البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الأول
( قَوْلُهُ : أَوْ خَوْفُ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ فَقْدِ آلَةٍ ) يَعْنِي يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِهَذِهِ الْأَعْذَارِ ; لِأَنَّ الْمَاءَ مَعْدُومٌ مَعْنًى لَا صُورَةً أَمَّا إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ عَدُوٌّ آدَمِيًّا أَوْ غَيْرَهُ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ إذَا أَتَاهُ ; فَلِأَنَّ إلْقَاءَ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ حَرَامٌ فَيَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَسَوَاءٌ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَفِي الْمُبْتَغَى وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ يَخَافُ عَلَيْهَا إنْ ذَهَبَ إلَى الْمَاءِ يَتَيَمَّمُ وَفِي التَّوْشِيحِ إذَا خَافَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا بِأَنْ كَانَ الْمَاءُ عِنْدَ فَاسِقٍ أَوْ خَافَ الْمَدْيُونُ الْمُفْلِسُ مِنْ الْحَبْسِ بِأَنْ كَانَ صَاحِبُ الدَّيْنِ عِنْدَ الْمَاءِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِمَا الْأَسِيرُ فِي يَدِ الْعَدُوِّ إذَا مَنَعَهُ الْكَافِرُ عَنْ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ ثُمَّ يُعِيدُ إذَا خَرَجَ وَكَذَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ تَوَضَّأْت حَبَسْتُك أَوْ قَتَلْتُك ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ يُعِيدُ كَالْمَحْبُوسِ ; لِأَنَّ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ لَمْ تَظْهَرْ فِي مَنْعِ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ وَفِي التَّجْنِيسِ رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَمَنَعَهُ إنْسَانٌ عَنْ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِوَعِيدٍ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيُصَلِّيَ ثُمَّ يُعِيدَ الصَّلَاةَ بَعْدَ مَا زَالَ عَنْهُ ; لِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ جَاءَ مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ فَلَا يُسْقِطُ فَرْضَ الْوُضُوءِ عَنْهُ ا هـ .
فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْعُذْرَ إنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ
وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْعَبْدِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ ثُمَّ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ هَلْ هُوَ مِنْ اللَّهِ فَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ أَوْ هُوَ بِسَبَبِ الْعَبْدِ فَتَجِبُ الْإِعَادَةُ ذَهَبَ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ إلَى الْأَوَّلِ وَذَهَبَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ إلَى الثَّانِي وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُ مَا فِي النِّهَايَةِ لِمَا نَقَلْنَاهُ مِنْ مَسْأَلَةِ مَنْعِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ بِوَعِيدٍ مِنْ الْحَبْسِ أَوْ الْقَتْلِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الْخَوْفُ لَا الْمَنْعُ الْحِسِّيُّ وَكَذَا ظَاهِرُ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ التَّجْنِيسِ كَمَا لَا يَخْفَى لَكِنْ قَدْ يُقَالُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ مَا فِي النِّهَايَةِ وَالدِّرَايَةِ ، فَإِنَّ مَا فِي النِّهَايَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا حَصَلَ وَعِيدٌ مِنْ الْعَبْدِ نَشَأَ مِنْهُ الْخَوْفُ فَكَانَ هَذَا 150 مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ وَمَا فِي الدِّرَايَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ وَعِيدٌ مِنْ الْعَبْدِ أَصْلًا بَلْ حَصَلَ خَوْفٌ مِنْهُ فَكَانَ هَذَا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ وَعِيدٌ بِدَلِيلِ أَنَّ صَاحِبَ الدِّرَايَةِ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْخَوْفِ فِي الْأَسِيرِ بِدَارِ الْحَرْبِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّ صَاحِبَ الدِّرَايَةِ نَصَّ عَلَى مُخَالَفَةِ مَا فِي النِّهَايَةِ كَمَا لَا يَخْفَى ثُمَّ بَعْدَ هَذَا رَأَيْت الْعَلَّامَةَ ابْنَ أَمِيرِ حَاجٍّ صَرَّحَ بِمَا فَهِمْته فَقَالَ وَتَحَرَّرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ الْخَوْفُ الَّذِي لَمْ يَنْشَأْ عَنْ وَعِيدٍ مِنْ قَادِرٍ عَلَيْهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْخَوْفِ مِنْ السَّبُعِ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا نُسِبَ هَذَا الْخَوْفُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ أَنَّ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا مِنْهُ تَعَالَى أَيْضًا خَلْقًا وَإِرَادَةً لِتَجَرُّدِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَنْ مُبَاشَرَةِ سَبَبٍ لَهُ مِنْ الْغَيْرِ فِي حَقِّ الْخَائِفِ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ حُبِسَ فِي السَّفَرِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى أَوْ لَا يُعِيدُ ; لِأَنَّهُ انْضَمَّ عُذْرُ السَّفَرِ إلَى الْعُذْرِ الْحَقِيقِيِّ وَالْغَالِبُ فِي السَّفَرِ عَدَمُ الْمَاءِ فَتَحَقَّقَ الْعَدَمُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ا هـ .
وَأَمَّا الْمَاءُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ ، فَإِنَّهُ مَشْغُولٌ بِحَاجَتِهِ وَالْمَشْغُولُ بِالْحَاجَةِ كَالْمَعْدُومِ وَعَطَشُ رَفِيقِهِ وَدَابَّتِهِ وَكَلْبِهِ لِمَاشِيَتِهِ أَوْ صَيْدِهِ فِي الْحَالِ أَوْ ثَانِي الْحَالِ كَعَطَشِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ رَفِيقَهُ الْمُخَالِطَ لَهُ أَوْ آخَرَ مِنْ أَهْلِ الْقَافِلَةِ ، فَإِنْ امْتَنَعَ صَاحِبُ الْمَاءِ مِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ وَهُنَاكَ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ كَانَ لَهُ أَخْذُهُ مِنْهُ قَهْرًا وَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ ، فَإِنْ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ إنْ كَانَ الْمَقْتُولُ صَاحِبَ الْمَاءِ فَدَمُهُ هَدَرٌ وَلَا قِصَاصَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ وَلَا كَفَّارَةَ ، وَإِنْ كَانَ الْمُضْطَرُّ فَهُوَ مَضْمُونٌ بِالْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَاءِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لِلْعَطَشِ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، فَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ الْأَجْنَبِيُّ لِلْوُضُوءِ ، وَكَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ ، وَلَا يَجُوزُ لِلْأَجْنَبِيِّ أَخْذُهُ مِنْهُ قَهْرًا كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَكَذَا الْمَاءُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْعَجِينِ لِمَا قُلْنَا ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِاتِّخَاذِ الْمَرَقَةِ لَا يَتَيَمَّمُ ; لِأَنَّ حَاجَةَ الطَّبْخِ دُونَ حَاجَةِ الْعَطَشِ
وَأَمَّا جَوَازُهُ بِفَقْدِ الْآلَةِ فَلِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُجَدِّدْ لِوَا يَسْتَقِي بِهِ فَوُجُودُ الْبِئْرِ وَعَدَمُهَا سَوَاءٌ وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُمْكِنَهُ إيصَالُ ثَوْبِهِ إلَيْهِ أَمَّا إذَا أَمْكَنَهُ إيصَالُ ثَوْبِهِ وَيَخْرُجُ الْمَاءُ قَلِيلًا بِالْبَلَلِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ مِنْدِيلٌ طَاهِرٌ لَا يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ ، وَهَذَا يُوَافِقُ فُرُوعًا ذَكَرَهَا الشَّافِعِيَّةُ ، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ بِئْرًا فِيهَا مَاءٌ وَلَا يُمْكِنُهُ النُّزُولُ إلَيْهِ وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يُدْلِيهِ إلَّا ثَوْبُهُ أَوْ عِمَامَتُهُ لَزِمَهُ إدْلَاؤُهُ ثُمَّ يَعْصِرُهُ إنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَةُ الثَّوْبِ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمَاءِ ، فَإِنْ زَادَ النَّقْصُ عَلَى ثَمَنِ الْمَاءِ تَيَمَّمَ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ
وَإِنْ قَدَرَ عَلَى اسْتِئْجَارِ مَنْ يَنْزِلُ إلَيْهَا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لَزِمَهُ وَلَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ ، وَإِلَّا جَازَ بِلَا إعَادَةٍ ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبٌ إنْ شَقَّهُ نِصْفَيْنِ وَصَلَ إلَى الْمَاءِ ، وَإِلَّا لَمْ يَصِلْ ، فَإِنْ كَانَ نَقْصُهُ بِالشَّقِّ لَا يَزِيدُ عَلَى ثَمَنِ الْمَاءِ وَثَمَنِ آلَةِ الِاسْتِقَاءِ لَزِمَهُ شَقُّهُ وَلَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ ، وَإِلَّا جَازَ بِلَا إعَادَةٍ ، وَهَذَا كُلُّهُ مُوَافِقٌ لِقَوَاعِدِنَا كَذَا فِي التَّوْشِيحِ وَالْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ مِنْ غَيْرِ لُحُوقِ ضَرَرٍ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ ، وَمَا زَادَ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ ضَرَرٌ فَلَا يَلْزَمُهُ بِخِلَافِ ثَمَنِ الْمِثْلِ ، وَفِي الْمُبْتَغَى بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ وَبِوُجُودِ آلَةِ التَّقْوِيرِ فِي نَهْرٍ جَامِدٍ تَحْتَهُ مَاءٌ لَا يَتَيَمَّمُ وَقِيلَ يَتَيَمَّمُ وَفِي سَفَرِهِ جَمَدٌ أَوْ ثَلْجٌ وَمَعَهُ آلَةُ الذَّوْبِ لَا يَتَيَمَّمُ وَقِيلَ يَتَيَمَّمُ 151 ا هـ .
وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي الْمُحِيطِ الْمَاءُ الْمَوْضُوعُ فِي الْفَلَاةِ فِي الْحُبِّ وَنَحْوِهِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ التَّيَمُّمِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِلْوُضُوءِ غَالِبًا ، وَإِنَّمَا وُضِعَ لِلشُّرْبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ كَثِيرًا فَيُسْتَدَلُّ بِكَثْرَتِهِ عَلَى أَنَّهُ وُضِعَ لِلشُّرْبِ وَالْوُضُوءِ جَمِيعًا ا هـ .
وَكَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَفَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَقَاضِي خَانْ وَالْحُبُّ بِضَمِّ الْحَاءِ الْخَابِيَةُ وَعَنْ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ أَنَّ الْمَوْضُوعَ لِلشُّرْبِ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ مِنْهُ وَالْمَوْضُوعُ لِلْوُضُوءِ لَا يُبَاحُ مِنْهُ الشُّرْبُ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فِي السَّفَرِ جُنُبٌ وَحَائِضٌ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ وَمَيِّتٌ وَمَعَهُمْ مِنْ الْمَاءِ قَدْرَ مَا يَكْفِي لِأَحَدِهِمْ إنْ كَانَ الْمَاءُ لِأَحَدِهِمْ فَهُوَ أَحَقُّ ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ لَهُمْ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَغْتَسِلَ ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مُبَاحًا فَالْجُنُبُ أَحَقُّ فَتَتَيَمَّمُ الْمَرْأَةُ وَيُيَمَّمُ الْمَيِّتُ وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْحَائِضِ مُحْدِثٌ يُصْرَفُ إلَى الْجُنُبِ ا هـ .
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ الْمَيِّتُ أَوْلَى وَقِيلَ الْجُنُبُ أَوْلَى ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ا هـ .
وَفِي الْمُحِيطِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَصْرِفَا نَصِيبَهُمَا إلَى غُسْلِ الْمَيِّتِ وَيَتَيَمَّمَا فِيمَا إذَا كَانَ مُشْتَرَكًا وَفِي التَّجْنِيسِ رَجُلٌ كَانَ فِي الْبَادِيَةِ وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا قُمْقُمَةٌ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فِي رَحْلِهِ وَقَدْ رَصَّصَ رَأْسَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا كَانَ لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْعَطَشَ ; لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ وَكَثِيرًا مَا يُبْتَلَى بِهِ الْحَاجُّ الْجَاهِلُ وَيَظُنُّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَهَبَهُ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَسْتَوْدِعُ مِنْهُ الْمَاءَ ا هـ .
قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ إلَّا أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدِي ، فَإِنَّهُ لَوْ رَأَى مَعَ غَيْرِهِ مَاءً يَبِيعُهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ ، فَإِذَا تَمَكَّنَ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ كَيْفَ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ ا هـ .
وَدَفَعَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الرُّجُوعَ تَمَلُّكٌ بِسَبَبٍ مَكْرُوهٍ ، وَهُوَ مَطْلُوبُ الْعَدَمِ شَرْعًا فَيَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ الْمَاءُ مَعْدُومًا فِي حَقِّهِ كَذَلِكَ ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ حَقِيقَةً كَمَاءِ الْحُبِّ بِخِلَافِ الْبَيْعِ ا هـ .
وَقِيلَ الْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَخْلِطَهُ بِمَاءِ الْوَرْدِ حَتَّى يُغَابَ عَلَيْهِ فَلَا يَبْقَى طَهُورًا كَذَا فِي التَّوْشِيحِ وَالْمَحْبُوسُ الَّذِي لَا يَجِدُ طَهُورًا لَا يُصَلِّي عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ ثُمَّ يُعِيدُ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ تَشَبُّهًا بِالْمُصَلِّينَ قَضَاءً لِحَقِّ الْوَقْتِ كَمَا فِي الصَّوْمِ وَلَهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْأَدَاءِ لِمَكَانِ الْحَدَثِ فَلَا يَلْزَمُهُ التَّشَبُّهُ كَالْحَائِضِ وَبِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَبَيَّنَ أَنَّ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مُتَعَمِّدًا لَيْسَ بِكُفْرٍ ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كُفْرًا لَمَا أَمَرَ أَبُو يُوسُفَ بِهِ وَقِيلَ كُفْرٌ كَالصَّلَاةِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَعَ الثَّوْبِ النَّجَسِ عَمْدًا ; لِأَنَّهُ كَالْمُسْتَخِفِّ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَعَ الثَّوْبِ النَّجَسِ لَا يَكْفُرُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ أَدَاؤُهُ بِحَالٍ وَلَوْ صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مُتَعَمِّدًا يَكْفُرُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْرُمُ بِكُلِّ حَالٍ فَإِذَا صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ تَهَاوَنَ وَاسْتَخَفَّ بِأَمْرِ الشَّرْعِ فَيَكْفُرُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إذَا كَانَ بِوَجْهِهِ جِرَاحَةٌ يُصَلِّي بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَلَا يَتَيَمَّمُ وَلَا يُعِيدُ ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ فَكَانَتْ الصَّلَاةُ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ نَظِيرَ الصَّلَاةِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَعَ الثَّوْبِ النَّجَسِ فَيَنْبَغِي التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ ، وَهُوَ عَدَمُ التَّكْفِيرِ كَمَا لَا يَخْفَى .
فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْعُذْرَ إنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ
وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْعَبْدِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ ثُمَّ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ هَلْ هُوَ مِنْ اللَّهِ فَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ أَوْ هُوَ بِسَبَبِ الْعَبْدِ فَتَجِبُ الْإِعَادَةُ ذَهَبَ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ إلَى الْأَوَّلِ وَذَهَبَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ إلَى الثَّانِي وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُ مَا فِي النِّهَايَةِ لِمَا نَقَلْنَاهُ مِنْ مَسْأَلَةِ مَنْعِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ بِوَعِيدٍ مِنْ الْحَبْسِ أَوْ الْقَتْلِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الْخَوْفُ لَا الْمَنْعُ الْحِسِّيُّ وَكَذَا ظَاهِرُ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ التَّجْنِيسِ كَمَا لَا يَخْفَى لَكِنْ قَدْ يُقَالُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ مَا فِي النِّهَايَةِ وَالدِّرَايَةِ ، فَإِنَّ مَا فِي النِّهَايَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا حَصَلَ وَعِيدٌ مِنْ الْعَبْدِ نَشَأَ مِنْهُ الْخَوْفُ فَكَانَ هَذَا 150 مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ وَمَا فِي الدِّرَايَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ وَعِيدٌ مِنْ الْعَبْدِ أَصْلًا بَلْ حَصَلَ خَوْفٌ مِنْهُ فَكَانَ هَذَا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ وَعِيدٌ بِدَلِيلِ أَنَّ صَاحِبَ الدِّرَايَةِ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْخَوْفِ فِي الْأَسِيرِ بِدَارِ الْحَرْبِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّ صَاحِبَ الدِّرَايَةِ نَصَّ عَلَى مُخَالَفَةِ مَا فِي النِّهَايَةِ كَمَا لَا يَخْفَى ثُمَّ بَعْدَ هَذَا رَأَيْت الْعَلَّامَةَ ابْنَ أَمِيرِ حَاجٍّ صَرَّحَ بِمَا فَهِمْته فَقَالَ وَتَحَرَّرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ الْخَوْفُ الَّذِي لَمْ يَنْشَأْ عَنْ وَعِيدٍ مِنْ قَادِرٍ عَلَيْهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْخَوْفِ مِنْ السَّبُعِ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا نُسِبَ هَذَا الْخَوْفُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ أَنَّ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا مِنْهُ تَعَالَى أَيْضًا خَلْقًا وَإِرَادَةً لِتَجَرُّدِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَنْ مُبَاشَرَةِ سَبَبٍ لَهُ مِنْ الْغَيْرِ فِي حَقِّ الْخَائِفِ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ حُبِسَ فِي السَّفَرِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى أَوْ لَا يُعِيدُ ; لِأَنَّهُ انْضَمَّ عُذْرُ السَّفَرِ إلَى الْعُذْرِ الْحَقِيقِيِّ وَالْغَالِبُ فِي السَّفَرِ عَدَمُ الْمَاءِ فَتَحَقَّقَ الْعَدَمُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ا هـ .
وَأَمَّا الْمَاءُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ ، فَإِنَّهُ مَشْغُولٌ بِحَاجَتِهِ وَالْمَشْغُولُ بِالْحَاجَةِ كَالْمَعْدُومِ وَعَطَشُ رَفِيقِهِ وَدَابَّتِهِ وَكَلْبِهِ لِمَاشِيَتِهِ أَوْ صَيْدِهِ فِي الْحَالِ أَوْ ثَانِي الْحَالِ كَعَطَشِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ رَفِيقَهُ الْمُخَالِطَ لَهُ أَوْ آخَرَ مِنْ أَهْلِ الْقَافِلَةِ ، فَإِنْ امْتَنَعَ صَاحِبُ الْمَاءِ مِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ وَهُنَاكَ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ كَانَ لَهُ أَخْذُهُ مِنْهُ قَهْرًا وَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ ، فَإِنْ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ إنْ كَانَ الْمَقْتُولُ صَاحِبَ الْمَاءِ فَدَمُهُ هَدَرٌ وَلَا قِصَاصَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ وَلَا كَفَّارَةَ ، وَإِنْ كَانَ الْمُضْطَرُّ فَهُوَ مَضْمُونٌ بِالْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَاءِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لِلْعَطَشِ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، فَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ الْأَجْنَبِيُّ لِلْوُضُوءِ ، وَكَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ ، وَلَا يَجُوزُ لِلْأَجْنَبِيِّ أَخْذُهُ مِنْهُ قَهْرًا كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَكَذَا الْمَاءُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْعَجِينِ لِمَا قُلْنَا ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِاتِّخَاذِ الْمَرَقَةِ لَا يَتَيَمَّمُ ; لِأَنَّ حَاجَةَ الطَّبْخِ دُونَ حَاجَةِ الْعَطَشِ
وَأَمَّا جَوَازُهُ بِفَقْدِ الْآلَةِ فَلِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُجَدِّدْ لِوَا يَسْتَقِي بِهِ فَوُجُودُ الْبِئْرِ وَعَدَمُهَا سَوَاءٌ وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُمْكِنَهُ إيصَالُ ثَوْبِهِ إلَيْهِ أَمَّا إذَا أَمْكَنَهُ إيصَالُ ثَوْبِهِ وَيَخْرُجُ الْمَاءُ قَلِيلًا بِالْبَلَلِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ مِنْدِيلٌ طَاهِرٌ لَا يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ ، وَهَذَا يُوَافِقُ فُرُوعًا ذَكَرَهَا الشَّافِعِيَّةُ ، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ بِئْرًا فِيهَا مَاءٌ وَلَا يُمْكِنُهُ النُّزُولُ إلَيْهِ وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يُدْلِيهِ إلَّا ثَوْبُهُ أَوْ عِمَامَتُهُ لَزِمَهُ إدْلَاؤُهُ ثُمَّ يَعْصِرُهُ إنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَةُ الثَّوْبِ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمَاءِ ، فَإِنْ زَادَ النَّقْصُ عَلَى ثَمَنِ الْمَاءِ تَيَمَّمَ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ
وَإِنْ قَدَرَ عَلَى اسْتِئْجَارِ مَنْ يَنْزِلُ إلَيْهَا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لَزِمَهُ وَلَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ ، وَإِلَّا جَازَ بِلَا إعَادَةٍ ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبٌ إنْ شَقَّهُ نِصْفَيْنِ وَصَلَ إلَى الْمَاءِ ، وَإِلَّا لَمْ يَصِلْ ، فَإِنْ كَانَ نَقْصُهُ بِالشَّقِّ لَا يَزِيدُ عَلَى ثَمَنِ الْمَاءِ وَثَمَنِ آلَةِ الِاسْتِقَاءِ لَزِمَهُ شَقُّهُ وَلَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ ، وَإِلَّا جَازَ بِلَا إعَادَةٍ ، وَهَذَا كُلُّهُ مُوَافِقٌ لِقَوَاعِدِنَا كَذَا فِي التَّوْشِيحِ وَالْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ مِنْ غَيْرِ لُحُوقِ ضَرَرٍ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ ، وَمَا زَادَ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ ضَرَرٌ فَلَا يَلْزَمُهُ بِخِلَافِ ثَمَنِ الْمِثْلِ ، وَفِي الْمُبْتَغَى بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ وَبِوُجُودِ آلَةِ التَّقْوِيرِ فِي نَهْرٍ جَامِدٍ تَحْتَهُ مَاءٌ لَا يَتَيَمَّمُ وَقِيلَ يَتَيَمَّمُ وَفِي سَفَرِهِ جَمَدٌ أَوْ ثَلْجٌ وَمَعَهُ آلَةُ الذَّوْبِ لَا يَتَيَمَّمُ وَقِيلَ يَتَيَمَّمُ 151 ا هـ .
وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي الْمُحِيطِ الْمَاءُ الْمَوْضُوعُ فِي الْفَلَاةِ فِي الْحُبِّ وَنَحْوِهِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ التَّيَمُّمِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِلْوُضُوءِ غَالِبًا ، وَإِنَّمَا وُضِعَ لِلشُّرْبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ كَثِيرًا فَيُسْتَدَلُّ بِكَثْرَتِهِ عَلَى أَنَّهُ وُضِعَ لِلشُّرْبِ وَالْوُضُوءِ جَمِيعًا ا هـ .
وَكَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَفَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَقَاضِي خَانْ وَالْحُبُّ بِضَمِّ الْحَاءِ الْخَابِيَةُ وَعَنْ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ أَنَّ الْمَوْضُوعَ لِلشُّرْبِ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ مِنْهُ وَالْمَوْضُوعُ لِلْوُضُوءِ لَا يُبَاحُ مِنْهُ الشُّرْبُ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فِي السَّفَرِ جُنُبٌ وَحَائِضٌ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ وَمَيِّتٌ وَمَعَهُمْ مِنْ الْمَاءِ قَدْرَ مَا يَكْفِي لِأَحَدِهِمْ إنْ كَانَ الْمَاءُ لِأَحَدِهِمْ فَهُوَ أَحَقُّ ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ لَهُمْ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَغْتَسِلَ ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مُبَاحًا فَالْجُنُبُ أَحَقُّ فَتَتَيَمَّمُ الْمَرْأَةُ وَيُيَمَّمُ الْمَيِّتُ وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْحَائِضِ مُحْدِثٌ يُصْرَفُ إلَى الْجُنُبِ ا هـ .
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ الْمَيِّتُ أَوْلَى وَقِيلَ الْجُنُبُ أَوْلَى ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ا هـ .
وَفِي الْمُحِيطِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَصْرِفَا نَصِيبَهُمَا إلَى غُسْلِ الْمَيِّتِ وَيَتَيَمَّمَا فِيمَا إذَا كَانَ مُشْتَرَكًا وَفِي التَّجْنِيسِ رَجُلٌ كَانَ فِي الْبَادِيَةِ وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا قُمْقُمَةٌ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فِي رَحْلِهِ وَقَدْ رَصَّصَ رَأْسَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا كَانَ لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْعَطَشَ ; لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ وَكَثِيرًا مَا يُبْتَلَى بِهِ الْحَاجُّ الْجَاهِلُ وَيَظُنُّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَهَبَهُ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَسْتَوْدِعُ مِنْهُ الْمَاءَ ا هـ .
قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ إلَّا أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدِي ، فَإِنَّهُ لَوْ رَأَى مَعَ غَيْرِهِ مَاءً يَبِيعُهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ ، فَإِذَا تَمَكَّنَ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ كَيْفَ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ ا هـ .
وَدَفَعَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الرُّجُوعَ تَمَلُّكٌ بِسَبَبٍ مَكْرُوهٍ ، وَهُوَ مَطْلُوبُ الْعَدَمِ شَرْعًا فَيَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ الْمَاءُ مَعْدُومًا فِي حَقِّهِ كَذَلِكَ ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ حَقِيقَةً كَمَاءِ الْحُبِّ بِخِلَافِ الْبَيْعِ ا هـ .
وَقِيلَ الْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَخْلِطَهُ بِمَاءِ الْوَرْدِ حَتَّى يُغَابَ عَلَيْهِ فَلَا يَبْقَى طَهُورًا كَذَا فِي التَّوْشِيحِ وَالْمَحْبُوسُ الَّذِي لَا يَجِدُ طَهُورًا لَا يُصَلِّي عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ ثُمَّ يُعِيدُ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ تَشَبُّهًا بِالْمُصَلِّينَ قَضَاءً لِحَقِّ الْوَقْتِ كَمَا فِي الصَّوْمِ وَلَهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْأَدَاءِ لِمَكَانِ الْحَدَثِ فَلَا يَلْزَمُهُ التَّشَبُّهُ كَالْحَائِضِ وَبِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَبَيَّنَ أَنَّ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مُتَعَمِّدًا لَيْسَ بِكُفْرٍ ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كُفْرًا لَمَا أَمَرَ أَبُو يُوسُفَ بِهِ وَقِيلَ كُفْرٌ كَالصَّلَاةِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَعَ الثَّوْبِ النَّجَسِ عَمْدًا ; لِأَنَّهُ كَالْمُسْتَخِفِّ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَعَ الثَّوْبِ النَّجَسِ لَا يَكْفُرُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ أَدَاؤُهُ بِحَالٍ وَلَوْ صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مُتَعَمِّدًا يَكْفُرُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْرُمُ بِكُلِّ حَالٍ فَإِذَا صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ تَهَاوَنَ وَاسْتَخَفَّ بِأَمْرِ الشَّرْعِ فَيَكْفُرُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إذَا كَانَ بِوَجْهِهِ جِرَاحَةٌ يُصَلِّي بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَلَا يَتَيَمَّمُ وَلَا يُعِيدُ ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ فَكَانَتْ الصَّلَاةُ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ نَظِيرَ الصَّلَاةِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَعَ الثَّوْبِ النَّجَسِ فَيَنْبَغِي التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ ، وَهُوَ عَدَمُ التَّكْفِيرِ كَمَا لَا يَخْفَى .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith