رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الأول
( قَوْلُهُ أَيْ حَالَةَ قَرَارٍ أَوْ فِرَارٍ ) أَيْ حَالَةَ أَمَنَةٍ أَوْ عَجَلَةٍ ، وَعَبَّرَ عَنْ الْعَجَلَةِ بِالْفِرَارِ بِالْفَاءِ لِأَنَّهَا فِي السَّفَرِ تَكُونُ غَالِبًا مِنْ الْخَوْفِ كَمَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ ( قَوْلُهُ كَذَا أَطْلَقَ إلَخْ ) فِيهِ أَنَّ عِبَارَةَ الْجَامِعِ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِقَوْلِهِ مُطْلَقًا ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِيهَا السَّفَرَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ فَيُفْهَمُ مِنْهَا الْإِطْلَاقُ كَسَائِرِ عِبَارَاتِ الْمُتُونِ وَإِلَّا لَمْ يَتَأَتَّ ادِّعَاءُ تَقْيِيدِهَا بِمَا سَيَأْتِي مِنْ التَّفْصِيلِ وَإِنَّمَا صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِالْإِطْلَاقِ اخْتِيَارًا لِمَا رَجَّحَهُ شَيْخُهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ ( قَوْلُهُ وَرَجَّحَهُ فِي الْبَحْرِ إلَخْ ) اعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَ 539 فِي الْهِدَايَةِ أَنَّ الْمُسَافِرَ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَأَيُّ سُورَةٍ شَاءَ ، ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا إذَا كَانَ عَلَى عَجَلَةٍ مِنْ السَّيْرِ ، فَإِنْ كَانَ فِي أَمَنَةٍ وَقَرَارٍ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ نَحْوَ سُورَةِ الْبُرُوجِ وَانْشَقَّتْ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ مُرَاعَاةُ السُّنَّةِ مَعَ التَّخْفِيفِ .
وَرَدَّهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ لَا أَصْلَ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ إطْلَاقَ الْمُتُونِ تَبَعًا لِلْجَامِعِ الصَّغِيرِ يَعُمُّ حَالَةَ الْأَمْنِ أَيْضًا ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَى أَمْنٍ صَارَ كَالْمُقِيمِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى السُّنَّةُ وَالسَّفَرُ وَإِنْ كَانَ مُؤَثِّرًا فِي التَّخْفِيفِ لَكِنَّ التَّحْدِيدَ بِقَدْرِ سُورَةِ الْبُرُوجِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ وَلَمْ يُنْقَلْ اِ هـ وَهُوَ مُلَخَّصٌ مِنْ الْحِلْيَةِ . وَأَجَابَ فِي النَّهْرِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ السُّنَّةَ لِلْمُقِيمِ فِي قِرَاءَةِ الْفَجْرِ أَنْ تَكُونَ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَأَنْ لَا يَنْقُصَ مِقْدَارَ الْآيَةِ الْمَقْرُوءَةِ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ عَنْ أَرْبَعِينَ آيَةً فِي الرَّكْعَتَيْنِ ، بَلْ تَكُونُ مِنْ أَرْبَعِينَ إلَى مِائَةٍ كَمَا سَيَأْتِي مَعَ مَا لَنَا فِيهِ مِنْ الْبَحْثِ ، وَالْمُسَافِرُ إذَا كَانَ فِي أَمَنَةٍ وَقَرَارٍ وَإِنْ كَانَ مِثْلَ الْمُقِيمِ لَكِنْ لِلسَّفَرِ تَأْثِيرٌ فِي التَّخْفِيفِ عَنْهُ مُطْلَقًا ، وَلِذَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ وَإِنْ كَانَ فِي أَمَنَةٍ فَنَاسَبَ أَنْ يَقْرَأَ نَحْوَ سُورَةِ الْبُرُوجِ وَالِانْشِقَاقِ مِمَّا هُوَ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْمِقْدَارَ الْخَاصَّ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْهِدَايَةِ لِإِمْكَانِ مُرَاعَاةِ السُّنَّةِ مَعَ التَّخْفِيفِ : أَيْ التَّخْفِيفِ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْعَدَدِ الْخَاصِّ بَعْدَ حُصُولِ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ ، فَلَيْسَ مُرَادُهُ التَّحْدِيدَ بِعَدَدِ آيَاتِ السُّورَتَيْنِ ، بَلْ كَوْنُهُمَا مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ أَيْ وَسُنِّيَّةُ الْقِرَاءَةِ فِي الْفَجْرِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ مُسَلَّمَةٌ لَا تَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ . ثُمَّ إنَّ مَا فِي الْهِدَايَةِ قَدْ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ شُرَّاحُهَا وَالزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى تَقْيِيدِ إطْلَاقِ مَا فِي الْمُتُونِ وَالْجَامِعِ ا هـ .
أَقُولُ : هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ إذَا كَانَ قَوْلُ الْهِدَايَةِ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ نَحْوَ سُورَةِ الْبُرُوجِ وَانْشَقَّتْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَاحِدَةً مِنْهُمَا لَا كُلًّا مِنْهُمَا ، وَإِلَّا لَمْ يَحْصُلْ تَخْفِيفٌ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ لِأَنَّ الِانْشِقَاقَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ آيَةً وَالْبُرُوجَ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الْمُنْيَةِ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبُرُوجِ أَوْ مِثْلَهَا فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ قِرَاءَةُ سُورَةِ الْبُرُوجِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ، لَكِنْ كَوْنُ سُورَةِ الْبُرُوجِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ كَلَامٌ سَتَعْرِفُهُ ، فَلِذَا حُمِلَ التَّخْفِيفُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَلَى جَعْلِ الْأَوْسَطِ فِي الْحَضَرِ طَوِيلًا فِي السَّفَرِ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ صَاحِبِ الْمَجْمَعِ فِي شَرْحِهِ فَيَقْرَأُ بِأَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ رِعَايَةً لِلسُّنَّةِ مَعَ التَّخْفِيفِ ، وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ ، لَكِنْ هَذَا الْحَمْلُ لَا يُنَاسَبُ مَا فِي الْهِدَايَةِ لِأَنَّ الِانْشِقَاقَ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ .
وَقَدْ يُقَالُ : إنَّ التَّخْفِيفَ مِنْ جِهَةِ الِاكْتِفَاءِ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كَمَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُنْيَةِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي الْحَضَرِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سُورَةٌ تَامَّةٌ كَمَا يَأْتِي تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ وُجُوبًا ) أَشَارَ بِهِ إلَى دَفْعِ مَا أَوْرَدَهُ فِي النَّهْرِ ، بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ أَيَّ سُورَةٍ شَاءَ لَكَانَ أَوْلَى ، لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ سُنَّةٌ فَصَرَّحَ بِقَوْلِهِ وُجُوبًا لِدَفْعِ التَّوَهُّمِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ سُنَّةَ الْقِرَاءَةِ فِي السَّفَرِ أَيُّ سُورَةٍ شَاءَ مَضْمُومَةٌ إلَى الْفَاتِحَةِ الْوَاجِبَةِ ، فَالْمَقْصُودُ بَيَانُ التَّخْيِيرِ فِي السُّوَرِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ، وَإِلَّا وَرَدَ أَنَّ السُّورَةَ وَاجِبَةٌ أَيْضًا ( قَوْلُهُ وَفِي الضَّرُورَةِ بِقَدْرِ الْحَالِ ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحَضَرِ أَوْ السَّفَرِ وَإِطْلَاقُهُ يَشْمَلُ الْفَاتِحَةَ وَغَيْرَهَا ، لَكِنْ فِي الْكَافِي : فَإِنْ كَانَ فِي السَّفَرِ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ بِأَنْ كَانَ عَلَى عَجَلَةٍ مِنْ السَّيْرِ أَوْ خَائِفًا مِنْ عَدُوٍّ أَوْ لِصٍّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَأَيُّ سُورَةٍ شَاءَ ; وَفِي الْحَضَرِ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ بِأَنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ يَقْرَأُ مَا لَا يُفَوِّتُهُ الْوَقْتُ ا هـ .
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : لَا يَخْتَصُّ التَّخْفِيفُ لِلضَّرُورَةِ بِالسُّورَةِ فَقَطْ بَلْ كَذَلِكَ الْفَاتِحَةُ ، كَمَا إذَا اشْتَدَّ خَوْفُهُ مِنْ عَدُوٍّ فَقَرَأَ آيَةً مَثَلًا وَلَا يَكُونُ مُسِيئًا ، كَذَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ . 540
أَقُولُ : وَقَوْلُ الْكَافِي بِقَدْرِ مَا لَا يَفُوتُهُ الْوَقْتُ يَشْمَلُ الْفَاتِحَةَ ، فَلَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِآيَةٍ إنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ بِالزِّيَادَةِ ، وَهَلْ هُوَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أَوْ خَاصٌّ بِالْفَجْرِ ؟ فِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ فِي الْقُنْيَةِ . وَقَالَ فِي آخِرِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَقِيلَ يُرَاعِي سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ . وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُرَاعِيَ قَدْرَ الْوَاجِبِ فِي غَيْرِهَا لِأَنَّ الْإِخْلَالَ بِهِ مُفْسِدٌ عِنْدَ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ بِخِلَافِ خُرُوجِ الْوَقْتِ ا هـ أَيْ فَإِنَّهُ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ مُفْسِدٌ اتِّفَاقًا ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ لَهُ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْفَاتِحَةِ وَتَسْبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ وَتَرْكَ الثَّنَاءِ وَالتَّعَوُّذِ فِي سُنَّةِ الْفَجْرِ أَوْ الظُّهْرِ لَوْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ تَرْكُ السُّنَّةِ لِإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ فَتَرْكُ سُنَّةِ السُّنَّةِ أَوْلَى . ا هـ .
وَرَدَّهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ لَا أَصْلَ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ إطْلَاقَ الْمُتُونِ تَبَعًا لِلْجَامِعِ الصَّغِيرِ يَعُمُّ حَالَةَ الْأَمْنِ أَيْضًا ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَى أَمْنٍ صَارَ كَالْمُقِيمِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى السُّنَّةُ وَالسَّفَرُ وَإِنْ كَانَ مُؤَثِّرًا فِي التَّخْفِيفِ لَكِنَّ التَّحْدِيدَ بِقَدْرِ سُورَةِ الْبُرُوجِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ وَلَمْ يُنْقَلْ اِ هـ وَهُوَ مُلَخَّصٌ مِنْ الْحِلْيَةِ . وَأَجَابَ فِي النَّهْرِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ السُّنَّةَ لِلْمُقِيمِ فِي قِرَاءَةِ الْفَجْرِ أَنْ تَكُونَ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَأَنْ لَا يَنْقُصَ مِقْدَارَ الْآيَةِ الْمَقْرُوءَةِ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ عَنْ أَرْبَعِينَ آيَةً فِي الرَّكْعَتَيْنِ ، بَلْ تَكُونُ مِنْ أَرْبَعِينَ إلَى مِائَةٍ كَمَا سَيَأْتِي مَعَ مَا لَنَا فِيهِ مِنْ الْبَحْثِ ، وَالْمُسَافِرُ إذَا كَانَ فِي أَمَنَةٍ وَقَرَارٍ وَإِنْ كَانَ مِثْلَ الْمُقِيمِ لَكِنْ لِلسَّفَرِ تَأْثِيرٌ فِي التَّخْفِيفِ عَنْهُ مُطْلَقًا ، وَلِذَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ وَإِنْ كَانَ فِي أَمَنَةٍ فَنَاسَبَ أَنْ يَقْرَأَ نَحْوَ سُورَةِ الْبُرُوجِ وَالِانْشِقَاقِ مِمَّا هُوَ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْمِقْدَارَ الْخَاصَّ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْهِدَايَةِ لِإِمْكَانِ مُرَاعَاةِ السُّنَّةِ مَعَ التَّخْفِيفِ : أَيْ التَّخْفِيفِ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْعَدَدِ الْخَاصِّ بَعْدَ حُصُولِ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ ، فَلَيْسَ مُرَادُهُ التَّحْدِيدَ بِعَدَدِ آيَاتِ السُّورَتَيْنِ ، بَلْ كَوْنُهُمَا مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ أَيْ وَسُنِّيَّةُ الْقِرَاءَةِ فِي الْفَجْرِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ مُسَلَّمَةٌ لَا تَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ . ثُمَّ إنَّ مَا فِي الْهِدَايَةِ قَدْ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ شُرَّاحُهَا وَالزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى تَقْيِيدِ إطْلَاقِ مَا فِي الْمُتُونِ وَالْجَامِعِ ا هـ .
أَقُولُ : هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ إذَا كَانَ قَوْلُ الْهِدَايَةِ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ نَحْوَ سُورَةِ الْبُرُوجِ وَانْشَقَّتْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَاحِدَةً مِنْهُمَا لَا كُلًّا مِنْهُمَا ، وَإِلَّا لَمْ يَحْصُلْ تَخْفِيفٌ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ لِأَنَّ الِانْشِقَاقَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ آيَةً وَالْبُرُوجَ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الْمُنْيَةِ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبُرُوجِ أَوْ مِثْلَهَا فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ قِرَاءَةُ سُورَةِ الْبُرُوجِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ، لَكِنْ كَوْنُ سُورَةِ الْبُرُوجِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ كَلَامٌ سَتَعْرِفُهُ ، فَلِذَا حُمِلَ التَّخْفِيفُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَلَى جَعْلِ الْأَوْسَطِ فِي الْحَضَرِ طَوِيلًا فِي السَّفَرِ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ صَاحِبِ الْمَجْمَعِ فِي شَرْحِهِ فَيَقْرَأُ بِأَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ رِعَايَةً لِلسُّنَّةِ مَعَ التَّخْفِيفِ ، وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ ، لَكِنْ هَذَا الْحَمْلُ لَا يُنَاسَبُ مَا فِي الْهِدَايَةِ لِأَنَّ الِانْشِقَاقَ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ .
وَقَدْ يُقَالُ : إنَّ التَّخْفِيفَ مِنْ جِهَةِ الِاكْتِفَاءِ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كَمَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُنْيَةِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي الْحَضَرِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سُورَةٌ تَامَّةٌ كَمَا يَأْتِي تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ وُجُوبًا ) أَشَارَ بِهِ إلَى دَفْعِ مَا أَوْرَدَهُ فِي النَّهْرِ ، بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ أَيَّ سُورَةٍ شَاءَ لَكَانَ أَوْلَى ، لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ سُنَّةٌ فَصَرَّحَ بِقَوْلِهِ وُجُوبًا لِدَفْعِ التَّوَهُّمِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ سُنَّةَ الْقِرَاءَةِ فِي السَّفَرِ أَيُّ سُورَةٍ شَاءَ مَضْمُومَةٌ إلَى الْفَاتِحَةِ الْوَاجِبَةِ ، فَالْمَقْصُودُ بَيَانُ التَّخْيِيرِ فِي السُّوَرِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ، وَإِلَّا وَرَدَ أَنَّ السُّورَةَ وَاجِبَةٌ أَيْضًا ( قَوْلُهُ وَفِي الضَّرُورَةِ بِقَدْرِ الْحَالِ ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحَضَرِ أَوْ السَّفَرِ وَإِطْلَاقُهُ يَشْمَلُ الْفَاتِحَةَ وَغَيْرَهَا ، لَكِنْ فِي الْكَافِي : فَإِنْ كَانَ فِي السَّفَرِ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ بِأَنْ كَانَ عَلَى عَجَلَةٍ مِنْ السَّيْرِ أَوْ خَائِفًا مِنْ عَدُوٍّ أَوْ لِصٍّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَأَيُّ سُورَةٍ شَاءَ ; وَفِي الْحَضَرِ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ بِأَنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ يَقْرَأُ مَا لَا يُفَوِّتُهُ الْوَقْتُ ا هـ .
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : لَا يَخْتَصُّ التَّخْفِيفُ لِلضَّرُورَةِ بِالسُّورَةِ فَقَطْ بَلْ كَذَلِكَ الْفَاتِحَةُ ، كَمَا إذَا اشْتَدَّ خَوْفُهُ مِنْ عَدُوٍّ فَقَرَأَ آيَةً مَثَلًا وَلَا يَكُونُ مُسِيئًا ، كَذَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ . 540
أَقُولُ : وَقَوْلُ الْكَافِي بِقَدْرِ مَا لَا يَفُوتُهُ الْوَقْتُ يَشْمَلُ الْفَاتِحَةَ ، فَلَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِآيَةٍ إنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ بِالزِّيَادَةِ ، وَهَلْ هُوَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أَوْ خَاصٌّ بِالْفَجْرِ ؟ فِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ فِي الْقُنْيَةِ . وَقَالَ فِي آخِرِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَقِيلَ يُرَاعِي سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ . وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُرَاعِيَ قَدْرَ الْوَاجِبِ فِي غَيْرِهَا لِأَنَّ الْإِخْلَالَ بِهِ مُفْسِدٌ عِنْدَ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ بِخِلَافِ خُرُوجِ الْوَقْتِ ا هـ أَيْ فَإِنَّهُ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ مُفْسِدٌ اتِّفَاقًا ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ لَهُ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْفَاتِحَةِ وَتَسْبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ وَتَرْكَ الثَّنَاءِ وَالتَّعَوُّذِ فِي سُنَّةِ الْفَجْرِ أَوْ الظُّهْرِ لَوْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ تَرْكُ السُّنَّةِ لِإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ فَتَرْكُ سُنَّةِ السُّنَّةِ أَوْلَى . ا هـ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث