رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الخامس
( قَوْلُهُ : خَرَجَ الْمُحَكَّمُ ) فَإِنَّهُ إذَا رُفِعَ حُكْمُهُ إلَى قَاضٍ أَمْضَاهُ إنْ وَافَقَ مَذْهَبَهُ ، وَإِلَّا أَبْطَلَهُ ; لِأَنَّ حُكْمَهُ لَا يَرْفَعُ خِلَافًا كَمَا يَأْتِي فِي التَّحْكِيمِ ح .
( قَوْلُهُ : وَدَخَلَ الْمَيِّتُ إلَخْ ) وَكَذَا قَاضِي الْبُغَاةِ فَإِذَا رُفِعَ إلَى قَاضِي الْعَدْلِ نَفَّذَهُ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا مَرَّ وَيَجُوزُ تَقْلِيدُ الْقَضَاءِ مِنْ السُّلْطَانِ الْعَادِلِ وَالْجَائِرِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ . وَقَدَّمْنَا فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ وَأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ يُنْفِذُهُ إنْ وَافَقَ رَأْيَهُ أَوْ لَا فَافْهَمْ .
( قَوْلُهُ : وَالْمُخَالِفُ لِرَأْيِهِ ) أَيْ رَأْيِ الْقَاضِي الْمَرْفُوعِ إلَيْهِ 394 الْحُكْمُ ، لَكِنْ فِيهِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي قَرِيبًا ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْقَاضِي الْأَوَّلُ حَكَمَ بِخِلَافِ رَأْيِهِ ، فَسَيَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ قَضَى فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ إلَخْ ، مَطْلَبٌ فِي عُمُومِ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ .
( قَوْلُهُ : لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ إلَخْ ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَدَخَلَ إلَخْ قَصَدَ بِهِ الرَّدَّ عَلَى الزَّيْلَعِيِّ حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يُوهِمُ اخْتِصَاصَهُ بِمَا إذَا كَانَ مُوَافِقًا لِرَأْيِهِ وَقَدْ تَبِعَ الشَّارِحُ فِي هَذَا التَّعْلِيلِ صَاحِبَ الْبَحْرِ . وَفِيهِ نَظَرٌ وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ بَدَلَهُ : لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ عَنْ التَّقْيِيدِ . أَمَّا الْعُمُومُ فَمَمْنُوعٌ لِمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ كَالتَّحْرِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ النَّكِرَةَ إنَّمَا تَعُمُّ نَصًّا إذَا وَقَعَتْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ ، وَمِنْهُ وُقُوعُهَا فِي الشَّرْطِ الْمُثْبَتِ إذَا كَانَ يَمِينًا ; لِأَنَّهَا تَكُونُ عَلَى النَّفْيِ كَقَوْلِهِ إنْ كَلَّمْت رَجُلًا فَعَبْدِي حُرٌّ ، فَإِنَّ الْحَلِفَ عَلَى نَفْيِهِ فَالْمَعْنَى لَا أُكَلِّمُ رَجُلًا فَهِيَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ . وَلِهَذَا لَا تَعُمُّ فِي الشَّرْطِ الْمُثْبَتِ مِثْلُ إنْ لَمْ أُكَلِّمْ رَجُلًا ; لِأَنَّهُ عَلَى الْإِثْبَاتِ كَأَنَّهُ قَالَ لَأُكَلِّمَنَّ رَجُلًا فَلَا تَعُمُّ وَأَمَّا الشَّرْطُ فِي غَيْرِ الْيَمِينِ مِثْلُ إنْ جَاءَك رَجُلٌ فَأَطْعِمْهُ فَلَيْسَ نَصًّا فِي الْعُمُومِ ، وَمِثْلُهُ مَا نَحْنُ فِيهِ فَافْهَمْ .
مَطْلَبُ مَا يَنْفُذُ مِنْ الْقَضَاءِ وَمَا لَا يَنْفُذُ .
( قَوْلُهُ : إذْ حُكْمُ نَفْسِهِ قَبْلَ ذَلِكَ ) أَيْ قَبْلَ الرَّفْعِ إلَيْهِ كَذَلِكَ أَيْ كَحُكْمِ قَاضٍ آخَرَ فِي أَنَّهُ يُنْفِذُهُ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ وَيَكُونُ هَذَا رَافِعًا لِلْخِلَافِ فِيهِ ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي نُفُوذِهِ عَلَى الْمُخَالِفِ إلَى قَاضٍ آخَرَ لَكِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْغَرْسِ سُؤَالًا وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ شَرْعًا ، إذْ الْقَاضِي لَا يَقْضِي لِنَفْسِهِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَالْحُكْمُ بِهِ حُكْمٌ بِصِحَّةِ فِعْلِ نَفْسِهِ فَيَلْغُو ا هـ . قُلْت : هَذَا ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى رَفْعِ الْخِلَافِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْعِ الْخَصْمِ وَإِلْزَامِهِ بِهِ فَلَا تَأَمَّلْ .
( قَوْلُهُ : نَفَّذَهُ ) أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَنْفِيذُهُ .
( قَوْلُهُ : لَوْ مُجْتَهَدًا فِيهِ ) بِنَصْبِ مُجْتَهَدًا خَبَرًا لِكَانَ الْمُقَدَّرَةِ بَعْدَ لَوْ وَاسْمُهَا ضَمِيرٌ عَائِدٌ إلَى حُكْمِ الْعَائِدِ إلَيْهِ ضَمِيرُ نَفَّذَهُ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُمْ قَسَّمُوا الْحُكْمَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ ، قِسْمٌ يُرَدُّ بِكُلِّ حَالٍ وَهُوَ مَا خَالَفَ النَّصَّ أَوْ الْإِجْمَاعَ كَمَا يَأْتِي ، وَقِسْمٌ يَمْضِي بِكُلِّ حَالٍ ، وَهُوَ الْحُكْمُ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ ، بِأَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَسَبَبِ الْقَضَاءِ وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الْمَحْدُودَيْنِ بِالْقَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَكَانَ يَرَاهُ كَشَافِعِيٍّ ، فَإِذَا رُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ لَا يَرَاهُ كَحَنَفِيٍّ يُمْضِيهِ وَلَا يُبْطِلُهُ ، وَكَذَا لَوْ قَضَى لِامْرَأَةٍ بِشَهَادَةِ زَوْجِهَا وَآخَرُ أَجْنَبِيٌّ ، فَرُفِعَ لِمَنْ لَا يُجِيزُ هَذِهِ الشَّهَادَةَ أَمْضَاهُ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَضَى بِمُجْتَهَدٍ فِيهِ فَيَنْفُذُ ; لِأَنَّ الْمُجْتَهَدَ فِيهِ سَبَبُ الْقَضَاءِ ، وَهُوَ أَنَّ شَهَادَةَ هَؤُلَاءِ هَلْ تَصِيرُ حُجَّةً لِلْحُكْمِ أَمْ لَا فَالْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَسَبَبِ الْحُكْمِ لَا فِي نَفْسِ الْحُكْمِ ، وَكَذَا لَوْ سَمِعَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْغَائِبِ بِلَا وَكِيلٍ عَنْهُ ، وَقَضَى بِهَا يَنْفُذُ ; لِأَنَّ الْمُجْتَهَدَ فِيهِ سَبَبُ الْقَضَاءِ ، وَهُوَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ هَلْ تَكُونُ حُجَّةً بِلَا خَصْمٍ حَاضِرٍ ، فَإِذَا رَآهُ صَحَّ ، وَسَيَأْتِي اخْتِلَافُ التَّرْجِيحِ فِي الْأَخِيرَةِ . وَقِسْمٌ اخْتَلَفُوا فِيهِ : وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ وَهُوَ مَا يَقَعُ الْخِلَافُ فِيهِ بَعْدَ وُجُودِ الْحُكْمِ فَقِيلَ يَنْفُذُ ، وَقِيلَ يَتَوَقَّفُ عَلَى إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَبِهِ جَزَمَ فِي الْخَانِيَّةِ وَحَكَى ابْنُ الشِّحْنَةِ فِي رِسَالَتِهِ الْمُؤَلَّفَةِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ عَنْ جَدِّهِ تَرْجِيحَ الْأَوَّلِ ، فَإِذَا رُفِعَ إلَى الثَّانِي فَأَمْضَاهُ يَصِيرُ كَأَنَّ الْقَاضِيَ الثَّانِيَ حَكَمَ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ فَلَيْسَ لِلثَّالِثِ نَقْضُهُ وَلَوْ أَبْطَلَهُ الثَّانِي وَبَطَلَ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُجِيزَهُ كَمَا لَوْ قَضَى لِوَلَدِهِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ 395 أَوْ لِامْرَأَتِهِ أَوْ كَانَ الْقَاضِي مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ ; لِأَنَّ نَفْسَ الْقَضَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَسَيُشِيرُ الشَّارِحُ إلَى الْقِسْمِ الْأَخِيرِ وَتَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي رِسَالَةِ ابْنِ الشِّحْنَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيدُ تَحْقِيقٍ .
( قَوْلُهُ : عَالِمًا ) حَالٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ قَاضٍ آخَرَ ، وَسَاغَ مَجِيءُ الْحَالِ مِنْهُ وَهُوَ نَكِرَةٌ لِتَخَصُّصِهَا بِالْوَصْفِ ، وَهُوَ آخَرَ وَلَا يَصِحُّ كَوْنُهُ خَبْرًا بَعْدَ خَبَرٍ لِكَانَ الْمُقَدَّرَةِ بَعْدَ لَوْ فِي قَوْلِهِ لَوْ مُجْتَهَدًا فِيهِ ; لِأَنَّ الضَّمِيرَ الْمُسْتَتِرَ فِيهَا عَائِدٌ إلَى الْحُكْمِ كَمَا عَلِمْت ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي عَالِمًا عَائِدًا إلَى الْحُكْمِ أَيْضًا وَلَا يَصِحُّ مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِي قَوْلِهِمْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْقَاضِي عَالِمًا بِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ .
( قَوْلُهُ : عَالِمًا بِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِيهِ إلَخْ ) أَقُولُ : ذَكَرَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْبَحْرِ فَذَكَرَ أَنَّ هَذَا شَرْطُ نَفَاذِ الْقَضَاءِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ثُمَّ ذَكَرَ عِبَارَةَ الْخُلَاصَةِ ثُمَّ قَالَ : وَالتَّحْقِيقُ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ عِلْمَهُ بِكَوْنِ مَا حَكَمَ بِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ شَرْطٌ ، وَأَمَّا عِلْمُهُ بِكَوْنِ الْمَسْأَلَةِ اجْتِهَادِيَّةً ، فَلَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى ا هـ ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ قَضَاءِ الْقَاضِي مُخَالِفًا لِرَأْيِهِ ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ عَلَيْهَا . وَسَيَذْكُرُهَا الْمُصَنِّفُ فِي قَوْلِ قَضَى فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ ، بِخِلَافِ رَأْيِهِ إلَخْ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا ، وَهَذِهِ غَيْرُ مَسْأَلَةِ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا وَلَمْ يُوَفِّهَا صَاحِبُ الْبَحْرِ حَقَّهَا ، حَتَّى اشْتَبَهَتْ عَلَى بَعْضِ الْمُحَشِّينَ فَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا بِمَا قَالُوهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ الْآتِيَةِ ، مَعَ أَنَّهُمَا مَسْأَلَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ فَافْهَمْ ، وَمَسْأَلَةُ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ وَقَعَ فِيهَا نِزَاعٌ ، وَقَدْ أَلَّفَ فِيهَا الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ الشَّيْخُ قَاسِمٌ رِسَالَةً : حَاصِلُهَا : أَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي الْمُجْتَهِدِ فِي حَادِثَةٍ لَهُ فِيهَا رَأْيٌ مُقَرَّرٌ قَبْلَ قَضَائِهِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ الَّتِي قَصَدَ فِيهَا الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ ، فَحَصَلَ حُكْمُهُ فِي الْمَحَلِّ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ثُمَّ بَانَ أَنَّ قَضَاءَهُ هَذَا عَلَى خِلَافِ رَأْيِهِ الْمُقَرَّرِ قَبْلَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ ، فَحِينَئِذٍ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ .
وَأَمَّا إذَا وَافَقَ قَضَاؤُهُ رَأْيَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ حَالَ قَضَائِهِ أَنَّ فِيهَا خِلَافًا ، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ بِأَنَّهُ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ بِالنُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ مِنْهَا قَوْلُ الْإِمَامِ حُسَامِ الدِّينِ الشَّهِيدِ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى إذَا قَضَى فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ لَا يَنْفُذُ ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ : : رَجُلٌ مَاتَ وَلَهُ مُدَبَّرُونَ حَتَّى عَتَقُوا ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ وَأَثْبَتَ دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ ، فَبَاعَهُمْ الْقَاضِي عَلَى ظَنِّ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ وَقَضَى بِجَوَازِهِ ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُمْ مُدَبَّرُونَ كَانَ قَضَاؤُهُ بِذَلِكَ بَاطِلًا ، وَإِنْ مَضَى فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ ، وَهُوَ جَوَازُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ كَانَ بَاطِلًا ا هـ . فَعُلِمَ أَنَّ الضَّابِطَ أُخِذَ مِنْ فَرْعٍ وَقَعَ فِيهِ الْقَضَاءُ عَلَى خِلَافِ رَأْيِهِ السَّابِقِ وَهُوَ أَنَّ الْمُدَبَّرَ لَا يُبَاعُ ; فَلِذَا كَانَ قَضَاؤُهُ بَاطِلًا وَعَدَمُ الْعِلْمِ دَلِيلُ بَقَاءِ رَأْيِهِ السَّابِقِ ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ عَالِمًا وَقَضَى عَلَى خِلَافِ رَأْيِهِ السَّابِقِ حُمِلَ عَلَى تَبَدُّلِ اجْتِهَادِهِ بِدَلِيلِ مَا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ فِي بَابِ الْفِدَاءِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَى أَهْلِهِ حَيْثُ قَالَ : مَاتَ وَلَهُ رَقِيقٌ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ كَثِيرٌ فَبَاعَ الْقَاضِي رَقِيقَهُ ، وَقَضَى دَيْنَهُ ثُمَّ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ لِبَعْضِهِمْ أَنَّ مَوْلَاهُ كَانَ دَبَّرَهُ ، فَإِنَّ بَيْعَ الْقَاضِي فِيهِ يَكُونُ بَاطِلًا ، وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي عَالِمًا بِتَدْبِيرِهِ وَاجْتَهَدَ وَأَبْطَلَ تَدْبِيرَهُ لِكَوْنِهِ وَصِيَّةً وَبَاعَهُ فِي الدَّيْنِ ثُمَّ وُلِّيَ قَاضٍ آخَرُ يَرَى ذَلِكَ خَطَأً ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ قَضَاءُ الْأَوَّلِ إلَخْ ، فَعُلِمَ أَنَّ عَدَمَ الْأَخْذِ لَيْسَ هُوَ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بَلْ لِكَوْنِهِ بَيْعَ الْحُرِّ .
وَقَالَ الْحُسَامُ أَيْضًا قَالَ فِي كِتَابِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ : إذَا قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَةِ مَحْدُودِينَ فِي قَذْفٍ ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ ثُمَّ ظَهَرَ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَحْدُودَيْنِ شَهِدَا بَعْدَ التَّوْبَةِ كَمَا فِي قَضَاءِ شَرْحِ الْجَامِعِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ قَضَاءَ هَذَا عَلَى خِلَافِ رَأْيِهِ الْمُقَرَّرِ قَبْلَ ذَلِكَ فَلِذَا لَمْ يَنْفُذْ ، فَعَدَمُ النَّفَاذِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ لَا لِعَدَمِ الْعِلْمِ ، فَإِذَا ظَهَرَ أَنَّ 396 هَذَا فِي قَضَاءِ الْقَاضِي الْمُجْتَهِدِ ، وَأَنَّ اعْتِبَارَ الْعِلْمِ وَعَدَمَهُ إنَّمَا هُوَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْبَقَاءِ عَلَى الِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ أَوْ تَبَدُّلِهِ ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى وَفْقِ رَأْيِهِ نَفَذَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْخِلَافِ ظَهَرَ لَك أَنَّ اعْتِبَارَ هَذَا فِي الْقَاضِي الْمُقَلَّدِ جَهَالَةٌ فَاحِشَةٌ ، وَخَرْقٌ لِمَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ فِي أَنَّ الْمُقَلِّدَ إذَا قَضَى بِقَوْلِ إمَامِهِ مُسْتَوْفِيًا لِلشُّرُوطِ نَفَذَ قَضَاؤُهُ ، سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا أَوْ لَا ، وَصَارَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ بَقَاؤُهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ نُصُوصُ الْمُخْتَصَرَاتِ وَالْمُطَوَّلَاتِ وَامْتَنَعَ نَقْضُهُ بِالْإِجْمَاعِ هَذَا خُلَاصَةُ مَا فِي تِلْكَ الرِّسَالَةِ .
وَحَاصِلُهُ أَنَّ اشْتِرَاطَ كَوْنِ الْقَاضِي الْمُجْتَهِدِ عَالِمًا بِالْخِلَافِ إنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ أَنَّ الْمَوْضِعَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ الَّذِي لَمْ يُقْصَدْ الْحُكْمُ بِهِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهِ كَصِحَّةِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ ، وَقَبُولِ شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ لَا يَصِيرُ مَحْكُومًا بِهِ فِي ضِمْنِ الْحُكْمِ الَّذِي قَصَدَهُ وَهُوَ بَيْعُ عَبْدِ الْمَدْيُونِ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ وَقَبُولُ شَهَادَةِ الْعَدْلِ فِي الصُّورَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ وَنَحْوُهُمَا ، إذْ لَا وَجْهَ لِصَيْرُورَتِهِ مَحْكُومًا بِهِ مَعَ عَدَمِ عِلْمِهِ بِهِ وَقَصْدٍ لَهُ وَمَعَ كَوْنِهِ مُخَالِفًا لِرَأْيِهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ عَالِمًا بِهِ ، وَقَصَدَ الْحُكْمَ بِهِ ، فَإِنَّهُ وَإِنْ خَالَفَ رَأْيَهُ يَصِحُّ حُكْمُهُ بِهِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ رُجُوعًا عَنْ رَأْيِهِ السَّابِقِ لِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ فَيَنْفُذُ وَإِذَا رُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ أَمْضَاهُ ، وَهَذَا كَلَامٌ فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ ، وَحَيْثُ كَانَ هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْخُلَاصَةِ فَهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ اشْتِرَاطُ عِلْمِهِ بِالْخِلَافِ فِيمَا قَصَدَ الْحُكْمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ فَلِذَا قَالَ : وَيُفْتَى بِخِلَافِهِ وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ فَهِمَ أَيْضًا أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْمُجْتَهِدِ وَغَيْرِهِ إذْ لَا شَكَّ فِي عُسْرِ ذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا عَلَى قُضَاةِ زَمَانِنَا فَافْهَمْ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
( قَوْلُهُ : بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ إلَخْ ) الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِحُكْمٍ فِي قَوْلِهِ : حُكْمُ قَاضٍ أَوْ بِمَحْذُوفٍ خَبَرٍ أَيْضًا لِكَانَ الْمُقَدَّرَةِ بَعْدَ لَوْ فِي قَوْلِهِ لَوْ مُجْتَهَدًا فِيهِ قَالَ فِي الْبَحْرِ أَوَّلَ كِتَابِ الْقَضَاءِ ، فَإِنْ فُقِدَ هَذَا الشَّرْطُ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا وَإِنَّمَا هُوَ إفْتَاءٌ صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ ، وَبِأَنَّهُ شَرْطٌ لِنَفَادِ الْقَضَاءِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ . وَنَقَلَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ فِي فَتَاوَاهُ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ هُنَا فِي الْبَحْرِ فَالْحَاصِلُ : أَنَّ الْحُكْمَ الْمَرْفُوعَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي حَادِثَةٍ وَخُصُومَةٍ صَحِيحَةٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعِمَادِيُّ وَالْبَزَّازِيُّ وَقَالَا حَتَّى لَوْ فَاتَ هَذَا الشَّرْطُ لَا يَنْفُذُ الْقَضَاءُ ; لِأَنَّهُ فَتْوَى فَلَوْ رُفِعَ إلَى حَنَفِيٍّ قَضَاءُ مَالِكِيٍّ بِلَا دَعْوَى ، لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ وَيَحْكُمُ بِمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ ، وَلَا بُدَّ فِي إمْضَاءِ الثَّانِي لِحُكْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الدَّعْوَى أَيْضًا كَمَا سَمِعْت ا هـ أَيْ لَا بُدَّ فِي حُكْمِ الثَّانِي إذَا رُفِعَ إلَيْهِ حُكْمُ الْأَوَّلِ ، مِنْ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ كَمَا نَقَلَهُ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَهَذِهِ الدَّعْوَى وَالْخُصُومَةُ تُسَمَّى الْحَادِثَةَ لِحُدُوثِهَا عِنْدَ الْقَاضِي لِيَحْكُمَ بِهَا ، بِخِلَافِ مَا كَانَ مِنْ لَوَازِمِ تِلْكَ الْحَادِثَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ بِدُونِ الْخُصُومَةِ فِيهِ ، فَلِذَا لَمْ يَصِحَّ حُكْمُهُ بِهِ قَبْلَهَا كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْمُوجِبِ قَرِيبًا ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ اشْتِرَاطَ تَقَدُّمِ الدَّعْوَى إنَّمَا هُوَ فِي الْقَضَاءِ الْقَصْدِيِّ الْقَوْلِيِّ دُونَ الضِّمْنِيِّ وَالْفِعْلِيِّ كَمَا سَنُحَقِّقُهُ فِي الْفُرُوعِ وَكَذَا مَا تُسْمَعُ فِيهِ الدَّعْوَى حِسْبَةً وَمِنْهُ الْوَقْفُ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا .
( قَوْلُهُ : وَإِلَّا لَا ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ الْأَوَّلِ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ لَمْ يَكُنْ قَضَاءً صَحِيحًا ، بَلْ كَانَ إفْتَاءً أَيْ بَيَانًا لِحُكْمِ الْحَادِثَةِ وَإِذَا كَانَ إفْتَاءً لَمْ يَلْزَمْ الْقَاضِيَ الثَّانِيَ تَنْفِيذُهُ بَلْ يَحْكُمُ بِمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ وَافَقَ حُكْمَ الْأَوَّلِ أَوْ خَالَفَهُ فَافْهَمْ .
( قَوْلُهُ : وَسَيَجِيءُ آخِرَ الْكِتَابِ ) أَيْ فِي مَسَائِلَ شَتَّى قُبَيْلَ الْفَرَائِضِ وَحَاصِلُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَحْرِ .
( قَوْلُهُ : وَأَنَّهُ إذَا ارْتَابَ إلَخْ ) عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي سَيَجِيءُ فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَذْكُورٌ هُنَاكَ أَيْضًا ا هـ ح لَكِنَّ هَذَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ وَقَالَ فِي النَّهْرِ : وَلَمْ أَجِدْهُ لِغَيْرِهِ وَتَبِعَهُ الْحَمَوِيُّ ط .
( قَوْلُهُ : قَالَ ) أَيْ صَاحِبُ الْبَحْرِ ، وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْغَرْسِ .
( قَوْلُهُ : وَبِهِ عُرِفَ ) أَيْ بِمَا ذَكَرَ 397 فَإِنَّهُ أَفَادَ أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْحُكْمِ كَوْنُهُ بَعْدَ دَعْوَى صِحَّةٍ إلَخْ .
( قَوْلُهُ : لِتَرْكِ مَا ذَكَرَ ) فَمُؤَدَّاهَا إحَاطَةُ الْقَاضِي الثَّانِي عِلْمًا بِحُكْمِ الْقَاضِي الْأَوَّلِ عَلَى وَجْهِ التَّسْلِيمِ لَهُ ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَرِضٍ عِنْدَهُ وَيُسَمَّى اتِّصَالًا وَيَتَجَوَّزُ بِذِكْرِ الثُّبُوتِ وَالتَّنْفِيذِ فِيهِ ا هـ ابْنُ الْغَرْسِ . قُلْت : وَلِلْعَلَّامَةِ ابْنِ نُجَيْمٍ صَاحِبِ الْبَحْرِ رِسَالَةٌ فِي الْحُكْمِ بِلَا تَقَدُّمِ الدَّعْوَى وَقَالَ فِي آخِرِهَا : وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا فِيمَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الدَّعْوَى ، وَأَمَّا الْوَقْفُ فَالصَّحِيحُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهَا لِكَوْنِهِ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَتُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ بِلَا دَعْوَى وَيَحْكُمُ بِهِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَالْعِمَادِيَّةِ وَغَيْرِهَا ، فَعَلَى هَذَا لَا إنْكَارَ عَلَى التَّنَافِيذِ الْوَاقِعَةِ فِي زَمَانِنَا لِكُتُبِ الْأَوْقَافِ ; لِأَنَّ حَاصِلَهَا إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى حُكْمِ قَاضٍ بِالْوَقْفِ فَقَوْلُهُمْ إنَّ التَّنَافِيذَ فِي زَمَانِنَا لَيْسَتْ أَحْكَامًا إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ الْوَقْفِ إلَخْ ا هـ مُلَخَّصًا . قُلْت : لَكِنْ هَذَا ظَاهِرٌ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَفِي إثْبَاتِ مُجَرَّدِ كَوْنِهِ وَقْفًا ، أَمَّا كَوْنُهُ مَوْقُوفًا عَلَى فُلَانٍ أَوْ فُلَانٍ وَأَنَّ الْوَاقِفَ شَرَطَ كَذَا أَوْ كَذَا فَهَذَا حَقُّ عَبْدٍ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ دَعْوَاهُ لِإِثْبَاتِ حَقِّهِ ، وَكَذَا فِي إثْبَاتِ شُرُوطِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ فَتَأَمَّلْ مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ .
( قَوْلُهُ : وَقَدْ تَعَارَفُوا إلَخْ ) هَذَا مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ اشْتِرَاطِ صِحَّةِ الدَّعْوَى مِنْ خَصْمٍ عَلَى خَصْمٍ لِصِحَّةِ الْقَضَاءِ وَبَيَانُهُ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ تَنَازُعٌ فِي مُوجَبٍ خَاصٍّ ، مِنْ مَوَاجِبِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الثَّابِتِ عِنْدَ الْقَاضِي ، وَوَقَعَتْ الدَّعْوَى بِشُرُوطِهَا كَانَ حُكْمًا بِذَلِكَ الْمُوجِبِ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهِ ، فَلَوْ أَقَرَّ بِوَقْفِ عَقَارٍ عِنْدَ الْقَاضِي ، وَشَرَطَ فِيهِ شُرُوطًا وَسَلَّمَهُ إلَى الْمُتَوَلِّي ثُمَّ تَنَازَعَا عِنْدَ الْقَاضِي الْحَنَفِيِّ فِي صِحَّتِهِ وَلَزِمَهُ ، فَحَكَمَ بِهِمَا وَبِمُوجَبِهِ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِالشُّرُوطِ فَلِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَحْكُمَ فِيهَا بِمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ وَلَا يَمْنَعُهُ حُكْمُ الْحَنَفِيِّ السَّابِقُ وَتَمَامُهُ فِي الْأَشْبَاهِ وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ : أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا قَضَى بِشَيْءٍ فِي حَادِثَةٍ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ لَا يَكُونُ قَضَاءً فِيمَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ إلَى أَنْ قَالَ فَقَدْ عَلِمْت مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا مِنْ الْمَسَائِلِ ، فَإِذَا قَضَى شَافِعِيٌّ بِصِحَّةِ بَيْعِ عَقَارٍ ، وَمُوجِبُهُ لَا يَكُونُ حُكْمًا مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لِلْجَارِ لِعَدَمِ حَادِثَتِهَا ، وَكَذَا إذَا قَضَى حَنَفِيٌّ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِأَنَّ الشُّفْعَةَ لِلْجَارِ ، وَإِنْ كَانَتْ الشُّفْعَةُ مِنْ مَوَاجِبِهِ ; لِأَنَّ حَادِثَتَهَا لَمْ تُوجَدْ وَقْتَ الْحُكْمِ وَلَا شُعُورَ لِلْقَاضِي بِهَا ،
وَكَذَا إذَا قَضَى مَالِكِيٌّ بِحِصَّةِ التَّعْلِيقِ فِي الْيَمِينِ الْمُضَافَةِ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْفُضُولِيِّ الْمُجَازِ بِالْفِعْلِ لِعَدَمِهِ وَقْتَهُ فَافْهَمْ فَإِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ زَمَانِنَا عَنْهُ غَافِلُونَ ا هـ ، وَكَذَا قَالَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ أَمَّا كَوْنُ الْحُكْمِ حَادِثَةً فَاحْتِرَازٌ عَمَّا لَمْ يَحْدُثْ بَعْدُ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِمُوجِبِ إجَارَةِ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِالْفَسْخِ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَآجِرَيْنِ ; لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ فِيهِ خُصُومَةٌ ا هـ ، قُلْت : وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُوجَبِ هُنَا الَّذِي لَا يَصِحُّ بِهِ الْحُكْمُ هُوَ مَا لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ ، فَالْبَيْعُ الصَّحِيحُ مُقْتَضَاهُ خُرُوجُ الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ ، وَدُخُولُهُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ، وَاسْتِحْقَاقُ التَّسْلِيمِ ، وَالتَّسَلُّمُ فِي كُلٍّ مِنْ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ مُوجِبَاتِهِ لَكِنَّهَا مُقْتَضَيَاتٌ لَازِمَةٌ لَهُ ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ بِهِ حُكْمًا بِهَا بِخِلَافِ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِيهِ لِلْخَلِيطِ أَوْ لِلْجَارِ مَثَلًا ، فَإِنَّ الْعَقْدَ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ أَيْ لَا يَسْتَلْزِمُهُ فَكَمْ مِنْ بَيْعٍ لَا تُطْلَبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ ، فَهَذَا يُسَمَّى مُوجَبَ الْبَيْعِ ، وَلَا يُسَمَّى مُقْتَضَى وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ إنَّ الْمُوجَبَ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَثَرِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ ، وَهُوَ وَالْمُقْتَضَى مُخْتَلِفَانِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ اتِّحَادَهُمَا ; إذْ الْمُقْتَضَى لَا يَنْفَكُّ ، وَالْمُوجَبُ قَدْ يَنْفَكُّ فَالْأَوَّلُ كَانْتِقَالِ الْمَالِ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ لُزُومِ الْبَيْعِ .
وَالثَّانِي كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْمُوجَبُ أَعَمُّ 398 لِأَنَّهُ الْأَثَرُ اللَّازِمُ سَوَاءٌ كَانَ يَنْفَكُّ أَوْ لَا ا هـ وَهَذَا أَحْسَنُ مِمَّا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْغَرْسِ مِنْ أَنَّ مُوجِبَ الشَّيْءِ مَا أَوْجَبَهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ وَاقْتَضَاهُ ، فَالْمُوجَبُ وَالْمُقْتَضَى فِي الْأَصْلِ وَاحِدٌ ، وَلَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ بَعْضِ الصُّوَرِ أَنَّ الْمُوجِبَ فِي بَابِ الْحُكْمِ أَعَمُّ ، وَهُوَ التَّحْقِيقُ إذْ لَوْ بَاعَ مُدَبَّرَهُ ثُمَّ تَنَازَعَا عِنْدَ الْقَاضِي الْحَنَفِيِّ ، فَحَكَمَ بِمُوجَبِ ذَلِكَ الْبَيْعِ صَحَّ الْحُكْمُ وَمَعْنَاهُ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِ ذَلِكَ الْبَيْعِ ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الشَّيْءَ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ نَفْسِهِ فَظَهَرَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِالْمُقْتَضَى ، وَإِلَّا كَانَ بَاطِلًا ، وَكَانَ لِلشَّافِعِيِّ نَقْضُهُ وَالْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ إذْ لَا مُقْتَضَى لِلْبَيْعِ عِنْدَ الْحَنَفِيِّ ; لِأَنَّهُ بَاطِلٌ وَيَصِحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيِّ أَنْ يُقَالَ مُوجَبُ هَذَا الْبَيْعِ الْبُطْلَانُ ا هـ مُلَخَّصًا . وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ مَا مَرَّ أَحْسَنُ ; لِأَنَّهُ يُرَدُّ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْغَرْسِ أَنَّهُ كَمَا يُقَالُ إنَّ الشَّيْءَ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ نَفْسِهِ ، فَكَذَلِكَ يُقَالُ إنَّهُ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ نَفْسِهِ ، فَدَعْوَاهُ أَنَّهُمَا فِي الْأَصْلِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَأَنَّ هَذَا السَّبَبَ هُوَ الدَّاعِي إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا هُنَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا هُوَ اشْتِرَاطُ عَدَمِ الِانْفِكَاكِ فِي الْمُقْتَضَى لَا فِي الْمُوجَبِ أَعَمُّ فَالْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ عِنْدَنَا لَا يَصِحُّ ، مَا لَمْ يَكُنْ حَادِثَةً بِأَنْ وَقَعَ فِيهِ التَّرَافُعُ ، وَالتَّنَازُعُ عِنْدَ الْحَاكِمِ كَمَا مَرَّ ، فَإِذَا وَقَعَ التَّنَازُعُ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَلُزُومِهِ فَحَكَمَ بِمُوجِبِ ذَلِكَ الْبَيْعِ كَانَ حُكْمًا بِصِحَّتِهِ وَبِبَاقِي مُقْتَضَيَاتِهِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ كَمِلْكِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ ، وَلُزُومِ دَفْعِهِ الثَّمَنَ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِخِلَافِ مُوجَبِهِ الْمُنْفَكِّ عَنْهُ كَاسْتِحْقَاقِ الْجَارِ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ لِعَدَمِ الْحَادِثَةِ كَمَا قُلْنَا .
( قَوْلُهُ : وَدَخَلَ الْمَيِّتُ إلَخْ ) وَكَذَا قَاضِي الْبُغَاةِ فَإِذَا رُفِعَ إلَى قَاضِي الْعَدْلِ نَفَّذَهُ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا مَرَّ وَيَجُوزُ تَقْلِيدُ الْقَضَاءِ مِنْ السُّلْطَانِ الْعَادِلِ وَالْجَائِرِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ . وَقَدَّمْنَا فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ وَأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ يُنْفِذُهُ إنْ وَافَقَ رَأْيَهُ أَوْ لَا فَافْهَمْ .
( قَوْلُهُ : وَالْمُخَالِفُ لِرَأْيِهِ ) أَيْ رَأْيِ الْقَاضِي الْمَرْفُوعِ إلَيْهِ 394 الْحُكْمُ ، لَكِنْ فِيهِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي قَرِيبًا ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْقَاضِي الْأَوَّلُ حَكَمَ بِخِلَافِ رَأْيِهِ ، فَسَيَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ قَضَى فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ إلَخْ ، مَطْلَبٌ فِي عُمُومِ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ .
( قَوْلُهُ : لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ إلَخْ ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَدَخَلَ إلَخْ قَصَدَ بِهِ الرَّدَّ عَلَى الزَّيْلَعِيِّ حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يُوهِمُ اخْتِصَاصَهُ بِمَا إذَا كَانَ مُوَافِقًا لِرَأْيِهِ وَقَدْ تَبِعَ الشَّارِحُ فِي هَذَا التَّعْلِيلِ صَاحِبَ الْبَحْرِ . وَفِيهِ نَظَرٌ وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ بَدَلَهُ : لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ عَنْ التَّقْيِيدِ . أَمَّا الْعُمُومُ فَمَمْنُوعٌ لِمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ كَالتَّحْرِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ النَّكِرَةَ إنَّمَا تَعُمُّ نَصًّا إذَا وَقَعَتْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ ، وَمِنْهُ وُقُوعُهَا فِي الشَّرْطِ الْمُثْبَتِ إذَا كَانَ يَمِينًا ; لِأَنَّهَا تَكُونُ عَلَى النَّفْيِ كَقَوْلِهِ إنْ كَلَّمْت رَجُلًا فَعَبْدِي حُرٌّ ، فَإِنَّ الْحَلِفَ عَلَى نَفْيِهِ فَالْمَعْنَى لَا أُكَلِّمُ رَجُلًا فَهِيَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ . وَلِهَذَا لَا تَعُمُّ فِي الشَّرْطِ الْمُثْبَتِ مِثْلُ إنْ لَمْ أُكَلِّمْ رَجُلًا ; لِأَنَّهُ عَلَى الْإِثْبَاتِ كَأَنَّهُ قَالَ لَأُكَلِّمَنَّ رَجُلًا فَلَا تَعُمُّ وَأَمَّا الشَّرْطُ فِي غَيْرِ الْيَمِينِ مِثْلُ إنْ جَاءَك رَجُلٌ فَأَطْعِمْهُ فَلَيْسَ نَصًّا فِي الْعُمُومِ ، وَمِثْلُهُ مَا نَحْنُ فِيهِ فَافْهَمْ .
مَطْلَبُ مَا يَنْفُذُ مِنْ الْقَضَاءِ وَمَا لَا يَنْفُذُ .
( قَوْلُهُ : إذْ حُكْمُ نَفْسِهِ قَبْلَ ذَلِكَ ) أَيْ قَبْلَ الرَّفْعِ إلَيْهِ كَذَلِكَ أَيْ كَحُكْمِ قَاضٍ آخَرَ فِي أَنَّهُ يُنْفِذُهُ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ وَيَكُونُ هَذَا رَافِعًا لِلْخِلَافِ فِيهِ ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي نُفُوذِهِ عَلَى الْمُخَالِفِ إلَى قَاضٍ آخَرَ لَكِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْغَرْسِ سُؤَالًا وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ شَرْعًا ، إذْ الْقَاضِي لَا يَقْضِي لِنَفْسِهِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَالْحُكْمُ بِهِ حُكْمٌ بِصِحَّةِ فِعْلِ نَفْسِهِ فَيَلْغُو ا هـ . قُلْت : هَذَا ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى رَفْعِ الْخِلَافِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْعِ الْخَصْمِ وَإِلْزَامِهِ بِهِ فَلَا تَأَمَّلْ .
( قَوْلُهُ : نَفَّذَهُ ) أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَنْفِيذُهُ .
( قَوْلُهُ : لَوْ مُجْتَهَدًا فِيهِ ) بِنَصْبِ مُجْتَهَدًا خَبَرًا لِكَانَ الْمُقَدَّرَةِ بَعْدَ لَوْ وَاسْمُهَا ضَمِيرٌ عَائِدٌ إلَى حُكْمِ الْعَائِدِ إلَيْهِ ضَمِيرُ نَفَّذَهُ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُمْ قَسَّمُوا الْحُكْمَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ ، قِسْمٌ يُرَدُّ بِكُلِّ حَالٍ وَهُوَ مَا خَالَفَ النَّصَّ أَوْ الْإِجْمَاعَ كَمَا يَأْتِي ، وَقِسْمٌ يَمْضِي بِكُلِّ حَالٍ ، وَهُوَ الْحُكْمُ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ ، بِأَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَسَبَبِ الْقَضَاءِ وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الْمَحْدُودَيْنِ بِالْقَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَكَانَ يَرَاهُ كَشَافِعِيٍّ ، فَإِذَا رُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ لَا يَرَاهُ كَحَنَفِيٍّ يُمْضِيهِ وَلَا يُبْطِلُهُ ، وَكَذَا لَوْ قَضَى لِامْرَأَةٍ بِشَهَادَةِ زَوْجِهَا وَآخَرُ أَجْنَبِيٌّ ، فَرُفِعَ لِمَنْ لَا يُجِيزُ هَذِهِ الشَّهَادَةَ أَمْضَاهُ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَضَى بِمُجْتَهَدٍ فِيهِ فَيَنْفُذُ ; لِأَنَّ الْمُجْتَهَدَ فِيهِ سَبَبُ الْقَضَاءِ ، وَهُوَ أَنَّ شَهَادَةَ هَؤُلَاءِ هَلْ تَصِيرُ حُجَّةً لِلْحُكْمِ أَمْ لَا فَالْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَسَبَبِ الْحُكْمِ لَا فِي نَفْسِ الْحُكْمِ ، وَكَذَا لَوْ سَمِعَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْغَائِبِ بِلَا وَكِيلٍ عَنْهُ ، وَقَضَى بِهَا يَنْفُذُ ; لِأَنَّ الْمُجْتَهَدَ فِيهِ سَبَبُ الْقَضَاءِ ، وَهُوَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ هَلْ تَكُونُ حُجَّةً بِلَا خَصْمٍ حَاضِرٍ ، فَإِذَا رَآهُ صَحَّ ، وَسَيَأْتِي اخْتِلَافُ التَّرْجِيحِ فِي الْأَخِيرَةِ . وَقِسْمٌ اخْتَلَفُوا فِيهِ : وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ وَهُوَ مَا يَقَعُ الْخِلَافُ فِيهِ بَعْدَ وُجُودِ الْحُكْمِ فَقِيلَ يَنْفُذُ ، وَقِيلَ يَتَوَقَّفُ عَلَى إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَبِهِ جَزَمَ فِي الْخَانِيَّةِ وَحَكَى ابْنُ الشِّحْنَةِ فِي رِسَالَتِهِ الْمُؤَلَّفَةِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ عَنْ جَدِّهِ تَرْجِيحَ الْأَوَّلِ ، فَإِذَا رُفِعَ إلَى الثَّانِي فَأَمْضَاهُ يَصِيرُ كَأَنَّ الْقَاضِيَ الثَّانِيَ حَكَمَ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ فَلَيْسَ لِلثَّالِثِ نَقْضُهُ وَلَوْ أَبْطَلَهُ الثَّانِي وَبَطَلَ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُجِيزَهُ كَمَا لَوْ قَضَى لِوَلَدِهِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ 395 أَوْ لِامْرَأَتِهِ أَوْ كَانَ الْقَاضِي مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ ; لِأَنَّ نَفْسَ الْقَضَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَسَيُشِيرُ الشَّارِحُ إلَى الْقِسْمِ الْأَخِيرِ وَتَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي رِسَالَةِ ابْنِ الشِّحْنَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيدُ تَحْقِيقٍ .
( قَوْلُهُ : عَالِمًا ) حَالٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ قَاضٍ آخَرَ ، وَسَاغَ مَجِيءُ الْحَالِ مِنْهُ وَهُوَ نَكِرَةٌ لِتَخَصُّصِهَا بِالْوَصْفِ ، وَهُوَ آخَرَ وَلَا يَصِحُّ كَوْنُهُ خَبْرًا بَعْدَ خَبَرٍ لِكَانَ الْمُقَدَّرَةِ بَعْدَ لَوْ فِي قَوْلِهِ لَوْ مُجْتَهَدًا فِيهِ ; لِأَنَّ الضَّمِيرَ الْمُسْتَتِرَ فِيهَا عَائِدٌ إلَى الْحُكْمِ كَمَا عَلِمْت ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي عَالِمًا عَائِدًا إلَى الْحُكْمِ أَيْضًا وَلَا يَصِحُّ مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِي قَوْلِهِمْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْقَاضِي عَالِمًا بِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ .
( قَوْلُهُ : عَالِمًا بِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِيهِ إلَخْ ) أَقُولُ : ذَكَرَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْبَحْرِ فَذَكَرَ أَنَّ هَذَا شَرْطُ نَفَاذِ الْقَضَاءِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ثُمَّ ذَكَرَ عِبَارَةَ الْخُلَاصَةِ ثُمَّ قَالَ : وَالتَّحْقِيقُ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ عِلْمَهُ بِكَوْنِ مَا حَكَمَ بِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ شَرْطٌ ، وَأَمَّا عِلْمُهُ بِكَوْنِ الْمَسْأَلَةِ اجْتِهَادِيَّةً ، فَلَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى ا هـ ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ قَضَاءِ الْقَاضِي مُخَالِفًا لِرَأْيِهِ ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ عَلَيْهَا . وَسَيَذْكُرُهَا الْمُصَنِّفُ فِي قَوْلِ قَضَى فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ ، بِخِلَافِ رَأْيِهِ إلَخْ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا ، وَهَذِهِ غَيْرُ مَسْأَلَةِ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا وَلَمْ يُوَفِّهَا صَاحِبُ الْبَحْرِ حَقَّهَا ، حَتَّى اشْتَبَهَتْ عَلَى بَعْضِ الْمُحَشِّينَ فَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا بِمَا قَالُوهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ الْآتِيَةِ ، مَعَ أَنَّهُمَا مَسْأَلَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ فَافْهَمْ ، وَمَسْأَلَةُ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ وَقَعَ فِيهَا نِزَاعٌ ، وَقَدْ أَلَّفَ فِيهَا الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ الشَّيْخُ قَاسِمٌ رِسَالَةً : حَاصِلُهَا : أَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي الْمُجْتَهِدِ فِي حَادِثَةٍ لَهُ فِيهَا رَأْيٌ مُقَرَّرٌ قَبْلَ قَضَائِهِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ الَّتِي قَصَدَ فِيهَا الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ ، فَحَصَلَ حُكْمُهُ فِي الْمَحَلِّ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ثُمَّ بَانَ أَنَّ قَضَاءَهُ هَذَا عَلَى خِلَافِ رَأْيِهِ الْمُقَرَّرِ قَبْلَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ ، فَحِينَئِذٍ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ .
وَأَمَّا إذَا وَافَقَ قَضَاؤُهُ رَأْيَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ حَالَ قَضَائِهِ أَنَّ فِيهَا خِلَافًا ، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ بِأَنَّهُ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ بِالنُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ مِنْهَا قَوْلُ الْإِمَامِ حُسَامِ الدِّينِ الشَّهِيدِ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى إذَا قَضَى فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ لَا يَنْفُذُ ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ : : رَجُلٌ مَاتَ وَلَهُ مُدَبَّرُونَ حَتَّى عَتَقُوا ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ وَأَثْبَتَ دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ ، فَبَاعَهُمْ الْقَاضِي عَلَى ظَنِّ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ وَقَضَى بِجَوَازِهِ ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُمْ مُدَبَّرُونَ كَانَ قَضَاؤُهُ بِذَلِكَ بَاطِلًا ، وَإِنْ مَضَى فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ ، وَهُوَ جَوَازُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ كَانَ بَاطِلًا ا هـ . فَعُلِمَ أَنَّ الضَّابِطَ أُخِذَ مِنْ فَرْعٍ وَقَعَ فِيهِ الْقَضَاءُ عَلَى خِلَافِ رَأْيِهِ السَّابِقِ وَهُوَ أَنَّ الْمُدَبَّرَ لَا يُبَاعُ ; فَلِذَا كَانَ قَضَاؤُهُ بَاطِلًا وَعَدَمُ الْعِلْمِ دَلِيلُ بَقَاءِ رَأْيِهِ السَّابِقِ ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ عَالِمًا وَقَضَى عَلَى خِلَافِ رَأْيِهِ السَّابِقِ حُمِلَ عَلَى تَبَدُّلِ اجْتِهَادِهِ بِدَلِيلِ مَا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ فِي بَابِ الْفِدَاءِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَى أَهْلِهِ حَيْثُ قَالَ : مَاتَ وَلَهُ رَقِيقٌ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ كَثِيرٌ فَبَاعَ الْقَاضِي رَقِيقَهُ ، وَقَضَى دَيْنَهُ ثُمَّ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ لِبَعْضِهِمْ أَنَّ مَوْلَاهُ كَانَ دَبَّرَهُ ، فَإِنَّ بَيْعَ الْقَاضِي فِيهِ يَكُونُ بَاطِلًا ، وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي عَالِمًا بِتَدْبِيرِهِ وَاجْتَهَدَ وَأَبْطَلَ تَدْبِيرَهُ لِكَوْنِهِ وَصِيَّةً وَبَاعَهُ فِي الدَّيْنِ ثُمَّ وُلِّيَ قَاضٍ آخَرُ يَرَى ذَلِكَ خَطَأً ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ قَضَاءُ الْأَوَّلِ إلَخْ ، فَعُلِمَ أَنَّ عَدَمَ الْأَخْذِ لَيْسَ هُوَ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بَلْ لِكَوْنِهِ بَيْعَ الْحُرِّ .
وَقَالَ الْحُسَامُ أَيْضًا قَالَ فِي كِتَابِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ : إذَا قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَةِ مَحْدُودِينَ فِي قَذْفٍ ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ ثُمَّ ظَهَرَ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَحْدُودَيْنِ شَهِدَا بَعْدَ التَّوْبَةِ كَمَا فِي قَضَاءِ شَرْحِ الْجَامِعِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ قَضَاءَ هَذَا عَلَى خِلَافِ رَأْيِهِ الْمُقَرَّرِ قَبْلَ ذَلِكَ فَلِذَا لَمْ يَنْفُذْ ، فَعَدَمُ النَّفَاذِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ لَا لِعَدَمِ الْعِلْمِ ، فَإِذَا ظَهَرَ أَنَّ 396 هَذَا فِي قَضَاءِ الْقَاضِي الْمُجْتَهِدِ ، وَأَنَّ اعْتِبَارَ الْعِلْمِ وَعَدَمَهُ إنَّمَا هُوَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْبَقَاءِ عَلَى الِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ أَوْ تَبَدُّلِهِ ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى وَفْقِ رَأْيِهِ نَفَذَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْخِلَافِ ظَهَرَ لَك أَنَّ اعْتِبَارَ هَذَا فِي الْقَاضِي الْمُقَلَّدِ جَهَالَةٌ فَاحِشَةٌ ، وَخَرْقٌ لِمَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ فِي أَنَّ الْمُقَلِّدَ إذَا قَضَى بِقَوْلِ إمَامِهِ مُسْتَوْفِيًا لِلشُّرُوطِ نَفَذَ قَضَاؤُهُ ، سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا أَوْ لَا ، وَصَارَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ بَقَاؤُهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ نُصُوصُ الْمُخْتَصَرَاتِ وَالْمُطَوَّلَاتِ وَامْتَنَعَ نَقْضُهُ بِالْإِجْمَاعِ هَذَا خُلَاصَةُ مَا فِي تِلْكَ الرِّسَالَةِ .
وَحَاصِلُهُ أَنَّ اشْتِرَاطَ كَوْنِ الْقَاضِي الْمُجْتَهِدِ عَالِمًا بِالْخِلَافِ إنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ أَنَّ الْمَوْضِعَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ الَّذِي لَمْ يُقْصَدْ الْحُكْمُ بِهِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهِ كَصِحَّةِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ ، وَقَبُولِ شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ لَا يَصِيرُ مَحْكُومًا بِهِ فِي ضِمْنِ الْحُكْمِ الَّذِي قَصَدَهُ وَهُوَ بَيْعُ عَبْدِ الْمَدْيُونِ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ وَقَبُولُ شَهَادَةِ الْعَدْلِ فِي الصُّورَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ وَنَحْوُهُمَا ، إذْ لَا وَجْهَ لِصَيْرُورَتِهِ مَحْكُومًا بِهِ مَعَ عَدَمِ عِلْمِهِ بِهِ وَقَصْدٍ لَهُ وَمَعَ كَوْنِهِ مُخَالِفًا لِرَأْيِهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ عَالِمًا بِهِ ، وَقَصَدَ الْحُكْمَ بِهِ ، فَإِنَّهُ وَإِنْ خَالَفَ رَأْيَهُ يَصِحُّ حُكْمُهُ بِهِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ رُجُوعًا عَنْ رَأْيِهِ السَّابِقِ لِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ فَيَنْفُذُ وَإِذَا رُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ أَمْضَاهُ ، وَهَذَا كَلَامٌ فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ ، وَحَيْثُ كَانَ هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْخُلَاصَةِ فَهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ اشْتِرَاطُ عِلْمِهِ بِالْخِلَافِ فِيمَا قَصَدَ الْحُكْمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ فَلِذَا قَالَ : وَيُفْتَى بِخِلَافِهِ وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ فَهِمَ أَيْضًا أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْمُجْتَهِدِ وَغَيْرِهِ إذْ لَا شَكَّ فِي عُسْرِ ذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا عَلَى قُضَاةِ زَمَانِنَا فَافْهَمْ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
( قَوْلُهُ : بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ إلَخْ ) الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِحُكْمٍ فِي قَوْلِهِ : حُكْمُ قَاضٍ أَوْ بِمَحْذُوفٍ خَبَرٍ أَيْضًا لِكَانَ الْمُقَدَّرَةِ بَعْدَ لَوْ فِي قَوْلِهِ لَوْ مُجْتَهَدًا فِيهِ قَالَ فِي الْبَحْرِ أَوَّلَ كِتَابِ الْقَضَاءِ ، فَإِنْ فُقِدَ هَذَا الشَّرْطُ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا وَإِنَّمَا هُوَ إفْتَاءٌ صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ ، وَبِأَنَّهُ شَرْطٌ لِنَفَادِ الْقَضَاءِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ . وَنَقَلَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ فِي فَتَاوَاهُ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ هُنَا فِي الْبَحْرِ فَالْحَاصِلُ : أَنَّ الْحُكْمَ الْمَرْفُوعَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي حَادِثَةٍ وَخُصُومَةٍ صَحِيحَةٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعِمَادِيُّ وَالْبَزَّازِيُّ وَقَالَا حَتَّى لَوْ فَاتَ هَذَا الشَّرْطُ لَا يَنْفُذُ الْقَضَاءُ ; لِأَنَّهُ فَتْوَى فَلَوْ رُفِعَ إلَى حَنَفِيٍّ قَضَاءُ مَالِكِيٍّ بِلَا دَعْوَى ، لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ وَيَحْكُمُ بِمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ ، وَلَا بُدَّ فِي إمْضَاءِ الثَّانِي لِحُكْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الدَّعْوَى أَيْضًا كَمَا سَمِعْت ا هـ أَيْ لَا بُدَّ فِي حُكْمِ الثَّانِي إذَا رُفِعَ إلَيْهِ حُكْمُ الْأَوَّلِ ، مِنْ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ كَمَا نَقَلَهُ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَهَذِهِ الدَّعْوَى وَالْخُصُومَةُ تُسَمَّى الْحَادِثَةَ لِحُدُوثِهَا عِنْدَ الْقَاضِي لِيَحْكُمَ بِهَا ، بِخِلَافِ مَا كَانَ مِنْ لَوَازِمِ تِلْكَ الْحَادِثَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ بِدُونِ الْخُصُومَةِ فِيهِ ، فَلِذَا لَمْ يَصِحَّ حُكْمُهُ بِهِ قَبْلَهَا كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْمُوجِبِ قَرِيبًا ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ اشْتِرَاطَ تَقَدُّمِ الدَّعْوَى إنَّمَا هُوَ فِي الْقَضَاءِ الْقَصْدِيِّ الْقَوْلِيِّ دُونَ الضِّمْنِيِّ وَالْفِعْلِيِّ كَمَا سَنُحَقِّقُهُ فِي الْفُرُوعِ وَكَذَا مَا تُسْمَعُ فِيهِ الدَّعْوَى حِسْبَةً وَمِنْهُ الْوَقْفُ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا .
( قَوْلُهُ : وَإِلَّا لَا ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ الْأَوَّلِ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ لَمْ يَكُنْ قَضَاءً صَحِيحًا ، بَلْ كَانَ إفْتَاءً أَيْ بَيَانًا لِحُكْمِ الْحَادِثَةِ وَإِذَا كَانَ إفْتَاءً لَمْ يَلْزَمْ الْقَاضِيَ الثَّانِيَ تَنْفِيذُهُ بَلْ يَحْكُمُ بِمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ وَافَقَ حُكْمَ الْأَوَّلِ أَوْ خَالَفَهُ فَافْهَمْ .
( قَوْلُهُ : وَسَيَجِيءُ آخِرَ الْكِتَابِ ) أَيْ فِي مَسَائِلَ شَتَّى قُبَيْلَ الْفَرَائِضِ وَحَاصِلُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَحْرِ .
( قَوْلُهُ : وَأَنَّهُ إذَا ارْتَابَ إلَخْ ) عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي سَيَجِيءُ فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَذْكُورٌ هُنَاكَ أَيْضًا ا هـ ح لَكِنَّ هَذَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ وَقَالَ فِي النَّهْرِ : وَلَمْ أَجِدْهُ لِغَيْرِهِ وَتَبِعَهُ الْحَمَوِيُّ ط .
( قَوْلُهُ : قَالَ ) أَيْ صَاحِبُ الْبَحْرِ ، وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْغَرْسِ .
( قَوْلُهُ : وَبِهِ عُرِفَ ) أَيْ بِمَا ذَكَرَ 397 فَإِنَّهُ أَفَادَ أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْحُكْمِ كَوْنُهُ بَعْدَ دَعْوَى صِحَّةٍ إلَخْ .
( قَوْلُهُ : لِتَرْكِ مَا ذَكَرَ ) فَمُؤَدَّاهَا إحَاطَةُ الْقَاضِي الثَّانِي عِلْمًا بِحُكْمِ الْقَاضِي الْأَوَّلِ عَلَى وَجْهِ التَّسْلِيمِ لَهُ ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَرِضٍ عِنْدَهُ وَيُسَمَّى اتِّصَالًا وَيَتَجَوَّزُ بِذِكْرِ الثُّبُوتِ وَالتَّنْفِيذِ فِيهِ ا هـ ابْنُ الْغَرْسِ . قُلْت : وَلِلْعَلَّامَةِ ابْنِ نُجَيْمٍ صَاحِبِ الْبَحْرِ رِسَالَةٌ فِي الْحُكْمِ بِلَا تَقَدُّمِ الدَّعْوَى وَقَالَ فِي آخِرِهَا : وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا فِيمَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الدَّعْوَى ، وَأَمَّا الْوَقْفُ فَالصَّحِيحُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهَا لِكَوْنِهِ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَتُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ بِلَا دَعْوَى وَيَحْكُمُ بِهِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَالْعِمَادِيَّةِ وَغَيْرِهَا ، فَعَلَى هَذَا لَا إنْكَارَ عَلَى التَّنَافِيذِ الْوَاقِعَةِ فِي زَمَانِنَا لِكُتُبِ الْأَوْقَافِ ; لِأَنَّ حَاصِلَهَا إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى حُكْمِ قَاضٍ بِالْوَقْفِ فَقَوْلُهُمْ إنَّ التَّنَافِيذَ فِي زَمَانِنَا لَيْسَتْ أَحْكَامًا إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ الْوَقْفِ إلَخْ ا هـ مُلَخَّصًا . قُلْت : لَكِنْ هَذَا ظَاهِرٌ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَفِي إثْبَاتِ مُجَرَّدِ كَوْنِهِ وَقْفًا ، أَمَّا كَوْنُهُ مَوْقُوفًا عَلَى فُلَانٍ أَوْ فُلَانٍ وَأَنَّ الْوَاقِفَ شَرَطَ كَذَا أَوْ كَذَا فَهَذَا حَقُّ عَبْدٍ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ دَعْوَاهُ لِإِثْبَاتِ حَقِّهِ ، وَكَذَا فِي إثْبَاتِ شُرُوطِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ فَتَأَمَّلْ مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ .
( قَوْلُهُ : وَقَدْ تَعَارَفُوا إلَخْ ) هَذَا مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ اشْتِرَاطِ صِحَّةِ الدَّعْوَى مِنْ خَصْمٍ عَلَى خَصْمٍ لِصِحَّةِ الْقَضَاءِ وَبَيَانُهُ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ تَنَازُعٌ فِي مُوجَبٍ خَاصٍّ ، مِنْ مَوَاجِبِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الثَّابِتِ عِنْدَ الْقَاضِي ، وَوَقَعَتْ الدَّعْوَى بِشُرُوطِهَا كَانَ حُكْمًا بِذَلِكَ الْمُوجِبِ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهِ ، فَلَوْ أَقَرَّ بِوَقْفِ عَقَارٍ عِنْدَ الْقَاضِي ، وَشَرَطَ فِيهِ شُرُوطًا وَسَلَّمَهُ إلَى الْمُتَوَلِّي ثُمَّ تَنَازَعَا عِنْدَ الْقَاضِي الْحَنَفِيِّ فِي صِحَّتِهِ وَلَزِمَهُ ، فَحَكَمَ بِهِمَا وَبِمُوجَبِهِ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِالشُّرُوطِ فَلِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَحْكُمَ فِيهَا بِمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ وَلَا يَمْنَعُهُ حُكْمُ الْحَنَفِيِّ السَّابِقُ وَتَمَامُهُ فِي الْأَشْبَاهِ وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ : أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا قَضَى بِشَيْءٍ فِي حَادِثَةٍ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ لَا يَكُونُ قَضَاءً فِيمَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ إلَى أَنْ قَالَ فَقَدْ عَلِمْت مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا مِنْ الْمَسَائِلِ ، فَإِذَا قَضَى شَافِعِيٌّ بِصِحَّةِ بَيْعِ عَقَارٍ ، وَمُوجِبُهُ لَا يَكُونُ حُكْمًا مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لِلْجَارِ لِعَدَمِ حَادِثَتِهَا ، وَكَذَا إذَا قَضَى حَنَفِيٌّ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِأَنَّ الشُّفْعَةَ لِلْجَارِ ، وَإِنْ كَانَتْ الشُّفْعَةُ مِنْ مَوَاجِبِهِ ; لِأَنَّ حَادِثَتَهَا لَمْ تُوجَدْ وَقْتَ الْحُكْمِ وَلَا شُعُورَ لِلْقَاضِي بِهَا ،
وَكَذَا إذَا قَضَى مَالِكِيٌّ بِحِصَّةِ التَّعْلِيقِ فِي الْيَمِينِ الْمُضَافَةِ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْفُضُولِيِّ الْمُجَازِ بِالْفِعْلِ لِعَدَمِهِ وَقْتَهُ فَافْهَمْ فَإِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ زَمَانِنَا عَنْهُ غَافِلُونَ ا هـ ، وَكَذَا قَالَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ أَمَّا كَوْنُ الْحُكْمِ حَادِثَةً فَاحْتِرَازٌ عَمَّا لَمْ يَحْدُثْ بَعْدُ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِمُوجِبِ إجَارَةِ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِالْفَسْخِ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَآجِرَيْنِ ; لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ فِيهِ خُصُومَةٌ ا هـ ، قُلْت : وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُوجَبِ هُنَا الَّذِي لَا يَصِحُّ بِهِ الْحُكْمُ هُوَ مَا لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ ، فَالْبَيْعُ الصَّحِيحُ مُقْتَضَاهُ خُرُوجُ الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ ، وَدُخُولُهُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ، وَاسْتِحْقَاقُ التَّسْلِيمِ ، وَالتَّسَلُّمُ فِي كُلٍّ مِنْ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ مُوجِبَاتِهِ لَكِنَّهَا مُقْتَضَيَاتٌ لَازِمَةٌ لَهُ ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ بِهِ حُكْمًا بِهَا بِخِلَافِ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِيهِ لِلْخَلِيطِ أَوْ لِلْجَارِ مَثَلًا ، فَإِنَّ الْعَقْدَ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ أَيْ لَا يَسْتَلْزِمُهُ فَكَمْ مِنْ بَيْعٍ لَا تُطْلَبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ ، فَهَذَا يُسَمَّى مُوجَبَ الْبَيْعِ ، وَلَا يُسَمَّى مُقْتَضَى وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ إنَّ الْمُوجَبَ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَثَرِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ ، وَهُوَ وَالْمُقْتَضَى مُخْتَلِفَانِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ اتِّحَادَهُمَا ; إذْ الْمُقْتَضَى لَا يَنْفَكُّ ، وَالْمُوجَبُ قَدْ يَنْفَكُّ فَالْأَوَّلُ كَانْتِقَالِ الْمَالِ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ لُزُومِ الْبَيْعِ .
وَالثَّانِي كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْمُوجَبُ أَعَمُّ 398 لِأَنَّهُ الْأَثَرُ اللَّازِمُ سَوَاءٌ كَانَ يَنْفَكُّ أَوْ لَا ا هـ وَهَذَا أَحْسَنُ مِمَّا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْغَرْسِ مِنْ أَنَّ مُوجِبَ الشَّيْءِ مَا أَوْجَبَهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ وَاقْتَضَاهُ ، فَالْمُوجَبُ وَالْمُقْتَضَى فِي الْأَصْلِ وَاحِدٌ ، وَلَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ بَعْضِ الصُّوَرِ أَنَّ الْمُوجِبَ فِي بَابِ الْحُكْمِ أَعَمُّ ، وَهُوَ التَّحْقِيقُ إذْ لَوْ بَاعَ مُدَبَّرَهُ ثُمَّ تَنَازَعَا عِنْدَ الْقَاضِي الْحَنَفِيِّ ، فَحَكَمَ بِمُوجَبِ ذَلِكَ الْبَيْعِ صَحَّ الْحُكْمُ وَمَعْنَاهُ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِ ذَلِكَ الْبَيْعِ ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الشَّيْءَ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ نَفْسِهِ فَظَهَرَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِالْمُقْتَضَى ، وَإِلَّا كَانَ بَاطِلًا ، وَكَانَ لِلشَّافِعِيِّ نَقْضُهُ وَالْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ إذْ لَا مُقْتَضَى لِلْبَيْعِ عِنْدَ الْحَنَفِيِّ ; لِأَنَّهُ بَاطِلٌ وَيَصِحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيِّ أَنْ يُقَالَ مُوجَبُ هَذَا الْبَيْعِ الْبُطْلَانُ ا هـ مُلَخَّصًا . وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ مَا مَرَّ أَحْسَنُ ; لِأَنَّهُ يُرَدُّ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْغَرْسِ أَنَّهُ كَمَا يُقَالُ إنَّ الشَّيْءَ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ نَفْسِهِ ، فَكَذَلِكَ يُقَالُ إنَّهُ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ نَفْسِهِ ، فَدَعْوَاهُ أَنَّهُمَا فِي الْأَصْلِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَأَنَّ هَذَا السَّبَبَ هُوَ الدَّاعِي إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا هُنَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا هُوَ اشْتِرَاطُ عَدَمِ الِانْفِكَاكِ فِي الْمُقْتَضَى لَا فِي الْمُوجَبِ أَعَمُّ فَالْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ عِنْدَنَا لَا يَصِحُّ ، مَا لَمْ يَكُنْ حَادِثَةً بِأَنْ وَقَعَ فِيهِ التَّرَافُعُ ، وَالتَّنَازُعُ عِنْدَ الْحَاكِمِ كَمَا مَرَّ ، فَإِذَا وَقَعَ التَّنَازُعُ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَلُزُومِهِ فَحَكَمَ بِمُوجِبِ ذَلِكَ الْبَيْعِ كَانَ حُكْمًا بِصِحَّتِهِ وَبِبَاقِي مُقْتَضَيَاتِهِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ كَمِلْكِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ ، وَلُزُومِ دَفْعِهِ الثَّمَنَ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِخِلَافِ مُوجَبِهِ الْمُنْفَكِّ عَنْهُ كَاسْتِحْقَاقِ الْجَارِ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ لِعَدَمِ الْحَادِثَةِ كَمَا قُلْنَا .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث