رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء السادس
( قَوْلُهُ وَيَثْبُتُ الْإِذْنُ دَلَالَةً إلَخْ ) فِي الْحَقَائِقِ إنَّمَا يُجْعَلُ سُكُوتُ الْمَوْلَى إذْنًا إذَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ مَا يُوجِبُ نَفْيَ الْإِذْنِ حَالَةَ السُّكُوتِ كَقَوْلِهِ : إذَا رَأَيْتُمْ عَبْدِي يَتَّجِرُ فَسَكَتَ ، فَلَا إذْنَ لَهُ بِالتِّجَارَةِ ، ثُمَّ رَآهُ يَتَّجِرُ فَسَكَتَ لَا يَصِيرُ مَأْذُونًا اتِّفَاقًا ( قَوْلُهُ فَعَبْدٌ رَآهُ سَيِّدُهُ إلَخْ ) عَبْدٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَأْذُونٌ ، وَسَاغَ الِابْتِدَاءُ بِهِ لِوُقُوعِهِ مَوْصُوفًا وَأَفَادَ الزَّيْلَعِيُّ أَنَّهُ إذَا رَأَى أَجْنَبِيًّا يَبِيعُ مَالَهُ وَسَكَتَ ، فَإِنَّ سُكُوتَهُ لَا يَكُونُ إذْنًا لَهُ ، وَكَذَا لَوْ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ وَصَاحِبُهُ يَنْظُرُ وَهُوَ سَاكِتٌ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالضَّمَانِ ا هـ .
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ : وَلْيَنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِ الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ فِي الثَّالِثِ وَالثَّلَاثِينَ وَلَوْ شَقَّ زِقَّ غَيْرِهِ فَسَالَ مَا فِيهِ وَهُوَ سَاكِتٌ فَإِنَّهُ يَكُونُ رِضًا . اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا هُنَا عَلَى الْإِتْلَافِ الْغَيْرِ الْمُمْكِنِ تَدَارُكُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ ا هـ ( قَوْلُهُ بَزَّازِيَّةٌ ) عِبَارَتُهَا وَإِنْ رَآهُ يَشْتَرِي وَيَبِيعُ فَسَكَتَ فَأَذِنَ إلَّا أَنْ يَنْهَاهُ وَلَكِنَّهُ فِيمَا بَاعَ مِنْ مَالِ مَوْلَاهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ بِالنُّطْقِ ا هـ ( قَوْلُهُ وَدُرَرٌ عَنْ الْخَانِيَّةِ ) فِي عِبَارَةِ الْخَانِيَّةِ اضْطِرَابٌ ، فَإِنَّهُ قَالَ أَوَّلَ الْبَابِ : رَأَى الْمَوْلَى عَبْدَهُ يَبِيعُ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ الْمَالِكِ ، فَسَكَتَ لَمْ يَكُنْ إذْنًا ، وَقَالَ بَعْدَ أَسْطُرٍ وَلَوْ رَآهُ فِي حَانُوتِهِ فَسَكَتَ حَتَّى بَاعَ مَتَاعًا كَثِيرًا كَانَ إذْنًا ، وَلَا يَنْفُذُ عَلَى الْمَوْلَى بَيْعُ الْعَبْدِ ذَلِكَ الْمَتَاعَ ، ثُمَّ قَالَ : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا دَفَعَ إلَى عَبْدِ رَجُلٍ مَتَاعًا لِيَبِيعَهُ فَبَاعَ فَرَآهُ الْمَوْلَى وَلَمْ يَنْهَهُ كَانَ إذْنًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ الْبَيْعُ عَلَى صَاحِبِ الْمَتَاعِ ا هـ حَمَوِيٌّ .
أَقُولُ : لَا اضْطِرَابَ فِي كَلَامِهِ ، فَإِنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ إذْنًا فِي ذَلِكَ الْبَيْعِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ ، فَلَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ صَارَ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ بَعْدَهُ كَمَا فَسَّرَهُ كَلَامُهُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ ، وَإِنَّمَا نَفَذَ الْبَيْعُ فِي مَتَاعِ الْأَجْنَبِيِّ لِإِذْنِهِ أَيْ الْأَجْنَبِيِّ فِيهِ وَهَذَا مَعْنَى مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا مَا فِي شَرْحِ الْبِيرِيِّ عَنْ الْبَدَائِعِ : رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ صَارَ مَأْذُونًا عِنْدَنَا إلَّا فِي الْبَيْعِ الَّذِي صَادَفَهُ السُّكُوتُ بِخِلَافِ الشِّرَاءِ ا هـ . ثُمَّ رَأَيْت الْعَلَّامَةَ الطُّورِيَّ وُفِّقَ كَذَلِكَ مُسْتَدِلًّا بِعِبَارَةِ الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا ، وَاعْتَرَضَ عَلَى الزَّيْلَعِيِّ حَيْثُ قَالَ : 157 وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَ عَيْنًا مَمْلُوكًا لِلْمَوْلَى أَوْ لِغَيْرِهِ بِإِذْنِهِ ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ بَيْعًا صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا هَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ : وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ : إذَا رَأَى عَبْدًا يَبِيعُ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ الْمَالِكِ فَسَكَتَ لَمْ يَكُنْ إذْنًا ا هـ فَاعْتَرَضَهُ بِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ أَنَّهُ فَهِمَ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَ كَلَامِ الْهِدَايَةِ وَالْخَانِيَّةِ ، ثُمَّ قَالَ : وَكَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُ كَلَامِ الْخَانِيَّةِ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ ا هـ . فَقَوْلُ الشَّارِحِ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ : وَلَمْ يَجُزْ حَتَّى يَأْذَنَ بِالنُّطْقِ مَعْنَاهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ الْبَيْعُ بِخُصُوصِهِ عَلَى الْمَوْلَى ، وَإِنْ صَارَ الْعَبْدُ بِهِ مَأْذُونًا ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ إذْنًا لَهُ كَمَا فَهِمَهُ الْمُحَشِّي وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي كَوْنِهِ مَأْذُونًا بَيْنَ كُلِّ الْمَبِيعِ مِلْكًا لِلْمَوْلَى أَوْ لِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا الْفَرْقُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ الْبَيْعِ الَّذِي صَادَفَهُ السُّكُوتُ ، فَإِنْ كَانَ لِأَجْنَبِيٍّ جَازَ وَإِنْ لِلْمَوْلَى فَلَا إلَّا بِالنُّطْقِ فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَإِنَّهُ مِنْ مَزَالِّ أَقْدَامِ الْأَفْهَامِ ( قَوْلُهُ لَكِنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ ) أَيْ كَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ كَمَا سَمِعْت عِبَارَتَهُ وَالِاسْتِدْرَاكُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فَهِمَهُ كَغَيْرِهِ مِنْ مُخَالَفَةِ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالْخَانِيَّةِ لِمَا فِي الْهِدَايَةِ ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ فِي أَنَّهُ يَصِيرُ مَأْذُونًا بَعْدَ السُّكُوتِ مُطْلَقًا .
وَإِنَّمَا أَفَادَ فِي الْخَانِيَّةِ شَيْئًا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ الْبَيْعُ بِخُصُوصِهِ أَوْ مِلْكًا لِلْمَوْلَى وَإِلَّا جَازَ ( قَوْلُهُ وَرَجَّحَهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ ) أَيْ رَجَّحَ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَابْنُ الْكَمَالِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَالِ الْمَوْلَى وَغَيْرِهِ . وَنَقَلَ بَعْدَهُ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ أَثَرَ الْإِذْنِ يَظْهَرُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، لَا فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ وَغَابَ عَنْهُ أَنَّهُ مُرَادُ قَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِ وَعَلَى مَا مَرَّ ، فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ مَا فِي الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ وَبَيْنَ مَا فِي الْفَتَاوَى ، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ ( قَوْلُهُ وَيَشْتَرِي مَا أَرَادَ ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ بِقَرِينَةِ قَوْلِ الشَّارِحِ بَعْدَ أَوْ شِرَائِهِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالتَّعْمِيمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشِّرَاءِ مَا يَعُمُّ أَنْوَاعَ الْمُشْتَرَى وَلَوْ مُحَرَّمًا وَلِذَلِكَ قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ : وَيَشْتَرِي وَلَوْ كَانَ خَمْرًا ط ( قَوْلُهُ إلَّا إذَا كَانَ الْمَوْلَى قَاضِيًا ) قَالَ الْحَمَوِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ : وَقَالَ الْمَقْدِسِيَّ فِي الرَّمْزِ : ظَهَرَ لِي فِي تَوْجِيهِهِ أَنَّ الْقَاضِيَ مِمَّنْ لَا يُبَاشِرُ الْأَعْمَالَ بِنَفْسِهِ ، فَلَا يَدُلُّ مَعَ تَكْرَارِ الْأَعْمَالِ مِنْ عَبْدِهِ عَلَى إذْنِهِ لِقُوَّةِ احْتِمَالِ التَّوْكِيلِ ا هـ فَأَفَادَ هَذَا التَّعْلِيلُ أَنَّ الْقَاضِيَ ذُكِرَ لِلتَّمْثِيلِ فَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ مَنْ لَا يُبَاشِرُ الْأَعْمَالَ بِنَفْسِهِ . وَقَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ أَقُولُ : لَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ الظَّهِيرِيَّةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَذَكَرَهَا قَاضِي خَانْ لَا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ الْقَاضِي : إذَا رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ لَمْ يَكُنْ إذْنًا ا هـ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ إطْلَاقَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْلَى قَاضِيًا أَوْ لَا ، وَأَنَّ مَا فِي الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا فِي الْفَتَاوَى ا هـ وَأَقَرَّهُ أَبُو السُّعُودِ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ .
وَأَقُولُ : لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ قَاضِي خَانْ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مَأْذُونًا فِي ذَلِكَ التَّصَرُّفِ الَّذِي صَادَفَهُ السُّكُوتُ ، كَمَا أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ كَلَامِهِ الْمَارِّ كَمَا عَلِمْت فَيَكُونُ مَأْذُونًا بَعْدَهُ وَعَلَيْهِ فَلَا اسْتِثْنَاءَ وَمَا ذَكَرَهُ الْمَقْدِسِيَّ يَصْلُحُ وَجْهًا لِتَنْصِيصِهِ عَلَى الْقَاضِي ، مَعَ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ السَّابِقِ ، يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ عَبْدِ الْقَاضِي كَغَيْرِهِ وَإِنْ قَوِيَ احْتِمَالُ كَوْنِهِ وَكِيلًا عَنْهُ ، فَلَا يُنَافِي إطْلَاقَ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْخَانِيَّةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا فَعَلَ فِي الْأَشْبَاهِ : ثُمَّ رَأَيْت الطُّورِيَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ وَفَهِمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ أَنَّ سُكُوتَ الْقَاضِي لَا يَكُونُ إذْنًا بِخِلَافِ سُكُوتِ الْمَوْلَى كَمَا فَهِمَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ ا هـ وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا الْفَهْمَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِهِمْ كَفَهْمِ الزَّيْلَعِيِّ الْمَارِّ وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا قُلْنَاهُ فَتَدَبَّرْ ( قَوْلُهُ لَا فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ ) فِيهِ أَنَّ الْكَلَامَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا بَاعَ مِلْكَ 158 الْأَجْنَبِيِّ ، وَحِينَئِذٍ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ سُكُوتُ السَّيِّدِ إذْنًا فِي بَيْعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ، حَتَّى يَصِحَّ نَفْيُهُ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ : فَلَا يَنْفُذُ عَلَى الْمَوْلَى بَيْعُ ذَلِكَ الْمَتَاعِ ، لَكِنَّهُ شَرْحٌ لَا يُطَابِقُ الْمَشْرُوحَ ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُبْرِزَهُ فِي قَالِبِ الِاعْتِرَاضِ ح .
وَحَاصِلُهُ : أَنَّ عَدَمَ كَوْنِهِ مَأْذُونًا فِي بَيْعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا لَوْ بَاعَ مِلْكَ الْمَوْلَى أَمَّا لَوْ بَاعَ مِلْكَ الْأَجْنَبِيِّ بِإِذْنِهِ نَفَذَ عَلَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَنَفَاذُهُ لَا بِسُكُوتِ الْمَوْلَى بَلْ بِأَمْرِ صَاحِبِ الْمَتَاعِ وَهَلْ الْعُهْدَةُ عَلَى الْعَبْدِ ، أَوْ عَلَى صَاحِبِ الْمَتَاعِ ؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ ذَخِيرَةٌ وتتارخانية لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ السِّرَاجِ يُفِيدُ عَدَمَ الْفَرْقِ ، فَإِنَّهُ قَالَ وَلَوْ رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ وَلَمْ يَنْهَهُ صَارَ مَأْذُونًا ، وَلَا يَجُوزُ هَذَا التَّصَرُّفُ الَّذِي شَاهَدَهُ الْمَوْلَى إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ بِالْقَوْلِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَا بَاعَهُ لِلْمَوْلَى أَوْ لِغَيْرِهِ وَيَصِيرُ مَأْذُونًا فِيمَا يَتَصَرَّفُ بَعْدَ هَذَا ا هـ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ التَّعْمِيمُ إلَى قَوْلِهِ صَارَ مَأْذُونًا أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِ الْأَجْنَبِيِّ وَهُوَ الْأَقْرَبُ فَلَا يُنَافِي مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَالْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا فَتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مَأْذُونًا ) ; لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْإِذْنُ إلَّا إذَا بَاعَ أَوْ اشْتَرَى بِحَضْرَتِهِ لَا قَبْلَهُ فَبِالضَّرُورَةِ يَكُونُ ذَلِكَ الْبَيْعُ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ فَلَا يَنْفُذُ ( قَوْلُهُ وَهُوَ بَاطِلٌ ) ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَقَدُّمُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ ( قَوْلُهُ مَعْزِيًّا لِلذَّخِيرَةِ ) نَصُّ عِبَارَةِ الذَّخِيرَةِ هَكَذَا ، وَإِذَا رَأَى عَبْدَهُ يَشْتَرِي بِمَالِهِ يَعْنِي بِمَالِ الْمَوْلَى فَلَمْ يَنْهَهُ فَهَذَا مِنْ الْمَوْلَى إذْنٌ لَهُ فِي التِّجَارَةِ ، وَمَا اشْتَرَاهُ فَهُوَ لَازِمٌ وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَسْتَرِدَّ مَالَهُ ثُمَّ إذَا اسْتَرَدَّ الْمَوْلَى مَالَهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ لَا يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ وَإِنْ كَانَ مَالُهُ عَرَضًا أَوْ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ ا هـ . ( قَوْلُهُ مِنْ مَالِ مَوْلَاهُ ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِمَالِ بِالْبَاءِ بَدَلٍ مِنْ كَمَا لَا يَخْفَى ( قَوْلُهُ فَيَفْتَقِرُ إلَى الْفَرْقِ ) الْأَوْلَى حَذْفُ الْفَاءِ ط وَلَعَلَّ الْفَرْقَ مَا ذَكَرُوهُ فِي بَابِ الْفُضُولِيِّ مِنْ أَنَّ الشِّرَاءَ أَسْرَعُ نَفَاذًا فَتَأَمَّلْ ح .
قُلْت : وَفِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ يَنْفُذُ عَلَى الْمَوْلَى لِدُخُولِ الْمَبِيعِ فِي مِلْكِهِ وَفِي صُورَةِ الْبَيْعِ لَا يَنْفُذُ عَلَيْهِ لِزَوَالِ الْمَبِيعِ مِنْ مِلْكِهِ ا هـ وَنَقَلَ مِثْلَهُ الْحَمَوِيُّ عَنْ الْبَدَائِعِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ فِي كُلٍّ إدْخَالًا وَإِخْرَاجًا . أَقُولُ : إنْ كَانَ الثَّمَنُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ لَا يُشْكِلُ ; لِأَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ ، بَلْ تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ وَلِذَا لَوْ اسْتَرَدَّ الْمَوْلَى لَا يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمَا فَيُشْكِلُ ، ; لِأَنَّهُ بَيْعُ مُقَايَضَةٍ وَالثَّمَنُ فِيهَا مَبِيعٌ مِنْ وَجْهٍ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ بَاعَ مِلْكَ الْمَوْلَى ، وَقَدْ مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ مَأْذُونًا بَعْدَهُ وَجَوَابُهُ : أَنَّ اللَّازِمَ مَا اشْتَرَاهُ الْعَبْدُ ، وَأَمَّا مَا دَفَعَهُ مِنْ مِلْكِ الْمَوْلَى فَلَمْ يَنْفُذْ عَلَى الْمَوْلَى ، وَلِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ فَإِذَا أَجَازَ مَا صَنَعَ الْعَبْدُ وَلَمْ يَسْتَرِدَّهُ نَفَذَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَصَارَ مَأْذُونًا فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ ; لِأَنَّ الْإِجَازَةَ اللَّاحِقَةَ كَالسَّابِقَةِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ : وَلْيَنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِ الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ فِي الثَّالِثِ وَالثَّلَاثِينَ وَلَوْ شَقَّ زِقَّ غَيْرِهِ فَسَالَ مَا فِيهِ وَهُوَ سَاكِتٌ فَإِنَّهُ يَكُونُ رِضًا . اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا هُنَا عَلَى الْإِتْلَافِ الْغَيْرِ الْمُمْكِنِ تَدَارُكُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ ا هـ ( قَوْلُهُ بَزَّازِيَّةٌ ) عِبَارَتُهَا وَإِنْ رَآهُ يَشْتَرِي وَيَبِيعُ فَسَكَتَ فَأَذِنَ إلَّا أَنْ يَنْهَاهُ وَلَكِنَّهُ فِيمَا بَاعَ مِنْ مَالِ مَوْلَاهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ بِالنُّطْقِ ا هـ ( قَوْلُهُ وَدُرَرٌ عَنْ الْخَانِيَّةِ ) فِي عِبَارَةِ الْخَانِيَّةِ اضْطِرَابٌ ، فَإِنَّهُ قَالَ أَوَّلَ الْبَابِ : رَأَى الْمَوْلَى عَبْدَهُ يَبِيعُ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ الْمَالِكِ ، فَسَكَتَ لَمْ يَكُنْ إذْنًا ، وَقَالَ بَعْدَ أَسْطُرٍ وَلَوْ رَآهُ فِي حَانُوتِهِ فَسَكَتَ حَتَّى بَاعَ مَتَاعًا كَثِيرًا كَانَ إذْنًا ، وَلَا يَنْفُذُ عَلَى الْمَوْلَى بَيْعُ الْعَبْدِ ذَلِكَ الْمَتَاعَ ، ثُمَّ قَالَ : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا دَفَعَ إلَى عَبْدِ رَجُلٍ مَتَاعًا لِيَبِيعَهُ فَبَاعَ فَرَآهُ الْمَوْلَى وَلَمْ يَنْهَهُ كَانَ إذْنًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ الْبَيْعُ عَلَى صَاحِبِ الْمَتَاعِ ا هـ حَمَوِيٌّ .
أَقُولُ : لَا اضْطِرَابَ فِي كَلَامِهِ ، فَإِنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ إذْنًا فِي ذَلِكَ الْبَيْعِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ ، فَلَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ صَارَ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ بَعْدَهُ كَمَا فَسَّرَهُ كَلَامُهُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ ، وَإِنَّمَا نَفَذَ الْبَيْعُ فِي مَتَاعِ الْأَجْنَبِيِّ لِإِذْنِهِ أَيْ الْأَجْنَبِيِّ فِيهِ وَهَذَا مَعْنَى مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا مَا فِي شَرْحِ الْبِيرِيِّ عَنْ الْبَدَائِعِ : رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ صَارَ مَأْذُونًا عِنْدَنَا إلَّا فِي الْبَيْعِ الَّذِي صَادَفَهُ السُّكُوتُ بِخِلَافِ الشِّرَاءِ ا هـ . ثُمَّ رَأَيْت الْعَلَّامَةَ الطُّورِيَّ وُفِّقَ كَذَلِكَ مُسْتَدِلًّا بِعِبَارَةِ الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا ، وَاعْتَرَضَ عَلَى الزَّيْلَعِيِّ حَيْثُ قَالَ : 157 وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَ عَيْنًا مَمْلُوكًا لِلْمَوْلَى أَوْ لِغَيْرِهِ بِإِذْنِهِ ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ بَيْعًا صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا هَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ : وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ : إذَا رَأَى عَبْدًا يَبِيعُ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ الْمَالِكِ فَسَكَتَ لَمْ يَكُنْ إذْنًا ا هـ فَاعْتَرَضَهُ بِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ أَنَّهُ فَهِمَ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَ كَلَامِ الْهِدَايَةِ وَالْخَانِيَّةِ ، ثُمَّ قَالَ : وَكَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُ كَلَامِ الْخَانِيَّةِ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ ا هـ . فَقَوْلُ الشَّارِحِ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ : وَلَمْ يَجُزْ حَتَّى يَأْذَنَ بِالنُّطْقِ مَعْنَاهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ الْبَيْعُ بِخُصُوصِهِ عَلَى الْمَوْلَى ، وَإِنْ صَارَ الْعَبْدُ بِهِ مَأْذُونًا ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ إذْنًا لَهُ كَمَا فَهِمَهُ الْمُحَشِّي وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي كَوْنِهِ مَأْذُونًا بَيْنَ كُلِّ الْمَبِيعِ مِلْكًا لِلْمَوْلَى أَوْ لِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا الْفَرْقُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ الْبَيْعِ الَّذِي صَادَفَهُ السُّكُوتُ ، فَإِنْ كَانَ لِأَجْنَبِيٍّ جَازَ وَإِنْ لِلْمَوْلَى فَلَا إلَّا بِالنُّطْقِ فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَإِنَّهُ مِنْ مَزَالِّ أَقْدَامِ الْأَفْهَامِ ( قَوْلُهُ لَكِنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ ) أَيْ كَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ كَمَا سَمِعْت عِبَارَتَهُ وَالِاسْتِدْرَاكُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فَهِمَهُ كَغَيْرِهِ مِنْ مُخَالَفَةِ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالْخَانِيَّةِ لِمَا فِي الْهِدَايَةِ ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ فِي أَنَّهُ يَصِيرُ مَأْذُونًا بَعْدَ السُّكُوتِ مُطْلَقًا .
وَإِنَّمَا أَفَادَ فِي الْخَانِيَّةِ شَيْئًا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ الْبَيْعُ بِخُصُوصِهِ أَوْ مِلْكًا لِلْمَوْلَى وَإِلَّا جَازَ ( قَوْلُهُ وَرَجَّحَهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ ) أَيْ رَجَّحَ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَابْنُ الْكَمَالِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَالِ الْمَوْلَى وَغَيْرِهِ . وَنَقَلَ بَعْدَهُ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ أَثَرَ الْإِذْنِ يَظْهَرُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، لَا فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ وَغَابَ عَنْهُ أَنَّهُ مُرَادُ قَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِ وَعَلَى مَا مَرَّ ، فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ مَا فِي الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ وَبَيْنَ مَا فِي الْفَتَاوَى ، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ ( قَوْلُهُ وَيَشْتَرِي مَا أَرَادَ ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ بِقَرِينَةِ قَوْلِ الشَّارِحِ بَعْدَ أَوْ شِرَائِهِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالتَّعْمِيمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشِّرَاءِ مَا يَعُمُّ أَنْوَاعَ الْمُشْتَرَى وَلَوْ مُحَرَّمًا وَلِذَلِكَ قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ : وَيَشْتَرِي وَلَوْ كَانَ خَمْرًا ط ( قَوْلُهُ إلَّا إذَا كَانَ الْمَوْلَى قَاضِيًا ) قَالَ الْحَمَوِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ : وَقَالَ الْمَقْدِسِيَّ فِي الرَّمْزِ : ظَهَرَ لِي فِي تَوْجِيهِهِ أَنَّ الْقَاضِيَ مِمَّنْ لَا يُبَاشِرُ الْأَعْمَالَ بِنَفْسِهِ ، فَلَا يَدُلُّ مَعَ تَكْرَارِ الْأَعْمَالِ مِنْ عَبْدِهِ عَلَى إذْنِهِ لِقُوَّةِ احْتِمَالِ التَّوْكِيلِ ا هـ فَأَفَادَ هَذَا التَّعْلِيلُ أَنَّ الْقَاضِيَ ذُكِرَ لِلتَّمْثِيلِ فَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ مَنْ لَا يُبَاشِرُ الْأَعْمَالَ بِنَفْسِهِ . وَقَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ أَقُولُ : لَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ الظَّهِيرِيَّةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَذَكَرَهَا قَاضِي خَانْ لَا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ الْقَاضِي : إذَا رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ لَمْ يَكُنْ إذْنًا ا هـ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ إطْلَاقَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْلَى قَاضِيًا أَوْ لَا ، وَأَنَّ مَا فِي الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا فِي الْفَتَاوَى ا هـ وَأَقَرَّهُ أَبُو السُّعُودِ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ .
وَأَقُولُ : لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ قَاضِي خَانْ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مَأْذُونًا فِي ذَلِكَ التَّصَرُّفِ الَّذِي صَادَفَهُ السُّكُوتُ ، كَمَا أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ كَلَامِهِ الْمَارِّ كَمَا عَلِمْت فَيَكُونُ مَأْذُونًا بَعْدَهُ وَعَلَيْهِ فَلَا اسْتِثْنَاءَ وَمَا ذَكَرَهُ الْمَقْدِسِيَّ يَصْلُحُ وَجْهًا لِتَنْصِيصِهِ عَلَى الْقَاضِي ، مَعَ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ السَّابِقِ ، يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ عَبْدِ الْقَاضِي كَغَيْرِهِ وَإِنْ قَوِيَ احْتِمَالُ كَوْنِهِ وَكِيلًا عَنْهُ ، فَلَا يُنَافِي إطْلَاقَ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْخَانِيَّةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا فَعَلَ فِي الْأَشْبَاهِ : ثُمَّ رَأَيْت الطُّورِيَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ وَفَهِمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ أَنَّ سُكُوتَ الْقَاضِي لَا يَكُونُ إذْنًا بِخِلَافِ سُكُوتِ الْمَوْلَى كَمَا فَهِمَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ ا هـ وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا الْفَهْمَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِهِمْ كَفَهْمِ الزَّيْلَعِيِّ الْمَارِّ وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا قُلْنَاهُ فَتَدَبَّرْ ( قَوْلُهُ لَا فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ ) فِيهِ أَنَّ الْكَلَامَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا بَاعَ مِلْكَ 158 الْأَجْنَبِيِّ ، وَحِينَئِذٍ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ سُكُوتُ السَّيِّدِ إذْنًا فِي بَيْعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ، حَتَّى يَصِحَّ نَفْيُهُ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ : فَلَا يَنْفُذُ عَلَى الْمَوْلَى بَيْعُ ذَلِكَ الْمَتَاعِ ، لَكِنَّهُ شَرْحٌ لَا يُطَابِقُ الْمَشْرُوحَ ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُبْرِزَهُ فِي قَالِبِ الِاعْتِرَاضِ ح .
وَحَاصِلُهُ : أَنَّ عَدَمَ كَوْنِهِ مَأْذُونًا فِي بَيْعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا لَوْ بَاعَ مِلْكَ الْمَوْلَى أَمَّا لَوْ بَاعَ مِلْكَ الْأَجْنَبِيِّ بِإِذْنِهِ نَفَذَ عَلَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَنَفَاذُهُ لَا بِسُكُوتِ الْمَوْلَى بَلْ بِأَمْرِ صَاحِبِ الْمَتَاعِ وَهَلْ الْعُهْدَةُ عَلَى الْعَبْدِ ، أَوْ عَلَى صَاحِبِ الْمَتَاعِ ؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ ذَخِيرَةٌ وتتارخانية لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ السِّرَاجِ يُفِيدُ عَدَمَ الْفَرْقِ ، فَإِنَّهُ قَالَ وَلَوْ رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ وَلَمْ يَنْهَهُ صَارَ مَأْذُونًا ، وَلَا يَجُوزُ هَذَا التَّصَرُّفُ الَّذِي شَاهَدَهُ الْمَوْلَى إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ بِالْقَوْلِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَا بَاعَهُ لِلْمَوْلَى أَوْ لِغَيْرِهِ وَيَصِيرُ مَأْذُونًا فِيمَا يَتَصَرَّفُ بَعْدَ هَذَا ا هـ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ التَّعْمِيمُ إلَى قَوْلِهِ صَارَ مَأْذُونًا أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِ الْأَجْنَبِيِّ وَهُوَ الْأَقْرَبُ فَلَا يُنَافِي مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَالْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا فَتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مَأْذُونًا ) ; لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْإِذْنُ إلَّا إذَا بَاعَ أَوْ اشْتَرَى بِحَضْرَتِهِ لَا قَبْلَهُ فَبِالضَّرُورَةِ يَكُونُ ذَلِكَ الْبَيْعُ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ فَلَا يَنْفُذُ ( قَوْلُهُ وَهُوَ بَاطِلٌ ) ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَقَدُّمُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ ( قَوْلُهُ مَعْزِيًّا لِلذَّخِيرَةِ ) نَصُّ عِبَارَةِ الذَّخِيرَةِ هَكَذَا ، وَإِذَا رَأَى عَبْدَهُ يَشْتَرِي بِمَالِهِ يَعْنِي بِمَالِ الْمَوْلَى فَلَمْ يَنْهَهُ فَهَذَا مِنْ الْمَوْلَى إذْنٌ لَهُ فِي التِّجَارَةِ ، وَمَا اشْتَرَاهُ فَهُوَ لَازِمٌ وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَسْتَرِدَّ مَالَهُ ثُمَّ إذَا اسْتَرَدَّ الْمَوْلَى مَالَهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ لَا يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ وَإِنْ كَانَ مَالُهُ عَرَضًا أَوْ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ ا هـ . ( قَوْلُهُ مِنْ مَالِ مَوْلَاهُ ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِمَالِ بِالْبَاءِ بَدَلٍ مِنْ كَمَا لَا يَخْفَى ( قَوْلُهُ فَيَفْتَقِرُ إلَى الْفَرْقِ ) الْأَوْلَى حَذْفُ الْفَاءِ ط وَلَعَلَّ الْفَرْقَ مَا ذَكَرُوهُ فِي بَابِ الْفُضُولِيِّ مِنْ أَنَّ الشِّرَاءَ أَسْرَعُ نَفَاذًا فَتَأَمَّلْ ح .
قُلْت : وَفِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ يَنْفُذُ عَلَى الْمَوْلَى لِدُخُولِ الْمَبِيعِ فِي مِلْكِهِ وَفِي صُورَةِ الْبَيْعِ لَا يَنْفُذُ عَلَيْهِ لِزَوَالِ الْمَبِيعِ مِنْ مِلْكِهِ ا هـ وَنَقَلَ مِثْلَهُ الْحَمَوِيُّ عَنْ الْبَدَائِعِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ فِي كُلٍّ إدْخَالًا وَإِخْرَاجًا . أَقُولُ : إنْ كَانَ الثَّمَنُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ لَا يُشْكِلُ ; لِأَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ ، بَلْ تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ وَلِذَا لَوْ اسْتَرَدَّ الْمَوْلَى لَا يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمَا فَيُشْكِلُ ، ; لِأَنَّهُ بَيْعُ مُقَايَضَةٍ وَالثَّمَنُ فِيهَا مَبِيعٌ مِنْ وَجْهٍ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ بَاعَ مِلْكَ الْمَوْلَى ، وَقَدْ مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ مَأْذُونًا بَعْدَهُ وَجَوَابُهُ : أَنَّ اللَّازِمَ مَا اشْتَرَاهُ الْعَبْدُ ، وَأَمَّا مَا دَفَعَهُ مِنْ مِلْكِ الْمَوْلَى فَلَمْ يَنْفُذْ عَلَى الْمَوْلَى ، وَلِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ فَإِذَا أَجَازَ مَا صَنَعَ الْعَبْدُ وَلَمْ يَسْتَرِدَّهُ نَفَذَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَصَارَ مَأْذُونًا فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ ; لِأَنَّ الْإِجَازَةَ اللَّاحِقَةَ كَالسَّابِقَةِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith