البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الرابع
( قَوْلُهُ : فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا سَمَّى ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا صَرِيحٌ فِي تَعَيُّنِهِ وَعَدَمِ جَوَازِ الْبَدَلِ هَذَا مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِعَدَمِ تَعَيُّنِ الدِّرْهَمِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الدِّينَارَ كَذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْفُلُوسُ النَّافِقَةُ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ وَسَيَأْتِي قَرِيبًا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِالْأَصْلِ لَا بِكُلِّ وَصْفٍ تَأَمَّلْ .
( قَوْلُهُ : وَفِي رِوَايَةِ النَّوَادِرِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِمَا ) ظَاهِرُ سِيَاقِ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ ضَمِيرَ فِيهِمَا عَائِدٌ عَلَى الْمَنْذُورِ الْمُنَجَّزِ وَالْمُعَلَّقِ مُطْلَقًا وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ قَوْلُهُ : إنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ أَيْ الَّذِي صَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الرِّوَايَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى قِسْمَيْ الْمُعَلَّقِ أَعْنِي الْمُعَلَّقَ بِشَرْطٍ يُرِيدُ كَوْنَهُ ، أَوْ لَا يُرِيدُ كَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْفَتْحِ فَإِنَّهُ بَعْدَمَا ذَكَرَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَالْقَوْلَ الثَّانِيَ الَّذِي صَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ قَالَ : وَالْأَوَّلُ وَهُوَ لُزُومُ الْوَفَاءِ بِهِ عَيْنًا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالتَّخْيِيرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي النَّوَادِرِ وَكَذَا ذَكَرَ فِي الْعِنَايَةِ فَإِنَّهُ بَعْدَمَا ذَكَرَ رُجُوعَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَى التَّخْيِيرِ فِيمَا لَا يُرِيدُ كَوْنَهُ وَأَنَّهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ قَالَ وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي النَّوَادِرِ ، وَفِي النَّهْرِ بَعْدَ سَوْقِهِ كَلَامَ الْخُلَاصَةِ قَالَ فِي الْبَحْرِ : فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى التَّخْيِيرِ مُطْلَقًا وَأَقُولُ : وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْخُلَاصَةِ فِي التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ الَّذِي لَا يُرَادُ كَوْنُهُ فَالْإِطْلَاقُ مَمْنُوعٌ أَعْنِي سَوَاءٌ أُرِيدَ كَوْنُهُ أَوْ لَا وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ . ا هـ . كَلَامُ النَّهْرِ وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُ إنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الرِّوَايَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ .
وَقَوْلُهُ : وَلِذَا اُعْتُرِضَ فِي الْعِنَايَةِ عَلَى تَصْحِيحِ الْهِدَايَةِ أَيْ حَيْثُ قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ حَصْرَ الصِّحَّةِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ، وَإِنْ أَرَادَ مِنْ حَيْثُ الدِّرَايَةُ لِدَفْعِ التَّعَارُضِ فَالدَّفْعُ مُمْكِنٌ مِنْ حَيْثُ حَمْلُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْمُرْسَلِ وَالْآخَرِ عَلَى الْمُعَلَّقِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ مَا يُرِيدُ كَوْنَهُ وَمَا لَا يُرِيدُ كَوْنَهُ وَأَجَابَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ مُنْتَصِرًا لِمَا فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ حَصْرَ الصِّحَّةِ مِنْ حَيْثُ رُجُوعُ الْإِمَامِ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ فَصَارَ هُوَ الصَّحِيحَ لِأَنَّ الْمَرْجُوعَ عَنْهُ لَا يُقَاوِمُ الْمَرْجُوعَ إلَيْهِ فِي الصِّحَّةِ ; لِأَنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ أَمْرُ الْمُجْتَهِدِ وَرَأْيُهُ عَلَيْهِ صَارَ هُوَ الْمَذْهَبَ لِلْإِمَامِ فَيَصِيرُ الْمُسَطَّرُ عَنْهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَالْمَنْسُوخِ بِمَا بَعْدَهُ وَلَا يَكُونُ مَا أَرَادَهُ الْأَكْمَلُ إلَّا إذَا تَقَابَلَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَالنَّوَادِرِ وَتَعَارَضَا مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ عَنْ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَمَّا مَعَهُ كَمَا بَيَّنَّا فَلَا وَلِهَذَا أَفْتَى بِمَا فِي النَّوَادِرِ إسْمَاعِيلُ الزَّاهِدُ وَمَشَايِخُ بَلْخٍ وَبَعْضُ مَشَايِخِ بُخَارَى .
وَاخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَالْقَاضِي الْمَرْوَزِيِّ وَقَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ : وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَقَالَ فِي الْفَيْضِ 321 وَالْمُفْتَى بِهِ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ رُجُوعِهِ وَكَذَا اخْتَارَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ ، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَاخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ وَالصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَبِهِ يُفْتَى وَقَدْ جَعَلَهُ مَتْنًا فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَصَحَّحَهُ وَكَذَا صَحَّحَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَتَمَامُهُ فِي رِسَالَتِهِ الْمُسَمَّاةِ بِتُحْفَةِ التَّحْرِيرِ وَبَيَّنَ فِيهَا أَيْضًا أَنَّ مَا رَجَعَ إلَيْهِ الْإِمَامُ هُوَ التَّخْيِيرُ فِي صُورَةِ التَّعْلِيقِ بِمَا لَا يُرَادُ كَوْنُهُ وَأَنَّ قَوْلَ الْهِدَايَةِ وَهَذَا إذَا كَانَ شَرْطًا لَا يُرِيدُ كَوْنَهُ وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ الْهُمَامِ وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ وَالْمُحَقِّقُونَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرْطِ الشَّرْطُ الَّذِي لَا يُرِيدُ كَوْنَهُ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ مَا رَجَعَ إلَيْهِ الْإِمَامُ شَامِلٌ لِذَلِكَ وَلِلشَّرْطِ الَّذِي يُرِيدُ كَوْنَهُ وَأَنَّهُ فِي الْهِدَايَةِ اخْتَارَ تَخْصِيصَهُ بِمَا لَا يُرِيدُ كَوْنَهُ لِأَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ خَاصٌّ بِالثَّانِي كَمَا اقْتَضَاهُ التَّمْثِيلُ بِقَوْلِهِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ حَجَّةٌ أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ إلَخْ لَكِنْ لَمَّا كَانَ ظَاهِرُ قَوْلِ حَاكِي الرُّجُوعِ شُمُولَ الْمَنْذُورِ بِقَوْلِهِ أَخْبَرَنِي الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانَ أَنَّ الْإِمَامَ رَجَعَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ وَقَالَ يُتَخَيَّرُ . بَيَّنَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَمَنْ وَافَقَهُ حُكْمُ النَّوْعِ الَّذِي رَجَعَ عَنْهُ الْإِمَامُ لِئَلَّا يَفْهَمَ أَحَدٌ شُمُولَ الرُّجُوعِ فَيَجْرِيَ التَّخْيِيرُ عُمُومًا فِي كُلِّ مَنْذُورٍ ا هـ .
وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ سِوَى الْقَوْلَيْنِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالْقَوْلِ بِالتَّفْصِيلِ فِي الْمُعَلَّقِ ( قَوْلُهُ : لِمَا قَدَّمْنَاهُ ) قَالَ الرَّمْلِيُّ : قَدَّمَهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَزِمَ النَّفَلُ بِالشُّرُوعِ ( قَوْلُهُ : وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَاجِبُ عِبَادَةً مَقْصُودَةً ) ظَاهِرُهُ بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّ الْمَشْرُوطَ كَوْنُهُ عِبَادَةً مَقْصُودَةً هُوَ الْوَاجِبُ الَّذِي مِنْ جِنْسِ الْمَنْذُورِ لَا الْمَنْذُورُ نَفْسُهُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ مِمَّا هُوَ طَاعَةٌ مَقْصُودَةٌ لِنَفْسِهَا وَمِنْ جِنْسِهَا وَاجِبٌ ا هـ .
وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ وَقَالَ : فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِنَذْرِ مَعْصِيَةٍ وَلَا يَلْزَمُهُ بِنَذْرِ مُبَاحٍ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَلُبْسٍ وَجِمَاعٍ وَطَلَاقٍ وَلَا بِنَذْرِ مَا لَيْسَ بِعِبَادَةٍ مَقْصُودَةٍ كَنَذْرِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، ثُمَّ قَالَ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ : وَمِنْ شُرُوطِهِ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً مَقْصُودَةً فَلَا يَصِحُّ النَّذْرُ بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَتَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ وَالْوُضُوءِ وَالِاغْتِسَالِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَالْأَذَانِ وَبِنَاءِ الرِّبَاطَاتِ وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَتْ قُرَبًا ; لِأَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ ا هـ .
فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الشَّرْطَ كَوْنُ الْمَنْذُورِ نَفْسِهِ عِبَادَةً مَقْصُودَةً لَا مَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ صَحَّحُوا النَّذْرَ بِالْوَقْفِ ; لِأَنَّ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبًا وَهُوَ وَقْفُ مَسْجِدٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ غَيْرُ مَقْصُودٍ ( قَوْلُهُ : بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَأُهْدِيَنَّ ) قَالَ فِي النَّهْرِ : وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّأْكِيدِ وَعَدَمِهِ مِمَّا لَا أَثَرَ لَهُ يَظْهَرُ فِي صِحَّةِ النَّذْرِ وَعَدَمِهِ ثُمَّ عَلَى الصِّحَّةِ هَلْ تَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا أَوْ بِتَوَقُّفِ الْحَالِ إلَى مِلْكِهَا ؟ مَحَلُّ تَرَدُّدٍ .
( قَوْلُهُ : لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ) أَقُولُ : فِي الْبَزَّازِيَّةِ : إنْ عُوفِيتُ صُمْتُ كَذَا لَمْ يَجِبْ مَا لَمْ يَقُلْ لِلَّهِ عَلَيَّ ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجِبُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَعْلِيقًا لَا يَجِبُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا كَمَا إذَا قَالَ : أَنَا أَحُجُّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ قَالَ : إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا أَحُجُّ فَفَعَلَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ إنْ سَلِمَ وَلَدِي أَصُومُ مَا عِشْتُ فَهَذَا وَعْدٌ ا هـ .
فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا هُنَا مَبْنِيًّا عَلَى الْقِيَاسِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ وَعْدٌ لِعَدَمِ الْفَاءِ الرَّابِطَةِ فِي قَوْلِهِ عَلَيَّ شَاةٌ أَذْبَحُهَا تَأَمَّلْ . 322 ( قَوْلُهُ : وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْوَاجِبِ الْفَرْضُ إلَخْ ) تَبِعَهُ فِي ذَلِكَ تِلْمِيذُهُ فِي الْمِنَحِ وَقَوَّاهُ بِنَصِّ الدُّرَرِ عَلَى الِافْتِرَاضِ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : أَقُولُ : إنَّ مَا فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ لَا يُعَيِّنُ اشْتِرَاطَ الِافْتِرَاضِ بَلْ إنَّمَا لَمْ يَلْزَمْهُ ; لِأَنَّ مَا صَدَرَ مِنْهُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ لَيْسَ نَذْرًا حَتَّى لَوْ تَلَفَّظَ بِصِيغَةِ النَّذْرِ فِي الذَّبْحِ لَزِمَهُ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ لَا فَرْضٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْهِنْدِيَّةِ عَنْ فَتَاوَى قَاضِي خَانْ : رَجُلٌ قَالَ إنْ بَرِئْتُ مِنْ مَرَضِي هَذَا ذَبَحْتُ شَاةً فَبَرِئَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَقُولَ إنْ بَرِئْتُ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ شَاةً ا هـ .
فَأَفَادَ أَنَّهُ إذَا صَرَّحَ بِنَذْرِ الذَّبْحِ لَزِمَهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُوبِ حَقِيقَتُهُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الدُّرَرِ الْمَنْذُورُ إذَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْفُرُوضِ لَزِمَ النَّاذِرَ فَيُرَادُ بِهِ مَا يَعُمُّ الْوَاجِبَ بِأَنْ يُرَادَ بِالْفَرْضِ فِي كَلَامِهِ اللَّازِمُ وَبِهِ يَنْدَفِعُ التَّنَافِي الْوَاقِعُ فِي عِبَارَاتِهِمْ ا هـ .
قُلْت : وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي آخِرِ أُضْحِيَّةِ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ حَيْثُ قَالَ مَا نَصُّهُ نَذَرَ عَشْرَ أُضْحِيَّاتٍ لَزِمَهُ ثِنْتَانِ لِمَجِيءِ الْأَمْرِ بِهِمَا ، خَانِيَّةٌ : وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ الْكُلِّ لِإِيجَابِهِ مَا لِلَّهِ مِنْ جِنْسِهِ إيجَابٌ شَرْحُ وَهْبَانِيَّةٍ : قُلْت : وَمُفَادُهُ لُزُومُ النَّذْرِ بِمَا مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ اعْتِقَادِيٌّ ، أَوْ اصْطِلَاحِيٌّ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فَلْيُحْفَظْ ا هـ .
( قَوْلُهُ : أَوْ أَنْ أُضَحِّيَ ) أَقُولُ : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ إذَا نَوَى الْأُضْحِيَّةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ وَكَانَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ لِمَا فِي أُضْحِيَّةِ الْبَدَائِعِ لَوْ نَذَرَ أَنْ يُضَحِّيَ شَاةً وَذَلِكَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَهُوَ مُوسِرٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ بِشَاتَيْنِ عِنْدَنَا شَاةٍ لِلنَّذْرِ وَشَاةٍ بِإِيجَابِ الشَّرْعِ ابْتِدَاءً إلَّا إذَا عَنَى بِهِ الْإِخْبَارَ عَنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا وَاحِدَةٌ وَلَوْ قَبْلَ أَيَّامِ النَّحْرِ لَزِمَهُ شَاتَانِ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّ الصِّيغَةَ لَا تَحْتَمِلُ الْإِخْبَارَ عَنْ الْوَاجِبِ إذْ لَا وُجُوبَ 323 قَبْلَ الْوَقْتِ ا هـ . تَأَمَّلْ .
( قَوْلُهُ : وَفِي رِوَايَةِ النَّوَادِرِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِمَا ) ظَاهِرُ سِيَاقِ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ ضَمِيرَ فِيهِمَا عَائِدٌ عَلَى الْمَنْذُورِ الْمُنَجَّزِ وَالْمُعَلَّقِ مُطْلَقًا وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ قَوْلُهُ : إنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ أَيْ الَّذِي صَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الرِّوَايَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى قِسْمَيْ الْمُعَلَّقِ أَعْنِي الْمُعَلَّقَ بِشَرْطٍ يُرِيدُ كَوْنَهُ ، أَوْ لَا يُرِيدُ كَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْفَتْحِ فَإِنَّهُ بَعْدَمَا ذَكَرَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَالْقَوْلَ الثَّانِيَ الَّذِي صَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ قَالَ : وَالْأَوَّلُ وَهُوَ لُزُومُ الْوَفَاءِ بِهِ عَيْنًا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالتَّخْيِيرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي النَّوَادِرِ وَكَذَا ذَكَرَ فِي الْعِنَايَةِ فَإِنَّهُ بَعْدَمَا ذَكَرَ رُجُوعَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَى التَّخْيِيرِ فِيمَا لَا يُرِيدُ كَوْنَهُ وَأَنَّهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ قَالَ وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي النَّوَادِرِ ، وَفِي النَّهْرِ بَعْدَ سَوْقِهِ كَلَامَ الْخُلَاصَةِ قَالَ فِي الْبَحْرِ : فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى التَّخْيِيرِ مُطْلَقًا وَأَقُولُ : وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْخُلَاصَةِ فِي التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ الَّذِي لَا يُرَادُ كَوْنُهُ فَالْإِطْلَاقُ مَمْنُوعٌ أَعْنِي سَوَاءٌ أُرِيدَ كَوْنُهُ أَوْ لَا وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ . ا هـ . كَلَامُ النَّهْرِ وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُ إنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الرِّوَايَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ .
وَقَوْلُهُ : وَلِذَا اُعْتُرِضَ فِي الْعِنَايَةِ عَلَى تَصْحِيحِ الْهِدَايَةِ أَيْ حَيْثُ قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ حَصْرَ الصِّحَّةِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ، وَإِنْ أَرَادَ مِنْ حَيْثُ الدِّرَايَةُ لِدَفْعِ التَّعَارُضِ فَالدَّفْعُ مُمْكِنٌ مِنْ حَيْثُ حَمْلُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْمُرْسَلِ وَالْآخَرِ عَلَى الْمُعَلَّقِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ مَا يُرِيدُ كَوْنَهُ وَمَا لَا يُرِيدُ كَوْنَهُ وَأَجَابَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ مُنْتَصِرًا لِمَا فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ حَصْرَ الصِّحَّةِ مِنْ حَيْثُ رُجُوعُ الْإِمَامِ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ فَصَارَ هُوَ الصَّحِيحَ لِأَنَّ الْمَرْجُوعَ عَنْهُ لَا يُقَاوِمُ الْمَرْجُوعَ إلَيْهِ فِي الصِّحَّةِ ; لِأَنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ أَمْرُ الْمُجْتَهِدِ وَرَأْيُهُ عَلَيْهِ صَارَ هُوَ الْمَذْهَبَ لِلْإِمَامِ فَيَصِيرُ الْمُسَطَّرُ عَنْهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَالْمَنْسُوخِ بِمَا بَعْدَهُ وَلَا يَكُونُ مَا أَرَادَهُ الْأَكْمَلُ إلَّا إذَا تَقَابَلَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَالنَّوَادِرِ وَتَعَارَضَا مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ عَنْ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَمَّا مَعَهُ كَمَا بَيَّنَّا فَلَا وَلِهَذَا أَفْتَى بِمَا فِي النَّوَادِرِ إسْمَاعِيلُ الزَّاهِدُ وَمَشَايِخُ بَلْخٍ وَبَعْضُ مَشَايِخِ بُخَارَى .
وَاخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَالْقَاضِي الْمَرْوَزِيِّ وَقَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ : وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَقَالَ فِي الْفَيْضِ 321 وَالْمُفْتَى بِهِ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ رُجُوعِهِ وَكَذَا اخْتَارَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ ، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَاخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ وَالصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَبِهِ يُفْتَى وَقَدْ جَعَلَهُ مَتْنًا فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَصَحَّحَهُ وَكَذَا صَحَّحَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَتَمَامُهُ فِي رِسَالَتِهِ الْمُسَمَّاةِ بِتُحْفَةِ التَّحْرِيرِ وَبَيَّنَ فِيهَا أَيْضًا أَنَّ مَا رَجَعَ إلَيْهِ الْإِمَامُ هُوَ التَّخْيِيرُ فِي صُورَةِ التَّعْلِيقِ بِمَا لَا يُرَادُ كَوْنُهُ وَأَنَّ قَوْلَ الْهِدَايَةِ وَهَذَا إذَا كَانَ شَرْطًا لَا يُرِيدُ كَوْنَهُ وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ الْهُمَامِ وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ وَالْمُحَقِّقُونَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرْطِ الشَّرْطُ الَّذِي لَا يُرِيدُ كَوْنَهُ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ مَا رَجَعَ إلَيْهِ الْإِمَامُ شَامِلٌ لِذَلِكَ وَلِلشَّرْطِ الَّذِي يُرِيدُ كَوْنَهُ وَأَنَّهُ فِي الْهِدَايَةِ اخْتَارَ تَخْصِيصَهُ بِمَا لَا يُرِيدُ كَوْنَهُ لِأَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ خَاصٌّ بِالثَّانِي كَمَا اقْتَضَاهُ التَّمْثِيلُ بِقَوْلِهِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ حَجَّةٌ أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ إلَخْ لَكِنْ لَمَّا كَانَ ظَاهِرُ قَوْلِ حَاكِي الرُّجُوعِ شُمُولَ الْمَنْذُورِ بِقَوْلِهِ أَخْبَرَنِي الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانَ أَنَّ الْإِمَامَ رَجَعَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ وَقَالَ يُتَخَيَّرُ . بَيَّنَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَمَنْ وَافَقَهُ حُكْمُ النَّوْعِ الَّذِي رَجَعَ عَنْهُ الْإِمَامُ لِئَلَّا يَفْهَمَ أَحَدٌ شُمُولَ الرُّجُوعِ فَيَجْرِيَ التَّخْيِيرُ عُمُومًا فِي كُلِّ مَنْذُورٍ ا هـ .
وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ سِوَى الْقَوْلَيْنِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالْقَوْلِ بِالتَّفْصِيلِ فِي الْمُعَلَّقِ ( قَوْلُهُ : لِمَا قَدَّمْنَاهُ ) قَالَ الرَّمْلِيُّ : قَدَّمَهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَزِمَ النَّفَلُ بِالشُّرُوعِ ( قَوْلُهُ : وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَاجِبُ عِبَادَةً مَقْصُودَةً ) ظَاهِرُهُ بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّ الْمَشْرُوطَ كَوْنُهُ عِبَادَةً مَقْصُودَةً هُوَ الْوَاجِبُ الَّذِي مِنْ جِنْسِ الْمَنْذُورِ لَا الْمَنْذُورُ نَفْسُهُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ مِمَّا هُوَ طَاعَةٌ مَقْصُودَةٌ لِنَفْسِهَا وَمِنْ جِنْسِهَا وَاجِبٌ ا هـ .
وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ وَقَالَ : فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِنَذْرِ مَعْصِيَةٍ وَلَا يَلْزَمُهُ بِنَذْرِ مُبَاحٍ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَلُبْسٍ وَجِمَاعٍ وَطَلَاقٍ وَلَا بِنَذْرِ مَا لَيْسَ بِعِبَادَةٍ مَقْصُودَةٍ كَنَذْرِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، ثُمَّ قَالَ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ : وَمِنْ شُرُوطِهِ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً مَقْصُودَةً فَلَا يَصِحُّ النَّذْرُ بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَتَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ وَالْوُضُوءِ وَالِاغْتِسَالِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَالْأَذَانِ وَبِنَاءِ الرِّبَاطَاتِ وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَتْ قُرَبًا ; لِأَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ ا هـ .
فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الشَّرْطَ كَوْنُ الْمَنْذُورِ نَفْسِهِ عِبَادَةً مَقْصُودَةً لَا مَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ صَحَّحُوا النَّذْرَ بِالْوَقْفِ ; لِأَنَّ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبًا وَهُوَ وَقْفُ مَسْجِدٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ غَيْرُ مَقْصُودٍ ( قَوْلُهُ : بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَأُهْدِيَنَّ ) قَالَ فِي النَّهْرِ : وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّأْكِيدِ وَعَدَمِهِ مِمَّا لَا أَثَرَ لَهُ يَظْهَرُ فِي صِحَّةِ النَّذْرِ وَعَدَمِهِ ثُمَّ عَلَى الصِّحَّةِ هَلْ تَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا أَوْ بِتَوَقُّفِ الْحَالِ إلَى مِلْكِهَا ؟ مَحَلُّ تَرَدُّدٍ .
( قَوْلُهُ : لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ) أَقُولُ : فِي الْبَزَّازِيَّةِ : إنْ عُوفِيتُ صُمْتُ كَذَا لَمْ يَجِبْ مَا لَمْ يَقُلْ لِلَّهِ عَلَيَّ ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجِبُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَعْلِيقًا لَا يَجِبُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا كَمَا إذَا قَالَ : أَنَا أَحُجُّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ قَالَ : إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا أَحُجُّ فَفَعَلَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ إنْ سَلِمَ وَلَدِي أَصُومُ مَا عِشْتُ فَهَذَا وَعْدٌ ا هـ .
فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا هُنَا مَبْنِيًّا عَلَى الْقِيَاسِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ وَعْدٌ لِعَدَمِ الْفَاءِ الرَّابِطَةِ فِي قَوْلِهِ عَلَيَّ شَاةٌ أَذْبَحُهَا تَأَمَّلْ . 322 ( قَوْلُهُ : وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْوَاجِبِ الْفَرْضُ إلَخْ ) تَبِعَهُ فِي ذَلِكَ تِلْمِيذُهُ فِي الْمِنَحِ وَقَوَّاهُ بِنَصِّ الدُّرَرِ عَلَى الِافْتِرَاضِ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : أَقُولُ : إنَّ مَا فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ لَا يُعَيِّنُ اشْتِرَاطَ الِافْتِرَاضِ بَلْ إنَّمَا لَمْ يَلْزَمْهُ ; لِأَنَّ مَا صَدَرَ مِنْهُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ لَيْسَ نَذْرًا حَتَّى لَوْ تَلَفَّظَ بِصِيغَةِ النَّذْرِ فِي الذَّبْحِ لَزِمَهُ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ لَا فَرْضٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْهِنْدِيَّةِ عَنْ فَتَاوَى قَاضِي خَانْ : رَجُلٌ قَالَ إنْ بَرِئْتُ مِنْ مَرَضِي هَذَا ذَبَحْتُ شَاةً فَبَرِئَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَقُولَ إنْ بَرِئْتُ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ شَاةً ا هـ .
فَأَفَادَ أَنَّهُ إذَا صَرَّحَ بِنَذْرِ الذَّبْحِ لَزِمَهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُوبِ حَقِيقَتُهُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الدُّرَرِ الْمَنْذُورُ إذَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْفُرُوضِ لَزِمَ النَّاذِرَ فَيُرَادُ بِهِ مَا يَعُمُّ الْوَاجِبَ بِأَنْ يُرَادَ بِالْفَرْضِ فِي كَلَامِهِ اللَّازِمُ وَبِهِ يَنْدَفِعُ التَّنَافِي الْوَاقِعُ فِي عِبَارَاتِهِمْ ا هـ .
قُلْت : وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي آخِرِ أُضْحِيَّةِ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ حَيْثُ قَالَ مَا نَصُّهُ نَذَرَ عَشْرَ أُضْحِيَّاتٍ لَزِمَهُ ثِنْتَانِ لِمَجِيءِ الْأَمْرِ بِهِمَا ، خَانِيَّةٌ : وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ الْكُلِّ لِإِيجَابِهِ مَا لِلَّهِ مِنْ جِنْسِهِ إيجَابٌ شَرْحُ وَهْبَانِيَّةٍ : قُلْت : وَمُفَادُهُ لُزُومُ النَّذْرِ بِمَا مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ اعْتِقَادِيٌّ ، أَوْ اصْطِلَاحِيٌّ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فَلْيُحْفَظْ ا هـ .
( قَوْلُهُ : أَوْ أَنْ أُضَحِّيَ ) أَقُولُ : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ إذَا نَوَى الْأُضْحِيَّةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ وَكَانَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ لِمَا فِي أُضْحِيَّةِ الْبَدَائِعِ لَوْ نَذَرَ أَنْ يُضَحِّيَ شَاةً وَذَلِكَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَهُوَ مُوسِرٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ بِشَاتَيْنِ عِنْدَنَا شَاةٍ لِلنَّذْرِ وَشَاةٍ بِإِيجَابِ الشَّرْعِ ابْتِدَاءً إلَّا إذَا عَنَى بِهِ الْإِخْبَارَ عَنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا وَاحِدَةٌ وَلَوْ قَبْلَ أَيَّامِ النَّحْرِ لَزِمَهُ شَاتَانِ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّ الصِّيغَةَ لَا تَحْتَمِلُ الْإِخْبَارَ عَنْ الْوَاجِبِ إذْ لَا وُجُوبَ 323 قَبْلَ الْوَقْتِ ا هـ . تَأَمَّلْ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث