رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الأول
الصفحة 731 · ص. المطبوع 554 · الشرح
( قَوْلُهُ وَأَقَلُّهَا اثْنَانِ ) لِحَدِيثِ " { ۝ اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ } " أَخْرَجَهُ السُّيُوطِيّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ، وَرَمَزَ لِضَعْفِهِ . قَالَ فِي الْبَحْرِ : لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الِاجْتِمَاعِ ، وَهُمَا أَقَلُّ مَا تَتَحَقَّقُ بِهِ ، وَهَذَا فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ ا هـ أَيْ فَإِنَّ أَقَلَّهَا فِيهَا ثَلَاثَةٌ صَالِحُونَ لِلْإِمَامَةِ سِوَى الْإِمَامِ ، مِثْلُهَا الْعِيدُ لِقَوْلِهِمْ : يُشْتَرَطُ لَهَا مَا يُشْتَرَطُ لِلْجُمُعَةِ صِحَّةً وَأَدَاءً سِوَى الْخُطْبَةِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ وَلَوْ مُمَيِّزًا ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْوَاحِدُ الْمُقْتَدِي صَبِيًّا مُمَيِّزًا . قَالَ فِي السِّرَاجِ : لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي جَمَاعَةً وَأَمَّ صَبِيًّا يَعْقِلُ حَنِثَ ا هـ وَلَا عِبْرَةَ بِغَيْرِ الْعَاقِلِ بَحْرٌ .
قَالَ ط : وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَحْصُلُ ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ بِاقْتِدَاءِ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ لِأَنَّ الصَّبِيَّ مُتَنَقِّلٌ ، وَلَمْ أَرَ حُكْمَ اقْتِدَاءِ الْمُتَنَفِّلِ بِمِثْلِهِ هَلْ يَزِيدُ ثَوَابُهُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ فَلْيُحَرَّرْ ا هـ .
قُلْت : الظَّاهِرُ نَعَمْ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ { ۝ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ ، ثُمَّ قَالَ : قُومُوا لِأُصَلِّيَ بِكُمْ فَقُمْت إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لَبِثَ فَنَضَحْته بِمَاءٍ ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَفْت أَنَا وَالْيَتِيمُ 554 وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا . فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ } " فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الِاقْتِدَاءُ أَفْضَلَ لَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ ) قَالَ فِي الْقُنْيَةِ : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إقَامَتِهَا فِي الْبَيْتِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا كَإِقَامَتِهَا فِي الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْأَفْضَلِيَّةِ . ا هـ . ( قَوْلُهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ الْجِنِّيِّ ) لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ . بِخِلَافِ إمَامَةِ الْمَلَكِ فَإِنَّهُ مُتَنَفِّلٌ وَإِمَامَةُ جِبْرِيلَ لِخُصُوصِ التَّعْلِيمِ مَعَ احْتِمَالِ الْإِعَادَةِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ط ( قَوْلُهُ أَشْبَاهٌ ) عِبَارَتُهَا فِي بَحْثِ أَحْكَامِ الْجَانِّ : وَمِنْهَا انْعِقَادُ الْجَمَاعَةِ بِالْجِنِّ ، ذَكَرَهُ الْأَسْيُوطِيُّ عَنْ صَاحِبِ [ آكَامِ الْمَرْجَانِ ] مِنْ أَصْحَابِنَا ، مُسْتَدِلًّا بِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قِصَّةِ الْجِنِّ ، وَفِيهِ " { ۝ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي أَدْرَكَهُ شَخْصَانِ مِنْهُمْ ، فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّمَا نُحِبُّ أَنْ تَؤُمَّنَا فِي صَلَاتِنَا ، قَالَ : فَصَفَّهُمَا خَلْفَهُ ثُمَّ صَلَّى بِنَا ثُمَّ انْصَرَفَ } " وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ أَنَّ الْجَمَاعَةَ تَحْصُلُ بِالْمَلَائِكَةِ ، وَفَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ لَوْ صَلَّى فِي فَضَاءٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ مُنْفَرِدًا ثُمَّ حَلَفَ أَنَّهُ صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ لَمْ يَحْنَثْ ، وَمِنْهَا صِحَّةُ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْجِنِّيِّ ، ذَكَرَهُ فِي آكَامِ الْمَرْجَانِ ا هـ
أَقُولُ : وَمَا نَقَلَهُ عَنْ السُّبْكِيّ مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ " { ۝ إنَّ الْمُسَافِرَ إذَا أَذَّنَ وَأَقَامَ صَلَّى خَلْفَهُ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ مَا لَا يُرَى طَرَفَاهُ } " رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَمُقْتَضَاهُ وُجُوبُ الْجَهْرِ عَلَيْهِ ; لَكِنْ قَدَّمْنَا فِي بَابِ الْأَذَانِ التَّصْرِيحَ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة بِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُنْفَرِدِ فِي الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِحَلِفِهِ أَنَّهُ صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ عِنْدَنَا وَلَا سِيَّمَا وَالْأَيْمَانُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ عِنْدَنَا ، وَهُوَ مُنْفَرِدٌ عُرْفًا وَشَرْعًا وَإِلَّا لَأَخَذَ أَحْكَامَ الْإِمَامِ عَلَى أَنَّهُ مَرَّ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْجَهْرُ إلَّا إذَا نَوَى الْإِمَامَةَ ، وَكَذَا مَرَّ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي : لَا يَؤُمُّ أَحَدًا مَا لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ ذَلِكَ ، فَلَعَلَّ انْعِقَادَ الْجَمَاعَةِ بِاقْتِدَاءِ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ إنَّمَا يَسْتَلْزِمُ أَحْكَامَهَا إذَا كَانُوا عَلَى صُورَةٍ ظَاهِرَةٍ وَلِهَذَا لَوْ جَامَعَ جِنِّيٌّ امْرَأَةً وَوَجَدَتْ لَذَّةً لَا يَلْزَمُهَا الِاغْتِسَالُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ إلَّا إذَا أَنْزَلَتْ كَمَا فِي الْفَتْحِ أَوْ جَاءَهَا عَلَى صُورَةِ آدَمِيٍّ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ وَكَذَا يُقَالُ فِي إمَامَةِ الْجِنِّيِّ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ( قَوْلُهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ إلَخْ ) وَقَالَ فِي النَّهْرِ : هُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ وَأَقْوَاهَا وَلِذَا قَالَ فِي الْأَجْنَاسِ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا تَرَكَهَا اسْتِخْفَافًا وَمَجَانَةً ، إمَّا سَهْوًا أَوْ بِتَأْوِيلٍ كَكَوْنِ الْإِمَامِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ أَوْ لَا يُرَاعِي مَذْهَبَ الْمُقْتَدِي فَتُقْبَلُ . ا هـ . ط .
( قَوْلُهُ ثَمَرَتُهُ إلَخْ ) هَذَا بِنَاءً عَلَى تَحْقِيقِ الْخِلَافِ ، أَمَّا عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الزَّاهِدِيِّ فَلَا خِلَافَ ( قَوْلُهُ بِتَرْكِهَا مَرَّةً ) أَيْ بِلَا عُذْرٍ ، وَهَذَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَعِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ إنَّمَا يَأْثَمُ إذَا اعْتَادَهُ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَقَدْ مَرَّ ( قَوْلُهُ الْبَالِغِينَ ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الذَّكَرِ بَالِغًا أَوْ غَيْرَهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - { وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا } - وَكَمَا فِي حَدِيثِ " { ۝ أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا ، فَمَا أَبْقَتْ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ } ، وَلِذَا قَيَّدَ بِذَكَرٍ لِدَفْعِ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْبَالِغُ بِنَاءً عَلَى مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ عَدَمِ تَوْرِيثِهِمْ إلَّا مَنْ اسْتَعَدَّ لِلْحَرْبِ دُونَ الصِّغَارِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ الْأَحْرَارِ ) فَلَا تَجِبُ عَلَى الْقِنِّ وَسَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ لَوْ أَذَّنَ لَهُ مَوْلَاهُ وَجَبَتْ ، وَقِيلَ يُخَيَّرُ وَرَجَّحَهُ فِي الْبَحْرِ ا هـ : قُلْت : وَيَنْبَغِي جَرَيَان الْخِلَافُ هُنَا أَيْضًا تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ ) قَيْدُ لِكَوْنِهَا سُنَّةً مُؤَكَّدَةً أَوْ وَاجِبَةً ، فَبِالْحَرَجِ يَرْتَفِعُ الْإِثْمُ وَيُرَخَّصُ فِي تَرْكِهَا وَلَكِنَّهُ يَفُوتُهُ الْأَفْضَلُ بِدَلِيلِ { ۝ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ لِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى لَمَّا اسْتَأْذَنَهُ فِي الصَّلَاةِ فِي بَيْتِهِ : مَا أَجِدُ لَك رُخْصَةً } قَالَ فِي الْفَتْحِ : أَيْ تَحْصُلُ لَك فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِهَا لَا الْإِيجَابُ عَلَى الْأَعْمَى ، { ۝ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَخَّصَ لِعِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ فِي تَرْكِهَا } ا هـ لَكِنْ فِي نُورِ الْإِيضَاحِ : وَإِذَا انْقَطَعَ عَنْ الْجَمَاعَةِ لِعُذْرٍ مِنْ أَعْذَارِهَا 555 وَكَانَتْ نِيَّتُهُ حُضُورَهَا لَوْلَا الْعُذْرُ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُهَا ا هـ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعُذْرُ الْمَانِعُ كَالْمَرَضِ وَالشَّيْخُوخَةِ وَالْفَلَجِ ، بِخِلَافِ نَحْوِ الْمَطَرِ وَالطِّينِ وَالْبَرْدِ وَالْعَمَى تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ وَلَوْ فَاتَتْهُ نُدِبَ طَلَبُهَا ) فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ فِي الْمَسَاجِدِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا ، بَلْ إنْ أَتَى مَسْجِدًا لِلْجَمَاعَةِ آخَرَ فَحَسَنٌ ، وَإِنْ صَلَّى فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ مُنْفَرِدًا فَحَسَنٌ . وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ : يَجْمَعُ بِأَهْلِهِ وَيُصَلِّي بِهِمْ ، يَعْنِي وَيَنَالُ ثَوَابَ الْجَمَاعَةِ كَذَا فِي الْفَتْحِ .
وَاعْتَرَضَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ بِأَنَّ هَذَا يُنَافِي وُجُوبَ الْجَمَاعَةِ . وَأَجَابَ ح بِأَنَّ الْوُجُوبَ عِنْدَ عَدَمِ الْحَرَجِ ، وَفِي تَتَبُّعِهَا فِي الْأَمَاكِنِ الْقَاصِيَةِ حَرَجٌ لَا يَخْفَى مَعَ مَا فِي مُجَاوَزَةِ مَسْجِدِ حَيِّهِ مِنْ مُخَالَفَةِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { ۝ لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ } " . ا هـ . وَفِيهِ أَنَّ ظَاهِرَ إطْلَاقِهِ النَّدْبُ وَلَوْ إلَى مَكَان قَرِيبٍ ، وَقَوْلُهُ مَعَ مَا فِي مُجَاوَزَةِ إلَخْ .
قَدْ يُقَالُ : مَحَلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَ فِيهِ جَمَاعَةٌ ; أَلَا تَرَى أَنَّ مَسْجِدَ الْحَيِّ إذَا لَمْ تُقَمْ فِيهِ الْجَمَاعَةُ وَتُقَامُ فِي غَيْرِهِ لَا يَرْتَابُ أَحَدٌ أَنَّ مَسْجِدَ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ . عَلَى أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ هَلْ جَمَاعَةُ مَسْجِدِ حَيِّهِ أَوْ جَمَاعَةُ الْمَسْجِدِ . الْجَامِعِ ؟ كَمَا فِي الْبَحْرِ ط .
قُلْت : لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِمَسْجِدِ مَنْزِلِهِ مُؤَذِّنٌ فَإِنَّهُ يَذْهَبُ إلَيْهِ وَيُؤَذِّنُ فِيهِ وَيُصَلِّي وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا لِأَنَّ لِمَسْجِدِ مَنْزِلِهِ حَقًّا عَلَيْهِ ، فَيُؤَدِّي حَقَّهُ مُؤَذِّنُ مَسْجِدٍ لَا يَحْضُرُ مَسْجِدَهُ أَحَدٌ . قَالُوا : هُوَ يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ وَيُصَلِّي وَحْدَهُ ، وَذَاكَ أَحَبُّ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ . ا هـ . ثُمَّ ذَكَرَ مَا مَرَّ عَنْ الْفَتْحِ ، وَلَعَلَّ مَا مَرَّ فِيمَا إذَا صَلَّى فِيهِ النَّاسُ فَيُخَيَّرُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُصَلِّي فِيهِ أَحَدٌ لِأَنَّ الْحَقَّ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ . وَعَلَى كُلٍّ فَقَوْلُ ط قَدْ يُقَالُ إلَخْ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ( قَوْلُهُ وَنَحْوُهُ ) قَالَ فِي الْقُنْيَةِ : إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَمَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَزَاهُ فِي آخِرِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ إلَى مُخْتَصَرِ الْبَحْرِ ثُمَّ قَالَ : وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَثْنِيَ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى أَيْضًا لِأَنَّهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفٍ ، وَفِي مَسْجِدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَلْفٍ ، وَفِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِخَمْسِمِائَةٍ ا هـ وَيَنْبَغِي اسْتِثْنَاءُ مَسْجِدِ الْحَيِّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ آنِفًا ( قَوْلُهُ وَمُقْعَدٍ وَزَمِنٍ ) قَالَ فِي الْمُغْرِبِ : الْمُقْعَدُ الَّذِي لَا حَرَاك بِهِ مِنْ دَاءٍ فِي جَسَدِهِ كَأَنَّ الدَّاءَ أَقْعَدَهُ . وَعِنْدَ الْأَطِبَّاءِ : هُوَ الزَّمِنُ ، وَبَعْضُهُمْ فَرَّقَ وَقَالَ : الْمُقْعَدُ الْمُتَشَنِّجُ الْأَعْضَاءِ . وَالزَّمِنُ الَّذِي طَالَ مَرَضُهُ . وَقَالَ فِي فَصْلِ الزَّايِ : الزَّمِنُ الَّذِي طَالَ مَرَضُهُ زَمَانًا ، وَقِيلَ الزَّمِنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْمُقْعَدُ وَالْأَعْمَى وَالْمَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا . وَالْمَفْلُوجُ وَالْأَعْرَجُ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ وَالْأَشَلُّ . ا هـ . ( قَوْلُهُ وَمَفْلُوجٍ ) وَهُوَ مَنْ بِهِ فَالِجٌ ، وَهُوَ اسْتِرْخَاءٌ لِأَحَدِ شِقَّيْ الْإِنْسَانِ لِانْصِبَابِ خَلْطٍ بَلْغَمِيٍّ تَنْسَدُّ مِنْهُ مَسَالِكُ الرُّوحِ قَامُوسٌ
( قَوْلُهُ وَإِنْ وَجَدَ قَائِدًا ) وَكَذَا الزَّمِنُ لَوْ كَانَ غَنِيًّا لَهُ مَرْكَبٌ وَخَادِمٌ ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا حِلْيَةٌ عَنْ الْمُحِيطِ . وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ اتِّفَاقٌ ، وَالْخِلَافُ فِي الْجُمُعَةِ لَا فِي الْجَمَاعَةِ ا هـ لَكِنْ الْمَسْطُورُ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ خِلَافُهُ حِلْيَةٌ ( قَوْلُهُ وَلَا عَلَى مَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَطَرٌ وَطِينٌ ) أَشَارَ بِالْحَيْلُولَةِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمَطَرُ الْكَثِيرُ كَمَا قَيَّدَهُ بِهِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ . وَكَذَا الطِّينُ وَفِي الْحِلْيَةِ ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ : سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ الْجَمَاعَةِ فِي طِينٍ وَرَدْغَةٍ ، فَقَالَ : لَا أُحِبُّ تَرْكَهَا . وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْمُوَطَّأِ : الْحَدِيثُ رُخْصَةٌ ، يَعْنِي قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ إذَا ابْتَلَّتْ النِّعَالُ فَالصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ } وَالنِّعَالُ : هُنَا الْأَرَاضِي الصِّلَابُ وَفِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ عَنْ شَرْحِ التُّمُرْتَاشِيِّ : وَاخْتُلِفَ فِي كَوْنِ الْأَمْطَارِ وَالثُّلُوجِ وَالْأَوْحَالِ وَالْبَرْدِ الشَّدِيدِ عُذْرًا وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : إنْ اشْتَدَّ التَّأَذِّي بِعُذْرٍ قَالَ الْحَسَنُ : أَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ، 556 لَيْسَ عَلَى مَا ظَنَّهُ الْبَعْضُ أَنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ فِي الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ لَا فِي الْجُمُعَةِ لِأَنَّهَا مِنْ آكَدِ الْفَرَائِضِ ا هـ وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ ابْنِ الْمُلَقِّنِ الشَّافِعِيِّ : وَالْمَشْهُورُ أَنَّ النِّعَالَ جَمْعُ نَعْلٍ : وَهُوَ مَا غَلُظَ مِنْ الْأَرْضِ فِي صَلَابَةٍ ، وَإِنَّمَا خَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ أَدْنَى بَلَلٍ يُنَدِّيهَا ، بِخِلَافِ الرَّخْوَةِ فَإِنَّهَا تُنَشِّفُ الْمَاءَ . وَقِيلَ النِّعَالُ الْأَحْذِيَةُ ( قَوْلُهُ وَبَرْدٌ شَدِيدٌ ) لَمْ يَذْكُرْ الْحَرَّ الشَّدِيدَ أَيْضًا ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ مِنْ عُلَمَائِنَا ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْحَرَّ الشَّدِيدَ إنَّمَا يَحْصُلُ غَالِبًا فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ ، وَقَدْ كُفِينَا مُؤْنَتَهُ بِسُنِّيَّةِ الْإِبْرَادِ ، نَعَمْ قَدْ يُقَالُ : لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ هَذِهِ السُّنَّةَ وَصَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ كَانَ الْحَرُّ الشَّدِيدُ عُذْرًا تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ وَظُلْمَةٌ كَذَلِكَ ) أَيْ شَدِيدَةٌ ، فِي الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ إلَى إيقَادِ نَحْوِ سِرَاجٍ وَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِشِدَّةِ الظُّلْمَةِ كَوْنُهُ لَا يُبْصِرُ طَرِيقَهُ إلَى الْمَسْجِدِ فَيَكُونُ كَالْأَعْمَى .
( قَوْلُهُ وَرِيحٌ ) أَيْ شَدِيدٌ أَيْضًا فِيمَا يَظْهَرُ تَأَمَّلْ ; وَإِنَّمَا كَانَ عُذْرًا لَيْلًا فَقَطْ لِعِظَمِ مَشَقَّتِهِ فِيهِ دُونَ النَّهَارِ ( قَوْلُهُ وَخَوْفٌ عَلَى مَالِهِ ) أَيْ مِنْ لِصٍّ وَنَحْوِهِ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ غَلْقُ الدُّكَّانِ أَوْ الْبَيْتِ مَثَلًا ، وَمِنْهُ خَوْفُهُ عَلَى تَلَفِ طَعَامٍ فِي قِدْرٍ أَوْ خُبْزٍ فِي تَنُّورٍ تَأَمَّلْ ، وَانْظُرْ هَلْ التَّقْيِيدُ بِمَالِهِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ مَالِ غَيْرِهِ ؟ وَالظَّاهِرُ عَدَمُهُ : لِأَنَّ لَهُ قَطْعَ الصَّلَاةِ لَهُ وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ أَمَانَةً عِنْدَهُ كَوَدِيعَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ رَهْنٍ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ حِفْظُهُ تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ أَوْ مِنْ غَرِيمٍ ) أَيْ إذَا كَانَ مُعْسِرًا لَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُوَفِّي غَرِيمَهُ وَإِلَّا كَانَ ظَالِمًا ( قَوْلُهُ أَوْ ظَالِمٍ ) يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ ( قَوْلُهُ الْأَخْبَثَيْنِ ) وَكَذَا الرِّيحُ ( قَوْلُهُ وَإِرَادَةُ سَفَرٍ ) أَيْ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَيَخْشَى أَنْ تَفُوتَهُ الْقَافِلَةُ بَحْرٌ ; وَأَمَّا السَّفَرُ نَفْسُهُ فَلَيْسَ بِعُذْرٍ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ ( قَوْلُهُ وَقِيَامُهُ بِمَرِيضٍ ) أَيْ يَحْصُلُ لَهُ بِغَيْبَتِهِ الْمَشَقَّةُ وَالْوَحْشَةُ ، كَذَا فِي الْإِمْدَادِ ( قَوْلُهُ تَتُوقُهُ نَفْسُهُ ) أَيْ تَشْتَاقُهُ وَتُنَازِعُهُ إلَيْهِ مِصْبَاحٌ ، سَوَاءٌ كَانَ عَشَاءً أَوْ غَيْرَهُ لِشَغْلِ بَالِهِ إمْدَادٌ ، وَمِثْلُهُ الشَّرَابُ ، وَقُرْبُ حُضُورِهِ كَحُضُورِهِ فِيمَا يَظْهَرُ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ ، وَبِهِ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ ( قَوْلُهُ وَكَذَا اشْتِغَالُهُ بِالْفِقْهِ إلَخْ ) عِبَارَةُ نُورِ الْإِيضَاحِ : وَتَكْرَارُ فِقَةٍ بِجَمَاعَةٍ تَفُوتُهُ ، وَلَمْ أَرَ هَذَا الْقَيْدَ لِغَيْرِهِ ، وَرَمَزَ فِي الْقُنْيَةِ لِنَجْمِ الْأَئِمَّةِ فِيمَنْ لَا يَحْضُرُهَا لِاسْتِغْرَاقِ أَوْقَاتِهِ فِي تَكْرِيرِ الْفِقْهِ لَا يُعْذَرُ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، ثُمَّ رَمَزَ لَهُ ثَانِيًا أَنَّهُ يُعْذَرُ ، بِخِلَافِ مُكَرَّرِ اللُّغَةِ ثُمَّ وَفَّقَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمُوَاظِبِ عَلَى التَّرْكِ تَهَاوُنًا ، وَالثَّانِي عَلَى غَيْرِهِ ، وَهَذَا مَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ فِي قَوْلِهِ أَيْ إلَّا إلَخْ ( قَوْلُهُ فَلَا يُعْذَرُ وَيُعَزَّرُ ) الْأَوَّلُ بِالذَّالِ وَالثَّانِي بِالزَّايِ ( قَوْلُهُ يَعْنِي بِحَبْسِهِ عَنْهُ إلَخْ ) صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ الرَّحْمَتِيُّ قَالُوا : هَذَا مِمَّا يُعْلَمُ وَيُكْتَمُ لِأَنَّ الظَّلَمَةَ صَيَّادُونَ لِأَخْذِ الْمَالِ مَتَى وَقَعَ فِي شَرَكِهِمْ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ ، وَرُبَّمَا يُحْدِثُونَ لِلْإِنْسَانِ ذَنْبًا لَمْ يَفْعَلْهُ تَوَصُّلًا إلَى مَالِهِ ا هـ . [ تَتِمَّةٌ ]
مَجْمُوعُ الْأَعْذَارِ الَّتِي مَرَّتْ مَتْنًا وَشَرْحًا عِشْرُونَ ، وَقَدْ نَظَمْتهَا بِقَوْلِي : ﴿﴾ أَعْذَارُ تَرْكِ جَمَاعَةٍ عِشْرُونَ قَدْ ﴿﴾ ﴿﴾ أَوْدَعْتهَا فِي عَقْدِ نَظْمٍ كَالدُّرَرِ ﴿﴾ ﴿﴾ مَرَضٌ وَإِقْعَادٌ عَمًى وَزَمَانَةٌ ﴿﴾ ﴿﴾ مَطَرٌ وَطِينٌ ثُمَّ بَرْدٌ قَدْ أَضَرَّ ﴿﴾ ﴿﴾ قَطْعٌ لِرِجْلٍ مَعَ يَدٍ أَوْ دُونَهَا ﴿﴾ ﴿﴾ فَلَجٌ وَعَجْزُ الشَّيْخِ قَصْدٌ لِلسَّفَرِ ﴿﴾ ﴿﴾ خَوْفٌ عَلَى مَالٍ كَذَا مِنْ ظَالِمٍ ﴿﴾ ﴿﴾ أَوْ دَائِنٍ وَشُهِيَ أَكْلٌ قَدْ حَضَرَ ﴿﴾ ﴿﴾ وَالرِّيحُ لَيْلًا ظُلْمَةٌ تَمْرِيضُ ذِي ﴿﴾ ﴿﴾ أَلَمٍ مُدَافَعَةٌ لِبَوْلٍ أَوْ قَذَرٍ ﴿﴾ ﴿﴾ ثُمَّ اشْتِغَالٌ لَا بِغَيْرِ الْفِقْهِ فِي ﴿﴾ ﴿﴾ بَعْضٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ عُذْرٌ مُعْتَبَرٌ ﴿﴾ 557 قَوْلُهُ أَوْ عَدَمُ مُرَاعَاتِهِ ) أَيْ لِمَذْهَبِ الْمُقْتَدِي فِيمَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الصَّلَاةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث