البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الرابع
الصفحة 2527 · ص. المطبوع 352 · الشرح
( قَوْلُهُ : وَالْفَاكِهَةُ التُّفَّاحُ وَالْبِطِّيخُ وَالْمِشْمِشُ لَا الْعِنَبُ وَالرُّمَّانُ وَالرُّطَبُ وَالْقِثَّاءُ وَالْخِيَارُ ) ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَالَا يَحْنَثُ فِي الرُّمَّانِ وَالْعِنَبِ وَالرُّطَبِ أَيْضًا وَالْأَصْلُ أَنَّ الْفَاكِهَةَ اسْمٌ لِمَا يُتَفَكَّهُ بِهِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ أَيْ يُتَنَعَّمُ بِهِ زِيَادَةً عَلَى الْمُعْتَادِ وَالرَّطْبُ وَالْيَابِسُ فِيهِ سَوَاءٌ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ التَّفَكُّهُ بِهِ مُعْتَادًا حَتَّى لَا يَحْنَثُ بِيَابِسِ الْبِطِّيخِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي التُّفَّاحِ ، وَأَخَوَاتِهَا فَيَحْنَثُ بِهَا وَغَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ ; لِأَنَّهُمَا مِنْ الْبُقُولِ بَيْعًا ، وَأَكْلًا فَلَا يَحْنَثُ بِهِمَا ، وَأَمَّا الْعِنَبُ وَالرُّطَبُ وَالرُّمَّانُ فَهُمَا يَقُولَانِ مَعْنَى التَّفَكُّهِ مَوْجُودٌ فِيهِمَا فَإِنَّهَا أَعَزُّ الْفَوَاكِهِ وَالتَّنَعُّمُ بِهَا يَفُوقُ التَّنَعُّمَ بِغَيْرِهَا وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ إنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِمَّا يُتَغَذَّى بِهَا وَيُتَدَاوَى بِهَا فَأَوْجَبَ قُصُورًا فِي مَعْنَى التَّفَكُّهِ لِلِاسْتِعْمَالِ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ ، وَلِهَذَا كَانَ الْيَابِسُ مِنْهَا مِنْ التَّوَابِلِ أَوْ مِنْ الْأَقْوَاتِ وَذَكَرَ فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ أَنَّ هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ فَأَبُو حَنِيفَةَ أَفْتَى عَلَى 352 حَسَبِ عُرْفِهِ وَتَغَيَّرَ الْعُرْفُ فِي زَمَانِهِمَا ، وَفِي عُرْفِنَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ بِالِاتِّفَاقِ . ا هـ .
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ التُّوتُ فَاكِهَةٌ ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْعُنَّابَ فَاكِهَةٌ ، وَفِي الْأَصْلِ الْجَوْزُ فَاكِهَةٌ قَالَ الْقُدُورِيُّ ثَمَرُ الشَّجَرِ كُلِّهَا فَاكِهَةٌ إلَّا الرُّمَّانَ وَالْعِنَبَ وَالرُّطَبَ وَالْبِطِّيخَ مِنْ الْفَوَاكِهِ هَكَذَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ وَرَوَى الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِهِ أَنَّ الْبِطِّيخَ لَيْسَ مِنْ الْفَوَاكِهِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ مَا لَا يُؤْكَلُ يَابِسُهُ فَاكِهَةً فَرُطَبُهُ لَا يَكُونُ فَاكِهَةً ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ الْبَاقِلَاءُ الْأَخْضَرُ بِفَاكِهَةٍ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِلْعُرْفِ فَمَا يُؤْكَلُ عَلَى سَبِيلِ التَّفَكُّهِ عَادَةً وَيُعَدُّ فَاكِهَةً فِي الْعُرْفِ يَدْخُلُ تَحْتَ الْيَمِينِ ، وَمَا لَا فَلَا . ا هـ .
وَفِي الْمُحِيطِ مَا رُوِيَ أَنَّ الْجَوْزَ وَاللَّوْزَ مِنْ الْفَاكِهَةِ هُوَ فِي عُرْفِهِمْ أَمَّا فِي عُرْفِنَا فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ لِلتَّفَكُّهِ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ قَصَبُ السُّكْرِ وَالْبُسْرُ الْأَحْمَرُ فَاكِهَةٌ ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ فَاكِهَةِ الْعَامِ وَثِمَارِ الْعَامِ فَإِنْ كَانَ فِي أَيَّامِ الْفَاكِهَةِ الرَّطْبَةِ فَهُوَ عَلَى الرَّطْبِ فَإِنْ أَكَلَ الْيَابِسَ لَا يَحْنَثُ ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ ، وَقْتِهَا فَهُوَ عَلَى الْيَابِسِ ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ لِتَعَارُفِ النَّاسِ إطْلَاقَ اسْمِ الْفَاكِهَةِ فِي وَقْتِ الرَّطْبِ عَلَى الرَّطْبِ دُونَ الْيَابِسِ . ا هـ .
وَفِي الْبَدَائِعِ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً فَأَكَلَ زَبِيبًا أَوْ تَمْرًا أَوْ حَبَّ الرُّمَّانِ لَا يَحْنَثُ بِالْإِجْمَاعِ وَالْجَوْزُ رَطْبُهُ فَاكِهَةٌ وَيَابِسُهُ إدَامٌ . ا هـ .
قَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِالْفَاكِهَةِ ; لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْحَلْوَاءَ فَالْحَلْوَاءُ عِنْدَهُمْ كُلُّ حُلْوٍ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ حَامِضٌ ، وَمَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ حَامِضٌ فَلَيْسَ بِحَلْوَاءَ وَالْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ الْخَبِيصِ وَالْعَسَلِ وَالسُّكْرِ وَالنَّاطِفِ وَالرُّبِّ وَالرُّطَبِ وَالتَّمْرِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، وَكَذَا رَوَى الْمُعَلَّى عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا أَكَلَ تِينًا رَطْبًا أَوْ يَابِسًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا حَامِضٌ فَخَلَصَ مَعْنَى الْحَلَاوَةِ فِيهِ ، وَلَوْ أَكَلَ عِنَبًا حُلْوًا أَوْ بِطِّيخًا حُلْوًا أَوْ رُمَّانًا حُلْوًا أَوْ إجَاصًا حُلْوًا لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّ مِنْ جِنْسِهِ مَا لَيْسَ بِحَلْوَاءَ ، وَكَذَا الزَّبِيبُ ، وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ حَلْوَاةً فَهُوَ مِثْلُ الْحَلْوَاءِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْحُلْوَ وَالْحَلْوَاءَ وَالْحَلَاوَةَ وَاحِدٌ ، وَهَذَا لَيْسَ فِي عُرْفِنَا فَإِنَّ فِي عُرْفِنَا الْحُلْوَ اسْمٌ لِلْعَسَلِ الْمَطْبُوخِ عَلَى النَّارِ بِنَشَاءٍ وَنَحْوِهِ ، وَأَمَّا الْحَلْوَاءُ وَالْحَلَاوَةُ فَاسْمٌ لِسُكَّرٍ أَوْ عَسَلٍ أَوْ مَاءِ عِنَبٍ طُبِخَ عَلَى النَّارِ ، وَعَقَدَ حَتَّى صَارَ جَامِدًا كَالْعَقِيدِ وَالْفَانِيذِ وَالْحَلَاوَةِ الْجَوْزِيَّةِ وَالسِّمْسِمِيَّةِ وَنَحْوِهَا ، وَكَمَا قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ الْقُدُورِيُّ الْمَرْجِعُ فِي هَذَا إلَى عَادَاتِ النَّاسِ فَعَلَى هَذَا لَا يَحْنَثُ فِي الْفَانِيذِ وَالْعَسَلِ وَالسُّكَّرِ فِي بِلَادِنَا . ا هـ .
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَهِدَا فَأَكَلَ عَسَلًا لَا يَحْنَثُ ; لِأَنَّ الْعَسَلَ اسْمٌ لِلصَّافِي وَالشَّهْدُ اسْمٌ لِلْمُخْتَلِطِ ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سُكَّرًا فَأَكَلَ سُكَّرًا بِفِيهِ وَجَعَلَ يَمْتَصُّهُ حَتَّى ذَابَ فَابْتَلَعَ مَاءَهُ لَمْ يَحْنَثْ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَيْضًا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث