البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الثالث
الصفحة 1865 · ص. المطبوع 334 · الشرح
( قَوْلُهُ : إلَّا إذَا كَانَ مُعَلَّقًا ) يَعْنِي أَنَّ الْبَائِنَ يَلْحَقُ الْبَائِنَ إذَا كَانَ مُعَلَّقًا قَبْلَ الْمُنَجَّزِ الْبَائِنِ ( بِأَنْ قَالَ لَهَا : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْت بَائِنٌ ) نَاوِيًا الطَّلَاقَ ثُمَّ أَبَانَهَا مُنْجِزًا ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ وَأَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقٌ آخَرُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنْتِ بَائِنٌ ثَانِيًا لِيُجْعَلَ خَبَرًا بَلْ الَّذِي وَقَعَ أَثَرُ التَّعْلِيقِ السَّابِقِ وَهُوَ زَوَالُ الْقَيْدِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَهِيَ مَحَلٌّ فَيَقَعُ وَعَلَى هَذَا قَالَ فِي الْحَقَائِقِ لَوْ قَالَ : إنْ فَعَلْت كَذَا فَحَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا الْأَمْرُ آخَرُ فَفَعَلَ أَحَدَهُمَا وَقَعَ طَلَاقٌ بَائِنٌ ، وَلَوْ فَعَلَ الْآخَرَ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ آخَرُ وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْفَظَ ا هـ .
وَفَرَّقَ فِي الذَّخِيرَةِ بَيْنَ أَنْتِ بَائِنٌ لِلْمُبَانَةِ وَبَيْنَ وُقُوعِ أَنْتِ بَائِنٌ الْمُعَلَّقُ بَعْدَ الْإِبَانَةِ أَنَّهُ لَمَّا صَحَّ التَّعْلِيقُ أَوْ لَا لِكَوْنِهَا مَحَلًّا لَهُ جَعَلْنَا الْمُعَلَّقَ الطَّلَاقَ الْبَائِنَ وَصَارَ بَائِنًا صِفَةً لِلطَّلَاقِ ، وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ كَالْمُنَجَّزِ عِنْدَ وُجُودِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ فِي الْعِدَّة أَنْت طَالِقٌ بَائِنٌ وَلَوْ قَالَهُ وَقَعَ بِخِلَافِ أَنْتِ بَائِنٌ مُنْجَزًا فِي عِدَّةِ الْمُبَانَةِ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَرْأَةِ وَهِيَ لَمْ تَكُنْ مَحَلَّهُ لِأَنَّ مَحَلَّهُ مَنْ قَامَ بِهِ الِاتِّصَالُ ، وَقَدْ انْقَطَعَتْ الْوَصْلَةُ بِالْإِبَانَةِ ، وَالْمُضَافُ كَالْمُعَلَّقِ حَتَّى لَوْ قَالَ لَهَا أَنْت بَائِنٌ غَدًا نَاوِيًا الطَّلَاقَ ثُمَّ أَبَانَهَا ثُمَّ جَاءَ الْغَدُ وَقَعَتْ أُخْرَى وَلَوْ قَالَ لَهَا : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْت بَائِنٌ نَاوِيًا ثُمَّ قَالَ : إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَأَنْت بَائِنٌ نَاوِيًا ثُمَّ دَخَلَتْ الدَّارَ وَوَقَعَتْ الطَّلْقَةُ ثُمَّ كَلَّمَتْ زَيْدًا فَإِنَّهُ يَقَعُ أُخْرَى كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَهُوَ بَيَانٌ لِمَا إذَا كَانَا مُعَلَّقَيْنِ قَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ مُعَلَّقًا قَبْلَ الْمُنَجَّزِ لِأَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ الْبَائِنَ الْمُنَجَّزَ لَمْ يَصِحَّ التَّعْلِيقُ كَالتَّنْجِيزِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَدَائِعِ وَهِيَ وَارِدَةٌ عَلَى الْكِتَابِ وَشَمِلَ كَلَامُهُ مَا إذَا آلَى مِنْ زَوْجَتِهِ ثُمَّ أَبَانَهَا قَبْلَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ أَنْ يَقْرَبَهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ
فَإِنَّهُ يَقَعُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ وَأَوْرَدَ عَلَيْنَا مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا لَوْ قَالَ : إذَا جَاءَ غَدٌ فَاخْتَارِي ثُمَّ أَبَانَهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فِي الْعِدَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ إجْمَاعًا الثَّانِيَةُ لَوْ عَلَّقَ الظِّهَارَ بِشَرْطٍ فِي الْمِلْكِ بِأَنْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ أَبَانَهَا فَدَخَلَتْ فِي الْعِدَّةِ لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا إجْمَاعًا وَهُمَا حُجَّةُ زُفَرَ عَلَيْنَا وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ فِي الْأُولَى مَلَّكَهَا الطَّلَاقَ غَدًا وَلَمَّا أَبَانَهَا أَزَالَ مِلْكَهُ لِلْحَالِ مِنْ وَجْهٍ وَبَقِيَ مِنْ وَجْهٍ ، وَالْمِلْكُ مِنْ وَجْهٍ لَا يَكْفِي لِلتَّمْلِيكِ وَيَكْفِي لِلْإِزَالَةِ كَمَا فِي الِاسْتِيلَادِ ، وَالتَّدْبِيرِ الْمُطْلَقِ حَتَّى لَا يَجُوزَ بَيْعُهُمَا وَيَجُوزُ إعْتَاقُهُمَا كَذَا هَذَا وَلِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي التَّخْيِيرِ اخْتِيَارُهَا لِأَجَانِبِ الزَّوْجِ ، وَفِي التَّعْلِيقِ الْيَمِينُ لَا وُجُودُ الشَّرْطِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا بِالتَّخْيِيرِ وَآخَرَانِ بِالِاخْتِيَارِ ثُمَّ رَجَعُوا فَالضَّمَانُ عَلَى شَاهِدَيْ الِاخْتِيَارِ لَا التَّخْيِيرِ ، وَلَوْ شَهِدَا بِالتَّعْلِيقِ وَآخَرَانِ بِوُجُودِ الشَّرْطِ ثُمَّ رَجَعُوا فَالضَّمَانُ عَلَى شَاهِدَيْ التَّعْلِيقِ لَا الشَّرْطِ وَعَنْ الثَّانِيَةِ بِأَنَّ الظِّهَارَ يُوجِبُ حُرْمَةً مُوَقَّتَةً بِالْكَفَّارَةِ ، وَقَدْ ثَبَتَتْ الْحُرْمَةُ بِالْإِبَانَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا تَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ بِالظِّهَارِ بِخِلَافِ الْكِنَايَةِ الْمُنَجَّزَةِ لِأَنَّهَا تُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَلَا تَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِ التَّعْلِيقِ وَتَمَامُهُ فِي الْبَدَائِعِ وَكَذَا لَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي نَاوِيًا ثُمَّ أَبَانَهَا بَطَلَ التَّخْيِيرُ حَتَّى لَوْ قَالَتْ بَعْدَهَا اخْتَرْت 334 نَفْسِي لَمْ يَقَعْ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ ، وَالظَّهِيرِيَّةِ ثُمَّ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ ، وَفِي الْأَمَالِي قَالَ لَهَا : أَمْرُك بِيَدِك إذَا شِئْت ثُمَّ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً بَائِنَةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا طَلُقَتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا تَطْلُقُ لِأَنَّ الزَّوْجَ فَعَلَ بِنَفْسِهِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا فَيَكُونُ إخْرَاجًا لِلْأَمْرِ مِنْ يَدِهَا وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّفْوِيضَ قَدْ صَحَّ وَتَعَلَّقَ حَقُّهَا بِهِ فَلَا يَبْطُلُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ وَمَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مُتَعَدِّدٌ فَلَا يَتَعَيَّنُ مَا أَوْقَعَهُ الزَّوْجُ لِمَا فَوَّضَ إلَيْهَا كَمَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ بِعْ قَفِيزًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ ثُمَّ بَاعَ بِنَفْسِهِ قَفِيزًا لَا يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ ا هـ .
وَهَذَا لَا يُخَالِفُ مَا نَقَلْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْبَدَائِعِ لِأَنَّ مَا فِي الْبَدَائِعِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَتَزَوَّجْهَا فَلَا يَقَعُ فِي الْعِدَّةِ وَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْيَدِ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا فِي طَلَاقٍ إنْ فَعَلَ كَذَا مَتَى شَاءَتْ ثُمَّ خَلَعَهَا عَلَى مَالٍ ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ تَمْلِكُ الْإِيقَاعَ ، وَإِنْ مَضَتْ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَوُجِدَ الشَّرْطُ ذُكِرَ فِي الزِّيَادَاتِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَابُهُ وَهُوَ عَدَمُ الْوُقُوعِ ، وَفِي الْقُنْيَةِ لَا يَبْقَى الْأَمْرُ فِي يَدِهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْعِدَّةِ اللَّاحِقِ ، وَالسَّابِقِ أَرْبَعُ صُوَرٍ ، وَقَدْ نَظَمَهَا الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ الدَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَالَ : ﴿﴾ وَكُلُّ طَلَاقٍ بَعْدَ آخَرَ وَاقِعٌ ﴿﴾ ﴿﴾ سِوَى بَائِنٌ مَعَ مِثْلِهِ لَمْ يُعَلَّقْ ﴿﴾ وَتَعَقَّبَهُ وَالِدُ شَارِحِ الْمَنْظُومَةِ بِأَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يُعَلَّقْ مُطْلَقٌ يَشْمَلُ الْبَائِنَ الْأَوَّلَ ، وَالثَّانِيَ ، وَالْمُرَادُ الْأَوَّلُ لَا الثَّانِي فَهُوَ إطْلَاقٌ فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ فَقُلْت بَيْتًا مُفْرَدًا مِنْ الرَّجَزِ ﴿﴾ كُلًّا أَجِزْ لَا بَائِنًا مَعَ مِثْلِهِ ﴿﴾ ﴿﴾ إلَّا إذَا عَلَّقَهُ مِنْ قَبْلِهِ ﴿﴾ ا هـ .
قَالَ شَارِحُ الْمَنْظُومَةِ عَبْدُ الْبَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قُلْتُ : وَقَدْ فَاتَ الشَّيْخَيْنِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْعِدَّةِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعْلُومِ مِنْ خَارِجٍ لِأَنَّ تَمَامَ مَعْنَى الضَّابِطِ مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهِ فَقُلْت مُنَبِّهًا عَلَى ذَلِكَ بَيْتًا مُفْرَدًا مِنْ الرَّجَزِ ﴿﴾ بِعِدَّةِ كُلِّ طَلَاقٍ لَحِقَا ﴿﴾ ﴿﴾ لَا بَائِنٍ لِمِثْلِهِ مَا عَلَقَا ﴿﴾ ثُمَّ قَوْلِي لَحِقَا مُشْعِرٌ بِكَوْنِ اللَّاحِقِ هُوَ الْمُعَلَّقُ وَوَصَفْنَا الْبَائِنَ بِأَنَّهُ مِثْلُ الْبَائِنِ مُشْعِرٌ بِإِخْرَاجِ الْبَيْنُونَةِ الْكُبْرَى لِمَا فِيهَا مِنْ الْخِلَافِ الَّذِي قَدَّمْته ا هـ .
وَقَيَّدَ الْمُؤَلِّفُ بِكَوْنِ السَّابِقِ طَلَاقًا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فُرْقَةً بِغَيْرِ طَلَاقٍ كَالْفُرْقَةِ بِخِيَارِ الْبُلُوغِ أَوْ الْعَتَاقَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي عِدَّتِهِ وَكُلُّ فِرْقَةٍ تُوجِبُ الْحُرْمَةَ الْمُؤَبَّدَةَ لَا يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ وَإِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لَا يَقَعُ عَلَى الْآخَرِ طَلَاقُهُ كَذَا 335 فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَإِذَا ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَطَلَّقَهَا فِي الْعِدَّةِ لَمْ يَقَعْ لِانْقِطَاعِ الْعِصْمَةِ .
فَإِنْ عَادَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ وَقَعَ وَإِذَا ارْتَدَّتْ وَلَحِقَتْ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا طَلَاقُهُ فَإِنْ عَادَتْ قَبْلَ الْحَيْضِ لَمْ يَقَعْ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِبُطْلَانِ الْعِدَّةِ بِاللَّحَاقِ ثُمَّ لَا تَعُودُ بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ ، وَفِي الذَّخِيرَةِ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ فُرْقَةٍ هِيَ فَسْخٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي عِدَّتِهَا وَكُلُّ فِرْقَةٍ هِيَ طَلَاقٌ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِيهَا فِي الْعِدَّةِ ا هـ .
وَقَدَّمْنَا شَيْئًا مِنْهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّلَاقِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ ، وَالْمَآبُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث