رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار
مَطْلَبُ الْمُوجَبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ ابْنَ الْغَرْسِ ذَكَرَ أَنَّ الْمُوجَبَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ; لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا وَاحِدًا أَوْ أُمُورًا يَسْتَلْزِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا أَوْ لَا ، فَالْأَوَّلُ : كَالْقَضَاءِ بِالْأَمْلَاكِ الْمُرْسَلَةِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ إذْ لَا مُوجِبَ لِهَذَا سِوَى ثُبُوتِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ لِلْعَيْنِ وَالْحُرِّيَّةِ وَانْحِلَالِ قَيْدِ الْعِصْمَةِ ، وَالثَّانِي : كَمَا إذَا ادَّعَى رَبُّ الدَّيْنِ عَلَى الْكَفِيلِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى الْغَائِبِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ وَطَالَبَهُ بِهِ فَأَنْكَرَ الدَّيْنَ فَأَثْبَتَهُ وَحَكَمَ بِمُوجِبِ ذَلِكَ فَالْمُوجَبُ هُنَا أَمْرَانِ لُزُومُ الدَّيْنِ لِلْغَائِبِ وَلُزُومُ أَدَائِهِ عَلَى الْكَفِيلِ . وَالثَّانِي : يَسْتَلْزِمُ الْأَوَّلَ فِي الثُّبُوتِ . وَالثَّالِثُ : كَمَا إذَا حَكَمَ شَافِعِيٌّ بِمُوجِبِ بَيْعِ عَقَارٍ اقْتَصَرَ الْحُكْمُ عَلَى مَا وَقَعَتْ بِهِ الدَّعْوَى فَلَا يَكُونُ حُكْمًا بِأَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لِلْجَارِ ، وَهَكَذَا فِي نَظَائِرِهِ هَذَا حَاصِلُ مَا قَرَّرَهُ ابْنُ الْغَرْسِ وَتَبِعَهُ فِي النَّهْرِ وَزَادَ عَلَيْهِ قِسْمًا رَابِعًا لَكِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى كَوْنِهِ شَرْطًا لِلْقِسْمِ الثَّانِي كَمَا يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ لِمَنْ رَاجَعَهُ .
[ تَنْبِيهٌ ] قَدَّمْنَا آنِفًا عَنْ الْبَحْرِ عَنْ فَتَاوَى الشَّيْخِ قَاسِمٍ أَنَّهُ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ تَقَدُّمَ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ شَرْطٌ لِنَفَاذِ الْحُكْمِ ، وَأَيَّدَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْبَحْرِ فِي رِسَالَةٍ أَلَّفَهَا فِي ذَلِكَ ، ثُمَّ قَالَ فَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِمَّا فِي هَذِهِ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْقَاضِي حَنَفِيًّا أَوْ غَيْرَهُ إلَى أَنْ قَالَ : وَمِمَّا فَرَّعْته عَلَى أَنَّ قَضَاءَ الْمُخَالِفِ إذَا رُفِعَ إلَيْنَا فَإِنَّا نُمْضِيَهُ فِيمَا وَقَعَ حُكْمُهُ بِهِ لَا فِي غَيْرِهِ ، مَا لَوْ قَضَى شَافِعِيٌّ بِبَيَّنَةِ ذِي الْيَدِ عَلَى خَارِجٍ نَازَعَهُ ثُمَّ تَنَازَعَ ذُو الْيَدِ وَخَارِجٌ آخَرُ عِنْدَ حَنَفِيٍّ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ الدَّعْوَى وَلَا يَمْنَعُهُ قَضَاءُ الشَّافِعِيِّ مِنْ سَمَاعِهَا ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْمِلْكِ لَا يَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْكَافَّةِ ، بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمُقَضَّى عَلَيْهِ ، وَهُوَ الْخَارِجُ الْأَوَّلُ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُ الْحَاكِمِ تَعَدِّيَهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ قَضَاءَ الْمَالِكِيِّ بِغَيْرِ دَعْوَى غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَنَا وَإِنْ صَحَّ عِنْدَهُ ، فَإِذَا رُفِعَ إلَيْنَا لَا نُنْفِذُهُ ، وَكَذَلِكَ هُنَا لَا نَتَعَرَّضُ لِحُكْمِهِ عَلَى الْخَارِجِ الْأَوَّلِ ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلَمْ يَقَعْ حُكْمُهُ عَلَيْهِ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا ، وَمِمَّا فَرَّعْته لَوْ حَجَرَ شَافِعِيٌّ عَلَى سَفِيهٍ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ ، ثُمَّ رُفِعَتْ إلَيْنَا حَادِثَةٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ فَإِنَّا نَحْكُمُ بِمَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لِلْحَجْرِ عَلَى السَّفِيهِ فَإِنَّهُمَا وَإِنْ وَافَقَا الشَّافِعِيَّ فِي أَصْلِ الْحَجْرِ ، لَمْ يُوَافِقَاهُ فِي أَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ عِنْدَهُمَا فِيمَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ ، . فَإِذَا تَزَوَّجَتْ السَّفِيهَةُ الَّتِي حَجَرَ عَلَيْهَا شَافِعِيٌّ ، وَلَمْ يُرْفَعُ نِكَاحُهَا إلَيْهِ وَلَمْ يُبْطِلْهُ بَلْ رُفِعَ إلَى حَنَفِيٍّ ،
فَلَهُ 399 أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّتِهِ لَوْ الزَّوْجُ كُفُؤًا عَلَى قَوْلِهِمَا الْمُفْتَى بِهِ ، وَلَا يَمْنَعُهُ مَذْهَبُ الْحَاجِرِ ، لِعَدَمِ وُجُودِ حَادِثَةِ التَّزَوُّجِ وَقْتَ الْحَجْرِ ، وَلَمْ تَكُنْ لَازِمَةً لِلْحَجْرِ حَتَّى تَدْخُلَ ضِمْنًا لِقَبُولِ الِانْفِكَاكِ لِجَوَازِ أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ الْمَحْجُورَةُ أَصْلًا ، وَقَدْ تَوَقَّفَ فِيهِ بَعْضُ مَنْ لَا اطِّلَاعَ لَهُ عَلَى كَلَامِهِمْ ا هـ . قُلْت : وَيُعْلَمُ مِنْهُ مَا يَقَعُ الْآنَ مِنْ وُقُوعِ التَّنَازُعِ فِي صِحَّةِ الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ عِنْدَ قَاضٍ شَافِعِيٍّ فَيَحْكُمُ بِصِحَّتِهَا ، وَبِعَدَمِ انْفِسَاخِهَا بِمَوْتٍ وَلَا غَيْرِهِ فَإِنَّ عَدَمَ الِانْفِسَاخِ بِالْمَوْتِ لَمْ يَصِرْ حَادِثَةً وَقْتَ الْحُكْمِ ; لِأَنَّ الْمَوْتَ لَمْ يُوجَدْ وَقْتَهُ ، فَلِلْحَنَفِيِّ أَنْ يَحْكُمَ بِالْفَسْخِ بِالْمَوْتِ كَمَا أَفْتَى بِهِ فِي الْخَيْرِيَّةِ . وَذَكَرَ ابْنُ الْغَرْسِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا لَوْ وَهَبَ ابْنَهُ وَسَلَّمَهُ الْعَيْنَ الْمَوْهُوبَةَ ، وَقَضَى شَافِعِيٌّ بِالْمُوجِبِ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ رَجَعَ الْوَاهِبُ فِي هِبَتِهِ وَتَرَافَعَا عِنْدَ الْقَاضِي الْحَنَفِيِّ فَحَكَمَ بِبُطْلَانِ الرُّجُوعِ قَالَ : وَقَدْ حَصَلَ التَّنَازُعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْمَذْهَبَيْنِ فَقَالَ الْقَاضِي الشَّافِعِيُّ حُكْمُ الْحَنَفِيِّ بَاطِلٌ ; لِأَنِّي حَكَمْت قَبْلَهُ بِمُوجِبِ الْهِبَةِ وَمِنْ مُوجَبِهَا عِنْدِي أَنَّ الْأَبَ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ ، وَالْحُكْمُ فِي الْخِلَافِيَّةِ يَجْعَلُهَا وِفَاقِيَّةً ، وَقَالَ الْقَاضِي الْحَنَفِيُّ الرُّجُوعُ حَادِثَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وُجِدَتْ بَعْدَ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ، فَكَيْفَ تَدْخُلُ تَحْتَ حُكْمِهِ .
وَأُجِيبَ فِيهَا بِأَنَّ الْمُوجِبَ هُنَا أُمُورٌ هِيَ خُرُوجُ الْعَيْنِ مِنْ مِلْكِ الْوَاهِبِ ، وَدُخُولُهَا فِي مِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَمَلَكَ الْوَاهِبُ الرُّجُوعَ إذَا كَانَ أَبًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَعَدَمَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيِّ ، فَإِنْ كَانَ التَّدَاعِي عِنْدَ الْقَاضِي لَيْسَ إلَّا فِي انْتِقَالِ الْعَيْنِ مِنْ مِلْكِ الْوَاهِبِ إلَى مِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ اقْتَصَرَ الْقَضَاءُ بِالْمُوجَبِ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِذَا كَانَ الْقَاضِي الْأَوَّلُ شَافِعِيًّا لَا يَصِيرُ كَوْنُ الْأَبِ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ مَحْكُومًا بِهِ ، وَإِذَا كَانَ حَنَفِيًّا لَا يَصِيرُ عَدَمُ مِلْكِهِ ذَلِكَ مَحْكُومًا بِهِ ، فَلِلْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِهِ : أَيْ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ الثَّانِيَ فِي الثُّبُوتِ قَالَ : فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْقَضَاءَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ يُشْتَرَطُ لَهُ الدَّعْوَى الْمُوصِلَةُ لَهُ شَرْعًا عَلَى وَجْهٍ يَحْصُلُ بِهِ الْمُطَابَقَةُ إلَّا مَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِلْزَامِ الشَّرْعِيِّ أَيْ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْكَفَالَةِ الْمَارَّةِ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَبَرَّعَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِيمَا لَمْ يَتَخَاصَمَا إلَيْهِ فِيهِ ا هـ مُلَخَّصًا فَاغْتُفِرَ التَّطْوِيلُ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِمَا حَوَاهُ مِنْ الْفَوَائِدِ الْعِظَامِ .
( قَوْلُهُ : وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَعْنَى ) أَيْ كَخُرُوجِ الْمَبِيعِ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ ، وَدُخُولِهِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ، وَوُجُوبِ التَّسَلُّمِ وَالتَّسْلِيمِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْبَيْعِ ، وَلَوَازِمِهِ فَذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَحْكُومُ بِهِ الْمُضَافُ إلَى الْمَبِيعِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ فِي ظَنِّ الْقَاضِي شَرْعًا هُوَ الْمُوجَبُ هَا هُنَا ، وَهُوَ الَّذِي اقْتَضَاهُ عَقْدُ الْبَيْعِ وَأَمَّا الْحُكْمُ بِمُوجِبِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ ، فَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي أُضِيفَ إلَى ذَلِكَ الْبَيْعِ فِي ظَنِّ الْقَاضِي شَرْعًا ، وَهُوَ كَوْنُ ذَلِكَ الْبَيْعِ بَاطِلًا وَلَكِنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَيْسَ هُوَ مُقْتَضَى ذَلِكَ الْبَيْعِ إذْ الْبَيْعُ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ نَفْسِهِ ا هـ ابْنُ الْغَرْسِ وَظَهَرَ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا فِي قَوْلِهِ بِمَا أُضِيفَ لَهُ هُوَ الْبَيْعُ مَثَلًا ، فَإِنَّ دُخُولَ الْمَبِيعِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الْبَيْعِ وَمُضَافٌ إلَيْهِ شَرْعًا فِي ظَنِّ الْقَاضِي : أَيْ فِي قَصْدِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَقْضِي بِهِ : أَيْ يَقْصِدُ الْقَضَاءَ بِهِ وَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْبَيْعِ اللَّازِمَةِ لَهُ ، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا لَا يُقْصَدُ الْقَضَاءُ بِهِ لِعَدَمِ التَّنَازُعِ فِيهِ كَثُبُوتِ حَقِّ الشُّفْعَةِ ، وَأَفَادَ أَنَّ الْمُوجَبَ قَدْ يَكُونُ مُقْتَضًى كَمَا مَثَّلْنَا ، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُقْتَضًى كَبُطْلَانِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ فَإِنَّهُ مُوجَبٌ لَا مُقْتَضًى عَلَى مَا قَرَّرَهُ سَابِقًا فَافْهَمْ . ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ التَّعْقِيدِ خَاصٌّ بِالْمُوجَبِ الَّذِي وَقَعَ الْحُكْمُ بِهِ صَحِيحًا مَعَ أَنَّ الْمُوجِبَ أَعَمُّ مِنْهُ فَإِنَّ الْمَعْنَى الْمُتَعَلِّقَ بِذَلِكَ الْبَيْعِ الْمُضَافِ إلَيْهِ يَصْدُقُ عَلَى ثُبُوتِ حَقِّ الشُّفْعَةِ فِيهِ وَثُبُوتِ رَدِّهِ بِخِيَارِ عَيْبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِهِ اللَّازِمَةِ لَهُ بِدَلِيلِ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمُوجَبَ قَدْ يَكُونُ أُمُورًا يَسْتَلْزِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا أَوْ لَا يَسْتَلْزِمُ ، فَالْأَظْهَرُ وَالْأَخْصَرُ تَعْرِيفُهُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ الْأَثَرُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ ، وَإِنْ أَرَادَ تَخْصِيصَهُ بِمَا يَقَعُ بِهِ الْحُكْمُ صَحِيحًا عِنْدَنَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُنَا إذَا صَارَ حَادِثَةً ، 400 فَيَخْرُجُ مَا لَا حَادِثَةَ فِيهِ كَمَا لَوْ حَكَمَ شَافِعِيٌّ بِمُوجِبِ بَيْعٍ بَعْدَ إنْكَارِهِ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ مَثَلًا ، مِمَّا لَيْسَ مِنْ لِوَازِمِهِ وَمِثْلُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْهِبَةِ وَغَيْرِهَا هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَحَلِّ فَتَأَمَّلْ .
( قَوْلُهُ : فَإِذَا قَالَ الْمُوَثِّقُ ) هُوَ كَاتِبُ الْقَاضِي الَّذِي يَكْتُبُ الْوَثِيقَةَ وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ حُجَّةً فِي زَمَانِنَا .
( قَوْلُهُ : وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ أَعَمُّ ) أَيْ مِنْ الْمُقْتَضَى ، فَإِنَّ بُطْلَانَ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ مُوجَبٌ لَا مُقْتَضَى لِمَا ذَكَرَهُ فَكُلُّ مُقْتَضًى مُوجَبٌ ، وَلَا عَكْسَ وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ عَائِدٌ إلَى قَوْلِهِ وَلَوْ قَالَ الْمُوَثِّقُ إلَخْ ، فَإِنَّ الشَّارِحَ اقْتَصَرَ عَلَى التَّمْثِيلِ بِبَيْعِ الْمُدَبَّرِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْمُوجَبِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْمُوجِبَ لَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ مُقْتَضًى ، فَلَا يُرَدُّ مَا قِيلَ إنَّ الَّذِي ظَهَرَ مِنْ عِبَارَتِهِ أَنَّ بَيْنَهُمَا التَّبَايُنَ لَا الْعُمُومَ فَافْهَمْ .
( قَوْلُهُ : مَجْمَعٌ ) لَمْ يُمَثِّلْ لَهُ فِي شَرْحِهِ قَالَ ط : وَالْمُرَادُ بِهِ كَمَا رَأَيْته بِهَامِشِهِ نَحْوُ الْقَضَاءِ بِسُقُوطِ الدَّيْنِ عِنْدَ تَرْكِ الْمُطَالَبَةِ بِهِ سِنِينَ .
( قَوْلُهُ : لَمْ يَخْتَلِفْ فِي تَأْوِيلِهِ السَّلَفُ ) الْجُمْلَةُ صِفَةُ كِتَابًا وَالْمُرَادُ بِالسَّلَفِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ ، لِقَوْلِ الْهِدَايَةِ الْمُعْتَبَرُ الِاخْتِلَافُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ ، وَهُمْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ ا هـ ، وَعَلَيْهِ فَلَا يُعْتَبَرُ اخْتِلَافُ مَنْ بَعْدَهُمْ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ خِلَافُ الْأَصَحِّ .
( قَوْلُهُ : كَمَتْرُوكِ تَسْمِيَةٍ ) أَيْ عَمْدًا فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى { - وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } - بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ لِلْعَطْفِ ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى مَصْدَرِ الْفِعْلِ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ النَّهْيِ ، أَوْ إلَى الْمَوْصُولِ ، وَاحْتِمَالُ كَوْنِهَا حَالِيَّةً فَتَكُونُ قَيْدًا لِلنَّهْيِ رُدَّ بِأَنَّ التَّأْكِيدَ بِإِنَّ وَاللَّامَ يَنْفِيهِ ; لِأَنَّ الْحَالَ فِي النَّهْيِ مَبْنَاهُ عَلَى التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ قِيلَ لَا تَأْكُلُوا مِنْهُ إنْ كَانَ فِسْقًا فَلَا يَصْلُحُ { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } ، بَلْ وَهُوَ فِسْقٌ ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ قَيْدٌ لِلنَّهْيِ بَلْ هُوَ إشَارَةٌ إلَى الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لَهُ كَلَا تُهِنْ زَيْدًا وَهُوَ أَخُوك ، وَلَا تَشْرَبْ الْخَمْرَ وَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْك ، نَهْرٌ مُوَضَّحًا وَتَمَامُهُ فِي رِسَالَةِ ابْنِ نُجَيْمٍ الْمُؤَلَّفَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . مَطْلَبٌ فِي الْحُكْمِ بِمَا خَالَفَ الْكِتَابَ أَوْ السُّنَّةَ أَوْ الْإِجْمَاعَ .
( قَوْلُهُ : أَوْ سُنَّةً مَشْهُورَةً ) قَيَّدَ بِالْمَشْهُورَةِ احْتِرَازًا عَنْ الْغَرِيبِ زَيْلَعِيٌّ ، وَلَا بُدَّ هَا هُنَا مِنْ تَقْيِيدِ الْكِتَابِ بِأَنْ لَا يَكُونَ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ وَتَقْيِيدِ السُّنَّةِ ، بِأَنْ تَكُونَ مَشْهُورَةً أَوْ مُتَوَاتِرَةً غَيْرَ قَطْعِيَّةِ الدَّلَالَةِ ، وَإِلَّا فَمُخَالَفَةُ الْمُتَوَاتِرِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ إذَا كَانَ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ كُفْرٌ ، كَذَا فِي التَّلْوِيحِ ، وَأَمَّا إذَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ مُؤَوَّلٌ أَوْ غَيْرُ مُؤَوَّلٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَرَجَّحَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ بِثُبُوتِ دَلِيلِ التَّأْوِيلِ ، فَيَقَعُ الِاجْتِهَادُ فِي بَعْضِ أَفْرَادِ هَذَا الْقِسْمِ أَنَّهُ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ أَمْ لَا كَذَا فِي الْفَتْحِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يُعْطِي أَنَّ آيَةَ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ لَا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ بَلْ هِيَ نَصٌّ فِي الْمُدَّعَى وَفِيهِ نَظَرٌ يَظْهَرُ مِمَّا مَرَّ ، نَهْرٌ ، أَيْ مَا مَرَّ مِنْ احْتِمَالِ أَوْجُهِ الْإِعْرَابِ ، عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُرَادُ مِنْ النَّصِّ ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ كَمَا مَرَّ ، فَفِي عَدَمِ نَفَاذِ الْحُكْمِ بِمُعَارَضَةٍ نَظَرٌ ظَاهِرٌ كَمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ . ثُمَّ قَالَ : وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْقَضَاءَ بِحِلِّ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا وَبِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ يَنْفُذُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ ، عَلَى إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ وَبَيْعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لَا يَنْفُذُ مَا لَمْ يُمْضِهِ قَاضٍ آخَرُ ا هـ .
قُلْت : لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ عَدَمَ النَّفَاذِ فِي مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ السَّلَفُ ، وَأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِوُجُودِ الْخِلَافِ بَعْدَهُمْ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُفِيدُ احْتِمَالُ الْآيَةِ أَوْجُهًا مِنْ الْإِعْرَابِ نَعَمْ عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ تَصْحِيحِ اعْتِبَارِ اخْتِلَافِ مَنْ بَعْدَهُمْ يُقَوِّي هَذَا الْبَحْثَ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ الْقَضَاءِ بِحِلِّ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا جَائِزٌ عِنْدَهُمَا 401 لَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، وَكَذَا مَا فِي الْفَتْحِ عَنْ الْمُنْتَقَى مِنْ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي كَوْنِ الْمَحَلِّ مُجْتَهَدًا فِيهِ اشْتِبَاهُ الدَّلِيلِ لَا حَقِيقَةُ الْخِلَافِ قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَلَا يَخْفَى أَنَّ كُلَّ خِلَافٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ أَوْ غَيْرِهِ مَحَلُّ اشْتِبَاهِ الدَّلِيلِ ، فَلَا يَجُوزُ نَقْضُهُ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى كَوْنِهِ بَيْنَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ . وَاَلَّذِي حَقَّقَهُ فِي الْبَحْرِ أَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ أَشَارَ إلَى الْقَوْلَيْنِ ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا عِبَارَةَ الْقُدُورِيِّ ، وَهِيَ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ حُكْمُ حَاكِمٍ أَمْضَاهُ إلَّا أَنْ يُخَالِفَ الْكِتَابَ أَوْ السُّنَّةَ أَوْ الْإِجْمَاعَ ، وَذَكَرَ ثَانِيًا عِبَارَةَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ : وَهِيَ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ فَقَضَى بِهِ الْقَاضِي ثُمَّ جَاءَ قَاضٍ آخَرُ يَرَى غَيْرَ ذَلِكَ أَمْضَاهُ فَمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْفَتَاوَى مِنْ الْمَسَائِلِ الْآتِيَةِ الَّتِي لَا يَنْفُذُ فِيهَا قَضَاءُ الْقَاضِي مَبْنِيٌّ عَلَى عِبَارَةِ الْقُدُورِيِّ ، لَا عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ ، وَمَنْ قَالَ : لَا اعْتِبَارَ بِخِلَافِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ اعْتَمَدَ قَوْلَ الْقُدُورِيِّ . وَمَنْ قَالَ بِاعْتِبَارِهِ اعْتَمَدَ مَا فِي الْجَامِعِ وَفِي الْوَاقِعَاتِ الْحُسَامِيَّةِ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ وَبِهِ أَيْ بِمَا فِي الْجَامِعِ نَأْخُذُ ، لَكِنْ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى مَا فِي الْقُدُورِيِّ ا هـ مُلَخَّصًا . فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ مُصَحَّحَانِ وَالْمُتُونُ عَلَى مَا فِي الْقُدُورِيِّ ، وَالْأَوْجَهُ مَا فِي الْجَامِعِ وَلِذَا رَجَّحَهُ فِي الْفَتْحِ كَمَا يَأْتِي أَيْضًا .
( قَوْلُهُ : كَتَحْلِيلٍ بِلَا وَطْءٍ ) أَيْ تَحْلِيلِ الْمُطَلَّقَةِ الثَّلَاثِ بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الْمُحَلِّلِ بِلَا دُخُولٍ عَمَلًا بِقَوْلِ سَعِيدٍ بَحْرٌ .
( قَوْلُهُ : أَوْ إجْمَاعًا ) الْمُرَادُ مِنْهُ مَا لَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ يَسْتَنِدُ إلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ بَحْرٌ .
( قَوْلُهُ : كَحِلِّ الْمُتْعَةِ ) أَيْ كَالْقَضَاءِ بِصِحَّةِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ ، كَقَوْلِهِ : مَتِّعِينِي بِنَفْسِك عَشْرَةَ أَيَّامٍ فَلَا يَنْفُذُ بِخِلَافِ الْقَضَاءِ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ الْمُؤَقَّتِ بِأَيَّامٍ أَيْ بِدُونِ لَفْظِ الْمُتْعَةِ ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ كَمَا فِي الْفَتْحِ ، وَقَدَّمْنَا عَنْهُ فِي النِّكَاحِ تَرْجِيحَ قَوْلِ زُفَرَ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ الْمُؤَقَّتِ بِإِلْغَاءِ التَّوْقِيتِ فَيَنْعَقِدُ مُؤَبَّدًا .
( قَوْلُهُ : وَكَبَيْعِ أُمِّ وَلَدٍ إلَخْ ) قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُبْتَنَى عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ الْمُتَأَخِّرَ يَرْفَعُ الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَهُمَا لَا يَرْفَعُ يَعْنِي اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا ، ثُمَّ أَجْمَعَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى عَدَمِهِ ، فَكَانَ الْقَضَاءُ بِهِ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَيُبْطِلُهُ الْقَاضِي الثَّانِي ، وَعِنْدَهُمَا لَمَّا لَمْ يُرْفَعْ خِلَافُ الصَّحَابَةِ وَقَعَ فِي مَحَلِّ اجْتِهَادٍ فَلَا يَنْقُضُهُ الثَّانِي لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ فِي التَّقْوِيمِ إنَّ مُحَمَّدًا رَوَى عَنْهُمْ جَمِيعًا أَنَّ الْقَضَاءَ بِبَيْعِهَا لَا يَجُوزُ فَتْحٌ ، وَذَكَرَ فِي التَّحْرِيرِ أَنَّ الْأَظْهَرَ مِنْ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا لَكِنْ أَيْضًا عَنْ الْجَامِعِ أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى قَضَاءِ قَاضٍ آخَرَ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ الْمَسْبُوقَ بِخِلَافٍ مُخْتَلَفٍ فِي كَوْنِهِ إجْمَاعًا فَفِيهِ شُبْهَةٌ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ فَكَذَا فِي مُتَعَلِّقِهِ وَهُوَ ذَلِكَ الْحُكْمُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ وَقَدَّمْنَا تَمَامَ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ الِاسْتِيلَادِ
[ تَنْبِيهٌ ] قَدَّمْنَا آنِفًا عَنْ الْبَحْرِ عَنْ فَتَاوَى الشَّيْخِ قَاسِمٍ أَنَّهُ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ تَقَدُّمَ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ شَرْطٌ لِنَفَاذِ الْحُكْمِ ، وَأَيَّدَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْبَحْرِ فِي رِسَالَةٍ أَلَّفَهَا فِي ذَلِكَ ، ثُمَّ قَالَ فَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِمَّا فِي هَذِهِ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْقَاضِي حَنَفِيًّا أَوْ غَيْرَهُ إلَى أَنْ قَالَ : وَمِمَّا فَرَّعْته عَلَى أَنَّ قَضَاءَ الْمُخَالِفِ إذَا رُفِعَ إلَيْنَا فَإِنَّا نُمْضِيَهُ فِيمَا وَقَعَ حُكْمُهُ بِهِ لَا فِي غَيْرِهِ ، مَا لَوْ قَضَى شَافِعِيٌّ بِبَيَّنَةِ ذِي الْيَدِ عَلَى خَارِجٍ نَازَعَهُ ثُمَّ تَنَازَعَ ذُو الْيَدِ وَخَارِجٌ آخَرُ عِنْدَ حَنَفِيٍّ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ الدَّعْوَى وَلَا يَمْنَعُهُ قَضَاءُ الشَّافِعِيِّ مِنْ سَمَاعِهَا ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْمِلْكِ لَا يَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْكَافَّةِ ، بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمُقَضَّى عَلَيْهِ ، وَهُوَ الْخَارِجُ الْأَوَّلُ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُ الْحَاكِمِ تَعَدِّيَهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ قَضَاءَ الْمَالِكِيِّ بِغَيْرِ دَعْوَى غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَنَا وَإِنْ صَحَّ عِنْدَهُ ، فَإِذَا رُفِعَ إلَيْنَا لَا نُنْفِذُهُ ، وَكَذَلِكَ هُنَا لَا نَتَعَرَّضُ لِحُكْمِهِ عَلَى الْخَارِجِ الْأَوَّلِ ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلَمْ يَقَعْ حُكْمُهُ عَلَيْهِ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا ، وَمِمَّا فَرَّعْته لَوْ حَجَرَ شَافِعِيٌّ عَلَى سَفِيهٍ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ ، ثُمَّ رُفِعَتْ إلَيْنَا حَادِثَةٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ فَإِنَّا نَحْكُمُ بِمَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لِلْحَجْرِ عَلَى السَّفِيهِ فَإِنَّهُمَا وَإِنْ وَافَقَا الشَّافِعِيَّ فِي أَصْلِ الْحَجْرِ ، لَمْ يُوَافِقَاهُ فِي أَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ عِنْدَهُمَا فِيمَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ ، . فَإِذَا تَزَوَّجَتْ السَّفِيهَةُ الَّتِي حَجَرَ عَلَيْهَا شَافِعِيٌّ ، وَلَمْ يُرْفَعُ نِكَاحُهَا إلَيْهِ وَلَمْ يُبْطِلْهُ بَلْ رُفِعَ إلَى حَنَفِيٍّ ،
فَلَهُ 399 أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّتِهِ لَوْ الزَّوْجُ كُفُؤًا عَلَى قَوْلِهِمَا الْمُفْتَى بِهِ ، وَلَا يَمْنَعُهُ مَذْهَبُ الْحَاجِرِ ، لِعَدَمِ وُجُودِ حَادِثَةِ التَّزَوُّجِ وَقْتَ الْحَجْرِ ، وَلَمْ تَكُنْ لَازِمَةً لِلْحَجْرِ حَتَّى تَدْخُلَ ضِمْنًا لِقَبُولِ الِانْفِكَاكِ لِجَوَازِ أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ الْمَحْجُورَةُ أَصْلًا ، وَقَدْ تَوَقَّفَ فِيهِ بَعْضُ مَنْ لَا اطِّلَاعَ لَهُ عَلَى كَلَامِهِمْ ا هـ . قُلْت : وَيُعْلَمُ مِنْهُ مَا يَقَعُ الْآنَ مِنْ وُقُوعِ التَّنَازُعِ فِي صِحَّةِ الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ عِنْدَ قَاضٍ شَافِعِيٍّ فَيَحْكُمُ بِصِحَّتِهَا ، وَبِعَدَمِ انْفِسَاخِهَا بِمَوْتٍ وَلَا غَيْرِهِ فَإِنَّ عَدَمَ الِانْفِسَاخِ بِالْمَوْتِ لَمْ يَصِرْ حَادِثَةً وَقْتَ الْحُكْمِ ; لِأَنَّ الْمَوْتَ لَمْ يُوجَدْ وَقْتَهُ ، فَلِلْحَنَفِيِّ أَنْ يَحْكُمَ بِالْفَسْخِ بِالْمَوْتِ كَمَا أَفْتَى بِهِ فِي الْخَيْرِيَّةِ . وَذَكَرَ ابْنُ الْغَرْسِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا لَوْ وَهَبَ ابْنَهُ وَسَلَّمَهُ الْعَيْنَ الْمَوْهُوبَةَ ، وَقَضَى شَافِعِيٌّ بِالْمُوجِبِ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ رَجَعَ الْوَاهِبُ فِي هِبَتِهِ وَتَرَافَعَا عِنْدَ الْقَاضِي الْحَنَفِيِّ فَحَكَمَ بِبُطْلَانِ الرُّجُوعِ قَالَ : وَقَدْ حَصَلَ التَّنَازُعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْمَذْهَبَيْنِ فَقَالَ الْقَاضِي الشَّافِعِيُّ حُكْمُ الْحَنَفِيِّ بَاطِلٌ ; لِأَنِّي حَكَمْت قَبْلَهُ بِمُوجِبِ الْهِبَةِ وَمِنْ مُوجَبِهَا عِنْدِي أَنَّ الْأَبَ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ ، وَالْحُكْمُ فِي الْخِلَافِيَّةِ يَجْعَلُهَا وِفَاقِيَّةً ، وَقَالَ الْقَاضِي الْحَنَفِيُّ الرُّجُوعُ حَادِثَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وُجِدَتْ بَعْدَ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ، فَكَيْفَ تَدْخُلُ تَحْتَ حُكْمِهِ .
وَأُجِيبَ فِيهَا بِأَنَّ الْمُوجِبَ هُنَا أُمُورٌ هِيَ خُرُوجُ الْعَيْنِ مِنْ مِلْكِ الْوَاهِبِ ، وَدُخُولُهَا فِي مِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَمَلَكَ الْوَاهِبُ الرُّجُوعَ إذَا كَانَ أَبًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَعَدَمَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيِّ ، فَإِنْ كَانَ التَّدَاعِي عِنْدَ الْقَاضِي لَيْسَ إلَّا فِي انْتِقَالِ الْعَيْنِ مِنْ مِلْكِ الْوَاهِبِ إلَى مِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ اقْتَصَرَ الْقَضَاءُ بِالْمُوجَبِ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِذَا كَانَ الْقَاضِي الْأَوَّلُ شَافِعِيًّا لَا يَصِيرُ كَوْنُ الْأَبِ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ مَحْكُومًا بِهِ ، وَإِذَا كَانَ حَنَفِيًّا لَا يَصِيرُ عَدَمُ مِلْكِهِ ذَلِكَ مَحْكُومًا بِهِ ، فَلِلْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِهِ : أَيْ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ الثَّانِيَ فِي الثُّبُوتِ قَالَ : فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْقَضَاءَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ يُشْتَرَطُ لَهُ الدَّعْوَى الْمُوصِلَةُ لَهُ شَرْعًا عَلَى وَجْهٍ يَحْصُلُ بِهِ الْمُطَابَقَةُ إلَّا مَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِلْزَامِ الشَّرْعِيِّ أَيْ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْكَفَالَةِ الْمَارَّةِ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَبَرَّعَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِيمَا لَمْ يَتَخَاصَمَا إلَيْهِ فِيهِ ا هـ مُلَخَّصًا فَاغْتُفِرَ التَّطْوِيلُ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِمَا حَوَاهُ مِنْ الْفَوَائِدِ الْعِظَامِ .
( قَوْلُهُ : وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَعْنَى ) أَيْ كَخُرُوجِ الْمَبِيعِ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ ، وَدُخُولِهِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ، وَوُجُوبِ التَّسَلُّمِ وَالتَّسْلِيمِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْبَيْعِ ، وَلَوَازِمِهِ فَذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَحْكُومُ بِهِ الْمُضَافُ إلَى الْمَبِيعِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ فِي ظَنِّ الْقَاضِي شَرْعًا هُوَ الْمُوجَبُ هَا هُنَا ، وَهُوَ الَّذِي اقْتَضَاهُ عَقْدُ الْبَيْعِ وَأَمَّا الْحُكْمُ بِمُوجِبِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ ، فَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي أُضِيفَ إلَى ذَلِكَ الْبَيْعِ فِي ظَنِّ الْقَاضِي شَرْعًا ، وَهُوَ كَوْنُ ذَلِكَ الْبَيْعِ بَاطِلًا وَلَكِنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَيْسَ هُوَ مُقْتَضَى ذَلِكَ الْبَيْعِ إذْ الْبَيْعُ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ نَفْسِهِ ا هـ ابْنُ الْغَرْسِ وَظَهَرَ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا فِي قَوْلِهِ بِمَا أُضِيفَ لَهُ هُوَ الْبَيْعُ مَثَلًا ، فَإِنَّ دُخُولَ الْمَبِيعِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الْبَيْعِ وَمُضَافٌ إلَيْهِ شَرْعًا فِي ظَنِّ الْقَاضِي : أَيْ فِي قَصْدِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَقْضِي بِهِ : أَيْ يَقْصِدُ الْقَضَاءَ بِهِ وَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْبَيْعِ اللَّازِمَةِ لَهُ ، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا لَا يُقْصَدُ الْقَضَاءُ بِهِ لِعَدَمِ التَّنَازُعِ فِيهِ كَثُبُوتِ حَقِّ الشُّفْعَةِ ، وَأَفَادَ أَنَّ الْمُوجَبَ قَدْ يَكُونُ مُقْتَضًى كَمَا مَثَّلْنَا ، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُقْتَضًى كَبُطْلَانِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ فَإِنَّهُ مُوجَبٌ لَا مُقْتَضًى عَلَى مَا قَرَّرَهُ سَابِقًا فَافْهَمْ . ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ التَّعْقِيدِ خَاصٌّ بِالْمُوجَبِ الَّذِي وَقَعَ الْحُكْمُ بِهِ صَحِيحًا مَعَ أَنَّ الْمُوجِبَ أَعَمُّ مِنْهُ فَإِنَّ الْمَعْنَى الْمُتَعَلِّقَ بِذَلِكَ الْبَيْعِ الْمُضَافِ إلَيْهِ يَصْدُقُ عَلَى ثُبُوتِ حَقِّ الشُّفْعَةِ فِيهِ وَثُبُوتِ رَدِّهِ بِخِيَارِ عَيْبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِهِ اللَّازِمَةِ لَهُ بِدَلِيلِ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمُوجَبَ قَدْ يَكُونُ أُمُورًا يَسْتَلْزِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا أَوْ لَا يَسْتَلْزِمُ ، فَالْأَظْهَرُ وَالْأَخْصَرُ تَعْرِيفُهُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ الْأَثَرُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ ، وَإِنْ أَرَادَ تَخْصِيصَهُ بِمَا يَقَعُ بِهِ الْحُكْمُ صَحِيحًا عِنْدَنَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُنَا إذَا صَارَ حَادِثَةً ، 400 فَيَخْرُجُ مَا لَا حَادِثَةَ فِيهِ كَمَا لَوْ حَكَمَ شَافِعِيٌّ بِمُوجِبِ بَيْعٍ بَعْدَ إنْكَارِهِ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ مَثَلًا ، مِمَّا لَيْسَ مِنْ لِوَازِمِهِ وَمِثْلُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْهِبَةِ وَغَيْرِهَا هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَحَلِّ فَتَأَمَّلْ .
( قَوْلُهُ : فَإِذَا قَالَ الْمُوَثِّقُ ) هُوَ كَاتِبُ الْقَاضِي الَّذِي يَكْتُبُ الْوَثِيقَةَ وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ حُجَّةً فِي زَمَانِنَا .
( قَوْلُهُ : وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ أَعَمُّ ) أَيْ مِنْ الْمُقْتَضَى ، فَإِنَّ بُطْلَانَ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ مُوجَبٌ لَا مُقْتَضَى لِمَا ذَكَرَهُ فَكُلُّ مُقْتَضًى مُوجَبٌ ، وَلَا عَكْسَ وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ عَائِدٌ إلَى قَوْلِهِ وَلَوْ قَالَ الْمُوَثِّقُ إلَخْ ، فَإِنَّ الشَّارِحَ اقْتَصَرَ عَلَى التَّمْثِيلِ بِبَيْعِ الْمُدَبَّرِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْمُوجَبِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْمُوجِبَ لَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ مُقْتَضًى ، فَلَا يُرَدُّ مَا قِيلَ إنَّ الَّذِي ظَهَرَ مِنْ عِبَارَتِهِ أَنَّ بَيْنَهُمَا التَّبَايُنَ لَا الْعُمُومَ فَافْهَمْ .
( قَوْلُهُ : مَجْمَعٌ ) لَمْ يُمَثِّلْ لَهُ فِي شَرْحِهِ قَالَ ط : وَالْمُرَادُ بِهِ كَمَا رَأَيْته بِهَامِشِهِ نَحْوُ الْقَضَاءِ بِسُقُوطِ الدَّيْنِ عِنْدَ تَرْكِ الْمُطَالَبَةِ بِهِ سِنِينَ .
( قَوْلُهُ : لَمْ يَخْتَلِفْ فِي تَأْوِيلِهِ السَّلَفُ ) الْجُمْلَةُ صِفَةُ كِتَابًا وَالْمُرَادُ بِالسَّلَفِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ ، لِقَوْلِ الْهِدَايَةِ الْمُعْتَبَرُ الِاخْتِلَافُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ ، وَهُمْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ ا هـ ، وَعَلَيْهِ فَلَا يُعْتَبَرُ اخْتِلَافُ مَنْ بَعْدَهُمْ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ خِلَافُ الْأَصَحِّ .
( قَوْلُهُ : كَمَتْرُوكِ تَسْمِيَةٍ ) أَيْ عَمْدًا فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى { - وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } - بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ لِلْعَطْفِ ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى مَصْدَرِ الْفِعْلِ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ النَّهْيِ ، أَوْ إلَى الْمَوْصُولِ ، وَاحْتِمَالُ كَوْنِهَا حَالِيَّةً فَتَكُونُ قَيْدًا لِلنَّهْيِ رُدَّ بِأَنَّ التَّأْكِيدَ بِإِنَّ وَاللَّامَ يَنْفِيهِ ; لِأَنَّ الْحَالَ فِي النَّهْيِ مَبْنَاهُ عَلَى التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ قِيلَ لَا تَأْكُلُوا مِنْهُ إنْ كَانَ فِسْقًا فَلَا يَصْلُحُ { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } ، بَلْ وَهُوَ فِسْقٌ ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ قَيْدٌ لِلنَّهْيِ بَلْ هُوَ إشَارَةٌ إلَى الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لَهُ كَلَا تُهِنْ زَيْدًا وَهُوَ أَخُوك ، وَلَا تَشْرَبْ الْخَمْرَ وَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْك ، نَهْرٌ مُوَضَّحًا وَتَمَامُهُ فِي رِسَالَةِ ابْنِ نُجَيْمٍ الْمُؤَلَّفَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . مَطْلَبٌ فِي الْحُكْمِ بِمَا خَالَفَ الْكِتَابَ أَوْ السُّنَّةَ أَوْ الْإِجْمَاعَ .
( قَوْلُهُ : أَوْ سُنَّةً مَشْهُورَةً ) قَيَّدَ بِالْمَشْهُورَةِ احْتِرَازًا عَنْ الْغَرِيبِ زَيْلَعِيٌّ ، وَلَا بُدَّ هَا هُنَا مِنْ تَقْيِيدِ الْكِتَابِ بِأَنْ لَا يَكُونَ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ وَتَقْيِيدِ السُّنَّةِ ، بِأَنْ تَكُونَ مَشْهُورَةً أَوْ مُتَوَاتِرَةً غَيْرَ قَطْعِيَّةِ الدَّلَالَةِ ، وَإِلَّا فَمُخَالَفَةُ الْمُتَوَاتِرِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ إذَا كَانَ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ كُفْرٌ ، كَذَا فِي التَّلْوِيحِ ، وَأَمَّا إذَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ مُؤَوَّلٌ أَوْ غَيْرُ مُؤَوَّلٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَرَجَّحَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ بِثُبُوتِ دَلِيلِ التَّأْوِيلِ ، فَيَقَعُ الِاجْتِهَادُ فِي بَعْضِ أَفْرَادِ هَذَا الْقِسْمِ أَنَّهُ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ أَمْ لَا كَذَا فِي الْفَتْحِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يُعْطِي أَنَّ آيَةَ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ لَا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ بَلْ هِيَ نَصٌّ فِي الْمُدَّعَى وَفِيهِ نَظَرٌ يَظْهَرُ مِمَّا مَرَّ ، نَهْرٌ ، أَيْ مَا مَرَّ مِنْ احْتِمَالِ أَوْجُهِ الْإِعْرَابِ ، عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُرَادُ مِنْ النَّصِّ ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ كَمَا مَرَّ ، فَفِي عَدَمِ نَفَاذِ الْحُكْمِ بِمُعَارَضَةٍ نَظَرٌ ظَاهِرٌ كَمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ . ثُمَّ قَالَ : وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْقَضَاءَ بِحِلِّ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا وَبِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ يَنْفُذُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ ، عَلَى إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ وَبَيْعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لَا يَنْفُذُ مَا لَمْ يُمْضِهِ قَاضٍ آخَرُ ا هـ .
قُلْت : لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ عَدَمَ النَّفَاذِ فِي مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ السَّلَفُ ، وَأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِوُجُودِ الْخِلَافِ بَعْدَهُمْ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُفِيدُ احْتِمَالُ الْآيَةِ أَوْجُهًا مِنْ الْإِعْرَابِ نَعَمْ عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ تَصْحِيحِ اعْتِبَارِ اخْتِلَافِ مَنْ بَعْدَهُمْ يُقَوِّي هَذَا الْبَحْثَ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ الْقَضَاءِ بِحِلِّ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا جَائِزٌ عِنْدَهُمَا 401 لَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، وَكَذَا مَا فِي الْفَتْحِ عَنْ الْمُنْتَقَى مِنْ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي كَوْنِ الْمَحَلِّ مُجْتَهَدًا فِيهِ اشْتِبَاهُ الدَّلِيلِ لَا حَقِيقَةُ الْخِلَافِ قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَلَا يَخْفَى أَنَّ كُلَّ خِلَافٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ أَوْ غَيْرِهِ مَحَلُّ اشْتِبَاهِ الدَّلِيلِ ، فَلَا يَجُوزُ نَقْضُهُ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى كَوْنِهِ بَيْنَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ . وَاَلَّذِي حَقَّقَهُ فِي الْبَحْرِ أَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ أَشَارَ إلَى الْقَوْلَيْنِ ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا عِبَارَةَ الْقُدُورِيِّ ، وَهِيَ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ حُكْمُ حَاكِمٍ أَمْضَاهُ إلَّا أَنْ يُخَالِفَ الْكِتَابَ أَوْ السُّنَّةَ أَوْ الْإِجْمَاعَ ، وَذَكَرَ ثَانِيًا عِبَارَةَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ : وَهِيَ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ فَقَضَى بِهِ الْقَاضِي ثُمَّ جَاءَ قَاضٍ آخَرُ يَرَى غَيْرَ ذَلِكَ أَمْضَاهُ فَمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْفَتَاوَى مِنْ الْمَسَائِلِ الْآتِيَةِ الَّتِي لَا يَنْفُذُ فِيهَا قَضَاءُ الْقَاضِي مَبْنِيٌّ عَلَى عِبَارَةِ الْقُدُورِيِّ ، لَا عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ ، وَمَنْ قَالَ : لَا اعْتِبَارَ بِخِلَافِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ اعْتَمَدَ قَوْلَ الْقُدُورِيِّ . وَمَنْ قَالَ بِاعْتِبَارِهِ اعْتَمَدَ مَا فِي الْجَامِعِ وَفِي الْوَاقِعَاتِ الْحُسَامِيَّةِ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ وَبِهِ أَيْ بِمَا فِي الْجَامِعِ نَأْخُذُ ، لَكِنْ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى مَا فِي الْقُدُورِيِّ ا هـ مُلَخَّصًا . فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ مُصَحَّحَانِ وَالْمُتُونُ عَلَى مَا فِي الْقُدُورِيِّ ، وَالْأَوْجَهُ مَا فِي الْجَامِعِ وَلِذَا رَجَّحَهُ فِي الْفَتْحِ كَمَا يَأْتِي أَيْضًا .
( قَوْلُهُ : كَتَحْلِيلٍ بِلَا وَطْءٍ ) أَيْ تَحْلِيلِ الْمُطَلَّقَةِ الثَّلَاثِ بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الْمُحَلِّلِ بِلَا دُخُولٍ عَمَلًا بِقَوْلِ سَعِيدٍ بَحْرٌ .
( قَوْلُهُ : أَوْ إجْمَاعًا ) الْمُرَادُ مِنْهُ مَا لَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ يَسْتَنِدُ إلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ بَحْرٌ .
( قَوْلُهُ : كَحِلِّ الْمُتْعَةِ ) أَيْ كَالْقَضَاءِ بِصِحَّةِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ ، كَقَوْلِهِ : مَتِّعِينِي بِنَفْسِك عَشْرَةَ أَيَّامٍ فَلَا يَنْفُذُ بِخِلَافِ الْقَضَاءِ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ الْمُؤَقَّتِ بِأَيَّامٍ أَيْ بِدُونِ لَفْظِ الْمُتْعَةِ ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ كَمَا فِي الْفَتْحِ ، وَقَدَّمْنَا عَنْهُ فِي النِّكَاحِ تَرْجِيحَ قَوْلِ زُفَرَ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ الْمُؤَقَّتِ بِإِلْغَاءِ التَّوْقِيتِ فَيَنْعَقِدُ مُؤَبَّدًا .
( قَوْلُهُ : وَكَبَيْعِ أُمِّ وَلَدٍ إلَخْ ) قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُبْتَنَى عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ الْمُتَأَخِّرَ يَرْفَعُ الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَهُمَا لَا يَرْفَعُ يَعْنِي اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا ، ثُمَّ أَجْمَعَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى عَدَمِهِ ، فَكَانَ الْقَضَاءُ بِهِ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَيُبْطِلُهُ الْقَاضِي الثَّانِي ، وَعِنْدَهُمَا لَمَّا لَمْ يُرْفَعْ خِلَافُ الصَّحَابَةِ وَقَعَ فِي مَحَلِّ اجْتِهَادٍ فَلَا يَنْقُضُهُ الثَّانِي لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ فِي التَّقْوِيمِ إنَّ مُحَمَّدًا رَوَى عَنْهُمْ جَمِيعًا أَنَّ الْقَضَاءَ بِبَيْعِهَا لَا يَجُوزُ فَتْحٌ ، وَذَكَرَ فِي التَّحْرِيرِ أَنَّ الْأَظْهَرَ مِنْ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا لَكِنْ أَيْضًا عَنْ الْجَامِعِ أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى قَضَاءِ قَاضٍ آخَرَ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ الْمَسْبُوقَ بِخِلَافٍ مُخْتَلَفٍ فِي كَوْنِهِ إجْمَاعًا فَفِيهِ شُبْهَةٌ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ فَكَذَا فِي مُتَعَلِّقِهِ وَهُوَ ذَلِكَ الْحُكْمُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ وَقَدَّمْنَا تَمَامَ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ الِاسْتِيلَادِ
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث