الفروع
الفروع · الجزء الثالث
الصفحة 1899 · ص. المطبوع 225 · الشرح
فَصْلٌ لَا يَجُوزُ لِوَالِدٍ مَنْعُ وَلَدِهِ مِنْ حَجٍّ وَاجِبٍ ، وَلَا تَحْلِيلُهُ مِنْهُ ، وَلَا يَجُوزُ لِلْوَلَدِ طَاعَتُهُ فِيهِ ، وَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ التَّطَوُّعِ ، كَالْجِهَادِ ، فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ سَفَرٌ مُسْتَحَبٌّ بِلَا إذْنٍ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي بَحْثِ مَسْأَلَةِ الْجِهَادِ ، وَيَتَوَجَّهُ : يُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُهُ . فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَنْضَرُّ بِهِ وَجَبَ وَأَنَّهُ وَاجِبٌ لِلْجِهَادِ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلشَّهَادَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، كَمَا فَرَّقَ الْأَصْحَابُ بَيْنَ السَّفَرِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَدِينِ ، وَلَا يَجُوزُ تَحْلِيلُهُ مِنْهُ ، لِوُجُوبِهِ بِشُرُوعِهِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الْفَرْضِ : إنْ لَمْ تَأْذَنْ لَك أُمُّك وَكَانَ عِنْدَك زَادٌ وَرَاحِلَةٌ فَحُجَّ وَلَا تَلْتَفِتْ إلَى إذْنِهَا وَاخْضَعْ لَهَا وَدَارِهَا . وَيَلْزَمُهُ طَاعَةُ 225 وَالِدَيْهِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ ، وَيَحْرُمُ فِيهَا ، وَلَوْ أَمَرَهُ بِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ لِيُصَلِّيَ بِهِ أَخَّرَهَا ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ : وَلَوْ كَانَا فَاسِقَيْنِ ، وَهُوَ إطْلَاقُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَقَالَ شَيْخُنَا : هَذَا فِيمَا فِيهِ نَفْعٌ لَهُمَا وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَضُرَّهُ وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا ، وَإِنَّمَا لَمْ يُقَيِّدْهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لِسُقُوطِ فَرَائِضِ اللَّهِ بِالضَّرَرِ ، وَعَلَى هَذَا بَنَيْنَا تَمَلُّكَهُ مِنْ مَالِهِ ، فَنَفْعُهُ كَمَالِهِ ، فَلَيْسَ الْوَلَدُ بِأَكْثَرَ مِنْ الْعَبْدِ ، هَذَا كَلَامُهُ ، وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ فِيمَنْ تَسْأَلُهُ أُمُّهُ شِرَاءَ مِلْحَفَةٍ لِلْخُرُوجِ إنْ كَانَ خُرُوجُهَا فِي بِرٍّ وَإِلَّا فَلَا يُعِينُهَا عَلَى الْخُرُوجِ ، وَنَقَلَ جَعْفَرٌ : إنْ أَمَرَنِي أَبِي بِإِتْيَانِ السُّلْطَانِ لَهُ عَلَيَّ طَاعَةٌ ؟ قَالَ : لَا ، فَيُحْمَلُ فِي هَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ أَنَّهُ وَسِيلَةٌ وَمَظِنَّةٌ فِي الْمُحَرَّمِ ، فَلَا مُخَالَفَةَ لِمَا سَبَقَ ، وَظَاهِرُهُمَا الْمُخَالَفَةُ ، وَأَنَّهُ لَا طَاعَةَ إلَّا فِي الْبِرِّ ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ : مَا أُحِبُّ أَنْ يُقِيمَ مَعَهُمَا عَلَى الشُّبْهَةِ ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : { ۝ مَنْ تَرَكَ الشُّبْهَةَ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ } وَلَكِنْ يُدَارِي ، فَظَاهِرُهُ لَا طَاعَةَ فِي مَكْرُوهٍ ، وَنَقَلَ غَيْرُهُ فِيمَنْ تَعْرِضُ عَلَيْهِ أُمُّهُ شُبْهَةً بِأَكْلٍ فَقَالَ : إنْ عَلِمَ أَنَّهُ حَرَامٌ بِعَيْنِهِ فَلَا يَأْكُلْ .
وَقَالَ أَحْمَدُ : إنْ مَنَعَاهُ الصَّلَاةَ نَفْلًا يُدَارِيهِمَا وَيُصَلِّي ، فَظَاهِرُهُ لَا طَاعَةَ فِي تَرْكِ مُسْتَحَبٍّ .
وَقَالَ : إنْ نَهَاهُ أَبُوهُ عَنْ الصَّوْمِ لَا يُعْجِبُنِي صَوْمُهُ وَلَا أُحِبُّ لِأَبِيهِ أَنْ يَنْهَاهُ ، فَظَاهِرُهُ لَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي تَرْكِهِ ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَتَبِعَهُ ابْنُ تَمِيمٍ لَا يَجُوزُ مَنْعُ وَلَدِهِ مِنْ سُنَّةٍ رَاتِبَةٍ وَأَنَّ مِثْلَهُ الْمُكْتَرِي وَالزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى الْإِثْمِ بِتَرْكِ سُنَّةٍ [ رَاتِبَة ] وَيَأْتِي فِي 226 الْعَدَالَةِ فِي الشَّهَادَةِ ، وَسَبَقَ كَلَامُ الْقَاضِي فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَفِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَإِهْدَاءِ الْقُرَبِ ، وَقَوْلُهُ : نُدِبَ إلَى طَاعَةِ أَبِيهِ ، وَقَوْلُ أَحْمَدَ فِيمَنْ يَتَأَخَّرُ مِنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ لِأَجْلِ أَبِيهِ : لَا يُعْجِبُنِي ، هُوَ يَقْدِرُ يَبَرُّ أَبَاهُ بِغَيْرِ هَذَا ، وَيَأْتِي أَوَّلَ الطَّلَاقِ [ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ] [ كَلَامُ أَحْمَدَ ] فِيمَنْ يَأْمُرُهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ بِالطَّلَاقِ ، وَكَلَامُ شَيْخِنَا فِي أَمْرِهِ بِنِكَاحِ مُعَيَّنَةٍ .
وَقَالَ فِي الْغُنْيَةِ : يَجُوزُ تَرْكُ النَّوَافِلِ لِطَاعَتِهِمَا ، بَلْ الْأَفْضَلُ طَاعَتُهُمَا ، وَالْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ نَحْوَ ثُلُثِ الْكِتَابِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث