رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء السادس
الصفحة 7573 · ص. المطبوع 426 · الشرح
( قَوْلُهُ مَنْ لَهُ أَطْفَالٌ إلَخْ ) قَالَ فِي نُورِ الْعَيْنِ عَنْ مَجْمَعِ الْفَتَاوَى لَوْ الْوَرَثَةُ صِغَارًا فَتَرْكُ الْوَصِيَّةِ أَفْضَلُ وَكَذَا لَوْ كَانُوا بَالِغِينَ فُقَرَاءَ وَلَا يَسْتَغْنُونَ بِالثُّلُثَيْنِ ، وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ أَوْ يَسْتَغْنُونَ بِالثُّلُثَيْنِ فَالْوَصِيَّةُ أَوْلَى وَقَدْرُ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا تَرَكَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ دُونَ الْوَصِيَّةِ وَعَنْ الْإِمَامِ الْفَضْلِيِّ عَشَرَةَ آلَافٍ ا هـ . ( قَوْلُهُ وَمَنْ صَلَّى أَوْ تَصَدَّقَ إلَخْ ) اعْلَمْ أَنَّ إخْلَاصَ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَاجِبٌ وَالرِّيَاءَ فِيهَا ، وَهُوَ أَنْ يُرِيدَ بِهَا غَيْرَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ لِلنُّصُوصِ الْقَطْعِيَّةِ ، وَقَدْ سُمِّيَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الرِّيَاءُ : الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ ، وَقَدْ صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الْإِخْلَاصِ فِيهَا ، وَفِي الْمِعْرَاجِ : أُمِرْنَا بِالْعِبَادَةِ وَلَا وُجُودَ لَهَا بِدُونِ الْإِخْلَاصِ الْمَأْمُورِ بِهِ ، وَالْإِخْلَاصُ جَعْلُ أَفْعَالِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَذَا لَا يَكُونُ إلَّا بِالنِّيَّةِ ا هـ . وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : الْإِخْلَاصُ فِي الطَّاعَةِ تَرْكُ الرِّيَاءِ وَمَعْدِنُهُ الْقَلْبُ ا هـ . وَهَذِهِ النِّيَّةُ لِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ لَا لِصِحَّةِ الْعَمَلِ لِأَنَّ الصِّحَّةَ تَتَعَلَّقُ بِالشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ وَالنِّيَّةُ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ مَثَلًا : أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي . قَالَ فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ : وَأَمَّا الثَّوَابُ فَيَتَعَلَّقُ بِصِحَّةِ عَزِيمَتِهِ وَهُوَ الْإِخْلَاصُ ، فَإِنَّ مَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ نَجَسٍ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى صَلَّى لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ فِي الْحُكْمِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ ، وَلَكِنْ يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ لِصِحَّةِ عَزِيمَتِهِ وَعَدَمِ تَقْصِيرِهِ ا هـ .
فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ الثَّوَابِ وَالصِّحَّةِ فَقَدْ يُوجَدُ الثَّوَابُ بِدُونِ الصِّحَّةِ كَمَا ذُكِرَ ، وَبِالْعَكْسِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ بِلَا نِيَّةٍ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ ، وَلَا ثَوَابَ فِيهِ ، وَكَذَا لَوْ صَلَّى مُرَائِيًا لَكِنَّ الرِّيَاءَ تَارَةً يَكُونُ فِي أَصْلِ الْعِبَادَةِ ، وَتَارَةً يَكُونُ فِي وَصْفِهَا وَالْأَوَّلُ هُوَ الرِّيَاءُ الْكَامِلُ الْمُحِيطُ لِلثَّوَابِ مِنْ أَصْلِهِ كَمَا إذَا صَلَّى لِأَجْلِ النَّاسِ ، وَلَوْلَا هُمْ مَا صَلَّى ، وَأَمَّا لَوْ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ فِي أَثْنَائِهَا فَهُوَ لَغْوٌ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ لِأَجْلِهِمْ بَلْ صَلَاتُهُ كَانَتْ خَالِصَةً لِلَّهِ تَعَالَى ، وَالْجُزْءُ الَّذِي عَرَضَ لَهُ فِيهِ الرِّيَاءُ بَعْضُ تِلْكَ الصَّلَاةِ الْخَالِصَةِ . نَعَمْ إنْ زَادَ فِي تَحْسِينِهَا بَعْدَ ذَلِكَ رَجَعَ إلَى الْقِسْمِ الثَّانِي ، فَيَسْقُطُ ثَوَابُ التَّحْسِينِ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ فِيمَنْ أَطَالَ الرُّكُوعَ لِإِدْرَاكِ الْجَائِي لَا لِلْقُرْبَةِ حَيْثُ قَالَ : أَخَافُ عَلَيْهِ أَمْرًا عَظِيمًا أَيْ الشِّرْكَ الْخَفِيَّ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ . قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة : لَوْ افْتَتَحَ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى ، ثُمَّ دَخَلَ فِي قَلْبِهِ الرِّيَاءُ فَهُوَ عَلَى مَا افْتَتَحَ وَالرِّيَاءُ أَنَّهُ لَوْ خَلَا عَنْ النَّاسِ لَا يُصَلِّي ، وَلَوْ كَانَ مَعَ النَّاسِ يُصَلِّي ، فَأَمَّا إنْ كَانَ مَعَ النَّاسِ يُحْسِنُهَا ، وَلَوْ صَلَّى وَحْدَهُ لَا يُحْسِنُ فَلَهُ ثَوَابُ أَصْلِ الصَّلَاةِ دُونَ الْإِحْسَانِ وَلَا يَدْخُلُ الرِّيَاءُ فِي الصَّوْمِ .
وَفِي الْيَنَابِيعِ قَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ : لَوْ صَلَّى رِيَاءً فَلَا أَجْرَ لَهُ وَعَلَيْهِ الْوِزْرُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا أَجْرَ لَهُ وَلَا وِزْرَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ ا هـ . ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّوْمِ ، لِأَنَّهُ لَا يُرَى إذْ هُوَ إمْسَاكٌ خَاصٌّ لَا فِعْلَ فِيهِ . نَعَمْ قَدْ يَدْخُلُ فِي إخْبَارِهِ وَتَحَدُّثِهِ بِهِ . تَأَمَّلْ .
وَاسْتَدَلَّ لَهُ فِي الْوَاقِعَاتِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " { ۝ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ } " فَفِي شَرِكَةِ الْغَيْرِ وَهَذَا لَمْ يُذْكَرْ فِي حَقِّ سَائِرِ الطَّاعَاتِ ا هـ .
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مِنْ الرِّيَاءِ التِّلَاوَةَ وَنَحْوَهَا بِالْأُجْرَةِ ، لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا غَيْرُ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ الْمَالُ وَلِذَا قَالُوا إنَّهُ لَا ثَوَابَ بِهَا لَا لِلْقَارِئِ وَلَا لِلْمَيِّتِ وَالْآخِذُ وَالْمُعْطِي آثِمَانِ ، وَقَالُوا أَيْضًا إنَّ مَنْ نَوَى الْحَجَّ وَالتِّجَارَةَ لَا ثَوَابَ لَهُ إنْ كَانَتْ نِيَّةُ التِّجَارَةِ غَالِبَةً أَوْ مُسَاوِيَةً .
وَفِي الذَّخِيرَةِ : إذَا سَعَى لِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَحَوَائِجَ لَهُ فِي الْمِصْرِ فَإِنْ مُعْظَمُ مَقْصُودِهِ الْأَوَّلَ فَلَهُ ثَوَابُ السَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ وَإِنْ الثَّانِي فَلَا ا هـ . أَيْ وَإِنْ تَسَاوَيَا تَسَاقَطَا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ ، وَاخْتَارَ هَذَا 426 التَّفْصِيلَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ أَيْضًا وَغَيْرُهُ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَاخْتَارَ مِنْهُمْ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَدَمَ الثَّوَابِ مُطْلَقًا ( قَوْلُهُ لَا يُعَاقَبُ بِتِلْكَ الصَّلَاةِ وَلَا يُثَابُ بِهَا ) هُوَ مَعْنَى مَا نَقَلَهُ فِي الْيَنَابِيعِ عَنْ بَعْضِهِمْ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُعَاقِبُ عَلَى الرِّيَاءِ ، لِأَنَّهُ حَرَامٌ مِنْ الْكَبَائِرِ فَيَأْثَمُ بِهِ ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا مَرَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُوسُفَ مِنْ أَنَّهُ لَا أَجْرَ لَهُ وَعَلَيْهِ الْوِزْرُ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ عَلَى تِلْكَ الصَّلَاةِ عِقَابَ تَارِكِهَا لِأَنَّهَا صَحِيحَةٌ مُسْقِطَةٌ لِلْفَرْضِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ : وَلَا رِيَاءَ فِي الْفَرَائِضِ فِي حَقِّ سُقُوطِ الْوَاجِبِ .
قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ : أَفَادَ أَنَّ الْفَرَائِضَ مَعَ الرِّيَاءِ صَحِيحَةٌ مُسْقِطَةٌ لِلْوَاجِبِ ا هـ . وَفِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ : وَإِذَا صَلَّى رِيَاءً وَسُمْعَةً تَجُوزُ صَلَاتُهُ فِي الْحُكْمِ لِوُجُودِ الشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ وَلَكِنْ لَا يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ ا هـ . أَيْ ثَوَابَ الْمُضَاعَفَةِ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ : قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي النَّوَازِلِ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا : الرِّيَاءُ لَا يَدْخُلُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْفَرَائِضِ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُسْتَقِيمُ أَنَّ الرِّيَاءَ لَا يُفَوِّتُ أَصْلَ الثَّوَابِ وَإِنَّمَا يُفَوِّتُ تَضَاعُفَ الثَّوَابِ ا هـ . وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الثَّوَابَ يَتَعَلَّقُ بِصِحَّةِ الْعَزِيمَةِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى هَذَا ، أَوْ يُحْمَلَ مَا هُنَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ أَصْلِ الثَّوَابِ سُقُوطُ الْفَرْضِ بِتِلْكَ الصَّلَاةِ ، وَعَدَمُ الْعِقَابِ عَلَيْهَا عِقَابَ تَارِكِهَا وَبِهِ يَظْهَرُ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ بِالْفَرَائِضِ فَلْيُتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ وَعَمَّمَهُ الزَّاهِدِيُّ لِلنَّوَافِلِ ) أَيْ جَعَلَهُ عَامًّا فِي أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ النَّوَافِلِ فَقَطْ دُونَ الْفَرَائِضِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ عَمَّمَهُ فِي النَّوَافِلِ وَالْفَرَائِضِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ الْعِبَارَةِ ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ التَّعْلِيلُ الَّذِي بَعْدَهُ فَكَانَ الْأَظْهَرُ أَنْ يَقُولَ وَخَصَّصَهُ الزَّاهِدِيُّ بِالنَّوَافِلِ ، وَعِبَارَةُ الزَّاهِدِيِّ فِي الْمُجْتَبَى .
وَلَكِنْ نَصَّ فِي الْوَاقِعَاتِ : أَنَّ الرِّيَاءَ لَا يَدْخُلُ فِي الْفَرَائِضِ فَتَعَيَّنَ النَّوَافِلُ ا هـ .
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الزَّاهِدِيُّ لَا يُنَافِي مَا قَبْلَهُ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِمَّا قَبْلَهُ كَمَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ مُسْقِطَةٌ لِلْوَاجِبِ لَا يُؤَثِّرُ الرِّيَاءُ فِي بُطْلَانِهَا ، بَلْ فِي إعْدَامِ ثَوَابِهَا ، وَتَخْصِيصُ الزَّاهِدِيِّ النَّوَافِلَ مَعْنَاهُ فِيمَا يَظْهَرُ أَنَّ الرِّيَاءَ يُحْبِطُ ثَوَابَهَا أَصْلًا كَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا ، فَإِذَا صَلَّى سُنَّةَ الظُّهْرِ مَثَلًا رِيَاءً لِأَجْلِ النَّاسِ وَلَوْلَاهُمْ لَمْ يُصَلِّهَا لَا يُقَالُ أَتَى بِهَا فَيَكُونُ فِي حُكْمِ تَارِكِهَا بِخِلَافِ الْفَرْضِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي حُكْمِ تَارِكِهِ حَتَّى لَا يُعَاقَبَ عِقَابَ تَارِكِهِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النَّوَافِلِ الثَّوَابُ لِتَكْمِيلِ الْفَرَائِضِ وَسَدِّ خَلَلِهَا هَذَا مَا ظَهَرَ لِفَهْمِي الْقَاصِرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث