رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الأول
( قَوْلُهُ وَلَوْ عَجُوزًا لَيْلًا ) بَيَانٌ لِلْإِطْلَاقِ : أَيْ شَابَّةً أَوْ عَجُوزًا نَهَارًا أَوْ لَيْلًا ( قَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُفْتَى بِهِ ) أَيْ مَذْهَبِ الْمُتَأَخِّرِينَ . قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَقَدْ يُقَالُ هَذِهِ الْفَتْوَى الَّتِي اعْتَمَدَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ مُخَالِفَةٌ لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ ، فَإِنَّهُمْ نَقَلُوا أَنَّ الشَّابَّةَ تُمْنَعُ مُطْلَقًا اتِّفَاقًا . وَأَمَّا الْعَجُوزُ فَلَهَا حُضُورُ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ إلَّا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْجُمُعَةِ أَيْ وَعِنْدَهُمَا مُطْلَقًا ، فَالْإِفْتَاءُ بِمَنْعِ الْعَجَائِزِ فِي الْكُلِّ مُخَالِفٌ لِلْكُلِّ ، فَالِاعْتِمَادُ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ . ا هـ .
قَالَ فِي النَّهْرِ : وَفِيهِ نَظَرٌ ، بَلْ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَهَا لِقِيَامِ الْحَامِلِ وَهُوَ فَرْطُ الشَّهْوَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَسَقَةَ لَا يَنْتَشِرُونَ فِي الْمَغْرِبِ لِأَنَّهُمْ بِالطَّعَامِ مَشْغُولُونَ وَفِي الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ نَائِمُونَ ; فَإِذَا فُرِضَ انْتِشَارُهُمْ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِغَلَبَةِ فِسْقِهِمْ كَمَا فِي زَمَانِنَا بَلْ تَحَرِّيهِمْ إيَّاهَا كَانَ الْمَنْعُ فِيهَا أَظْهَرَ مِنْ الظُّهْرِ . ا هـ . قُلْت : وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ التَّوْرِيَةِ اللَّطِيفَةِ . وَقَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ : وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ إلَى الْغَايَةِ ( قَوْلُهُ وَاسْتَثْنَى الْكَمَالُ إلَخْ ) أَيْ مِمَّا أَفْتَى بِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ السَّابِقَةِ فَيَبْقَى الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ لَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ غَيْرَهُ ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخَلْوَةَ بِالْأَجْنَبِيَّةِ لَا تَنْتَفِي بِوُجُودِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ أُخْرَى وَتَنْتَفِي بِوُجُودِ رَجُلٍ آخَرَ تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ كَأُخْتِهِ ) مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ كَمَا رَأَيْته فِي عِدَّةِ نُسَخٍ ، وَكَذَا بِخَطِّهِ فِي الْخَزَائِنِ كَتَبَهُ بِالْأَسْوَدِ وَأَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَحْرَمِ مَا كَانَ مِنْ الرَّحِمِ ، لِمَا قَالُوا مِنْ كَرَاهَةِ الْخَلْوَةِ بِالْأُخْتِ رَضَاعًا وَالصِّهْرَةِ الشَّابَّةِ تَأَمَّلْ .
( قَوْلُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى رَجُلٌ أَوْ مَحْرَمٌ لَا بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى أُخْتِهِ ; لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَتْنِ وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى دَعْوَى تَغَلُّبِ الْمَحْرَمِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ ) لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْخَلْوَةِ فِيهِ ، وَلِذَا لَوْ اجْتَمَعَ بِزَوْجَتِهِ فِيهِ لَا يُعَدُّ خَلْوَةً كَمَا يَأْتِي رَحْمَتِيٌّ ( قَوْلُهُ أَمَّا الْوَاحِدَةُ فَتَتَأَخَّرُ ) فَلَوْ كَانَ مَعَهُ رَجُلٌ أَيْضًا يُقِيمُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَالْمَرْأَةَ خَلْفَهُمَا وَلَوْ رَجُلَانِ يُقِيمُهُمَا خَلْفَهُ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُمَا بَحْرٌ ، وَتَأَخُّرُ الْوَاحِدَةِ مَحَلُّهُ إذَا اقْتَدَتْ بِرَجُلٍ لَا بِامْرَأَةٍ مِثْلِهَا ط عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ 567 قَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ ) خِلَافًا لِمَا مَرَّ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنْ أَنَّهُ يَجْعَلُ أَصَابِعَهُ عِنْدَ عَقِبِ الْإِمَامِ بَحْرٌ ، وَيَأْمُرُهُ الْإِمَامُ بِذَلِكَ : أَيْ بِالْوُقُوفِ عَنْ يَمِينِهِ وَلَوْ بَعْدَ الشُّرُوعِ أَشَارَ إلَيْهِ بِيَدِهِ لِحَدِيثِ { ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَامَ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ } " سِرَاجٌ ( قَوْلُهُ بَلْ بِالْقَدَمِ ) فَلَوْ حَاذَاهُ بِالْقَدَمِ وَوَقَعَ سُجُودُهُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ لِكَوْنِ الْمُقْتَدِي أَطْوَلَ مِنْ إمَامِهِ لَا يَضُرُّ ; وَمَعْنَى الْمُحَاذَاةِ بِالْقَدَمِ الْمُحَاذَاةُ بِعَقِبِهِ ، فَلَا يَضُرُّ تَقَدُّمُ أَصَابِعِ الْمُقْتَدِي عَلَى الْإِمَامِ حَيْثُ حَاذَاهُ بِالْعَقِبِ مَا لَمْ يَفْحُشْ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ ، حَتَّى لَوْ فَحُشَ بِحَيْثُ تَقَدَّمَ أَكْثَرُ قَدَمِ الْمُقْتَدِي لِعِظَمِ قَدَمِهِ لَا يَصِحُّ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَخْ . قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ إنَّمَا هُوَ لِلْقَدَمِ لَا لِلرَّأْسِ ، فَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ أَقْصَرَ مِنْ الْمُقْتَدِي يَقَعُ رَأْسُ الْمُقْتَدِي قُدَّامَ الْإِمَامِ يَجُوزُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُحَاذِيًا بِقَدَمِهِ أَوْ مُتَأَخِّرًا قَلِيلًا ، وَكَذَا فِي مُحَاذَاةِ الْمَرْأَةِ كَمَا سَيَأْتِي ، وَإِنْ تَفَاوَتَتْ الْأَقْدَامُ صِغَرًا وَكِبَرًا فَالْعِبْرَةُ لِلسَّاقِ وَالْكَعْبِ وَالْأَصَحُّ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ أَكْثَرُ قَدَمِ الْمُقْتَدِي لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى انْتَهَى ، فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ لَيْسَ مُخَالِفًا لِمَا تَقَدَّمَ كَمَا تَوَهَّمَ رَحْمَتِيٌّ فَافْهَمْ .
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ : هَذَا فِي غَيْرِ الْمُومِئِ ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْمُومِئِ لِلرَّأْسِ حَتَّى لَوْ كَانَ رَأْسُهُ خَلْفَ إمَامِهِ وَرِجْلَاهُ قُدَّامَ رِجْلَيْهِ صَحَّ ، وَعَلَى الْعَكْسِ لَا يَصِحُّ كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ وَغَيْرِهِ انْتَهَى .
أَقُولُ : وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ قَوْلُهُ رَأْسُهُ خَلْفَ إمَامِهِ قَيْدًا ، بَلْ كَذَلِكَ إذَا سَاوَاهُ عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ . وَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي الْمُومِئِ الْمُقْتَدِي بِصَحِيحٍ أَوْ بِمُومٍ مِثْلِهِ وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَاعِدًا أَوْ مُسْتَلْقِيًا وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ ، أَمَّا لَوْ عَلَى جَنْبِهِ فَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُؤْتَمِّ مُضْطَجِعًا خَلْفَ ظَهْرِ إمَامِهِ ، وَلَا عِبْرَةَ لِلرَّأْسِ أَصْلًا . [ تَنْبِيهٌ ]
إفْرَادُ الْقَدَمِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ كَغَيْرِهِ يُفِيدُ أَنَّ الْمُحَاذَاةَ تُعْتَبَرُ بِوَاحِدَةٍ ، وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعْتَمَدًا عَلَى قَدَمٍ وَاحِدٍ فَالْعِبْرَةُ لَهَا ; وَلَوْ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُحَاذِيَةً وَالْأُخْرَى مُتَأَخِّرَةً فَلَا كَلَامَ فِي الصِّحَّةِ وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى مُتَقَدِّمَةً فَهَلْ يَصِحُّ نَظَرًا لِلْمُحَاذِيَةِ أَوْ لَا نَظَرًا لِلْمُتَقَدِّمَةِ ؟ مَحَلُّ نَظَرٍ . وَالظَّاهِرُ الثَّانِي تَرْجِيحًا لِلْحَاظِرِ عَلَى الْمُبِيحِ كَمَا قَالُوا فِيمَا لَوْ كَانَتْ إحْدَى قَوَائِمِ الصَّيْدِ فِي الْحِلِّ وَالْأُخْرَى فِي الْحَرَمِ ، وَقَدْ رَأَيْت فِيهِ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ اخْتِلَافُ تَرْجِيحٍ .
[ فَرْعٌ ] قَالَ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي : اقْتَدَى عَلَى سَطْحٍ وَقَامَ بِحِذَاءِ رَأْسِ الْإِمَامِ ، ذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَالسَّرَخْسِيُّ يَجُوزُ . مَطْلَبٌ هَلْ الْإِسَاءَةُ دُونَ الْكَرَاهَةِ أَوْ أَفْحَشُ مِنْهَا ؟
( قَوْلُهُ كُرِهَ اتِّفَاقًا ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ لِتَعْلِيلِهَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا بِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ ، وَلِقَوْلِهِ فِي الْكَافِي جَازَ وَأَسَاءَ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ ، لَكِنْ قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ بَحْثِ سُنَنِ الصَّلَاةِ اخْتِلَافَ عِبَارَتِهِمْ فِي أَنَّ الْإِسَاءَةَ دُونَ الْكَرَاهَةِ أَوْ أَفْحَشُ مِنْهَا ، وَوَفَّقْنَا بَيْنَهَا بِأَنَّهَا دُونَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ ، وَأَفْحَشُ مِنْ كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ ، فَرَاجِعْهُ ( قَوْلُهُ وَالزَّائِدُ خَلْفَهُ ) عَدَلَ تَبَعًا لِلْوِقَايَةِ عَنْ قَوْلِ الْكَنْزِ وَالِاثْنَانِ خَلْفَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ خَاصٍّ بِالِاثْنَيْنِ ، بَلْ الْمُرَادُ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ ، نَعَمْ يُفْهَمُ حُكْمُ الْأَكْثَرِ بِالْأَوْلَى . وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ : وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَقِفَ أَحَدُهُمَا بِحِذَائِهِ وَالْآخَرُ بِيَمِينِهِ إذَا كَانَ الزَّائِدُ اثْنَيْنِ ، وَلَوْ جَاءَ ثَالِثٌ وَقَفَ عَنْ يَسَارِ الْأَوَّلِ ، وَالرَّابِعُ عَنْ يَمِينِ الثَّانِي وَالْخَامِسُ عَنْ يَسَارِ الثَّالِثِ ، وَهَكَذَا . ا هـ . وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الزَّائِدَ لَوْ جَاءَ بَعْدَ الشُّرُوعِ يَقُومُ خَلْفَ الْإِمَامِ وَيَتَأَخَّرُ الْمُقْتَدِي الْأَوَّلُ وَيَأْتِي تَمَامُهُ قَرِيبًا ( قَوْلُهُ كُرِهَ تَنْزِيهًا ) وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُكْرَهُ ، وَالْأُولَى أَصَحُّ كَمَا فِي الْإِمْدَادِ ( قَوْلُهُ وَتَحْرِيمًا لَوْ أَكْثَرَ ) أَفَادَ أَنَّ 568 تَقَدُّمَ الْإِمَامِ أَمَامَ الصَّفِّ وَاجِبٌ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْفَتْحِ ( قَوْلُهُ كُرِهَ إجْمَاعًا ) أَيْ لِلْمُؤْتَمِّ ، وَلَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ مِنْهَا شَيْءٌ ، وَيَتَخَلَّصُ مِنْ الْكَرَاهَةِ بِالْقَهْقَرَى إلَى خَلْفٍ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَحَلُّ ضَيِّقًا عَلَى الظَّاهِرِ ، وَانْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِمْ : لَوْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ وَاحِدٌ عَلَى الدُّكَّانِ وَالْبَاقِي دُونَهُ لَا يُكْرَهُ ، وَقَدْ تَزُولُ الْمُخَالَفَةُ بِأَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ مَوْضُوعُهَا إذَا كَانَ الْمُؤْتَمُّ خَلْفَهُ ط .
أَقُولُ : لَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِالْوَاحِدِ ، وَإِنَّمَا صَرَّحُوا بِكَرَاهَةِ انْفِرَادِ الْإِمَامِ عَلَى الدُّكَّانِ ; وَلَوْ كَانَ مَعَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ لَا يُكْرَهُ ، فَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِحَمْلِ الْبَعْضِ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْقَوْمِ ، فَلَا يُنَافِي مَا هُنَا . وَأَيْضًا قَدْ صَرَّحُوا بِكَرَاهَةِ قِيَامِ الْوَاحِدِ وَحْدَهُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فُرْجَةً تَأَمَّلْ . [ تَتِمَّةٌ ]
إذَا اقْتَدَى بِإِمَامٍ فَجَاءَ آخَرُ يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ كَذَا فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ . وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْجَلَّابِيِّ أَنَّ الْمُقْتَدِيَ يَتَأَخَّرُ عَنْ الْيَمِينِ إلَى خَلْفٍ إذَا جَاءَ آخَرُ . ا هـ . وَفِي الْفَتْحِ : وَلَوْ اقْتَدَى وَاحِدٌ بِآخَرَ فَجَاءَ ثَالِثٌ يَجْذِبُ الْمُقْتَدِيَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ وَلَوْ جَذَبَهُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ لَا يَضُرُّهُ ، وَقِيلَ يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ ا هـ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الثَّالِثَ يَقْتَدِي مُتَأَخِّرًا وَمُقْتَضَى الْقَوْلِ بِتَقَدُّمِ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَقُومُ بِجَنْبِ الْمُقْتَدِي الْأَوَّلِ . وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُقْتَدِي التَّأَخُّرُ إذَا جَاءَ ثَالِثٌ فَإِنْ تَأَخَّرَ وَإِلَّا جَذَبَهُ الثَّالِثُ إنْ لَمْ يَخْشَ إفْسَادَ صَلَاتِهِ ، فَإِنْ اقْتَدَى عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ يُشِيرُ إلَيْهِمَا بِالتَّأَخُّرِ ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَقَدُّمِهِ لِأَنَّهُ مَتْبُوعٌ وَلِأَنَّ الِاصْطِفَافَ خَلْفَ الْإِمَامِ مِنْ فِعْلِ الْمُقْتَدِينَ لَا الْإِمَامِ ، فَالْأَوْلَى ثَبَاتُهُ فِي مَكَانِهِ وَتَأَخُّرُ الْمُقْتَدِي ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْفَتْحِ عَنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ { قَالَ جَابِرٌ سِرْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ فَقَامَ يُصَلِّي فَجِئْت حَتَّى قُمْت عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ ، فَجَاءَ ابْنُ صَخْرٍ حَتَّى قَامَ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا فَدَفَعْنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ } " ا هـ وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْمُمْكِنُ . وَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ وَإِلَّا اقْتَدَى الثَّالِثُ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ وَلَا تَقَدَّمَ وَلَا تَأَخَّرَ ( قَوْلُهُ الْخَلَلَ ) هُوَ انْفِرَاجُ مَا بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ قَامُوسٌ ، وَهُوَ عَلَى وَزْنِ جَبَلٍ ط ( قَوْلُهُ وَيَقِفُ وَسَطًا ) قَالَ فِي الْمِعْرَاجِ : وَفِي مَبْسُوطِ بَكْرٍ : السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ فِي الْمِحْرَابِ لِيَعْتَدِلَ الطَّرَفَانِ ، وَلَوْ قَامَ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ الصَّفِّ يُكْرَهُ ، وَلَوْ كَانَ الْمَسْجِدُ الصَّيْفِيُّ بِجَنْبِ الشِّتْوِيِّ وَامْتَلَأَ الْمَسْجِدُ يَقُومُ الْإِمَامُ فِي جَانِبِ الْحَائِطِ لِيَسْتَوِيَ الْقَوْمُ مِنْ جَانِبَيْهِ وَالْأَصَحُّ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ : أَكْرَهُ أَنْ يَقُومَ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ أَوْ فِي زَاوِيَةٍ أَوْ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ أَوْ إلَى سَارِيَةٍ لِأَنَّهُ خِلَافُ عَمَلِ الْأُمَّةِ . قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " { تَوَسَّطُوا الْإِمَامَ وَسُدُّوا الْخَلَلَ } " وَمَتَى اسْتَوَى جَانِبَاهُ يَقُومُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ إنْ أَمْكَنَهُ وَإِنْ وَجَدَ فِي الصَّفِّ فُرْجَةً سَدَّهَا وَإِلَّا انْتَظَرَ حَتَّى يَجِيءَ آخَرُ فَيَقِفَانِ خَلْفَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَجِئْ حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ يَخْتَارُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَيَجْذِبُهُ وَيَقِفَانِ خَلْفَهُ ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ عَالِمًا يَقِفُ خَلْفَ الصَّفِّ بِحِذَاءِ الْإِمَامِ لِلضَّرُورَةِ ، وَلَوْ وَقَفَ مُنْفَرِدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ تَصِحُّ صَلَاتُهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِأَحْمَدَ . ا هـ . مَطْلَبٌ فِي الْكَرَاهَةِ قِيَامُ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ الْمِحْرَابِ [ تَنْبِيهٌ ]
يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ إلَى سَارِيَةٍ كَرَاهَةُ قِيَامِ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ الْمِحْرَابِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ قَبْلَهُ السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ فِي الْمِحْرَابِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ إزَاءَ وَسَطِ الصَّفِّ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَحَارِيبَ مَا نُصِبَتْ إلَّا وَسَطَ الْمَسَاجِدِ وَهِيَ قَدْ عُيِّنَتْ لِمَقَامِ الْإِمَامِ ا هـ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا فِي الْإِمَامِ الرَّاتِبِ لِجَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ لِئَلَّا يَلْزَمَ عَدَمُ قِيَامِهِ فِي الْوَسَطِ ، فَلَوْ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ تَأَمَّلْ . 569
[ فَرْعٌ ] ذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ فِي بَحْثِ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ أَنَّ الْأَفْضَلَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ فِي مَقَامِ إبْرَاهِيمَ
قَالَ فِي النَّهْرِ : وَفِيهِ نَظَرٌ ، بَلْ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَهَا لِقِيَامِ الْحَامِلِ وَهُوَ فَرْطُ الشَّهْوَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَسَقَةَ لَا يَنْتَشِرُونَ فِي الْمَغْرِبِ لِأَنَّهُمْ بِالطَّعَامِ مَشْغُولُونَ وَفِي الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ نَائِمُونَ ; فَإِذَا فُرِضَ انْتِشَارُهُمْ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِغَلَبَةِ فِسْقِهِمْ كَمَا فِي زَمَانِنَا بَلْ تَحَرِّيهِمْ إيَّاهَا كَانَ الْمَنْعُ فِيهَا أَظْهَرَ مِنْ الظُّهْرِ . ا هـ . قُلْت : وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ التَّوْرِيَةِ اللَّطِيفَةِ . وَقَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ : وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ إلَى الْغَايَةِ ( قَوْلُهُ وَاسْتَثْنَى الْكَمَالُ إلَخْ ) أَيْ مِمَّا أَفْتَى بِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ السَّابِقَةِ فَيَبْقَى الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ لَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ غَيْرَهُ ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخَلْوَةَ بِالْأَجْنَبِيَّةِ لَا تَنْتَفِي بِوُجُودِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ أُخْرَى وَتَنْتَفِي بِوُجُودِ رَجُلٍ آخَرَ تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ كَأُخْتِهِ ) مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ كَمَا رَأَيْته فِي عِدَّةِ نُسَخٍ ، وَكَذَا بِخَطِّهِ فِي الْخَزَائِنِ كَتَبَهُ بِالْأَسْوَدِ وَأَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَحْرَمِ مَا كَانَ مِنْ الرَّحِمِ ، لِمَا قَالُوا مِنْ كَرَاهَةِ الْخَلْوَةِ بِالْأُخْتِ رَضَاعًا وَالصِّهْرَةِ الشَّابَّةِ تَأَمَّلْ .
( قَوْلُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى رَجُلٌ أَوْ مَحْرَمٌ لَا بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى أُخْتِهِ ; لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَتْنِ وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى دَعْوَى تَغَلُّبِ الْمَحْرَمِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ ) لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْخَلْوَةِ فِيهِ ، وَلِذَا لَوْ اجْتَمَعَ بِزَوْجَتِهِ فِيهِ لَا يُعَدُّ خَلْوَةً كَمَا يَأْتِي رَحْمَتِيٌّ ( قَوْلُهُ أَمَّا الْوَاحِدَةُ فَتَتَأَخَّرُ ) فَلَوْ كَانَ مَعَهُ رَجُلٌ أَيْضًا يُقِيمُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَالْمَرْأَةَ خَلْفَهُمَا وَلَوْ رَجُلَانِ يُقِيمُهُمَا خَلْفَهُ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُمَا بَحْرٌ ، وَتَأَخُّرُ الْوَاحِدَةِ مَحَلُّهُ إذَا اقْتَدَتْ بِرَجُلٍ لَا بِامْرَأَةٍ مِثْلِهَا ط عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ 567 قَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ ) خِلَافًا لِمَا مَرَّ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنْ أَنَّهُ يَجْعَلُ أَصَابِعَهُ عِنْدَ عَقِبِ الْإِمَامِ بَحْرٌ ، وَيَأْمُرُهُ الْإِمَامُ بِذَلِكَ : أَيْ بِالْوُقُوفِ عَنْ يَمِينِهِ وَلَوْ بَعْدَ الشُّرُوعِ أَشَارَ إلَيْهِ بِيَدِهِ لِحَدِيثِ { ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَامَ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ } " سِرَاجٌ ( قَوْلُهُ بَلْ بِالْقَدَمِ ) فَلَوْ حَاذَاهُ بِالْقَدَمِ وَوَقَعَ سُجُودُهُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ لِكَوْنِ الْمُقْتَدِي أَطْوَلَ مِنْ إمَامِهِ لَا يَضُرُّ ; وَمَعْنَى الْمُحَاذَاةِ بِالْقَدَمِ الْمُحَاذَاةُ بِعَقِبِهِ ، فَلَا يَضُرُّ تَقَدُّمُ أَصَابِعِ الْمُقْتَدِي عَلَى الْإِمَامِ حَيْثُ حَاذَاهُ بِالْعَقِبِ مَا لَمْ يَفْحُشْ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ ، حَتَّى لَوْ فَحُشَ بِحَيْثُ تَقَدَّمَ أَكْثَرُ قَدَمِ الْمُقْتَدِي لِعِظَمِ قَدَمِهِ لَا يَصِحُّ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَخْ . قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ إنَّمَا هُوَ لِلْقَدَمِ لَا لِلرَّأْسِ ، فَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ أَقْصَرَ مِنْ الْمُقْتَدِي يَقَعُ رَأْسُ الْمُقْتَدِي قُدَّامَ الْإِمَامِ يَجُوزُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُحَاذِيًا بِقَدَمِهِ أَوْ مُتَأَخِّرًا قَلِيلًا ، وَكَذَا فِي مُحَاذَاةِ الْمَرْأَةِ كَمَا سَيَأْتِي ، وَإِنْ تَفَاوَتَتْ الْأَقْدَامُ صِغَرًا وَكِبَرًا فَالْعِبْرَةُ لِلسَّاقِ وَالْكَعْبِ وَالْأَصَحُّ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ أَكْثَرُ قَدَمِ الْمُقْتَدِي لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى انْتَهَى ، فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ لَيْسَ مُخَالِفًا لِمَا تَقَدَّمَ كَمَا تَوَهَّمَ رَحْمَتِيٌّ فَافْهَمْ .
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ : هَذَا فِي غَيْرِ الْمُومِئِ ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْمُومِئِ لِلرَّأْسِ حَتَّى لَوْ كَانَ رَأْسُهُ خَلْفَ إمَامِهِ وَرِجْلَاهُ قُدَّامَ رِجْلَيْهِ صَحَّ ، وَعَلَى الْعَكْسِ لَا يَصِحُّ كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ وَغَيْرِهِ انْتَهَى .
أَقُولُ : وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ قَوْلُهُ رَأْسُهُ خَلْفَ إمَامِهِ قَيْدًا ، بَلْ كَذَلِكَ إذَا سَاوَاهُ عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ . وَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي الْمُومِئِ الْمُقْتَدِي بِصَحِيحٍ أَوْ بِمُومٍ مِثْلِهِ وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَاعِدًا أَوْ مُسْتَلْقِيًا وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ ، أَمَّا لَوْ عَلَى جَنْبِهِ فَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُؤْتَمِّ مُضْطَجِعًا خَلْفَ ظَهْرِ إمَامِهِ ، وَلَا عِبْرَةَ لِلرَّأْسِ أَصْلًا . [ تَنْبِيهٌ ]
إفْرَادُ الْقَدَمِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ كَغَيْرِهِ يُفِيدُ أَنَّ الْمُحَاذَاةَ تُعْتَبَرُ بِوَاحِدَةٍ ، وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعْتَمَدًا عَلَى قَدَمٍ وَاحِدٍ فَالْعِبْرَةُ لَهَا ; وَلَوْ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُحَاذِيَةً وَالْأُخْرَى مُتَأَخِّرَةً فَلَا كَلَامَ فِي الصِّحَّةِ وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى مُتَقَدِّمَةً فَهَلْ يَصِحُّ نَظَرًا لِلْمُحَاذِيَةِ أَوْ لَا نَظَرًا لِلْمُتَقَدِّمَةِ ؟ مَحَلُّ نَظَرٍ . وَالظَّاهِرُ الثَّانِي تَرْجِيحًا لِلْحَاظِرِ عَلَى الْمُبِيحِ كَمَا قَالُوا فِيمَا لَوْ كَانَتْ إحْدَى قَوَائِمِ الصَّيْدِ فِي الْحِلِّ وَالْأُخْرَى فِي الْحَرَمِ ، وَقَدْ رَأَيْت فِيهِ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ اخْتِلَافُ تَرْجِيحٍ .
[ فَرْعٌ ] قَالَ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي : اقْتَدَى عَلَى سَطْحٍ وَقَامَ بِحِذَاءِ رَأْسِ الْإِمَامِ ، ذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَالسَّرَخْسِيُّ يَجُوزُ . مَطْلَبٌ هَلْ الْإِسَاءَةُ دُونَ الْكَرَاهَةِ أَوْ أَفْحَشُ مِنْهَا ؟
( قَوْلُهُ كُرِهَ اتِّفَاقًا ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ لِتَعْلِيلِهَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا بِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ ، وَلِقَوْلِهِ فِي الْكَافِي جَازَ وَأَسَاءَ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ ، لَكِنْ قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ بَحْثِ سُنَنِ الصَّلَاةِ اخْتِلَافَ عِبَارَتِهِمْ فِي أَنَّ الْإِسَاءَةَ دُونَ الْكَرَاهَةِ أَوْ أَفْحَشُ مِنْهَا ، وَوَفَّقْنَا بَيْنَهَا بِأَنَّهَا دُونَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ ، وَأَفْحَشُ مِنْ كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ ، فَرَاجِعْهُ ( قَوْلُهُ وَالزَّائِدُ خَلْفَهُ ) عَدَلَ تَبَعًا لِلْوِقَايَةِ عَنْ قَوْلِ الْكَنْزِ وَالِاثْنَانِ خَلْفَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ خَاصٍّ بِالِاثْنَيْنِ ، بَلْ الْمُرَادُ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ ، نَعَمْ يُفْهَمُ حُكْمُ الْأَكْثَرِ بِالْأَوْلَى . وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ : وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَقِفَ أَحَدُهُمَا بِحِذَائِهِ وَالْآخَرُ بِيَمِينِهِ إذَا كَانَ الزَّائِدُ اثْنَيْنِ ، وَلَوْ جَاءَ ثَالِثٌ وَقَفَ عَنْ يَسَارِ الْأَوَّلِ ، وَالرَّابِعُ عَنْ يَمِينِ الثَّانِي وَالْخَامِسُ عَنْ يَسَارِ الثَّالِثِ ، وَهَكَذَا . ا هـ . وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الزَّائِدَ لَوْ جَاءَ بَعْدَ الشُّرُوعِ يَقُومُ خَلْفَ الْإِمَامِ وَيَتَأَخَّرُ الْمُقْتَدِي الْأَوَّلُ وَيَأْتِي تَمَامُهُ قَرِيبًا ( قَوْلُهُ كُرِهَ تَنْزِيهًا ) وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُكْرَهُ ، وَالْأُولَى أَصَحُّ كَمَا فِي الْإِمْدَادِ ( قَوْلُهُ وَتَحْرِيمًا لَوْ أَكْثَرَ ) أَفَادَ أَنَّ 568 تَقَدُّمَ الْإِمَامِ أَمَامَ الصَّفِّ وَاجِبٌ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْفَتْحِ ( قَوْلُهُ كُرِهَ إجْمَاعًا ) أَيْ لِلْمُؤْتَمِّ ، وَلَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ مِنْهَا شَيْءٌ ، وَيَتَخَلَّصُ مِنْ الْكَرَاهَةِ بِالْقَهْقَرَى إلَى خَلْفٍ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَحَلُّ ضَيِّقًا عَلَى الظَّاهِرِ ، وَانْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِمْ : لَوْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ وَاحِدٌ عَلَى الدُّكَّانِ وَالْبَاقِي دُونَهُ لَا يُكْرَهُ ، وَقَدْ تَزُولُ الْمُخَالَفَةُ بِأَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ مَوْضُوعُهَا إذَا كَانَ الْمُؤْتَمُّ خَلْفَهُ ط .
أَقُولُ : لَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِالْوَاحِدِ ، وَإِنَّمَا صَرَّحُوا بِكَرَاهَةِ انْفِرَادِ الْإِمَامِ عَلَى الدُّكَّانِ ; وَلَوْ كَانَ مَعَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ لَا يُكْرَهُ ، فَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِحَمْلِ الْبَعْضِ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْقَوْمِ ، فَلَا يُنَافِي مَا هُنَا . وَأَيْضًا قَدْ صَرَّحُوا بِكَرَاهَةِ قِيَامِ الْوَاحِدِ وَحْدَهُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فُرْجَةً تَأَمَّلْ . [ تَتِمَّةٌ ]
إذَا اقْتَدَى بِإِمَامٍ فَجَاءَ آخَرُ يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ كَذَا فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ . وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْجَلَّابِيِّ أَنَّ الْمُقْتَدِيَ يَتَأَخَّرُ عَنْ الْيَمِينِ إلَى خَلْفٍ إذَا جَاءَ آخَرُ . ا هـ . وَفِي الْفَتْحِ : وَلَوْ اقْتَدَى وَاحِدٌ بِآخَرَ فَجَاءَ ثَالِثٌ يَجْذِبُ الْمُقْتَدِيَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ وَلَوْ جَذَبَهُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ لَا يَضُرُّهُ ، وَقِيلَ يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ ا هـ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الثَّالِثَ يَقْتَدِي مُتَأَخِّرًا وَمُقْتَضَى الْقَوْلِ بِتَقَدُّمِ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَقُومُ بِجَنْبِ الْمُقْتَدِي الْأَوَّلِ . وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُقْتَدِي التَّأَخُّرُ إذَا جَاءَ ثَالِثٌ فَإِنْ تَأَخَّرَ وَإِلَّا جَذَبَهُ الثَّالِثُ إنْ لَمْ يَخْشَ إفْسَادَ صَلَاتِهِ ، فَإِنْ اقْتَدَى عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ يُشِيرُ إلَيْهِمَا بِالتَّأَخُّرِ ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَقَدُّمِهِ لِأَنَّهُ مَتْبُوعٌ وَلِأَنَّ الِاصْطِفَافَ خَلْفَ الْإِمَامِ مِنْ فِعْلِ الْمُقْتَدِينَ لَا الْإِمَامِ ، فَالْأَوْلَى ثَبَاتُهُ فِي مَكَانِهِ وَتَأَخُّرُ الْمُقْتَدِي ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْفَتْحِ عَنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ { قَالَ جَابِرٌ سِرْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ فَقَامَ يُصَلِّي فَجِئْت حَتَّى قُمْت عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ ، فَجَاءَ ابْنُ صَخْرٍ حَتَّى قَامَ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا فَدَفَعْنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ } " ا هـ وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْمُمْكِنُ . وَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ وَإِلَّا اقْتَدَى الثَّالِثُ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ وَلَا تَقَدَّمَ وَلَا تَأَخَّرَ ( قَوْلُهُ الْخَلَلَ ) هُوَ انْفِرَاجُ مَا بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ قَامُوسٌ ، وَهُوَ عَلَى وَزْنِ جَبَلٍ ط ( قَوْلُهُ وَيَقِفُ وَسَطًا ) قَالَ فِي الْمِعْرَاجِ : وَفِي مَبْسُوطِ بَكْرٍ : السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ فِي الْمِحْرَابِ لِيَعْتَدِلَ الطَّرَفَانِ ، وَلَوْ قَامَ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ الصَّفِّ يُكْرَهُ ، وَلَوْ كَانَ الْمَسْجِدُ الصَّيْفِيُّ بِجَنْبِ الشِّتْوِيِّ وَامْتَلَأَ الْمَسْجِدُ يَقُومُ الْإِمَامُ فِي جَانِبِ الْحَائِطِ لِيَسْتَوِيَ الْقَوْمُ مِنْ جَانِبَيْهِ وَالْأَصَحُّ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ : أَكْرَهُ أَنْ يَقُومَ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ أَوْ فِي زَاوِيَةٍ أَوْ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ أَوْ إلَى سَارِيَةٍ لِأَنَّهُ خِلَافُ عَمَلِ الْأُمَّةِ . قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " { تَوَسَّطُوا الْإِمَامَ وَسُدُّوا الْخَلَلَ } " وَمَتَى اسْتَوَى جَانِبَاهُ يَقُومُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ إنْ أَمْكَنَهُ وَإِنْ وَجَدَ فِي الصَّفِّ فُرْجَةً سَدَّهَا وَإِلَّا انْتَظَرَ حَتَّى يَجِيءَ آخَرُ فَيَقِفَانِ خَلْفَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَجِئْ حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ يَخْتَارُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَيَجْذِبُهُ وَيَقِفَانِ خَلْفَهُ ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ عَالِمًا يَقِفُ خَلْفَ الصَّفِّ بِحِذَاءِ الْإِمَامِ لِلضَّرُورَةِ ، وَلَوْ وَقَفَ مُنْفَرِدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ تَصِحُّ صَلَاتُهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِأَحْمَدَ . ا هـ . مَطْلَبٌ فِي الْكَرَاهَةِ قِيَامُ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ الْمِحْرَابِ [ تَنْبِيهٌ ]
يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ إلَى سَارِيَةٍ كَرَاهَةُ قِيَامِ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ الْمِحْرَابِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ قَبْلَهُ السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ فِي الْمِحْرَابِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ إزَاءَ وَسَطِ الصَّفِّ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَحَارِيبَ مَا نُصِبَتْ إلَّا وَسَطَ الْمَسَاجِدِ وَهِيَ قَدْ عُيِّنَتْ لِمَقَامِ الْإِمَامِ ا هـ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا فِي الْإِمَامِ الرَّاتِبِ لِجَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ لِئَلَّا يَلْزَمَ عَدَمُ قِيَامِهِ فِي الْوَسَطِ ، فَلَوْ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ تَأَمَّلْ . 569
[ فَرْعٌ ] ذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ فِي بَحْثِ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ أَنَّ الْأَفْضَلَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ فِي مَقَامِ إبْرَاهِيمَ
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث