِ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا مَا لَمْ تَشْتَبِكْ النُّجُومُ ، وَأَفَادَ فِي الْفَتْحِ وَأَقَرَّهُ فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ أَنَّ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ إذًا تَجُوزُ فِيهَا لَا تَزِيدُ عَلَى الْيَسِيرِ فَيُبَاحُ فِعْلُهُمَا ، وَقَدْ أَطَالَ فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ فِي الْفَتْحِ فِي بَابِ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ .
[ تَنْبِيهٌ ] يَجُوزُ قَضَاءُ الْفَائِتَةِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ بِلَا كَرَاهَةٍ ، وَيَبْدَأُ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ ثُمَّ بِالْجِنَازَةِ ثُمَّ بِالسُّنَّةِ ، وَلَعَلَّهُ لِبَيَانِ الْأَفْضَلِيَّةِ . وَفِي الْحِلْيَةِ : الْفَتْوَى عَلَى تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَنْ سُنَّةِ الْجُمُعَةِ ، فَعَلَى هَذَا تُؤَخَّرُ عَنْ سُنَّةِ الْمَغْرِبِ ; لِأَنَّهَا آكَدُ . ا هـ . بَحْرٌ . وَصَرَّحَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ بِكَرَاهَةِ الْمَنْذُورَةِ وَقَضَاءِ مَا أَفْسَدَهُ وَالْفَائِتَةِ لِغَيْرِ صَاحِبِ تَرْتِيبٍ ، وَهُوَ تَقْيِيدٌ حَسَنٌ وَبَقِيَ رَكْعَتَا الطَّوَافِ فَتُكْرَهُ أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحِلْيَةِ وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا ، فَإِنَّ قَوْلَهُ وَقِيلَ صَلَاةُ مَغْرِبٍ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بَعْدَ طُلُوعِ فَجْرٍ ، فَيُكْرَهُ فِي الثَّانِي جَمِيعُ مَا يُكْرَهُ فِي الْأَوَّلِ ، نَعَمْ صَرَّحَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ أَنَّهُ لَوْ طَافَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْهِ قَبْلَ سُنَّةِ الْمَغْرِبِ كَالْجِنَازَةِ .
( قَوْلُهُ : وَعِنْدَ خُرُوجِ إمَامٍ ) لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا { إذَا قُلْت لِصَاحِبِك أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْت } " فَإِذَا نُهِيَ عَنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ فَرْضٌ فَمَا ظَنُّك بِالنَّفْلِ ؟ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ مِنْهُمْ أَصْحَابُنَا وَمَالِكٌ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ التَّابِعِينَ ، فَمَا رُوِيَ مِمَّا 377 يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ كَانَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ فَلَا يُعَارِضُ أَدِلَّةَ الْمَنْعِ ، وَتَمَامُ الْأَدِلَّةِ فِي شَرْحَيْ الْمُنْيَةِ وَغَيْرِهِمَا ، ثُمَّ هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ فَيُكْرَهُ فِيهِ مَا يُكْرَهُ فِيهِ كَمَا بَيَّنَّا .
( قَوْلُهُ : لِخُطْبَةٍ مَا ) أَتَى بِمَا لِتَعْمِيمِ الْخُطْبَةِ ، وَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا ، سَوَاءٌ أَمْسَكَ الْخَطِيبُ عَنْهَا أَمْ لَا بَحْرٌ .
( قَوْلُهُ : وَسَيَجِيءُ أَنَّهَا عَشْرٌ ) أَيْ فِي بَابِ الْعِيدَيْنِ ، وَهِيَ : خُطْبَةُ جُمُعَةٍ وَفِطْرٍ وَأَضْحَى ، وَثَلَاثُ خُطَبِ الْحَجِّ ، وَخَتْمٌ وَنِكَاحٌ ، وَاسْتِسْقَاءٌ وَكُسُوفٌ ، وَالْمُرَادُ تَعْدَادُ الْخُطَبِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَإِلَّا فَخُطْبَةُ الْكُسُوفِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ كَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ فِيهَا عِنْدَ الْإِمَامِ لِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّتِهَا عِنْدَهُ ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْحِلْيَةِ ، وَكَذَا خُطْبَةُ الِاسْتِسْقَاءِ مَذْهَبُ الصَّاحِبَيْنِ ، فَيُقَالُ فِيهَا كَذَلِكَ . وَقَدْ يُجَابُ بِمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ حَيْثُ نَقَلَ رِوَايَةً عَنْ الْإِمَامِ بِمَشْرُوعِيَّةِ خُطْبَةِ الْكُسُوفِ ، وَلَعَلَّ مَنْ ذَكَرَهَا كَالْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا جَنَحَ إلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، فَصَحَّ كَوْنُهَا عَشْرًا عِنْدَنَا . وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ : خُرُوجِ إمَامٍ مِنْ الْحُجْرَةِ وَقِيَامِهِ لِلصَّلَاةِ قَيْدٌ فِيمَا يُنَاسِبُهُ مِنْهَا وَهُوَ مَا عَدَا خُطْبَةَ النِّكَاحِ وَخُطْبَةَ خَتْمِ الْقُرْآنِ فَافْهَمْ . وَعِلَّةُ الْكَرَاهَةِ فِي الْجَمِيعِ تَفْوِيتُ الِاسْتِمَاعِ الْوَاجِبِ فِيهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُجْتَبَى .
( قَوْلُهُ : وَقَيَّدَهَا ) أَيْ قَيَّدَ الْفَائِتَةَ الَّتِي لَا تُكْرَهُ حَالَ الْخُطْبَةِ ط .
( قَوْلُهُ : بَيْنَ كَلَامَيْ النِّهَايَةِ وَالصَّدْرِ ) فَإِنَّ صَدْرَ الشَّرِيعَةِ يَقُولُ تُكْرَهُ الْفَائِتَةُ ، وَصَاحِبَ النِّهَايَةِ يَقُولُ لَا تُكْرَهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُصَنِّفِ ح
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث