البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الثالث
الصفحة 1903 · ص. المطبوع 357 · الشرح
( قَوْلُهُ : وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ : طَلِّقْ امْرَأَتِي لَمْ يَتَقَيَّدْ بِالْمَجْلِسِ إلَّا إذَا زَادَ إنْ شِئْت ) لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ وَأَنَّهُ اسْتِعَانَةٌ فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ طَلِّقِي نَفْسَك لِأَنَّهَا عَامِلَةٌ لِنَفْسِهَا فَكَانَ تَمْلِيكًا لَا تَوْكِيلًا وَإِذَا زَادَ إنْ شِئْت بِأَنْ قَالَ لِرَجُلٍ طَلِّقْهَا إنْ شِئْت فَإِنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ ، وَلَوْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ وَكِيلٌ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ الْوَكَالَةِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ وَقَالَ زُفَرُ : هَذَا ، وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ لِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِالْمَشِيئَةِ كَعَدَمِهِ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَةٍ فَصَارَ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا قِيلَ لَهُ بِعْ إنْ شِئْت وَلَنَا أَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالْمَشِيئَةِ ، وَالْمَالِكُ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ ، وَالطَّلَاقُ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَتَعَقَّبَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْبَيْعَ فِيهِ لَيْسَ بِمُعَلَّقٍ بِالْمَشِيئَةِ بَلْ الْمُعَلَّقُ فِيهِ الْوَكَالَةُ بِالْبَيْعِ وَهِيَ تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَ التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ بِنَفْسِ الْبَيْعِ ا هـ .
وَرَدَّهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ غَلَطٌ يَظْهَرُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ هُوَ قَوْلُهُ : بِعْ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ كَوْنُ نَفْسِ قَوْلِهِ مُعَلَّقًا بِمَشِيئَةٍ غَيْرِهِ بَلْ وَقَدْ تَحَقَّقَ وَفَرَغَ مِنْهُ قَبْلَ مَشِيئَةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ لَمْ يَبْقَ لِذَلِكَ الْغَيْرِ سِوَى فِعْلِ مُتَعَلِّقِ التَّوْكِيلِ أَوْ عَدَمِ الْقَبُولِ ، وَالرَّدِّ ا هـ .
وَهُوَ سَهْوٌ يَظْهَرُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَنَّ التَّوْكِيلَ مُعَلَّقٌ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَنَّ الْوَكَالَةَ مُعَلَّقَةٌ بِالْمَشِيئَةِ ، وَالْوَكَالَةُ أَثَرُ التَّوْكِيلِ فَجَازَ إطْلَاقُ التَّوْكِيلِ عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِ وَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَ التَّوْكِيلَ أَيْ الْوَكَالَةَ ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْبَيْعَ ، وَالتَّوْكِيلَ بِهِ لَمْ يُعَلَّقَا بِالْمَشِيئَةِ .
وَإِنَّمَا الْمُعَلَّقُ الْوَكَالَةُ وَتَعْلِيقُهَا صَحِيحٌ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِهِ طَلِّقْهَا إنْ شِئْت وَبِعْ إنْ شِئْت ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ ، وَالْبَيْعُ لَا يَحْتَمِلُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالْمَشِيئَةِ وَإِذَا لَمْ 357 يَحْتَمِلْهُ فَهَلْ يَبْطُلُ أَوْ يَصِحُّ وَيَبْطُلُ التَّعْلِيقُ قَالَ فِي الْمُحِيطِ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ قِسْمِ التَّعْلِيقِ : لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ بِعْت عَبْدِي مِنْك بِكَذَا إنْ شِئْت فَقِبَلَ يَكُونُ بَيْعًا صَحِيحًا إذَا الْبَيْعُ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ ا هـ .
قَيَّدَ بِقَوْلِهِ طَلِّقْهَا لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَمْرُ امْرَأَتِي بِيَدِك يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَلَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَإِنْ قَالَ : بَعْضٌ هَذَا تَوْكِيلٌ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالْأَمْرِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَكَذَا لَوْ قَالَ : جَعَلْت إلَيْك طَلَاقَهَا فَطَلِّقْهَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَيَكُونُ رَجْعِيًّا كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ قَالَ : قُلْ لِامْرَأَتِي أَمْرُك بِيَدِك لَا يَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا مَا لَمْ يَقُلْ الْمَأْمُورُ بِخِلَافِ قُلْ لَهَا إنَّ أَمْرَهَا بِيَدِهَا ، وَلَوْ قَالَ : أَمْرُهَا بِيَدِ اللَّهِ وَبِيَدِك انْفَرَدَ الْمُخَاطَبُ وَذِكْرُ اللَّهِ هُنَا لِلتَّبَرُّكِ عُرْفًا وَكَذَا فِي الْعَتَاقِ ، وَالْبَيْعِ ، وَالْإِجَارَةِ ، وَالْخُلْعِ ، وَالطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ ، وَلَوْ قَالَ : أَمْرُهَا بِيَدِي وَيَدِك لَا يَنْفَرِدُ الْمُخَاطَبُ ، وَلَوْ قَالَ : طَلِّقْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْت فَطَلَّقَهَا الْمُخَاطَبُ لَا يَقَعُ لِاسْتِعْمَالِهِ لِلِاسْتِثْنَاءِ ، وَلَوْ قَالَ : طَلِّقْهَا بِمَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْت مِنْ الْمَالِ فَطَلَّقَهَا الْمُخَاطَبُ جَازَ لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ هُنَا تَنْصَرِفُ إلَى الْبَدَلِ لَا إلَى التَّفْوِيضِ ا هـ .
فَإِنْ قُلْت إذَا جُمِعَ لِأَجْنَبِيٍّ بَيْنَ الْأَمْرِ بِالْيَدِ ، وَالْأَمْرِ بِالتَّطْلِيقِ فَمَا الْمُعْتَبَرُ مِنْهُمَا قُلْت قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ : لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ أَمْرُ امْرَأَتِي بِيَدِك فَطَلِّقْهَا فَقَالَ لَهَا الْمَأْمُورُ أَنْت طَالِقٌ أَوْ قَالَ طَلَّقْتُك يَقَعُ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً إلَّا إذَا نَوَى الزَّوْجُ ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ وَكَذَا لَوْ قَالَ : طَلِّقْهَا فَأَمْرُهَا بِيَدِك بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ : أَمْرُهَا بِيَدِك فِي تَطْلِيقَةٍ أَوْ بِتَطْلِيقَةٍ فَطَلَّقَهَا الْمَأْمُورُ فِي الْمَجْلِسِ وَقَعَتْ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً ، وَلَوْ قَالَ : طَلِّقْهَا ، وَقَدْ جَعَلْت أَمْرَ ذَلِكَ إلَيْك فَهُوَ تَفْوِيضٌ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَيَقَعُ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً لَوْ قَالَ : طَلِّقْهَا ، وَقَدْ جَعَلْت إلَيْك طَلَاقَهَا فَطَلَّقَهَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَيَكُونُ رَجْعِيًّا ، وَلَوْ قَالَ : طَلِّقْهَا فَأَبِنْهَا أَوْ أَبِنْهَا فَطَلِّقْهَا فَهُوَ تَوْكِيلٌ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَلِلزَّوْجِ الرُّجُوعُ وَيَقَعُ بَائِنَةً وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوقِعَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ ، وَلَوْ قَالَ : طَلِّقْهَا ، وَقَدْ جَعَلْت أَمْرَهَا بِيَدِك أَوْ جَعَلْت أَمْرَهَا بِيَدِك وَطَلِّقْهَا كَانَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ فَأَمَّا حَرْفُ الْفَاءِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ يَكُونُ لِبَيَانِ السَّبَبِ فَلَا يَمْلِكُ إلَّا وَاحِدَةً وَإِذَا ذَكَرَ بِحَرْفِ الْوَاوِ فَطَلَّقَهَا الْوَكِيلُ فِي الْمَجْلِسِ تَبَيَّنَ بِتَطْلِيقَتَيْنِ لِأَنَّ الْوَاقِعَ بِحُكْمِ الْأَمْرِ يَكُونُ بَائِنًا فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا بَائِنًا كَانَ الْآخَرُ بَائِنًا فَإِنْ طَلَّقَهَا الْوَكِيلُ بَعْدَ الْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ تَقَعُ رَجْعِيَّةً لِأَنَّ التَّفْوِيضَ يَبْطُلُ بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ وَبَقِيَ التَّوْكِيلُ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكَذَا لَوْ قَالَ : أَمْرُهَا بِيَدِك وَطَلِّقْهَا .
وَلَوْ قَالَ : طَلِّقْهَا وَأَبِنْهَا أَوْ قَالَ : أَبِنْهَا وَطَلِّقْهَا وَطَلَّقَهَا فِي الْمَجْلِسِ أَوْ غَيْرُهُ يَقَعُ تَطْلِيقَتَانِ لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ بِالْإِبَانَةِ ، وَالطَّلَاقِ ، وَالتَّوْكِيلُ لَا يَبْطُلُ بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ فَيَقَعُ طَلَاقَانِ ا هـ .
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا جُمِعَ لِلْأَجْنَبِيِّ بَيْنَ الْأَمْرِ بِالْيَدِ ، وَالْأَمْرِ بِالتَّطْلِيقِ بِالْفَاءِ فَهُوَ وَاحِدٌ وَلَا اعْتِبَارَ لِلْأَمْرِ بِالْيَدِ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ فَيَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ وَلَا يَمْلِكُ عَزَاءً وَتَقَعُ بَائِنَةً ، وَإِنْ كَانَ بِالْوَاوِ فَهُمَا تَفْوِيضَانِ فَالْأَمْرُ بِالْيَدِ تَمْلِيكٌ يُعْطَى أَحْكَامُهُ ، وَالْأَمْرُ بِالتَّطْلِيقِ تَوْكِيلٌ فَيَأْخُذُ أَحْكَامَهُ ، وَإِنْ أَمَرَهُ بِالْإِبَانَةِ ، وَالتَّطْلِيقِ بِالْفَاءِ فَهُوَ تَوْكِيلٌ بِوَاحِدَةٍ ، وَإِنْ كَانَ الْوَاوُ فَهُوَ تَوْكِيلٌ بِالْإِبَانَةِ ، وَالتَّطْلِيقِ فَيَقَعُ طَلَاقًا ، وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ الْجَعْلِ إلَيْهِ وَبَيْنَ الْأَمْرِ بِالتَّطْلِيقِ فَإِنْ قَدَّمَ الْجَعْلَ فَهُوَ تَمْلِيكٌ ، وَإِنْ أَخَّرَهُ فَهُوَ تَوْكِيلٌ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَاءِ ، وَالْوَاوِ وَإِلَى هُنَا ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّمْلِيكِ ، وَالتَّوْكِيلِ فِي أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ فَالتَّمْلِيكُ يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ وَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْهُ وَلَا الْعَزْلُ وَلَا يَبْطُلُ بِجُنُونِ الزَّوْجِ وَانْعَكَسَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ فِي التَّوْكِيلِ وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ ، وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهَا طَلِّقْهَا لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ مَا إذَا أَمَرَ زَوْجَتَهُ بِطَلَاقِ ضَرَّتِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَسَيَأْتِي عَنْ الْخَانِيَّةِ فِي بَابِ التَّعْلِيقِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ : كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَقَدْ بِعْت طَلَاقَهَا مِنْك بِدِرْهَمٍ ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَقَالَتْ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ حِينَ عَلِمَتْ بِنِكَاحِ غَيْرِهَا قَبِلْت أَوْ قَالَتْ طَلَّقْتهَا أَوْ قَالَتْ : اشْتَرَيْت طَلَاقَهَا طَلُقَتْ الَّتِي تَزَوَّجَهَا ، وَإِنْ قَالَتْ الَّتِي عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْرَى قَبِلْت لَا يَصِحُّ 358 قَبُولُهَا لِأَنَّ ذَلِكَ قَبُولٌ قَبْلَ الْإِيجَابِ ا هـ .
وَأَطْلَقَ الرَّجُلُ فَشَمِلَ مَا إذَا فَوَّضَهُ لِصَبِيٍّ لَا يَعْقِلُ أَوْ مَجْنُونٍ فَلِذَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ لَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِ صَبِيٍّ لَا يَعْقِلُ أَوْ مَجْنُونٍ فَذَلِكَ إلَيْهِ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكٌ فِي ضِمْنِهِ تَعْلِيقٌ فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ بِاعْتِبَارِ التَّمْلِيكِ يَصِحُّ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ فَصَحَّحْنَاهُ بِاعْتِبَارِ التَّعْلِيقِ فَكَأَنَّهُ قَالَ : إنْ قَالَ لَك الْمَجْنُونُ أَنْت طَالِقٌ فَأَنْت طَالِقٌ وَبِاعْتِبَارِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ ا هـ .
لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ قَالَ : رَجُلٌ فَوَّضَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ إلَى صَبِيٍّ قَالَ فِي الْأَصْلِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُعَبِّرُ يَجُوزُ ا هـ .
وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يُعَبِّرُ لَا يَجُوزُ وَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ مَا فِي الْمُحِيطِ وَمَا فِيهَا لِأَنَّ الصَّبِيَّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ لِيَصِحَّ أَنْ يُوقِعَ الطَّلَاقَ عَلَيْهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّعْبِيرِ الْعَقْلُ كَمَا لَا يَخْفَى ، وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ جُنَّ الْمَجْعُولُ إلَيْهِ بَعْدَ التَّفْوِيضِ فَطَلَّقَ قَالَ مُحَمَّدٌ إنْ كَانَ لَا يَعْقِلُ مَا يَقُولُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ ا هـ .
فَعَلَى هَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ التَّفْوِيضِ إلَى الْمَجْنُونِ ابْتِدَاءً وَبَيْنَ طَرَيَان الْجُنُونِ وَنَظِيرُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْخَانِيَّةِ بَعْدَهُ لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَجُنَّ الْوَكِيلُ جُنُونًا يَعْقِلُ فِيهِ الْبَيْعَ ، وَالشِّرَاءَ ثُمَّ بَاعَ الْوَكِيلُ لَا يَنْعَقِدُ بَيْعُهُ ، وَلَوْ وَكَّلَ رَجُلًا مَجْنُونًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ بِبَيْعِ عَبْدِهِ ثُمَّ بَاعَ الْوَكِيلُ نَفَذَ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَجْنُونًا وَقْتَ التَّوْكِيلِ كَانَ التَّوْكِيلُ بِبَيْعٍ تَكُونُ الْعُهْدَةُ فِيهِ عَلَى الْوَكِيلِ وَبَعْدَ مَا جُنَّ الْوَكِيلُ لَوْ نَفَذَ بَيْعُهُ كَانَتْ الْعُهْدَةُ فِيهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَلَا يَنْفُذُ أَمَّا إذَا كَانَ الْوَكِيلُ مَجْنُونًا وَقْتَ التَّوْكِيلِ فَإِنَّمَا وُكِّلَ بِبَيْعٍ تَكُونُ الْعُهْدَةُ فِيهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَإِذَا أَتَى بِذَلِكَ نَفَذَ بَيْعُهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ ا هـ .
وَفِي تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ ، وَإِنْ كَانَ لَا عُهْدَةَ أَصْلًا وَلَكِنَّ الزَّوْجَ حِينَ التَّفْوِيضِ لَمْ يُعَلِّقْ إلَّا عَلَى كَلَامِ عَاقِلٍ فَإِذَا طَلَّقَ وَهُوَ مَجْنُونٌ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ بِخِلَافِ مَا إذَا فَوَّضَ إلَى مَجْنُونٍ ابْتِدَاءً وَبَيْنَ التَّفْوِيضِ إلَى مَجْنُونٍ وَتَوْكِيلِهِ بِالْبَيْعِ فَرْقٌ فَإِنَّهُ فِي التَّفْوِيضِ يَصِحُّ ، وَإِنْ لَمْ يَعْقِلْ أَصْلًا بِاعْتِبَارِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ ، وَفِي التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا كَانَ يَعْقِلُ الْبَيْعَ ، وَالشِّرَاءَ كَمَا قَيَّدَهُ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ وَكَأَنَّهُ بِمَعْنَى الْمَعْتُوهِ وَمِنْ فَرْعَيْ التَّفْوِيضِ ، وَالتَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ ظَهَرَ أَنَّهُ تُسُومِحَ فِي الِابْتِدَاءِ مَا لَمْ يُتَسَامَحْ فِي الْبَقَاءِ وَهُوَ خِلَافُ الْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ يُتَسَامَحُ فِي الْبَقَاءِ مَا لَا يُتَسَامَحُ فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْمُحِيطِ ، وَالْخَانِيَّةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ لَا فِيمَا إذَا وَكَّلَهُمَا وَلَا بُدَّ فِي صِحَّةِ التَّوْكِيلِ مُطْلَقًا مِنْ عَقْلِ الْوَكِيلِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ فَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْعَقْلِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَحِينَئِذٍ فَهَذِهِ مِمَّا خَالَفَ فِيهَا التَّمْلِيكُ التَّوْكِيلَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ جَوَابَ الْأَمْرِ بِالتَّطْلِيقِ الْمُعَلَّقِ بِالْمَشِيئَةِ ، وَفِي الْمُحِيطِ : لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ طَلِّقْ امْرَأَتِي إنْ شِئْت فَقَالَ شِئْت لَا يَقَعْ لِأَنَّ الزَّوْجَ أَمَرَهُ بِتَطْلِيقِهَا إنْ شَاءَ وَلَمْ يُوجَدْ التَّطْلِيقُ بِقَوْلِهِ شِئْت فَلَوْ قَالَ هِيَ طَالِقٌ إنْ شِئْت فَقَالَ شِئْت وَقَعَ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ مَشِيئَتُهُ ، وَلَوْ قَالَ طَلِّقْهَا فَقَالَ فَعَلْت وَقَعَ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَعَلْت كِنَايَةٌ عَنْ قَوْلِهِ طَلَّقْت ، وَلَوْ قَالَ : أَنْت طَالِقٌ إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَمَاتَ فُلَانٌ لَا يَقَعُ لِتَعَذُّرِ وُجُودِ الشَّرْطِ ا هـ .
وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِ رَجُلَيْنِ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا ، وَلَوْ قَالَ لَهُمَا طَلِّقَا امْرَأَتِي ثَلَاثًا فَطَلَّقَهَا أَحَدُهُمَا وَاحِدَةً ، وَالْآخَرُ ثِنْتَيْنِ طَلُقَتْ ثَلَاثًا ا هـ .
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَ التَّفْوِيضَ إلَيْهَا مَعَ رَجُلٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِالْأُولَى وَقَدَّمْنَا قَرِيبًا عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ الْفَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ قُلْ لَهَا أَمْرُك بِيَدِك حَيْثُ لَا يَكُونُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا إلَّا إذَا قَالَ لَهَا وَقَوْلُهُ : قُلْ لَهَا إنَّ أَمْرَك بِيَدِك حَيْثُ يَكُونُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا مِنْ غَيْرِ قَوْلِ الرَّسُولِ ، وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ شَهِدَا أَنَّ فُلَانًا أَمَرَنَا أَنْ نُبَلِّغَ امْرَأَتَهُ أَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهَا فَبَلَّغْنَاهَا ، وَقَدْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا بَعْدَهُ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا ، وَلَوْ شَهِدَا أَنَّ فُلَانًا قَالَ لَنَا فُوِّضَا إلَيْهَا فَفَعَلْنَا لَمْ يَجُزْ نَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا أَنَّ فُلَانًا أَمَرَنَا أَنْ نُبَلِّغَ فُلَانًا أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ قِنِّهِ فَأَعْلَمْنَاهُ ثُمَّ بَاعَهُ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا ا هـ .
وَلَوْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ إلَّا إذَا زَادَ إنْ شِئْت أَوْ شَاءَتْ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ 359 يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ إذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا فِي الْخَانِيَّةِ لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ : أَنْت وَكِيلِي فِي طَلَاقِ امْرَأَتِي إنْ شَاءَتْ أَوْ هَوِيَتْ أَوْ أَرَادَتْ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا حَتَّى تَشَاءَ الْمَرْأَةُ فِي مَجْلِسِهَا لِأَنَّهُ عَلَّقَ التَّوْكِيلَ بِمَشِيئَتِهَا فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَجْلِسِ الْعِلْمِ كَمَا لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَشِيئَتِهَا فَإِذَا شَاءَتْ فِي الْمَجْلِسِ يَكُونُ وَكِيلًا فَإِنْ قَامَ الْوَكِيلُ عَنْ الْمَجْلِسِ قَبْلَ أَنْ يُطَلِّقَ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لَا تَبْطُلُ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَالْمُرْسَلِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ مَشِيئَتِهَا أَنْتَ وَكِيلِي فِي طَلَاقِهَا فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ .
قَالُوا : وَالصَّحِيحُ جَوَابُ الْكِتَابِ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْوَكَالَةِ بِالطَّلَاقِ بِنَاءً عَلَى مَا فَوَّضَ إلَيْهَا مِنْ الْمَشِيئَةِ وَمَشِيئَتُهَا تَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ فَكَذَلِكَ الْوَكَالَةُ ا هـ .
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَشِيئَتِهَا فِي مَجْلِسِهَا وَتَطْلِيقُهُ فِي مَجْلِسِهِ وَهَذَا مِمَّا يُلْغَزُ بِهِ فَيُقَالُ وَكَالَةٌ تَقَيَّدَتْ بِمَجْلِسِ الْوَكِيلِ وَإِيَّاكَ أَنْ تَفْهَمَ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْمَجْلِسِ أَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إذَا عَلَّقَهُ بِمَشِيئَتِهِ وَهُنَا عَلَّقَهُ بِمَشِيئَتِهَا فَكَانَ تَوْكِيلًا فَيَمْلِكُ عَزْلَهُ ، وَفِي الْقُنْيَةِ كَتَبَ إلَى أَخِيهِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنْ وَصَلَ إلَيْك كِتَابِي فَطَلِّقْ امْرَأَتِي إنْ سَأَلَتْ ذَلِكَ فَوَصَلَ وَعَرَضَ عَلَيْهَا فَلَمْ تَسْأَلْ الطَّلَاقَ إلَّا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَوْ خَمْسَةٍ ثُمَّ سَأَلَتْهُ فَطَلَّقَهَا لَا يَقَعُ قَالَ لَهُ طَلِّقْ امْرَأَتِي إنْ شَاءَتْ لَا يَصِيرُ وَكِيلًا مَا لَمْ تَشَأْ وَلَهَا الْمَشِيئَةُ فِي مَجْلِسِ عِلْمِهَا فَإِذَا شَاءَتْ صَارَ وَكِيلًا فَلَوْ طَلَّقَهَا فِي الْمَجْلِسِ يَقَعُ ، وَلَوْ قَامَ عَنْ مَجْلِسِهِ بَطَلَ التَّوْكِيلُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْفَظَ هَذَا فَإِنَّ الْبَلْوَى فِيهِ تَعُمُّ فَإِنَّ عَامَّةَ كُتُبِ الطَّلَاقِ عَلَى هَذِهِ الْمَثَابَةِ ، وَالْوُكَلَاءُ يُؤَخِّرُونَ الْإِيقَاعَ عَنْ مَشِيئَتِهَا وَلَا يَدْرُونَ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ ا هـ .
وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ طَلَّقَهَا لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ أُرِيدُ أَنْ أُطَلِّقَ امْرَأَتَك ثَلَاثًا فَقَالَ الزَّوْجُ نَعَمْ فَقَالَ الرَّجُلُ طَلَّقْت امْرَأَتَك ثَلَاثًا فَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ نَعَمْ بَعْدَ قَوْلِهَا لَهُ أُرِيدُ أَنْ أُطَلِّقَ نَفْسِي ثُمَّ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا إذَا نَوَى الزَّوْجُ التَّفْوِيضَ إلَيْهَا ، وَإِنْ عَنَى بِذَلِكَ طَلِّقِي نَفْسَك إنْ اسْتَطَعْت أَوْ طَلِّقْهَا إنْ اسْتَطَعْت لَا تَطْلُقُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ ، وَلَوْ قَالَ لَا أَنْهَاك عَنْ طَلَاقِ امْرَأَتِي لَا يَكُونُ تَوْكِيلًا ، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ لَا أَنْهَاك عَنْ التِّجَارَةِ يَكُونُ إذْنًا فِي التِّجَارَةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ لِلْعَبْدِ ذَلِكَ لَا يَكُونُ دُونَ مَا لَوْ رَآهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي وَلَمْ يَنْهَهُ وَثَمَّةَ يَصِيرُ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ فَهَهُنَا أَوْلَى ، وَلَوْ رَأَى إنْسَانًا يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يَنْهَهُ لَا يَصِيرُ الْمُطَلِّقُ وَكِيلًا وَلَا يَقَعُ كَذَلِكَ هُنَا ، وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ وَكَّلْتُك فِي جَمِيعِ أُمُورِي فَطَلَّقَ الْوَكِيلُ امْرَأَتَهُ اخْتَلَفُوا فِيهِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ ، وَفِي فَتَاوَى الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ لَوْ قَالَ وَكَّلْتُك فِي جَمِيعِ أُمُورِي وَأَقَمْتُك مَقَامَ نَفْسِي لَمْ تَكُنْ الْوَكَالَةُ عَامَّةً ، وَإِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّجُلِ مُخْتَلِفًا لَيْسَ لَهُ صِنَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ فَالْوَكَالَةُ بَاطِلَةٌ ، وَإِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ تَاجِرًا يَنْصَرِفُ التَّوْكِيلُ إلَى التِّجَارَةِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث